3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

فلسفة التربية عند برتراند راسل (الجزء الثاني)

الخط















الحزء الثاني





  •          يوسف التغلاوي                        
  •          يوسف واعزوز
  •          أحمد السباعي


إشراف : الحسن اللحية









.III  تربية الخُلق
1.السنة الأولى
كان الأقدمون يعتبرون السنة الأولى من الحياة خارج نطاق التربية، وكان ترك الرضيع لعناية الأمهات والمربيات بدون رقابة نظرا لافتراض معرفتهن ما يصلح له، إلا أن ذلك أدى إلى مجموعة من المشاكل وصلت حد وفيات الأطفال وسوء صحتهم.
ويرى راسل أن الطفل الحديث الولادة ليس لديه عادات ولكن انعكاسات وغرائز يكون في حاجة إلى تعلم عادات جديدة من اجل التكيف مع الوسط الجديد وتكوين هذه العادات في فترة الرضاعة له أهمية كبيرة.فإذا أُحسنت العادات الأولى، كَفَتْنا التعب في المستقبل.إنها تصبح فيما بعد كالغرائز.
هناك اعتبارين خطيرين في عهد الرضاعة لتكوين العادات :الصحة والخلق. تحتاج الصحة إلى ممارسة نفس ما يحتاجه الخلق،فهما مترابطان ويصلح لأحدهما ما يصلح للآخر.واللحظة الصائبة للبدء بالتربية الخلقية اللازمة هي لحظة الولادة.
فمنذ الولادة إذا لجأ الطفل إلى العويل بغير سبب يترك لعويله وإلا سيتحول إلى حاكم بأمره .كما ينبغي أن لا نبدي اهتماما زائدا، بل نعمل ما هو ضروري بلا إفراط في التعبير عن العطف.
إن تربية الرضع تحتاج إلى اتزان الوالدين. ومن الأفيد أن يظهر الوالدان شيئا من الشر وعدم الاكتراث تجاه الأم الطفل حتى لا يصابوا بخيبة أمل من البيئة الاجتماعية التي سيعيشونها.
تقول القاعدة:"شجع النشاط الذاتي وثبط مطالبهُ من الغير". إن التربية الحديثة تسعى إلى اختزال التأديب الخارجي وتنمية التأديب الذاتي خلال السنة الأولى من العمر.مثال ذلك النوم،حيث ينبغي توفير الدفء والجفاف والراحة للطفل ووضعه في فراشه بحزم، قد يبكي ولكنه سيسكت سريعا.و بهذه الطريقة ينام أكثروأطول من حمله بين الذراعين أو وضعه في عربة.فالثلاثة الأشهر الأولى تكون مملة مما يسمح للطفل بنوم ما يكفيه.
وللتعرف على المحيط وتكوين تصورات حوله يعتمد الطفل على حواسه وتبدأ باللمس(وسائل حسية).ومن اجل صحة الطفل وسعادته، ينبغي الاهتمام بالصرخة الناتجة عن الم حسي حقيقي وليس من اجل الحصول على مسليات من الكبار.
ويذكر الكاتب بأهمية المدح والعطف في تعلم الأطفال لأشياءجديدة.فالأطفال يتعلمون بالسرعة التي تلائمهم.وينبغي تعليمهم تكوين عادات منظمة فيما يتعلق بالنوم والأكل والتبرز. إن قوى الطفل صغيرة ومعارفه محدودة، لكن لديه قدر من الذكاء كالذي عند الكبير،فهو يتعلم في الأشهر الإثنا عشرالأولى أكثر ما يتعلم في باقي حياته. ولذلك لابد من الحب والمعرفة لنهج طريق الصواب.
2.الخــوف.
يطرح راسل إشكالية مفادها:هل الخوف غريزي أم إيحائي، خاصة بين الثانية والسادسة؟
وجدالدكتور واتسن وزوجته أن الضجات العالية والإحساس بأن أحدا ما يلقي به هي من مسببات خوف الرضيع حديث الولادة. وخلال السنتين الثانية والثالثة تنشأ مخاوف جديدة. وهذه المخاوف مكتسبة من الكبار وليست غريزية.ولذلك فالخوف غير المعقول يجب ألا يترك من غير علاج.وفي المقابل فالألفة تجعل الخوف يتناقص ويختفي.
يرى راسل أن استخدام العنف في التربية يجب أن يكون نادرا جدا لكن استخدامه في التغلب على الخوف مفيد أحيانا.ومن الطرق لإزالة الخوف أن يتغلب عليه بالشجاعة منذ الصبا.التفسير العلمي والجهد الفكري والصبر يؤدي إلى زوال الشعور بالغموض وبالتالي الوصول إلى الابتهاج والتحفيز والاهتمام ولدراسة الأشياء. إن إزالة الخوف من الطفل تقتضي إلا يكون عند الشخص المربي خوف وإلا ستنتقل العدوى.وإذا لم يستطع تجنب الخوف عليه بالاجتهاد في عدم إظهاره للطفل.
3.اللعب والتخيل.
    إن اللعب والتوهم حاجة حيوية للطفولة ويجب أن تهيأ الفرصة لهما إذا أريدأن يصح الطفل ويسعد بغض النظر تماما عما فيهما من منفعةوفائدة ودوافع إلى اللعب.يتدرب الصغار في لعبهم ويتمرنون على وجوه النشاط للقيام بأنشطة في المستقبل. والأطفال يحبون تقليد أيعمل كانوا يراقبونه كالبناء والحفر.إن اللعب يكون انفراديا في الأول (الرضيع) ثم يصبح جماعيا (يصبح ألذ وألطف). والألعاب تعلم التحمل والقوة والتعاون في شكله التنافسي.
   وللعب شكلان من إرادة الطفل للقوة:أولها تعلم عمل الأشياء وثانيها التخيل.والتسلية وسيلة للتعلم وليست غاية في ذاتها كاللعب الحقيقي. إن الحق مهم والخيال كذلك، لكن الأخير اشد تبكيرا في النمو التاريخي للفرد أو الجنس. والطفل يجد اللعب أحسن من الاهتمام بالحقيقة. وبالتالي فقتل التخيل في الطفل هو بمثابة جعله عبدا للواقع الموجود.
إن التربية عبارة عن زرع الغرائز في الفرد وتنميتها لا قمعها.ومن العبث أن نقحم الأفكار الخلقية في سن لا تلقى فيه استجابة، عندما تكون غير لازمة لتوجيه السلوك وضبطه لان ذلك يؤدي إلى السام وعدم التأثر بها.وبالعكس فهي تكون فعالة عند تقديمها في السن المناسب.
4.خاصية التنشئة .
يرى الكاتب أن رغبات الأطفال الغريزية مبهمة ودور التربية هو صرفها إلى سبل شتى، أي إلى الخير أو الشر حسب البيئة. ولو أعطيت الحالات المرضية التقويم العقلي والبدني في سنواتها الأول لقل عددها.
إن المهذب العظيم للغريزة هو المهارة. وبالتالي فإعطاءالإنسان الأنواع الصالحة من المهارة يصبح فاضلا وإعطاؤها لأنواع الخاطئة أو عدم إعطائه شيئا يصبح فاجرا.وكل ذلك ناتج عن التربية منذ الصغر عن طريق تنمية النزعة البنائية أو ملكة البناء التي تسعى إلى تكوين رجال ونساء أمجاد.
5.حب النفس والحيازة.
يشير راسل إلى أن الطفل الأكبر يغتصب لعب الأصغر منه ويطالب بأكثر من نصيبه دون الاكتراث بالأصغر. ومن هنا يصبح هدف التربية لتقويم هذا السلوك هو جعل الضبط الخارجي من عادات وميول عاطفية في عقل الطفل نفسه وليس الضرب والعقاب. بل ينبغي أن نبث العدل في أفكار الطفل وعاداته  داخل الجماعة.فلا ينبغي أن يسمح لطفل بالاعتياد على الطغيان على من هو اضعف منه من الأطفال.
إن حاسة الملكية قوية جدا في الأطفال (ما يمسكون به ويشعرون انه ملكهم). ولذلك يجب تنمية حس التشارك في الألعاب حسب السن. فلا ينبغي جعل الطفل يحس بأنه محروم لعدم كفاية ما يمتلكه. بل السماح بالملكية الخاصة للطفل في اللعب مع إشراك الآخرين في سبيل الكرم والسعادة ولأن تعلم الفضيلة يتم عبر السعادة والصحة وليس بتحمل الآلام.
6.الصــدق
من أهم أهداف التربية تكوين عادة الصدق في الكلام والفكر.فالظروف التي تبرر الكذب تطغى فيها القوة والخوف والأعمال الضارة كالحرب. وهي نادرة في المجتمع الصالح. إن القهر والتوبيخ يؤديان إلى اكتشاف الطفل للكذب.كما أنه أيضا يشاهده من الكبار.قد تكون أقوال الصغير غير صحيحة لكن لا يقصد بها الخداع. فإذا كذب الطفل فإن على الوالدين أن يرجعا باللائمة إلى نفسيهما ومعالجة الأمر بإزالة الأسباب في هدوء وتعقل وتجنب العقاب والتحدث إليه بصدق.
هناك نوع سيئ للكذب:التهديد بعقوبات ليس في النية توقيعها أو التهديد بشيء مرعب كتسليم الطفل للعفريت أو الشرطة.كل هذا يؤدي إلى الشك في أقوال الكبار. فإذا تم الإصرار على شيء مع الطفل يجب تنفيذه، وحينها يتعلم الطفل أن المقاومة عبث وبالتالي يطيع.ولتفادي الخداع يجب ترك الطفل لحاله عند اصطدامه بجمادات فهي مصدر طبيعي للتأديب وكسب المهارة عوض ضرب تلك الجمادات. ينبغي الإجابة بصدق عن أسئلة الطفل لأن ذلك يؤدي إلى زيادة الثقة في الوالدين،ولأنه صفة العزة الذاتية والاستقامة رغم انه عقبة في سبيل صاحبه في مجتمع يسوده النفاق.
7. العقـــاب
كان عقاب الأطفال عاديا في التربية القديمة،أما الآن فهناك رأيين مختلفين في الموضوع. ويرى الكاتب أن للعقاب مكانا ثانويا جدا في التربية ويشك في الحاجة إلى الشدة فيه، حيث لا يجب جعل الطفل يحس بأنه شرير. ومن أقسى العقوبات التعبير عن السخط. إن منع الشيء يجب أن يفسر بشكل واضح وصادق. ومن الأساليب التربوية في العقاب أن يكون بكل مدرسة غرفة فسيحة عارية يذهب إليها غير الراغبين في الدراسة وعقابا للذين ساء سلوكهم،ولا يسمح لهم بالعودة إلى الدرس ذلك اليوم. فالعقاب ينبغي أن يكون شيئا تريد أن يكرهه المسيء لا شيئا تريد أن يحبه.
ومن ناحية أخرى يعد الثناء واللوم شكلان من أشكال الجزاء والعقاب إذا صدر من شخص محترم عندهم. وينبغي أن لا ينطويان على المقارنة بين الأطفال واستخدام الثناء أكثر من اللوم، الذي يتم إنزاله بالطفل لانحراف غير منتظر عن السلوك الحسن. ولا يجوز أن يستمر بعد إحداث أثره.وينبغي للثناء أن لا يكون من اجل شيء مألوف وإنما من اجل مظهر للشجاعة والبراعة ونكران الذات.
يصعب معالجة العيوب الخلقية كالقسوة بالعقاب، بل يجب مراقبة البدايات الأولى لما قد يتطور إلى قسوة والتدخل بالتخصيص وليس بصورة عامة. إن معاملة الطفل بمثل ما عامل به الأطفال الآخرين تعد ناجعة حتى يتعلم مراعاة شعور الآخرين. إلا أن العقوبة البدنية غير صائبة لأنها تولد القسوة والوحشية.
8.أهميةأقران الطفل
يرى راسل أن لأقران الطفل أهمية في تعلم المشي والكلام. والأسر الصغيرة في غير مصلحة الأطفال إلا إذا أتممتها مدارس الحضانة. بالإضافة إلى ذلك تظهر أهمية الأقران في التربية الخلقية والتعامل مع الجماعة. والتربية الخلقية يجب أن تكون محسوسة ملموسة وليست تعليمات خلقية مجردة.
9.المحبة والعطف.
يرى برتراند راسل أن المحبة جزء من بعض عناصر قوام الخُلق الطيب. فالحب والمعرفة أساسان لحسن التصرف. كما أن النوع الصالح للحب هو ثمرة المعاملة المناسبة للطفل وليس غاية. فحنو الآباء على الأبناء يجعل نموهم النفسي سليما و ينظرون إلى الحياة نظرة سعيدة. والغريزة الوالدية، عكس الغريزة الجنسية، لا تتطلب استجابةأو حبا.إن محبة الأبناء للوالدين نابعة ليس فقط بإمدادهم بالمأكل والمسكن ولكن أيضا باللعب معهم وتبيان كيف يعملون الأشياء الجديدة ويحكون لهم عن الدنيا.
إن العطف بعضه غريزي وهو أساس لبناء صور أعقد وأرقى. و يمكن تعلم التاريخ للأطفال بما فيه من حروب والحديث عن ما ينبغي أن يكون بالعطف مع المهزوم والمغلوب والإشارةإلى الآلام والجراح، وأن يدركوا أن الحرب حمق.
قد تنشأ المحبة من الخوف كمحبة الطفل للوالدين لأنهما يقومان بحمايته.وهذه المحبة طبيعية في الطفولة ولكنها غير مستحبة بعدها. ومهما كانت المخاوف (محسوسة أو غير محسوسة) فهي توحي  بالكراهية لتوقع الأذى.كما أن الحسد يحول دون التحابب. و إذ ا أخبر المربي الأطفال بأنه ينبغي عليهم أن يتحابوا يتعرض لخطر إيجاد الرياء والمداهنة،لكنه إذا جعلهم سعداء أحرار وجعل الرفق والرحمة من حولهم أصبحوا إخوان كل إنسان وكل إنسان تقريبا يستجيب لمودتهم بمثلها.
10.التربية الجنسية
يرى راسل أن  الإضطرابات العصبية في حياة الشيخوخة سببها أخطاء ترتكب في الحياة المبكرة في الأمور المرتبطة بالجنس.والمشكلة الأولى التي تواجه الأمهات والمربيات هي الاستمناء التي يمارسها الفتيات والفتيان في سن الثانية والثالثة وتتوقف بعد ذلك بقليل،حيث ينظر إليها بهلع ويستعمل التهديد لتوقيفها. لكن النتيجة تكون عيش الولد في نوع من الهلع ويحدث الكابوس والثورات العصبية والوسواس.في حين أنه لو ترك الطفل لنفسه في الاستمناء الطفولي لن يكون لذلك  تأثير على الصحة والأخلاق.وعوض ذلك يمكن اتخاذ وسائل أخرى كجعله نعسان عندما يلجأ إلى فراشه مع السماح له بلعبة في فراشه لشد انتباهه.
أن حب الاستطلاع الجنسي يبدأ من سن الثالثة، ويعود ذلك إلى حب اكتشاف الغموض. و لذلك ينبغي أن يسمح للولد من البداية أن يرى والديه وإخوانه بدون ملابس في حالة وقوع ذلك بشكل طبيعي. كما أن الأسئلة حول الجنس يجب أن يجاوب عنها بكيفية أسئلة مواضيع أخرى، فهي تشكل الجزء الأكبر من التركيبة الجنسية. ولذلك وجب إعطاء جواب صادق واعتبار المعلومات الجنسية كغيرها من المعارف الأخرى.ومن الأفضل أن يتعلم الولد من والديه أو معلمه عوض الأولاد الذين جعلهم سوء التعليم رديئين.ومن المهم للفتيات والفتيان أن يتعلموا شيئا عن حفظ الصحة ووظائف أعضاء الجسم. ويجب تحسيسهم بالأمراض الجنسية قبل ركوب المخاطر. وأن إنجاب طفل ذو أهمية بالغة لكن ذلك يستوجب ضمان صحة جيدة وسعادة تامة للطفل.فالغريزة الأمومية دون المعرفة لا تصلح في تربية الأطفال بقدر ما لا تصلح المعرفة دون الغريزة.
11.مدرسة الحضانة
يرى راسل أن الحضانة مهمة للأطفال على اختلاف انتماءاتهم إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وتتجلى الأهمية في الناحية الطبية والنفسية، وكثير منها يتعارض مع التقاليد التي درج الناس على احترامها.والقاعدة العظمى في النضال مع الطفل هي "لا تخضع ولكن لا تعاقب".الطريق الصائبة تتطلب لنجاحها خليطا صعبا من الصبر والمقدرة على الإيحاء، بالإضافة إلى العناية والحكمة.
إن التربية فن جديد صعب يتطلب المهارة والفراغ ودرجة من المعرفة والعلم.لا يحصل الطفل على ما يحتاجه في سبيل التربية إذا لم يتم بعثه إلى مدرسة الحضانة حتى يحصل على صحبة أقرانه ويتفادى بذلك العناية المفرطة والعصبية التي قد تنتج عن كثرة العناية من طرف الكبار. و تعميم مدرسة الحضانة يستطيع في جيل واحد أن يزيل الفروق العميقة بين الطبقات في التربية وإنتاج مواطنين يتمتعون بالنمو العقلي والبدني. كما تساهم في إزالة كابوس المرض والغباوة والحقد.وينبغي حضور الحب في المعرفة، فالعلم يسخره الحب والحب عاجز بغير العلم والعلم هادم بغير الحب.
IV- التربية الفكريـة:
مبادئ عامة:
يرى راسل أن تكوين الخلق لابد أن يكون في السنوات المبكرة ويشرف على الانتهاء في سن السادسة،مما يكفل قيادته في الاتجاه الصحيح باعتماد تربية فكرية قوامها حب الاطلاع وانفتاح العقل واعتقاد إمكان المعرفة ،وإن صعبت، والصبر والجد وحصر الذهن والدقة.
إن حب الإطلاع الخالي من الفرضيةأمر طبيعي بالنسبة للصغار وصفة ثمينة جدا، وهو أهم من الإطلاع للغرض. فاتساع أفق العقل موجود حيث تصدق الرغبة في المعرفة ولا تفارق الإنسان إلا باعتقاده انه يعرف الحقيقة. ولذلك ينبغي أن نشجع الشبان أن يعتبروا كل شأن من الشؤون قابلا للمناقشة وأن ينبذوا أي رأي تبعا للحجة.
هناك ثلاث صفات تميز قدرة الحصر الكامل للذهن وهي الشدة والطول والرغبة الذاتية.كما أن هناك نوع جديد من التأديب ستكون الدقة هي التعبير الفكري عنه.والدقة أنواع:الدقة العضلية، الدقة الذوقية في الشؤون الواقعية والمنطقية. والرأي الحديث يقول بأن عملية التعليم يمكن أن تكون في جميع مراحلها مبعثا للسرور والابتهاج عوض فرض السلطة الصارمة.
إن الدافع في التربية ينبغي أن ينبع من التلميذ نفسه. فالإصرار على تعليم الطفل يجعله يستنتج أنه يُطلب منه أن يفعل ما يكرهه من أجل مسرة المعلم مما يؤدي إلى مقاومة نفسية مستمرة.ولذلك لابد من طريقة تحفزه للظفر بالتفاته وانتباهه كالواجبات الجذابة والسهلة ونموذج الأطفال الأكبر سنا وحجب المشاغل الأخرى وحرية اختيار الأشياء أمامه.بالإضافة إلى حسن استعمال المدح واللوم كحافز لإجادة القيام بالواجب أو التقصير فيه.
كلما صغر سن الطفل زادت المهارة اللازمة في تعليمه. ويفضل أن لا يكون المعلم أحد والدي الطفل لأنه كان في اتصال مستمر به قبل التربية الرسمية وتكونت لديه توقعات تجاه الوالد وهو أشد حرصا واهتماما عندما يتقدم الطفل فيظهر عليه أكثر مما ينبغي من السرور عند النجاح أو الغيض عند الفشل في التعليم. إنه من الضروري أن يتخلل عملية التربية إحساس بالمغامرة الفكرية التي تدفع إلى المتعة والنشوة عند فهم ما يحير الإنسان.
1.منهج الدراسة قبل الرابعة عشرة.
في هذا الإطار يطرح راسل إشكالية ماذا ينبغي أن يُعَلَّم؟وكيف ينبغي أن يُعَلَّم؟
فكلما تحسنت طرق التعليم ازداد ما يمكن تعلمه. إن ماينبغي أن يعرفه البالغ هو ما ينبغي أن يعرفه كل الناس.الأشياء التي تُعَلّم في المدرسة قبل سن الرابعة عشرة ينبغي أن يكون من بين ما يتحتم على كل فرد أن يعرفه. والتخصص يجب أن يأتي متأخرا.
وقبل سن الرابعة عشرة ينبغي أن يكون من أغراض التربية استكشاف الميول الخاصة للتلاميذ والاعتناء بتنميتها بعد ذلك. ويشمل ذلك المبادئ البسيطة للمواد. كما أنه من غير الضروري بذل مجهود عقلي شديد قبل سن السابعة. والحساب عنصر مهم للتربية الأولى نظرا لفائدته العملية، وهو مقدمة لاعتياد الدقة.
إنه من اللازم أن يخصص للجغرافيا مكان كبير في تعليم الأطفال الصغار جدا عن طريق الصور والخرائط والمعلومات الأولية عن مختلف أجزاء العالم. وفي سن اكبر يتم إدماج التاريخ(سن الخامسة) بشكل مبسط عن طريق الصور،بالإضافةإلى الوصف القصصي التمثيلي المشوق للحوادث. إن الحفظ عن ظهر قلب مهم في تجميل لغة الكلام والكتابة وذلك بالدراية التامة بالأدب الجيد،إلاأن علماء النفس الحديثون من رجال التربيةبينوا عدم فائدته. والحفظ لا بد أن يكون مقترنا بالتمثيل لأنه يعد متعة للأطفال في سن الثالثة وما بعدها.
أما تعلم اللغات فهو مهم في سن الطفولة،الأمر الذي لا يتيسر مع التقدم في العمر.وتعلم لغة أجنبية لا يؤثر على اللغة الأم نظرا لوجود غريزة تمثيلية لدى الطفل تمكنه من عدم الخلط بين اللغات.ومن الأفضل أن يتم تعليم اللغة الأجنبية على يد متحدثها الأصلي حتى لا يحس الأطفال بالغرابة عند تدريسها من طرف شخص لغته الطبيعية مثل لغتهم.كما أن تدريسها من طرف متحدثها الأصلي ينبغي أن يكون في سياق مشاطرته ألعاب الأطفال والتكلم معهم أثناء اللعب وربط الفوز في الألعاب بالفهم والإجابة.وبذلك يمكن تحصيل اللغة بأدنى تعب عقلي وبالمتعة وتكون أقرب إلى الكمال وأقل إضاعة لزمن التعلم الثمين.
كما أنه يفضل تدريس الرياضيات(الهندسة والجبر) والعلوم(الطبيعية والكيمياء) في سن الثانية عشر، بعدأن تم تدريس الحساب وبعض المبادئ المبسطة عن الفلك والأرض وحيوانات ما قبل التاريخ. فبإمكان كل شخص فهم الهندسة عكس الجبر الذي يتميز بالتجريد.
وينبغي فيما بين الثانية عشرة والرابعة عشرة ألا تتابع الرياضيات و العلوم إلاإذا تبين أن للولد أو البنت استعداد لهما. فمن اللازم اعتماد طرق التجريب للتأكد من ذلك في سن الرابعة عشرة.وفي نفس السن ينبغي أن يدخل التعليم في دور التخصص تبعا لأذواق التلميذ واستعداداته. كما ينبغي الاستمرار في تعليم الأمور الخارجة عن الدراسة العادية كالعمليات الزراعية والإلمام بالحيوانات والنباتات وفلاحة البساتين(البذر والحصاد والقطعان والأسراب) حتى يسد حاجات متأصلة في التلاميذ وتكتمل تربيتهم.

2.السنوات المدرسية الأخيرة.
يمكن، في نظر راسل،بعد سن الرابعة عشرة التخصص لمن أراد من التلاميذ، وأن يفرق بين أقسام ثلاثة:الآداب القديمة بما فيها اللاتينية واليونانية و الرياضيات والعلوم ثم اللغات والتاريخ والأدب.وفي سن السادسة عشرة يسمح للتلميذ بالتخصص في الرياضيات أو العلوم من غير إهمال الفرع الذي لم يختره.ينطبق نفس الأمر بالنسبة للمواد الأدبية الحديثة.كما أن هناك مواد يجب أن يتعلمها الجميع لمنفعتها العظيمة:التشريح،علم الصحة،علم وظائف الأعضاء،الدستور والبرلمان
إن مسالة طرق التدريس والروح التي تسود التعليم أهم من منهج الدراسة، لذلك وجب اعتماد التنوع في الدروس وإلقاء محاضرات حول أهمية الرياضيات والعلوم في الحياة اليومية وقراءة خلاصة بحوث حديثة. وكل هذا بمثابة حافز وليس كبديل للدراسة الدقيقة الفاحصة.ومن اللازم أن يكون للعمل المدرسي أهمية كي يقبل عليه التلاميذ و يجتهدوا فيه. فبالتعليم الجيد واقتلاع الخوف يظهر ذكاء كثيرين من الأولاد والبنات كانوا يبدون أغبياء كسالى.
إن رجال التربية الحديثةيرون أن قسط التلاميذ من العمل الفردي ينبغي أن يكون أكثر من العمل الجماعي ويكون في مكان مملوء بالبنات والأولاد المشتغلين بأعمال متشابهة.وينبغي للتلميذ أن يعد بيان لما درسه وخلاصة لما اختاره للدراسة وذلك لتثبيت المعلومات في الذاكرة.أما توجيه المعلم فيكون قليلا أو على شكل إرشاد عن طريق الإيحاء والاستفهام والحفز لا عن طريق الأمر.
كما ينبغي تشجيع الأطفال على الاهتمام بالمسائل الجدلية السياسية والاجتماعية واللاهوتية.وقد يصل الأمر إلى تنظيم مناظرات بين التلاميذ لمناقشة هذه المواضيع وتبين الحجة وليس من اجل الانتصار الخطابي.بالإضافة إلى جعلهم يحسون بأن التعليم غير منقطع عن دنيا الناس العمليةوتعليمهم جعل الحماس بنَّاء بالذهن والانطلاق من مبدأ"غير اليقين".
3.المدارس النهارية والمدارس الخارجية.
في هذا الجزء يبرز راسل أن المدرسة أكثر عناية بالطفل من البيت،خاصة إذا توفرت المدرسة على مقومات كاستخدام الأطباء وتميز المشرفين بمعلومات تسمح بوضع التلميذ في بيئة سليمة وصحية.إلا هناك نواحي لا تظهر في المدرسة لأنها دنيا مصطنعة ومن الأفيد أن يساعد البنات والأولاد (في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة) والديهم في أعمالهم.كما أنه من الخير أن يصرف الناشئ معظم وقته في الريف لأن المدينة فضاء مملوء بالضوضاء والتوثر العصبي.
ولذلك تبرز الحجج التي تميز بين اختيار المدارس النهارية التي يقضي فيها التلميذ كل النهار في داخلية والمدارس الخارجية التي يعود فيها التلميذ للبيت للغذاء.
ففي المدرسة النهارية يوضع الأطفال موضع الاهتمام ويكونون في شبه انقطاع عن والديهم،مما يؤثر على عواطفهم بشكل سيئ وتتضاءل محبتهم لوالديهم ويجهلون مشاكل الحياة عند الكبار .
أما المدارس الخارجية فتستقبل الأطفال في سن الثانية أو الثالثة بمقابل مادي وتهيئ الحل الصحيح الأوسط بين سيطرة الآباء وزوال نفوذهم ولا يبقى الأولاد ذوي الحساسية في صحبة بعض الأولاد الميالين إلى البربرية وعدم الإحساس.كما تسمح بتجنب الضرر الذي قد يصيب لصبي ذكي أو غير محافظ سياسيا أو غير تابع لكنيسة .
إذن هناك عدة اعتبارات في اختيار المدرسة المناسبة،فالوالدين الذين يسكنان الريف وليس بجوارهم  مدرسة خارجية يضطرون إلى اختيار مدرسة داخلية(نهارية)،بالإضافةإلى طبيعة شخصية الطفل والمستوى المادي للأسرة.
4.الجامعــة
يرى راسل لن للجامعة هدفين: أولهما الإعداد لمهن معينة وثانيهما البحث، بغض النظر عن المنفعة العاجلة.والدراسة بالجامعة مكلفة مما يفتح المجال فقط للأغنياء لولوج المناصب نظرا لقدرتهم أداء نفقات التعليم كالطب مثلا.وبذلك تعطى الفرصة للأغنياءأكثر من الفقراء، مما يؤدي إلى ضياع المواهب.ولهذا وجب اعتماد قاعدة للعمل تتمحور حول ضرورة المهارة وعدم الاهتمام بثروة الوالدين،بل الكفاءة والموهبة واجتياز اختبارات المقدرة.
وفي جانب آخر يرى راسل أن العمل الفردي بالجامعة مهم للطالب المتحمس الموهوب الذي يرى في المحاضرات مضيعة للوقت.ولأنها تسير وفق رغبات رجال الأعمال.ولذلك ينبغي للأستاذإعطاء الطالب الكتب التي يتحتم قراءتها بعناية ويتم الامتحان فيها.
أما المدرس في الجامعة فينبغي أن يشغل نفسه بالبحث ويكون له الفراغ للاطلاع على جوانب أخرى من مادته.فالبراعة تُفقد في التعليم الجامعي لأن المهم التمكن من المادة والحرص على معرفتها بشكل شامل.وينبغي أن يعطى المعلم سنة إجازة بعد كل ست سنوات من العمل لصرفها في الجامعات الأجنبية لكسب المعرفة.وبالتالي فالمعلم بالجامعة مطالب بالتعليم والبحث أيضا.فالبحث يعدل التربية في أهميتها بالنظر إلى أهمية المعرفة الجديدة في تقدم الجنس البشري. وهذا البحث قد يكون بغاية نفعية أو بغاية خالية من الغرض، بل هي نظرية صرفة تأتي نتائجها فيما بعد.
.Vخلاصة
يرى برتراند راسل أن ما يحتاجه المربي  وينبغي أن يحصل عليه التلاميذ هو المعرفة التي يسيرها الحب.فالحب والعطف مهمان منذ السنوات الأولى. ومع مرور السنوات تزداد أهمية المعرفة المعطاة والمتكونة من معرفة علم وظائف الأعضاء والصحة وعلم النفس.وتهدف التربية إلى التمكن من تنمية الغرائز إلى عوائد شتى في الطفولة (قبل ست سنوات) بفعل البيئة. فهي تلعب دورا مهما في إنتاج خُلق متسق يسعى إلى البناء والتودد والشجاعة والصراحة والفهم والذكاء. وكل ذلك يبنى بمعاملة الأطفال كما ينبغي انطلاقا من تطبيق المعارف التي تم التوصل إليها في علم النفس.وكل هذه المعارف تدعو إلى نبذ القمع والعقاب والتخويف لأن ذلك يؤدي إلى اضطرابات عقلية.
ولتحقيق السعادة الإنسانية لابد من الحب، الصحة، الحرية، السعادة، الشفقة والفطنة.وكل ذلك يتطلب التحرر من الخوف والخطر والغرائز الثائرة أو المكبوتة والاعتماد على روح المغامرة الفكرية والحرية في الاستكشاف من اجل الوصول إلى المعرفة التي تنجي من سلطان القوى الطبيعية والشهوات المُحطِمة.


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage