3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الخط












    ذ. المصطفى الحسنــاوي     
                                                                         ممارس بيداغوجي و باحث تربوي
                                                                                                                         - مريـــرت –















تقديــــم :
أصبحت الحاجة – اليوم – إلى التكوين أكثر إلحاحا، نظرا لما تمليه الرغبة في مواكبة التطورات السريعة للمجتمع و التكنولوجيا و الاقتصاد و المعرفة، و كذا التطور المستمر للعلوم.
و إذا كان تكوين المدرسين بمثابة الأرضية الحقيقية التي تتبلور عليها خرائط صنع الواقع التربوي الذي نعيشه جميعا، نؤثر فيه و نتأثر به، في اتجاه المستقبل المليء بالتحديات.
·       فما هي مدخلات و مخرجات هذا التكوين، و ما هي القضايا الأساس التي تتحكم في فعاليته و مردوديته؟
·       و ما هي ثوابته و متغيراته و مجالاته و حدوده؟
·       و ما هي الإكراهات العملية التي يعانيها؟
·       و كيف يمكن الرقي بآليات التكوين بجميع أنواعها لكسب رهان الإصلاح المنشود لمنظومتنا التربوية؟
     I.            تكوين المدرسين و المدرسات و رهانات الإصلاح التربوي ببلادنا؟
1.     ماهية التكوين في مجال التربية و التكوين؟
أ‌.       تعريـــف التكويــــن :
يقصد بالتكوين صناعة و تأهيل المدرسين في مجال تربوي معين، بغية الإرتقاء بأدائهم المعرفي و الميداني، كما يعني كذلك : التعليم المخصص لإكساب شخص ما أو مجموعة معينة، معارف نظرية و عملية ضرورية لمزاولة مهنة    أو نشاط.
و هو بذلك بمثابة معبر سيار ضروري لممارسة مهنة التدريس ... أو مسافة معرفية و منهجية، لابد من عبورها مرات كثيرة لكل من يضع تكوينه الأساس موضع تطوير و تجديد و مساءلة.(1)
ب‌.  التكويــــن الأســـاس :
يتلقى فيه الطالب – الأستاذ تكوينا نظريا متنوعا في مجالات علوم التربية و مادة التخصص و الديداكتيك          و البيداغوجيا و التشريع و الإعلاميات ... كما يعرف هذا التكوين بالتكوين بالتناوب، الذي ساد العالم منذ تسعينيات القرن الماضي، و سمي بذلك، لكونه يزاوج بين النظري و العملي – التطبيقي، و خلاله أيضا يتلقى الطالب – الأستاذ أبجديات أخلاقيات المهنة، القائمة على روح المواطنة و الضمير المهني، إلى جانب الحمولة الفكرية و النظرية و المعرفية         و العملية التي يتخرج بها، لتكون المعين و المساعد له على تحسين مردوديته التربوية وفق بيداغوجيا محددة.
ج‌.    التكويــــن المستمــــر :
يحيل مفهوم التكوين المستمر على الإستمرارية و الإمتداد و ليس على التكوين المناسباتي، كما يحيل على التكوين الذي يتلقاه المدرسون أو الموظفون أو غيرهم بعد التكوين الأولي (الأساس) الذي حصلوا عليه قبل الخدمة، و يستهدف مسايرة التطور الذي يحصل عادة في بنيات العمل الذي يمارسونه.
إنه تكوين مرافق للممارسة من أجل عطاء مستقبلي أفضل و من أجل تنمية مهنية متواصلة، و هو رفض للجمود الفكري و المهني، و يمكن أن نموقعه بين لحظتي ما قبل التكوين و بعده. و هذه العملية تحتاج إلى تعامل منهجي          و إجرائي و تقويمي، بغية التمكن من الآليات القمينة بتتبع مسار التحسن و التطور عبر الإيقاعات الزمنية.
د‌.     التكويــــن الذاتــــي :
يتم تدبير التكوين الذاتي من قبل المدرس بنفسه، اعتمادا على إمكانياته و حاجياته، و هو بمثابة لحظة للتأمل تتوخى إعادة النظر في المفاهيم النظرية و التجربة (العمل الميداني)، و يرتكز على القراءة و البحث التربوي المستمرين اللذين يساعدان الممارس البيداغوجي على إشباع الحاجات المتطورة للعمل الذي يمارسه (التجديد التربوي). إنه تكوين يتم وفق سيرورة مستمرة للخلق و الإبتكار و الإبداع.(2)
2.     تكوين المدرسين في نظام تربوي قيد الإصـــلاح :
لا يمكن الحديث عن التكوين بكل أنواعه، دون الحديث عن ظروفه و استراتيجياته و شروط إنجاحه ليساهم في الإرتقاء بأداء العنصر البشري ببلادنا، الذي قال بشأنه "ألفريد مارشال" : "أغلى و أثمن رؤوس الأموال هي تلك التي تستثمر في الرأسمال البشري" و دافع عن هذا الرأي المفكر الهندي "أمارتيا صن" – الحائز على جائزة نوبل            سنة 1999م-  في كتابه (التنمية حرية) فبماذا قامت بلادنا بهذا الصدد؟
يعتبر مجال الموارد البشرية أحد أهم المرتكزات الأساسية للنهوض بمنظومة التربية و التكوين، لذا يشكل تكوين المدرسين و أطر الإدارة حلقة أساسية في الإصلاح التربوي من خلال المساهمة في تطوير دور المدرسة في المجتمع،    و تحديثها، و الرفع من أدائها و مردوديتها. لذلك أقر الميثاق الوطني للتربية و التكوين ضرورة الإهتمام بالتكوين الأساس و المستمر من خلال تمكين المدرسات و المدرسين و المفتشين و الأطر الإدارية من تكوين متين قبل استلام مهامهم.(3)
و لقد حدد الميثاق سالف الذكر الخطوط العريضة للتكوين، ففي الدعامة : 13 منه يرسي دعائم نظام التكوين الأساسي و التكوين المستمر لفائدة جميع الأطر، و في المادة : 137 يجعل من التكوين الأساسي و التكوين المستمر حقا للموظف، ينبغي أن يستفيد منه للرفع من أدائه و تطوير إمكانياته. و من خلال المادتين : 104 و 105 ركز على الجودة   و المردودية التربوية.
و في نفس السياق أكد البرنامج الإستعجالي في المشروع (E3 : P1) على ضرورة تنمية كفايات و قدرات أطر التربية و التكوين عن طريق إرساء سياسة مستدامة في التكوين المستمر.
و مع تأكيد الأطر المرجعية المحددة لمهنة التدريس على ضرورة وضع برامج للتأهيل و تعزيز التكوين الأساس    و التكوين المستمر، تمت الدعوة إلى تفعيل المذكرة الوزارية رقم : 01 بتاريخ : 07 – 01 – 2009 في موضوع : "الوضعيات المهنية (التداريب العلمية) للطالبات و الطلبة الأساتذة في مختلف مراكز التكوين"، كما اهتمت المذكرة الوزارية رقم : 105 بتاريخ : 04 – 07 – 2011 في موضوع : "مقرر تنظيم السنة الدراسية : 2011 – 2012" بالتكوين المستمر : (الباب السابع ص : 6 من المذكرة).
و تتمثل أهداف تكوين المدرسين و المدرسات في :
·       مهننة وظيفة التدريس.
·       الرفع من المستوى العلمي و المعرفي للمدرسات و المدرسين.
·       تأهيل الموارد البشرية و تجويد المنتوج التربوي.
·       تحسين و تطوير أداء هيئة التدريس و صقل مهاراتها.
·       الإنفتاح على البحث التربوي، و استثمار نتائجه في مجال تنمية و تطوير الكفايات المهنية للمدرسات             و المدرسين.
·       إعادة تأهيل الموارد البشرية ...
II.            تكوين الأطر التربوية بين الواقع و المأمــــول :
1.     واقع التكوين بين الرهانات و الإكراهــــات :
يعتبر التكوين حقا و واجبا في نفس الوقت بالنسبة للأطر التربوية، من هنا تأتي أهمية المطالبة بجعله ملفا إستراتيجيا و ليس استعجاليا، و هو آلية فاعلة للإرتقاء بمهنة التربية و التكوين، و لكسب رهان المستقبل، المتوقف على الإستثمار في الرأسمال البشري.
و تعتبر هذه الجوانب أساسية و ذات آثار كبيرة على إمكانيات تجديد المدرسة المغربية و تحقيق جودة التعليم،     و بالرغم من المجهودات المبذولة و المكتسبات التي تحققت منذ الإستقلال حتى الآن في مجال التكوين الأساس و التكوين المستمر، إذ تم تزويد المنظومة التربوية بموارد بشرية في غاية الأهمية سواء من حيث العدد أو من حيث الكفاءة المهنية (التي امتصت منها المغادرة الطوعية نسبة كبيرة للأسف الشديد)، فإن الملاحظات الجوهرية المنبثقة عن تشخيص واقع التكوين بكل أنواعه، تبرز من خلال النتائج المحققة على صعيد الممارسة الميدانية، و التي لا ترقى إلى مستوى الطموحات، إذ ما زالت هناك اختلالات و إكراهات تؤثر سلبا على أوراش إصلاح التعليم ببلادنا.(4)
لا أحد يجادل في الجهود المبذولة من قبل الوزارة الوصية على قطاع التعليم لتجديد المدرسة المغربية و تحسين جودة التعلمات عبر إرسام نظام التكوين الأساس للمدرسين و المدرسات، و وضع مخططات هادفة و ناجعة للتكوين المستمر لفائدتهم قصد الرفع من خبرتهم المهنية. إلا أن هناك اختلالات يجب تداركها، منها :
§       تعدد المتدخلين مركزيا في التكوين إعدادا و إشرافا و تقييما.
§       ما الجدوى من إعمال الفقرة : 137 من الميثاق الوطني للتربية و التكوين التي تنص على الإعتماد في ترقية أعضاء هيئة التربية و التكوين على مبدإ المردودية التربوية، من خلال احتساب نتائج و قيمة المشاركة و مدى استفادة المستهدفين من دورات التكوين المستمر؟(5)
§       إعتبار بعض المكونين أن التكوين بمثابة الحلقة المفقودة في إصلاح تعليمنا، لكون الوزارة الوصية تحاول تفويت مراكز التكوين و إفراغها من كل وظائفها التي نص عليها الميثاق الوطني للتربية و التكوين.
§       غياب منهاج وطني موحد يعوق التكوين بالتعليم الأولي.
§       غياب شروط تكوين جيد يراعي حاجيات المكونين و يلتزم بدفتر التحملات الخاص بآليات التكوين كاختيارات استراتيجية لإصلاح التعليم.
§       كثافة المحاضرات و الدروس النظرية و إملاء التوجيهات الرسمية خلال التكوين النظري، و نقص واضح في الجانب التطبيقي.
§       قلة أعداد المؤطرين و غياب المصاحبة المستمرة التي تعد الحلقة الأهم في التكوين.
§       إذا استبدلت "المراكز التربوية الجهوية" بـ "المراكز الجهوية لمهنة التربية و التكوين"، فإن التغيير يجب أن يشمل كذلك مضامين التكوين و كيفياته، التي لا زال بعضها تقليديا ...(6)
2.     اقتراحات تروم إنجاح التكوين بمختلف أصنافــــه :
تعتبر الصعوبات المرتبطة بتكوين المدرسين، إحدى انشغالات رجال و نساء التعليم، لذا بات النضال من أجل الحق في التكوين ضروريا، و هذا يتطلب من جميع الفاعلين التربويين و المسؤولين على القطاع و المجتمع المدني، البحث عن وسائل و بدائل شمولية، بعيدة كل البعد عن الإختزال و التجزيء، و عن القوالب الجاهزة في تحليل إكراهات التكوين لتفسيرها من أجل إيجاد وسائل و آليات لتعديلها و معالجتها، و لن يتم هذا إلا بالوقوف على معيقات السياسة التكوينية الحالية و البحث في أسبابها و مصادرها، انطلاقا من منظورات و مقاربات تربوية و معرفية موضوعية         و واقعية.
و من بين الإقتراحات الممكن الأخذ بها لمواجهة الإكراهات المذكورة :
§       ضرورة ملاءمة البرامج التكوينية لحاجات المكونين و للمستجدات التربوية و العلمية و الثقافية و التقنية.
§       مهننة حقل التدريس و عقلنة العمل التربوي.
§       إصلاح نظام التكوين الأساس و المستمر.
§       إصلاح الأوضاع المادية و المعنوية للمدرسين و المدرسات، و تحفيز و تشجيع المبدعين منهم.
§       تنويع أساليب التكوين الأساس و المستمر، في اتجاه إرساء تكوين ذاتي منظم عن طريق التكوين الميداني        و التكوين عن بعد و تقويم التجارب المهنية للمدرسين للإرتقاء بمهنتهم و تجديدها باستمرار.
§       وضع تصور مستقبلي و هيكلي للتكوين، لإعادة تأهيل أطر التربية و التكوين بشكل معمق، مع وضع جدولة لذلك، و تجنب التسرع خلال و أثناء فترات التكوين.
§       إعتماد سجل بيداغوجي فردي لتتبع مدى استفادة المدرس (ة) من برامج التكوين المستمر، و إرساء آليات لتشخيص و تحديد الحاجات من هذا التكوين.
§       ضرورة مواكبة التكوين لمتطلبات المراجع المستمرة للمناهج التربوية.
§       وضع إستراتجية جديدة للنهوض بالتكوين المستمر نهوضا كبيرا، يكون البلسم الشافي لرجال و نساء تعليم يعانون أمراض الأمية الثقافية و ضعف القراءة ...(7)
§       متابعة المدرس (ة) داخل المؤسسة التعليمية عن طريق تزويده (ها) بالنظريات و المعارف الجديدة.
§       إنخراط و إيمان جميع الفاعلين التربويين بإيديولوجية التكوين مدى الحياة على حد تعبير السوسيولوجي الفرنسي "كرستيان لافال".
§       إلتزام الشفافية فيما يخص صرف الميزانيات المرصودة لتكوين الأطر التربوية.


خلاصـــة :
يشكل تكوين الأطر التربوية خاصة المدرسين و المدرسات، دعامة أساسية للإلمام بالمستجدات التربوية و تحسين كفايات الفاعلين في الحقل التعليمي، بتمكينهم من القدرة على الصعوبات التي تعترض العملية التعليمية – التعلمية         و مسايرة الطرق البيداغوجية و الديداكتيكية الحديثة، و تبني تقنيات جديدة في التدريس، فالتكوين المستمر إذن، هو الكفيل بمواكبة المفاهيم المستحدثة للوصول إلى أفضل تأهيل ممكن، الشيء الذي سيساعد على الرفع من جودة التربوي          و التكوين في المدرسة المغربية، و يجعل بالتالي المنظومة التربوية عاملا أساسيا في تحقيق التنمية البشرية المنشودة.









المراجــــع و الهوامــــش :

1)    د. محمد بازي : كتاب : (صناعة التدريس و رهانات التكوين)، منشورات مجلة "علوم التربية"،         العدد : 23 الطبعة الأولى (2010)، ص : 105.
2)    ذ. المكي ناشيد : (في الحاجة إلى البحث التربوي)، جريدة "الإتحاد الإشتراكي" – الملف التربوي–       العدد : 9446، "الخميس : 08 – 04 – 2010"، ص : 8.
3)    ذ. إبراهيم الباعمراني : (التكوين و التكوين المستمر : مسار تجربة و رهانات الإصلاح)،               جريدة "الإتحاد الإشتراكي" – الملف التربوي – العدد : 9440، "الخميس : 01 – 04 – 2010"،      ص : 7.
4)    ذ. إبراهيم الباعمراني، مرجع سابق.
5)    ذ. المكي ناشيد : (التكوين بين الطموح و محدودية الواقع)، جريدة : "الإتحاد الإشتراكي"–              الملف التربوي– العدد : 9440، "الخميس : 01 – 04 - 2010"، ص : 7.
6)    دة. رشيدة الزاوي : (تكوين الطلبة المدرسين و رهانات الإصلاح)، جريدة : "الإتحاد الإشتراكي"–      الملف التربوي – العدد : 10009، "الخميس : 09 – 02 – 2012"، ص : 11.
7)    ذ. عزيز العرباوي : (التكوين الأساس و المستمر و البعد عن الشفافية)، جريدة : "المنعطف"–       المنعطف التربوي – العدد : 3949، الأربعاء : 09 – 02 – 2011"، ص : 6.














هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage