3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المتعلم(ة) و المدرسة أي علاقة ؟

الخط



























المصطفى الحسناوي
                                                                      باحث تربوي و ممارس بيداغوجي                                                                                                    عين عودة نيابة الصخيرات تمارة


تقديــــم :
أضحى دور التربية و التكوين بالغ الأهمية، في بناء شخصية الفرد، و إعدادها للتوافق مع متطلبات العصر                    و احتياجاته و توجهاته، و من هذا المنطلق سيزداد دور الأستاذة(ة) أهمية و اتساعا، لأنه سيتضمن أبعادا ثقافية و اجتماعية و سلوكية و اقتصادية، كما سيرتكز على الأسس السليمة التي ينبغي أن تكون قيم الأمانة و الصدق و الإبداع مدخلا من مداخلها.
·       فما طبيعة العلاقة التي يجب أن تربط بين المتعلم(ة) و المدرسة المغربية في ظل الإصلاح المرتقب للمنظومة التربوية؟
·       كيف يمكن تحسين أفعال التعلم و تحقيق جودة التربية و التكوين، مع الإقتصاد في الجهد و في الزمن؟
·       ما هي الإجراءات الممكن اعتمادها لإستكشاف كفايات المتعلم(ة) من أجل تنميتها و تطويرها؟
·       أليس تحسيس المتعلم(ة) بأهمية وضرورة التعلم مدى الحياة هو أنجع وسيلة لإعادة الإعتبار للمدرسة العمومية المغربية؟
·       هل اعتماد المقاربات التشاركية التفاعلية وحدها كفيل بتجاوز الأعطاب و الإختلالات التي تواجهها المنظومة التعليمية ببلادنا؟ أم أن القضية تقتضي جعلها القضية الوطنية الثانية بعد قضية الوحدة الترابية، لكن بشكل فعلي و إجرائي؟
إذا كانت الشخصية هي الحصيلة النهائية لتفاعل الفرد مع بيئته، و المصدر الرئيسي لجميع المظاهر النفسسية                  و غير النفسية لديه.(1) فإن الطفولة هي نقطة بناء شخصية الإنسان، و هذه المرحلة العمرية ليست عادية، بل هي من أهم مراحل حياة الإنسان، إن لم تكن أهمها، ففيها تتشكل شخصية الفرد، و إهمال هذه المرحلة يجعل من الطفل(ة) عضوا غير نافع، بل و عالة على مجتمعه حينما يكبر، ذلك لأنه لم يلق العناية الكافية في طفولته، و لقد قيل بهذا الخصوص :                            "إن تنمية الطفل إيمان و عقيدة و ثقافة و موقف قبل أن تكون فعلا للتغيير الذي يستهدف المستقبل".
و اعتبارا لكون الطفل و الطفلة هما الإمتداد الطبيعي و البيولوجي و الإنساني و الثقافي ... للعنصر البشري، بل إنهما نواة المؤسسة الإجتماعية الأولى لبناء المجتمع الإنساني و هي الأسرة، التي تحمل إرث المجتمع بكل تنوعاته                                                 و مجالاته.(2) ينبغي تعريف المتعلم و المدرسة قبل الخوض في تحليل و مقاربة علاقات التأثير و التأثر بينهما.


                  I.      المتعلم(ة) و المدرسة : أية علاقة؟
1.   مفهـــــوم المتعلــــــم(ة) :
المتعلم(ة) أو الطفل(ة) : كائن قادر على امتلاك معرفة الأشياء؛ أي تعلم الربط بين الأشياء؛ و هذا يعني قدرته على إقامة علاقات بين مختلف عناصر المعرفة "المتعلم الحكيم".(3) و لقد استعملت كلمة "متلعم(ة)" على الخصوص من قبل الإتجاهات الحديثة، لأنها توحي ضمنيا بإمكانية الفرد في التعلم الذاتي و المبادرة الشخصية.(4)
حيث ينتقل هذا الفرد المتعلم من حالة إلى أخرى وفق معايير محددة و مقاربات متعددة :                          (سيكولوجية، سوسيولوجية، سوسيوثقافية ...)، و عبر أزمنة تعلمية مختلفة، و حسب مراحل نمائية مختلفة، لكن الأهم من كل هذا؛ هو أن يدرك الراشد قيمة استقلالية المتعلم(ة) كسلوك ضروري في تشكيل شخصية قوية و متزنة عند الطفل/المتعلم، تساعده على الإنخراط الفعلي في مجتمعه، و تجعله قادرا على الحصول على مادة تعلمه،(5) وعلى التكيف التدريجي و التمثل و الملاءمة بشكل متوازن و مستمر كما قال : "جون بياجي J. Peaget".

2.   مفهوم المدرسة :
يعود لفظ مدرسة "Ecole" إلى أصله اليوناني "Schole"، و يعني وقت الفراغ الذي يقضيه الناس مع رفقائهم                 أو لتثقيف الذهن، و تطور اللفظ بعد ذلك للإشارة إلى التكوين الذي يعطى في شكل جماعي مؤسسي.(6) و في التراث العربي الإسلامي، تفيد "المدرسة"؛ مكان للتدريس و التعليم.(7)
و حسب الأدبيات التربوية فالمدرسة مؤسسة و منظومة معرفية اجتماعية، لها أدوار تأسيسية في تكوين و تنشئة الفرد/المتعلم (منذ طفولته الأولى) و دمجه داخل البنية المجتمعية ليحتل موقعا معينا في تراتبيتها، و ليقوم بأدوار معينة كذلك.(8)
و هي الآلية الأساسية لإدماج الفرد في المجتمع، عن طريق تربيته و تعليمه و إعداده لمواجهة الحياة، و من السذاجة، بل من الغفلة اعتبار المدرسة مؤسسة محايدة، فعلى الرغم من أنها لا تكتسي طابعا حزبيا رسميا، و لا صبغة طبقية مكشوفة، فإنها كانت و ما تزال جهازا للتأطير الإيديولوجي ... !(9)

3.   ما هي أدوار المدرسة المغربية في تأطير المتعلمين و المتعلمات في ظل نظام تربوي قيـــــد الإصـــــلاح؟
لازالت المدرسة المغربية العمومية تروي تكوين "و صناعة" المواطن الصالح حسب غاياتها الكبرى، فهي لم تنسحب بعد من دورها المتمثل في  تهييء المتعلم(ة) للتعلم مدى الحياة رغم بعض الإكراهات التي تواجهها حاليا، فهذه المدرسة المغربية الوطنية الجديدة كما يسميها الميثاق الوطني للتربية و التكوين، تسعى إلى أن تكون مفعمة بالحياة، مؤدية لوظائف متعددة "المدرسة الشاملة"، معتمدة آليات ناجعة كالحكامة و المهنية و هيكلة الأسلاك الدراسية و تفعيل شبكات التواصل و الشراكات و المشاريع ... بغية تحسين أدائها و تجويدا للتربية و التكوين.
و يبقى الهم الرئيس لهذه المدرسة هو حفز المتعلم(ة) على تنمية معارفه و قدراته و مهاراته و قيمه الإنسانية                             و العلائقية، و على تطوير جوانب عدة من شخصيته، لإكسابه تعلمات ذات معنى، بطرق أسهل و أكثر اقتصادا، كما أن البعد الوجداني للمتعلم(ة) لا يتأصل إلا من خلال مجموعة من القيم التي تستنبتها المدرسة في الطفل(ة) عبر المعرفة                 أو السلوك أو التطبيق أو النقاش أو التقليد أو التدريس ... و هذا كله يسمح للمتعلم(ة) باستدماجه في مكونات شخصيته،                و يتعامل مع ذاته أو غيره انطلاقا منه.(10)
و إذا كانت المدرسة عبارة عن شبكة من العلاقات المعقدة التي يكتشفها التلميذ، عند مواجهته للمعرفة و السلطة              و التشريع المدرسي، و كذا مواجهته لذاته و للآخرين، فهي تراهن على تقوية جسورها مع الأسرة و مع محيطها، بواسطة إقدار المتعلمين و المتلعمات من توظيف معارفهم المكتسبة توظيفا ملائما في سياقات و وضعيات مختلفة؛ و بشكل إجرائي للحصول على تعلمات بمواصفات الجودة (الكتاب الأبيض 2002).
و تحرص المدرسة العمومية المغربية – في ظل الإصلاح الذي تعرفه - على جودة التعلمات، باعتبارها وسيلة ناجعة لتزويد مواطني و مواطنات الغد بمعارف و كفايات و قدرات اجتماعية و سياسية تعينهم على النجاح في المشاريع تبعا لإختياراتهم الشخصية.(11)
و الميثاق الوطني للتربية و التكوين يؤكد في عدة بنود منه على تعميم تربية جيدة على ناشئة المغرب (البند 24)                و على تحسين جودة التعليم و ملاءمتها (البند 25)، كما يلح على الرفع من جودة أنواع التعليم (البند 104).
و لم يستثن إدخال تحسينات جوهرية ترفع من جودة التعليم في جميع مستوياته (البند 105)، و لم يغفل الدعوة إلى الحفاظ على الثوابت و الهوية الوطنيتين مع الإنفتاح على الآخر (بناء القيم الإيجابية و الوحدة الثقافية و المواطناتية).
إن المدرسة العمومية المغربية تحاول جاهدة الإلتزام بمبدإ تمتيع جميع أطفالنا، بلا أدنى استثناء أو ميز، و بنفس الدرجة من الإهتمام و الرعاية، رغم الصعوبات التي تواجهها و التي تستوجب إيجاد حلول لها باعتماد مقاربات شمولية لأن التعليم قضية مجتمعية وطنية تهم الجميع، لكون الأطفال هم وقود المستقبل، و المستقبل عنصر أساسي في الفكر الإنساني، كما قال الدكتور : "أحمد أمزيان".

               II.      هموم المتعلم(ة) بالمدرسة العمومية المغربية : حديث ذو شجون !
إذا أردنا إحصاء المشاكل التي تتخبط فيها مدرستنا العمومية، سنتيه في سردها، لكن سنحاول قدر الإمكان استشفاف بعضها من خلال ملاحظاتنا كواحد من الممارسين البيداغوجيين الميدانيين، و غايتها في تحري ذلك الصدق و المسؤولية                    و المهنية و مصلحة الوطن لا غير !
أولى هذه المشاكل الهدر المدرسي، فالإحصائيات تقول بأن حوالي 147000 تلميذ يغادرون المدرسة سنويا.(12)
و المفارقة العجيبة الأخرى هي أن المدرسة المغربية شبه مفصولة عن مجتمعها، إضافة إلى تكريس المقاربة الكمية : (نجاح التعليم على حساب الجودة، ناهيكم عن الضعف المسجل في التعلمات الأساس لدى تلامذتنا، إضافة إلى ما سجل من أرقام مزعجة في إطار نتائج التقويم الدولي و الوطني للتعليم بالمغرب؛ لا سيما "TIMSS" (2003) و "PIRLS" (2006) و تقويم التحصيل الدراسي من قبل المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب (2008)، تتجلى في انخفاض تحصيل اللغات و ضعف الكفايات و المهارات اللغوية الأساسية لدى التلاميذ المغاربة و تحول صعوبات التحكم في اللغات إلى معضلة "بيداغزجية" كما قال الباحث التربوي المغرب : "العربي وافي".
و إن كانت هذه الإختلالات تقتضي معالجة شمولية، فإن الجميع مسؤؤول عن تشخيصها و البحث في أسبابها               و مسبباتها المتعددة، التي لا يمكن حصرها في ما ذكرناه، و إنما قد تضاف إليه مشاكل أخرى لا تؤخذ في غالب الأحيان بمحمل الجد على رأسها غياب التواصل بين الأسرة و المدرسة، و تنامي ظاهرة العبث المزمن بين بعض المتعلمين                   و المتعلمات، مما يخلق عرقلة لسير الدراسة، و في وقت قلت فيه الروادع القانونية بالوسط المدرسي !!، فكم من مدرس متمكن و بارع يحول العبث المزمن دروسه و جهوده إلى هباء منثور ! و إن كنا نقر بأن تدني مستوى التحصيل الدراسي في بلادنا له أسباب بيداغوجية و أخرى غير بيداغوجية، فإننا و من خلال ممارستنا الميدانية نسجل باستياء كبير استمرار ظاهرة الإكتظاظ بالفصول الدراسية –غير المبررة في الحقيقة- و ما ينشأ عنها من تدافع و شغب و سرقة و ملاسنة و تلاكم و سوء تركيز ...، ما يؤدي إلى فقدان "شهية" التتبع لدى المتعلم(ة)، و هذا يعيق أشكال التقويم كذلك، و يعد من العوامل المساهمة في التكرار أو الهدر المدرسيين.
و في ذات السياق، هناك اختلالات أخرى مرتبطة بالخصاص الكبير في الأطر التربوية (اللجوء أحيانا إلى حلول ترقيعية تمس بجودة التعلمات)، و غياب مبدإ تكافؤ الفرص أحيانا المتمثل في إلغاء التفويج في بعض المواد العلمية                  و تقليص الغلاف الزمني لبعض المواد الأساسية، و إهمال المرافق الصحية ببعض المؤسسات، و ضعف العلاقة بين الأسرة و المدرسة، و تسويق صورة سلبية عن رجال و نساء التعليم من لدن البعض لتخريب صورة المدرسة العمومية، التي رغم مكائد أصحاب النيات السيئة هؤلاء، لازالت بحق خزانا للطاقات و لقيم التماسك الإجتماعي.
كما لا نستثني من هموم المدرسة العمومية أزمة القيم السائدة بها، و التي لا يمكن عزلها عن مجتمعنا، و لجوء عدد كبير من المتعلمين إلى الغش و عدم أداء الواجب و الإضرار بالممتلكات العامة و البيئة، و هذه مسؤولية يجب أن يتحملها المتعلم بنفسه أو المحيطين به، إذ تتجاوز هذه المشاكل أحيانا المؤسسة التربوية (مشاكل شخصية خاصة بالمتعلم، مشاكل اجتماعية ناتجة عن الفقر و الطلاق و اليتم ...)، سيما لما يسجل نوع من الهدر المدرسي داخل الفصل، أي حينما يتعلق بالتلميذ الذي لا يتعلم رغم حضوره في القسم جراء مجموعة من إرسابات ماضية أو بسبب رفعه شعار العبث و التمرد.
و حتى لا نحمل المتعلم(ة) جل أعطاب المدرسة العمومية، فعلاقته مع الإدارة المدرسية، قد تكون أحيانا معيقا من معيقات التعلم، خاصة عندما لا توفر هذه الإدارة للمتعلم(ة) و المدرس(ة) شروط ممارسة تربوية و  مرنة و سليمة.
و دائما في إطار العوامل المدرسية التي قد تكون من عوائق التعلم، نستحضر دور علاقة المتعلم(ة) مع زملائه (ها) في التشجيع على الإقبال على الدراسة أو النفور منها، ذلك لأن زمرة التلاميذ تحكمها علاقات و تفاعلات تتأرجح بين الزمالة و المنافسة و الخصام و الصراع ... فيترك ذلك أثرا في نفسية المتعلم(ة).(14) دون نسيان طبيعة العلاقة التي تربط بين المدرس(ة) و المتعلم(ة)، إذا كلما تميزت بالتشنج كلما أثرت سلبا على التحصيل و التعلم.

             III.      المتعلم(ة) في صلب إصلاح المنظومة التربوية : اقتراح حلول لجعل مدرستنا مفعمة بالحياة !
يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته : 26 على أن "لكل شخص الحق في التعليم، و يجب أن يوفر التعليم مجانا ..."، و في نفس المنحنى يلح الميثاق الوطني للتربية و التكوين بالمغرب على تطوير التعليم الأولي و على التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم حتى حدود 15 سنة، و قبل هذه المواثيق أكد الإسلام على الأهمية القصوى للتعليم و العلم.
لذا، بات من الضروري إيجاد بدائل ملائمة للنهوض بالتربية و التكوين ببلادنا، عن طريق العمل على تسطير خطط استراتيجية تروم إنجاز كتب مدرسية تعكس اهتمامات الأجيال الجديدة، و تعانق أحلام المتعلمين و تطلعاتهم، و تستحضر مستجدات و اجتهادات الفكر الإنساني.(15)
إذ من حق كل متعلم(ة) أن يحس أن المدرسة لا تختلف عن البيت و عن الحي أو الدوار الذي يسكنه، إن لم نقل أفضل من كل هذه الأمكنة التي غايتها تحقيق تكيف المتعلم(ة) مع الحياة العامة، لأن وضع المتعلم(ة) في قلب المنظومة التربوية، يعني تحسين تعلمه و مساعدته على اختيار المسارات الملائمة لقدراته و رغباته (التربية على الإختيار)،                       و الإستثمار المبدع في العنصر البشري يبدأ من الإهتمام بالطفولة أساسا، و يستمر مع منح جميع المواطنين جميع حقوقهم في إطار ما سماه العالم الهندي : "أمارتيا صن" الحريات الأداتية في كتابه : (التنمية حرية) و هذا لا يخرج عن نطاق            ما يسمى كذلك في سياق تعليم معولم (التربية الريادية).
إن الإقلاع بمدرستنا العمومية و بمستوى تحصيل متعلمينا و متعلماتنا يقتضي بذل المزيد من الجهود، أبرزها دمقرطة التعليم و التعلم، و ذلك بجعل المتعلم(ة) قادرا على فهم أن التعليم حق من حقوقه و ليس امتيازا، و هو خدمة عمومية يحق له أن يستفيد منها على غرار أقرانه بشكل عادل و متساو في إطار تكافؤ الفرص ... بذلك نجعل من التربية قضية ذات خاصية شعبية (للجميع)، و في نفس الوقت نجعل من المدرسة فضاء للديمقراطية و الحرية و الإبتكار، و مكانا لإذابة الفوارق الإجتماعية و مجالا لتعايش الطبقات، و لتوحيد الرؤى و التطلعات بين المتعلمين، و مجالا خصبا لخلق علاقات إيجابية و مثمرة بين المتعلمين فيما بينهم، و بينهم و بين أطر التربية و الإدارة.(16)
إن هذه الحلول البسيطة من شأنها المساهمة في نشر ثقافة التسامح و التعايش و قبول الآخر و نبذ التطرف                             و الإقصاء و الكراهية، و هذه هي التربية العقلانية حقا.
إن المدرسة العمومية التي نرتضيها لمستقبل مغربنا هي مدرسة الجودة القادرة على استقبال التلاميذ و رعايتهم (دون تمييز بين ابن الفقير و ابن الغني) و العناية بالحياة المدرسية و بتدبير الزمن المدرسي و بزمن التعلم، و هذا من شأنه أن يعطي للمدرسة طابعا إنسانيا : (لا للإقصاء بين أبناء طبقات مجتمعنا داخل المدرسة العمومية الشعبية المغربية)                    و يجعلها أكثر "مضيافية".(17)
كما نبتغي لأبناء و بنات وطننا مدرسة المواطنة التي تقوم بإعداد أجيال جديدة من المواطنين و تنشئتهم على روح المسؤولية الواعية، و على القيم الإيجابية و العيش المشترك، و هنا تتجلى أهمية تفعيل أدوار الحياة المدرسية من تطبيق للنظام الداخلي للمؤسسات التربوية و تنزيل أمثل لمواثيق الفصول الدراسية و لمجالس المؤسسات و توحيد للزي المدرسي.
و لإحداث الرغبة لدى المتعلم(ة) ينبغي خلق تعاقدات داخل المؤسسة على رأسها العمل ببيداغوجيا المشروع،               و مساعدة التلاميذ على منح معنى لتعلماتهم و معنى للمدرسة حتى يتمكنوا من التوصل إلى معرفة ذواتهم، بناء على                             ما ينتظر من تغيير عميق في مهنة التدريس، التي أصبحت تستوجب الإنخراط في علاقة بيداغوجية و عاطفية في آن واحد مع المتعلم(ة).
فالمدرس(ة) اليوم في حاجة ماسة لتكوين متين و صلب، لجعله أكثر انخراط في هذا المسلسل الإصلاحي، الذي يجعل من المدرسة المكان الذي نمنح فيه للمتعلم(ة) ما يكفي من الوقت لإرتكاب الأخطاء لأجل التعلم كما قال الأستاذ : "محمد بوبكري"، أو كما قال المناضل البيداغوجي : "فيليب ميريو" علينا أن نعلم المتعلم(ة) "تعلم الإشتغال"                    لا "تعلم التعلم"، و الإشتغال على تمثلات و أخطاء المتعلم(ة)، لأن هذا الأخير يعرف أن المدرس موجود معه لمساعدته، لا لمراقبته و تصيد أخطائه. أو كما قال "بول فاليري" : "إننا نفكر و كأننا نصطدم" في دعوته إلى الحوار و التواصل                 و النقاش و النقد البناء، و هذه إشارة تدعونا لإكساب متعلمينا مهارات حل المشكلات عن طريق استغلال أنشطتهم الذهنية المتنوعة.
و هذا ما ينبغي أن يفعله المتلعم(ة) أي أن يسمع و يحاور، و يتقبل، كما عليه أن ينهض بالعمل الإستيعابي لجني معرفته بجهد عقله، لإدراك تمثلاته و قبول التبادل الفكري مع الآخرين و القدرة على التعاقد مع ذاته و مع محيطه.
و إذا كانت درجة نشاط المتعلم(ة) ترتبط بدرجة حافزية المتلعم(ة) فيلزم خلق وضعيات تعلم تقود إلى نوع من التوريط الذهني و الوجداني و الحسحركي، حيث يتم دائما هذا النشاط حول مواضيع ملموسة أو رمزية.(18)
إن الحلول المقترحة كثيرة في هذا المجال، و أكتفي باختصارها في ضرورة إدماج المعاقين و ذوي الإحتياجات الخاصة بالمؤسسات التعليمية لأن هذه المبادرة لازالت خجولة.

خاتمـــــة :
يقول "ألبير جكار" : "كل الدول في حاجة إلى مدرسة السلام" و يقول                "كلاباريد Claparéde " : "الحاجة هي العامل الذي يجعل  من الحافز عملا عظيما"؛ من هنا إذن نستخلص أن المدرسة العمومية هي حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي مرتقب، و تأهيلها يعني تأهيل أفراد مجتمعنا و تهييئهم للمستقبل.
و بما أن التربية مسؤولية جماعية أمام المستقبل، فجميع شرائح مجتمعنا مدعوة اليوم إلى التعبئة الوازنة و بدون مزايدات، لجعل المدرسة العمومية الوطنية مدار و مثار اهتمام              و عناية، و جعل الشأن التعليمي شأنا اجتماعيا و جماعيا.

المراجـــع و الهوامـــش :


1)     ذ. مدحت عبد الرزاق – الموسوعة الصغيرة - 44- : سيكولوجيا الطفل في مرحلة الروض ص : 33،                 وردت في كتاب "المداخل التربوية للتعليم بالكفايات" "الرياضيات نموذجا" للأستاذ : محمد حمدي –                 مطبعة إفريقيا الشرق (2007)- المغرب ص : 11.
2)     ذ. عبد العزيز قريش : (الإشتغال المدرسي على تنمية الطفل : من أجل اندماج اجتماعي منذ الصغر)،                   مجلة "علوم التربية" – العدد : 49 (أكتوبر 2011)، ص : 54 و ما بعدها.
3)     ذ. محمد بوبكري (المدرسة و إشكالية المعنى)، السلسلة البيداغوجية -6- مطبعة النجاح الجديدة-                   الدار البيضاء- الطبعة الأولى (1998)، ص : 79.
4)     أ-عبد الكريم غريب : (المنهل التربوي)، الجزء الأول، منشورات عالم المعرفة، الطبعة الأولى (2006)                 ص : 69.
5)     ذ. رشيد الخديمي : (المتعلم بين مخلفات الماضي و إكراهات المستقبل)، جريدة "الإتحاد الإشتراكي"                (الملف التربوي)، العدد : 9674 "الخميس 06 يناير 2011" الصفحة : 2 من "الملف التربوي".
6)     أ-عبد الكريم غريب : (المنهل التربوي)- الجزء الأول- مرجع سابق، ص : 292.
7)     أ-عبد الكريم غريب : (المنهل التربوي)- الجزء الثاني - مرجع سابق، ص : 572.
8)     ذ. محمد الصدوقي : (المدرسة و السلطة في المغرب)، مجلة "تربويات"، "سلسلة تربويات"- العدد : 2 (2009)، دار التنوخي للطباعة و النشر- مشروع بلقصيري (المغرب)، ص : 31-32.
9)     د. محمد عابد الجابري : (المدرسة المغربية و وظيفتها الإيديولوجية) السلسلة الجديدة "أقلام"-                   العددان : 9/10، (يوليوز 1975)، دار النشر المغربية - الدار البيضاء - ص : 1-2.
10)ذ. عبد العزيز قريش، مرجع سابق، ص : 54-58.
11)د. امحمد امحور : (المدرسة المغربية و الرهان على جودة التلعم)، الجريدة التربوية - العدد : 41                        (مارس 2012)، ص : 7.
12)عبد الإله دحمان - رئيس المركز المغربي للأبحاث حول المدرسة - جريدة المساء- (المساء التربوي)                      العدد : 1629 (20-12-2012)، ص : 21.
13)ذ. محمد شرگي : (استفحال ظاهرة العبث المزمن بين المتعلمين و آثاره السلبية على مستوى التحصيل)                جريدة "المساء" (المساء التربوي) العدد : 1623 (13-12-2011)، ص : 21.
14)ذ. عبد اللطيف الفارابي و ذ. محمد آيت موحى : (بيداغوجيا التقييم و الدعم : أساليب كشف تعثر التلاميذ                       و أنشطة الدعم)، سلسلة علوم التربية، -6- مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء-1991، ص : 78.
15)ذ. الصادق بنعلال : (التأليف المدرسي ... إلى أين؟ ! ) جريدة "أخبار اليوم" العدد : 823، (03-08-2012)، ص : 17.
16)د. جميل حمداوي (الجديد في التربية و التعليم) - سلسلة المعارف الأدبية - مكتبة المعارف – الرباط - الطبعة الأولى (2010) ص : 95-127.
17)ذ. العربي وافي (ملامح خطة وطنية لتأهيل المدرسة المغربية) مجلة "علوم التربية" العدد : 52                       (يونيو 2012، ص : 33).
18)أ-عبد الكريم غريب : (المنهل التربوي) ج1 ص : 69.
      









هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage