3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التكلم بين الذات والآخر

الخط











التكلم بين الذات والآخر*
فليب ميريو


 ترجمة: نورالدين البودلالي

باذئ ذي بدء علينا أن نشير إلى أننا لانقصد بفعل التكلم استخدام الإشارات. فللإشارة خاصيةُ كونها تصبح لاغية مباشرة بعد النطق بها. بول فاليري، في يوبيلينوس Eupalinos أو المهندس المعماري، يشير إلى «هذه اللغة العديمة الشكل التي تموت بعد أن تكون بالكاد قد تولدت. استخدامها سبب ضياعها  في الحال، إذ ما إن تستعمل، حتى تتحول إلى الخبز الذي نطلبه، إلى الطريق الذي يومؤون لك به، إلى الغضب الذي تسببه الإهانة.» الإشارة طلب، الإشارة تشترط، الإشارة تعنف الآخر، وتتوقف الإشارة عن الفعل حالما يُنطق بها، لكونها لا تدعو إلى تخاطب إضافي.
غير أنّ التكلّم لا يستوجب، دوما، إعطاء معنى لكلّ شيء، إلى درجة إشباع العالم النفسيّ، إقصاؤه وحظر أيّ تواصل. التكلم هو، بطريقة ما، اختيار الموضوع الذي نتحدث فيه، وهو رفض تفسيرٌ لكل شيء.
في رواية جميلة جدا لكريسمان تايلور تحاول أم أن تشرح لأبنائها معنى العيش مع العالم وفي العالم. كانت جالسة جنب الوادي الذي تأتي إليه حيتان كبيرة لتأكل حيتانا ميتة. قلق الطفل وسأل إن كانت هذه الحيتان ستأكله هو الآخر. أجابت الأم: «مهم جدا معرفة الأشياء كما هي، وليس كما تخاف أن تكون أو كما تريدها أن تكون. لا هذه ولا تلك هي شبيهة لها(=الأشياء). عليك أن تعرف أن العالم لا يفكر فيك، وألا يطوف بك ليؤذيك، حتى وإن كان هناك كثير من الناس، وخاصة الأطفال، يعتقدون ذلك ويصيبهم الخوف. كما أن العالم لا يحاول إرضاءك»
ثمة اليوم خطاب، قول متداول في البيداغوجيا حول اصطلاح المعنى. إن الحرص على إعطاء معنى يمكن أن يصبح أمرا مَرضِيا. محاولة إعطاء معنى لكل شيء، يفسد العيش بسلام، ويدفع بالتأكيد إلى الجنون. وفي هذا يميز فرويد بين المعنى والمدلول signification   مبينا استحالة أن يقدم معنى لكل ما يقوله ويفعله مرضاه. بل إنه يضيف شارحا، بشيء من السخرية، أن المرضى الذين يصلون قبل الموعد يعانون من الوسواس، والذين يصلون متأخرين هم بطبيعة الحال يعانون بشكل خطير من اضطرابات القلق والرهاب، وأن الذين يصلون في الوقت مهووسين. إذا أخذنا بهذا الواقع، فالجميع يعاني من مرض ما، وكل شيء يمكن أن يكون له معنى.
في الحياة العادية يمكن لنا أن نفسر كل شيء، وكثيرا ا ما يوجد لأطفال بدورهم في هذا الموقف الذي يضفون فيه معنى على كل شيء. وهكذا قد يصعب على الواحد منهم مثلا فهم أن تأخر الأم لا يرجع بالضرورة إلى كونها لا تحبه ولكن لكونها حوصرت في زحمة المواصلات.
إعطاء معنى لكل شيء هو وسيلة للانخراط في السلطة المطلقة، وهو، بالتحديد، العجز على محاربة العنف الذاتي.
التكلم إذن ليس هو استعمال الإشارات، ولا حتى منح معنى للأشياء برمتها. إنه، تماشيا مع ما يعلمه لنا اللغويون منذ سوسير، استعمالٌ للإشارات قصد «التوجه إلى الآخر كما تتوجه النفس لذاتها»، بحسب ما يقول بول ريكور، و «والتوجه للذات كما التوجه للآخر». التكلم هو القبول المتبادل لاعتباطية الإشارات، والتي هي الأساس الفعلي لعلم اللسانيات، لكن أيضا استقراره(=التكلم) داخل عالم مشترك، بغية الانخراط فيه. التكلم يعني السماح للذات المتكلمة أن تفكر العالم وحول العالم. ثم إنه، على الخصوص، الدخول في عملية تحاورية مع آخرٍ من خلال فعل التكلم ذاته، الذي يأخذ على الدوام موقعه بين المدلول والمعنى ويكون مسموعا.
في الفعل الذي تقوم به الكلمة الباحثة عن ذاتها، التي تحاول أن تكون أكثر قربا من الفعل الأكثر عدلا، يمكن الاعتراف بالآخر الماثل أمامي، باعتباره ذاتا مستدخلة وغيرية متطرفة لديها الرغبة في الكلام. إنها دوما رغبة في الكلام إلى آخر، وإلى آخر نعترف به كمحاور، وذلك لكون التكلم هو بالضبط هذا التكيف الذاتي مع ما نقوله ليسمعنا الآخر بوضوح أكثر لما نريد قوله له. إن قولا لا يحكمه الانشغال بحسن التكلم هو علامة تحيل على السلطة المطلقة التي سبقت الإشارة إليها. إنها ليست تلك المحاورة التي تخاطب الآخر بالقول: أوجه لك الكلام وأنتظر أن تعيده لي، أن تكلمني في شأنه وأن نشرع سويا في عملية تواصلية حقيقية.
التكلم في الواقع يعني الأخذ بعين الاعتبار ثلاث أركان. من جهة اللغة والعالم المشترك. لا يمكننا التحدث بدون لغة مشتركة، ولكن أيضا من دون عالم المشترك، وهما أمران مختلفان. بالإمكان أن تكون لدينا لغة مشتركة لكنها لا تحيل على عالم مشترك، إذ العبارات نفسها يمكنها أن تحيل على أشياء مختلفة كليا. ومن الأمور التي تعيق التواصل بالقسم الانسياب بين اللغة والعالم المشترك. إلا أن التحدث هو، أيضا، مخاطرة التموضع في موقع أنا JE: أنا أتكلم، أنا أحدث أحدا؛ هذا يدل على ضبط مستمر لما يتم قوله لإثارة مداخلة الآخر. العلاقة التي أقيمها مع كلماتي هي التي تجعل قولي، مثلا، ليس عنفا، وليس مسبة، وإنما سؤال وقلق، وأنها انعكاسية في اللحظة التي يتم التعبير عنها، وتجعل بإمكان الآخر أن يسمع من خلال هذه القولة: أحترمك وستحترمني بدورك.
أثار فرويد في الدرس الخامس من دروس التحليل النفسي جملة تجسد هذه النقطة: «كلما تكلم أحد، طلع النهار».  يتعلق الأمر بقصة مؤثرة جدا، تتعلق بنت صغيرة ترفض أن تنام ليلا، تبكي كل الوقت، في الوقت الذي تحاول الخالة أن تواسيها. كانت تحدثها في الظلمة، لكن ما إن تتوقف حتى تعود الصغيرة إلى البكاء، فقالت لها الخالة: «لكن عليك أن تنامي الآن، لماذا لا تريدين النوم؟». فأجابتها الصغيرة: «لا أريد النوم لأنني أريد أن تشرق الشمس، وكلما تكلم أحد، طلع النهار».
ولننهي هذه النقطة يمكن القول إن التحدث هو الدخول في عملية تخاطب مع آخر-أنا alter ego بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أي الأنا الذي هو الآخر، وهو الأنا. الآخر-الأنا تناقض ظاهري oxymore، بحيث أن alter هو الآخر، وego هي الأنا. إنه أنا آخر. والإقرار بأن الآخر هو آخر-أنا شيء سحري جدا و، في نفس الوقت، ضروري جدا. سيقول هبرماس أن: «التكلم هو استباق ردود أفعال آخرٍ مفترضٍ مستدخلٍ.». هذا يعني أن التكلم لا يقصد به التوجه إلى جمهور مجهول، ولا إلى آلة تسجيل، وإنما التكلم إلى من نعلم أنه مثيل لنا، وأنه آخر مفترض مستدخل، والذي نعتقد أن بإمكانه الاحتفاظ بحديثنا. إنه، أيضا، التكلم إلى شخص سيظل وعيه بالنسبة مستعصي على النفاذ، أو كما قال هبرماس: «الحقيقة أن التكلم يعني أن نرهن مصيره إلى بحث لانهائي عن الإشارة، إشارة مضبوطة، إشارة نعلم أنها لن تقول أبدا بالضبط وبشكل قطعي ما نريد قوله.». أتكلم هو معارضة هشاشة موضوع العنف الاصلي للأشياء، للكائنات، كما يقول الفينومينولوجيون.
وأخيرا فالتكلم هو معرفة أن لا إمكانية للتوقف عن الكلام. لنا مثال بارز في التمثال الياباني الذي جلبه رولان بارث عقب زيارته لليابان، والذي يمثل وجها منفتحا على وجه آخر؛ لقد قوﱠله أجل عباراته في مؤلفه امبراطوريات الإشارات: «ليست الإشارة سوى شرخ لا ينفتح أبدا إلا على وجه إشارة أخرى». التكلم لا ينتهي إذن أبدا، والذي يضع حدا للكلام يضع أيضا حدا للحياة. الذي تكون له كلمة الفصل، هو نفسه الذي يقتل، هو الذي يُنهي. الإنسان الذي يريد أن تكون له كلمة الفصل، الذي يريد أن ينهي الحديث، هو نفسه الذي يريد أن يضع حدا للإنسان.     
·        مأخوذ من: Philipe Meirieu: Quelle parole face à la violence ?. La nouvelle revue de l'adaptation et de la scolarisation, 2011/1 (N° 53), PP3-5



هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage