3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

تقنيات فريني في المدرسة الحديثة

الخط






















فرحات أوزان
بإشراف الحسن اللحية





تقديم:

- لمحات من حياة فريني:

ولد سيلستان فريني Celestin FREINET سنة 1896 بقرية تدعى gars  توجد في أقصى جنوب شرق فرنسا، من أب فلاح و أم كانت تبيع في حانوت صغير بالبلدة. أما هو بكان يتابع دراسته و يقوم برعي المواشي. سنة 1912 التحق بمدرسة تكوين المدرسين، و تخرج منها بعد عامين.
بعد نخرجه حصل على منصب مدرس، و قام بتعويض زميل له تمت المناداة عليه للمشاركة في الحرب. لم يلبث فريني كثيرا حتى وجد نفسه مشاركا بدوره في أتون الحرب حيث شارك في المعارك التي قامت بناحية Chemin des Dames . لكن مشاركته تلك كانت غير موفقة، فأصيب الرجل إصابة بليغة كادت أن تنهي حياته، جراء رصاصة اخترقت رئتيه، مما استدعى خضوعه للعلاج. لكنه؛ و رغم انتهاء الحرب؛ فإن مضاعفات تلك الإصابة ظلت مؤثرة على فريني حيث صار يجد صعوبات كثيرة في القيام بواجبه في التدريس بالطريقة المألوفة و التي تتطلب منه الحديث بصفة مطولة و مستمرة، و القيام بالشروحات و ما يتطلب ذلك من ميكانيزمات تنفسية متواصلة أصبح فريني يتعب من جراءها بسرعة.
 هذا ما دفع به لإعادة النظر في طريقة عمله و البحث عن طرق و وسائل أخرى تكفل له القيام بالمهمة التي أحبها، بنفس الفعالية و النجاعة التي كانت تتوفر فيه من قبل. هذا بالإضافة إلى ضرورة تحديث طرق التدريس و جعلها مواكبة للتغيير المتسارع؛ بل و الرهيب؛ الذي يعيشه أبناء مجتمعه من الجيل الصاعد. يقول فريني :
           « ..و كان المدرسون على دراية مسبقة بالمستلزمات التي سيحتاجها تلاميذهم فيما بعد؛ و بالتالي، لم يكن عليهم القيام بتغييرات على المستوى التقني أو البيداغوجي خلال قيامهم بمهماتهم التربوية. فما تعلموه مع بداياتهم في مدارس تكوينهم كان لا يزال صالحا و معمولا به إلى غاية تقاعدهم.  و كان الفلاح بدوره لا يعاين تغيرا  في الوسائل أو الأساليب الزراعية. و قلما كان يتم إدخال أدوات جديدة، و إذا حدث ذلك، فبصفة بطيئة....أما اليوم، فلم يعد أطفالنا مثلنا لما كنا في مثل عمرهم. ليست لهم نفس تلك الهواجس و الإهتمامات أو الطبائع التي كانت لدينا. إن سرعة العصرنة لديهم كبيرة. لقد تغير وجه الماضي فيهم. لو حاولت التحدث معهم أو حتى مع فئات الشباب، سوف تفاجئ حتما مدركا بأنهم لا يصغون إلى آرائك كما كان الأمر قبل عشر سنوات فقط من الآن. إنهم لا يكترثون لتجاربك و خبراتك الشخضية، مما يجعلك تشعر بشيخوخة طارئة و مباغتة.. »[1]
و أمام هذه التغيرات النوعية، يطرح فريني تساؤلا عريضا حول السبيل لحل هذه المعضلة. ويضيف قائلا: «...يمكنك في مثل هذا الوضع النوح أوالإحتجاج، أو حتى لعن أطفال هذا الجيل، الذين لا يحسنون الإصغاء و لا الطاعة و الإمتثال،الإحترام و لا هاجس التعلم. اللائحة طويلة، لكن الواقع موجود أمامك؛ يجب إيجاد حل ما في شيء آخر... لو أن صانعا تقليديا أو صانعا وجد الأمور ليست جيدة في ورشته، الآلات قديمة و متهالكة، فلن يؤاخذها بالطبع، و لن يجبرها على العمل بالقوة. بل سيعمل عوض ذلك على تحديث آلاته و تجديد عدته من أجل تلبية طلبات زبنائه؛ آنذاك، كل شيء سيكون على ما يرام، و يستعيد الورش حيويته. نحن أيضا بامكاننا تحديث الأدوات في المدرسة، بتطوير تقنياتها و ذلك بهدف تعديل الرابط بين المدرسة و الحياة، و بين الأطفال و المدرسين بكيفية تسمح بتكييف المدرسة مع المحيط، من أجل الوصول إلى مردود أفضل لمجهوداتنا المشتركة.. »[2]

تقنيات فريني للمدرسة الحديثة:
         رأى فريني أنه من الضروري أن ينفتح عصر التقنية، و ما يحمله من مستجدات  وتغييرات جذرية، على ميدان التعليم/التدريس، على غرار بقية الميادين ذات الأنشطة الإنسانية المختلفة سواء الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية و الثقافية. كما ألح على ضرورة التفكير في تحديث التعليم في زمن تحاول فيه " المدرسة الجديدة " الوقوف بثبات و تجاوز بل و التخلص من السكولائية[3]. لقد جاء فريني بمجموعة أفكار و تقنيات، في سياق مرحلي شائك. و قد سبقه بعض من الباحثين و الرواد في مجال تجديد المدرسة. لكن المحاولات السابقة يمكن الحديث عنها كل واحدة على حدة، كما أنها ظلت محدودة في الزمان و المكان، علاوة على أن أغلبها لم يبلغ ذاك الزخم الذي يسمح بالإشارة إلى نهج أو مدرسة أو تيار بيداغوجي قائم و متكامل الجوانب. و من هذه التجارب:                                                              - ماريا مونتسوري : أثبتت جدارتها، لكنها بقيت رهينة معاييرها العلمية، كما ظلت حبيسة و متعلقة بالأدوات التي تستعملها و التي كانت غير قابلة للاستبدال، كما أن تجربتها لم تكن لتستجيب لمتطلبات القرن 20.                                                                                                          – ديكلوري: أدخل في طريقته إلى التربية مجموعة من العناصر ينظر لها بعين الريبة، ويعتقد أنها تساهم في التعميم و عدم المحافظة على خصوصية الأشياء. تخلى عنه السكولائيون في الأخير.                                                              – مجموعة مفكري جنيف: قام هؤلاء باجراء أبحاث و توجيهها؛ منهم :,  Pierre Bovet, Claparède, Ad ferrière, Alice Descoeudres. و معاصريه آنذاك Jean Piaget  , R.Dottren.لكنه تم خلع المجموعة بعد فترة، نظرا لوجود  مناخ اجتماعي لا يتساهل مع كل ما هو جديد، و لا يرضى بالتغيير.       
– في أمريكا: جاء مخطط Dalton[4] بتقنيات نوعا ما منبوذة، كما بالغت في التوجهات الليبرالية للمدرسة الجديدة تصل لدرجة التشويه.                                                                         – في ألمانيا: بالضبط هامبورغ، قامت محاولة ما يعرف بال Self-Government، لكن سرعان ما تم التخلي عنها، بعد أن انحرفت عن مسارها.
– وحدها فيينا و السوفيات من مضوا متقدمين في هذا المجال، بطابع اشتراكي و اجتماعي من شأنه الرفع من وعي المجتمع و مستواه الثقافي.
في هذه الأجواء المتسمة بالفراغ البيداغوجي تحاول المدرسة الجديدة المنشودة إثبات نفسها بالطرق النشيطة ؛ المثيرة للجدل كذلك؛ و هنا تأتي بيداغوجيا فريني للمدرسة الحديثة و تقدم نفسها كصيغة تربوية صالحة للمستقبل و أجيال الغد، و ذلك بتبني ممارسات متناسقة مترابطة، و بعقلية متفتحة متفائلة، و أسس سيكولوجية و فلسفية اجتماعية تلامس أسس مدرسة الشعب/الأمة نفسها، بواسطة فرق باحثين ديناميين يسعون إلى النجاح.

بدايات فريني مع التقنيات
    ينأى فريني بنفسه عن ادعاء أي صفة أو مؤهل سمح له بلعب دور القائد أو الملهم للحركة التي تحمل الآن إسمه. كل ما هنالك؛ يقول فريني؛ أنه أراد التخلص من الروتين الذي يبقى مع المدرس إلى حين تقاعده. و يضيف أن الفضل يعود لعدة عوامل منها الإصابة في رئته التي لم تعد تسعفه للكلام سوى بضع دقائق للشرح في القسم، و مواجهة تلاميذ لا ينصتون و لا يفهمون، مما يكلفه جهدا مضاعفا. كما أنه أراد أن يعطي وجها مشرفا لمهنة أحبها و اختارها بمحض إرادته. ثم أنه أراد أن يفكر في إيجاد تقنيات تسمح له بالعمل بشكل أفضل دون أن يؤدي استغراقه في العمل إلى الإنعزال عن زملائه في العمل.

1.      المطبعة في المدرسة:
حاول بعض المدرسين المناضلين أن يبعثوا ببعض من الحياة في طرق تدريسهم. و من ذلك القيام بما يسمى الخرجات الإستكشافية للقسم. «كانت هذه الوسيلة بمثابة الملاذ الأخير لدي -يقول فريني-. فعوض أن أجعل الجميع يتسمرون أمام النصوص على السبورة مع بداية الحصص الزوالية، كنا نمضي نستكشف الحقول قرب البلدة. وكان يحدث أحيانا أن نتوقف عند الحداد أو النجار أو عامل النسيج، و نلاحظ حوكاته المتناسقة و الدقيقة. و كانت تولد فينا الرغبة في تقليدها. و حدث كذلك أن شاهدنا الفلاحين عن كثب خلال فصول السنة: عند جني الزيتون و قطف الليمون. كنا نتحسس مختلف الكائنات و الحشرات و الزهور و الأحجار، لنفحصها لا كتلاميذ بل بكياننا و فطرتنا الطبيعية التي نحن عليها...  في مثل هذه الأجواء كنا نتواصل كعائلة خارج فصل القسم، حول العناصر التي مررنا بها خلال الخرجة، و التي كنا نجني منها فوائد جلية مدرسا و متعلمين. و لدى عودتنا إلى الفصل، كان علينا كتابة تقارير مفصلة عن ما عايناه طوال الخرجة. كانت هذه هي النقطة المضيئة وسط العتمة التي فرضتها علينا رتابة السكولائية. و بسبب أنه كانت تعوزني الأدوات و التقنيات، فكنت أضطرخلال حصص القراءة لأن أطلب من المتعلمين قرائة نص من الكتاب المدرسي، و يمكنني أن أؤكد أن التلاميذ كانوا يقرأون و مخيلتهم ما زالت تسرح في الحقول. راودتني فكرة أن أستبدل هذه النصوص من الكتاب المدرسي بنصوص أخرى تلقى شغف التلاميذ و اهتمامهم. فبحثت عن آلة طباعة، ووجدتها عند رجل مسن فاشتريتها آخذا إياها إلى داخل الفصل. صار بإمكاننا أن نكتب نصوصا من تأليف التلاميذ، نصوصا حية من إنتاج التلاميذ، و على أوراق دراسية عوضا عن الكتاب المدرسي. لم أكن أتوقع أن التلاميذ سيطول إعجابهم بالفكرة، لكن ظني خاب، الكل أعجب بالكتابة و الطباعة و كنا ننتطر بشغف طباعة الأعمال المنجزة و تقاسمه». [5]
2.      ولادة النص الحر:
كان فريني يعتقد بمقدرة الأطفال على إنتاج نصوص صالحة و مؤثرة على السكولائية. لكنه يؤكد أنه كان يجد نفسه محبطا من مقاومة زملائه الشديدة للفكرة، حيث يعتقد الكثيرون؛ حسب فريني؛ بعدم قدرة الأطفال على إنتاج النص و صياغته بأفكارهم. حتى البرنامج الدراسي المخطط كان يتحدث عن استقطاب الجهود لتمكين أطفال ال10 سنوات من كتابة فقرة فقط. هكذا إذا كان واقع الحال سنة 1925، «فلم يسبق و رأينا نصوصا حرة، و لا أحد كان يعتقد بإمكانية وجودها و حدوثها. لقد كان علينا خوض تجارب و ركوب مخاطر لإثبات العكس».[6]

3.      المراسلات بين المدارس:
يتحدث فريني عن تجربته مع هذه التقنية قائلا:
«..رغم النجاح الذي حققناه بإدراج آلة الطباعة، و التي جعلت النصوص المؤلفة داخل الفصل تلقى مزيدا من الإهتمام و المتابعة من آباء الأطفال و أهالي البلدة، إلا أنني كنت أشعر بأن الأطفال يستحقون أفضل من هذا. إنهن يريدون فئة عريضة من المتابعين..»[7].
و هنا بدأت المراسلة مع صديقه Daniel في Saint-philibert de Trégunc سنة 1926. الذي اشترى بدوره مثل أدوات اشتغال فريني و انطلق في أنشطة التعبير الحر مع تلاميذه.
بدأت المراسلة بين المدرستين، و كان الأطفال ينتجون مع كل نص مر معنا نحو 25 ورقة إضافية      و التي كانت ترسل كل يومين إلى مدرسة Trégunc.  و نفس الشيء بالنسبة للتلاميذ على الجهة الأخرى، بنفس الوتيرة و لمدة عامين. يصف فريني التجربة أكثر فيؤكد أنها كانت تمكنهم من أن يعيشوا تقريبا شيئا من حياة نظرائهم: يسرحون بخيالهم في المراسلات التي يتلقونها، و يعيشون مغامرات في القنص و أساليب الصيد. وهكذا كان يأتي البحر إليهم في البلدة، يشعرون به و بالأوقات العصيبة مع العواصف. تطورت الأمور أكثر، خصوصا بعد أن تلقى بشكل مفاجئ إرسالية من أصدقاء تلامذته . كانت تحتوي على بعض الأصداف البحرية و الطحالب و بعض الحلوى من صنع ذويهم. يصف فريني التجربة: «تذوقناها بمتعة كبيرة، و أخذ كل طفل قطعة معه إلى بيته لآبائهم. لا أعرف كيف أصف الأثر البالغ و التحفيز الذي صنعته تلك العلبة المرسلة إلينا. الآباء طالبونا بأن نبادل أصدقاءنا في Trégunc و نرد لهم الجميل بدورنا، و ذلك ما حدث. انشغل الكل بتحضير الإرسالية، و قام الأطفال بوضع بعض ما يميز البلدة: ليمون، كاكي، زيتون و الفقاس. هكذا اكتسب قسمنا نفسا جديدا. لقد أنتجت كتابات التلاميذ و التعبير الحر صفحة حياة جديدة. كل هذا يلقى اهتمام أهالي البلدة و يرسل إلى الأصدقاء »[8].
بهذا الشكل استطعنا بناء أسس بيداغوجيتنا، و تجاوز أنماط التربية التقليدية، عن طريق التحفيز المستمر للعمل و تأسيس قنوات لإثراء التجارب في الحياة.
«..ما كان ينبغي الإنتباه إليه من البداية في التربية التقليدية هي تلك الإجبارية التي تخضع التلاميذ؛ عبر القوانين و الكتب المدرسية و المعلم؛ و تفرض عليهم الإشتغال على أعمال لا تمت بصلة لحياة الأفراد، و بالتالي لا تلامس رغباتهم و لا تصل إلى جوهر اهتمامهم. هذا النظام غير فعال، لأنه تمت بلورته من طرف الكبار، و بثقافة و تفكير الكبار. و هكذا فإننا نساهم في عزل الطفل؛ و بشكل ممنهج؛ عن الحياة، لأننا نعتقد أن الباقي مضيعة للوقت و ابتعاد عن الجد» [9]
4.      بيداغوجيا الشرح الزائد:
يرى فريني أن من معايب و معيقات تجدد المدرسة هو الإطناب في الشرح الزائد الذي يقع فيه المدرس: «..اليوم صارت الشروحات تستبق كلا من الملاحظة و التجريب، هكذا تمارس وظيفة المربي حاليا...كان سيكون الحال أفضل لو لم يتدخل المدرس إلا بعد وجود حاجة لذلك لدى الأطفال/المتعلمين.. صار الإسهاب في الشرح يحاصر الطفل و يمنعه من التعلم الطبيعي، وهذا النمط التقليدي-السكولائي يتوجب شجبه. لقد صار الطفل غير مندمج مع الحياة الواقعية، تقريبا في كل المواد: حساب، علوم، تاريخ، جغرافيا، أداب..الكل صار عبارة عن درس في الكتاب، يتناوله المدرس بالشرح و التعليق. يأتي بعدها مباشرة دور التمارين التي ينتظر منها تأكيد و تثبيت القواعد السابقة، في حين كان يجدر أن نضع رهن إشارة الطفل الأدوات و الوثائق التي يصل بواسطتها بنفسه إلى المعرفة».
و يؤكد فريني على المردودية الناقصة الضعيفة و الأداء الباهت لمكتسبات التلاميذ من تعلمهم. كما يؤكد على دور التجربة الشخصية للطفل في بناء التعلم، حيث يثبت التعلمات و يرسخها و يقوم بتعديلها على الشكل الصحيح بواسطة التجربة الذاتية التي يتوجب على الطفل أن يعيشها بنفسه، لا أن تملى عليه على شكل تعليمات و قواعد مجردة كالتي تتضمنها التربية التقليدية، و التي تفتقر لأهم مبادئ البحث التجريبي le tatônnement expérimental كالتصويب و البحث و التطوير/التوسيع. وكذلك الشأن بالنسبة للذكاء الفني و اليدوي و العلمي، الذي لا يمكن اكتسابه عبر الأفكار وحدها، بل بالمبادرة و الإشتغال و المحاولة و التجريب الكفيلة كلها بذلك. من هنا ضرورة وجود نمط جديد للمدرسة.
يراهن فريني كذلك في التربية على ما أسماه في كتابه ب: الأسلوب الطبيعي للتربية. و ادرك ذلك بعد أن انتبه إلى عدم فاعلية الأساليب التقليدية. فعند تعليم القراءة، كان يلجأ إلى تقطيع الحروف، ثم تجميعها مع الحركات، فالكلمات فالجمل الكاملة. لكنه كثيرا ما كان يواجه باسئلة من التلاميذ تؤشر على وجود لبس و غموض في المفاهيم المدرسة. فحتى أدوات الترقيم لم تكن ذات معنى لديهم، و كانت الحصة تسبب مللا قاتلا للمجموعة. عير الطريقة و توجهوا نحو الكتابة الحرة، و صار لكل واحد الحرية في كتابة نصوص أو على شاكلة أبيات. و كل فرد يتحدث عن شيء يخصه، و بهذا كانت النصوص المكتوبة تتماشى مع الحياة التي يعيشونها. و بعد تجهيز النصوص و طباعتها كانت تعلق على جدران الفصل الدراسي. لكن فريني ظل مع ذلك يطرح تساؤلا: هل سيحقق الأطفال شيئا مما عجزت عنه الطريقة التقليدية؟ هل سيتعلم الأطفال القراءة بهذا الأسلوب؟
بعد تجربة النصوص الحرة و طباعتها تبين فيما بعد أن المتعلمين يحسنون القراءة بشكل جيد. و تأكد فريني من حقيقة مفادها أن التجربة المعاشة، و التي يتم تجديدها و إعادتها تؤتي النتائج المرجوة.      أمر آخر أدركه فريني هو تغير طبيعة العلاقة بين المتعلمين مع الفصل خصوصا بعد أن خصص ركنا في القسم و وضع فيه بعض النماذج الفنية و الأعمال اليدوية المصنوعة من الطين من طرف التلاميذ. إنها أنشطة تسمح للمتعلمين أن يكونوا فيها على طبيعتهم: إنها حياة متنوعة استطعنا تحقيقها.
بمعنى آخر، يصرح فريني بأنه بالإمكان التخلص من العوائق داخل الفصل و المشاكل المرتبطة بالإنضباط المدرسي فقط بخلق وسط تربوي و إنساني جذاب يستجيب لإمكانات و حاجات الطفل.
كل هذه الأفكار لم تبق جامدة في شكل مبادئ صورية، ذلك أنها أثمرت؛ بفضل مجموعة من الأطر التي تعاونت فيما بينها؛ أحد أنجع المشاريع التربوية في هذا القرن، و هذا بالنظر لتعدد الأنشطة التعاونية التي كان لبيداغوجيا فريني الفضل فيها:
-         فرق التبادل الثقافي بين المدارس  - التنظيم المستمر للعمل البيداغوجي  - إنشاء مدرسة فريني، المدرسة التجريبية لمنهجنا التربوي  - 5000 من المنشورات و الجرائد المدرسية في فرنسا و مختلف أنحاء العالم  - Gerbe و Art enfantin مجلتين خاصة بالطفولة  - مجلات تربوية تضم نقاشات تربوية  - إصدارات متنوعة  - تجريب و إنتاج وسائل و عدة تربوية للمدارس.

كيف تمارس تقنيات فريني

1.      تركيبة 'قسم فريني':
                  معلوم أن الفصول التقليدية كانت ترتكز على القوانين الموضوعة و الممارسات المدرسية المحددة سلفا من طرف المحيط و التقاليد من كراسي و صفوف و دروس و دوريات و كتب و برامج.. لا أثر للتلميذ و لا المدرس في كل ما يقرر له. لكن فريني ذهب بعيدا عن هذا يبحث في طريقة تمكن من إدماج المدرسة في الحياة، و جلب الحياة إلى صلب و قلب المدرسة. فكر في أن يجعل من المدرسة امتدادا للحياة الطبيعية في البيت، العائلة، القرية و المحيط. أسس فريني مدارس ترتكز في أساسها على حياة الطفل في محيطه، وبذلك فقد تختلف باختلاف السن و الزمن و طبيعة البلد و الأصول الثقافية و الأعمال و الإنشغالات.
و من الإنتقادات التي وجهها فريني للتقليديين أن البيداغوجيا عندهم مخصصة لكل فئة و حالة، ذلك أنها لا تتوفر على أرضية صلبة و أساس متين يرتبط بالطبيعة التي عليها المتعلمون أو محيطهم. فنجد لديهم بيداغوجيا حاصة بدور الحضانة، و أخرى للفصل الإبتدائي أو الإعدادي، وأخرى للمتميزين أو المتأخرين..هذا التجزيئ و الفصل بين المراحل العمرية عند فريني ومن وجهة نظر السيكولوجيا خطأ فادح. الطريقة السليمة برأيه تكون صالحة لجميع الأقسام و كل الأماكن، مع تغيير طفيف قد يصحب بعض الخصوصيات و يراعيها. فنجد أن التعبير الحر، التحفيز للعمل عبر الجريدة المدرسية و المراسلات بين المؤسسات، و الإبداع و التجريب و مخططات الإشتغال و التعاون و التنسيق التي تميز مدرسته كلها صالحة لجميع الأصناف العمرية من الروض إلى الأقسام العليا. إننا لسنا هنا بصدد تكوين إنسان في قالب جاهز، بل نبحث عن إنسان دينامي، حر و متفاعل.

2.      بداية الحصة:
يتحدث فريني عن مجريات الحصة، التي تبدأ بشكل عفوي و دون مراسيم قبلية من صف و انتظار صافرة الإذن بالدخول للحجرات الدراسية. كل شيء يبدأ بشكل طبيعي كأصدقاء، حتى أنه قد يحدث أن يتناسى الطفل إلقاء التحية على المدرس. يقوم مسؤولوا الفصل بالإستعدادات اللازمة، بعد 10 دقائق يجد المتعلمون أمامهم أوراق 27/21 من أجل الرسم أو التعبير الحر أو أي نشاط، بينما يقوم ثلاثة تلاميذ بقراءة نص أختير بعناية قبل الحصة بيوم، و يجدون فيها فرصة للقراءة المحفزة و للتثقيف، في أجواء هادئة. قد يحدث ألا تلقى القراءة استحسان الآخرين، لديهم الحق في التركيز على نشاط صامت كالرسم أو البحث عن مراجع...ما دمنا لا نفرض عليهم النشاط الذي يزاولونه. و إذا لقي القارئ صعوبة مع النص،يمكن أن نساعده في اختيار النص الملائم له بالإستعانة بالخزانة التي تحتوي كتبا مختلفة، و عند القراءة قد يتدخل زملاؤه أو المدرس ليساعدوه بنطق الكلمات الصعبة،أو حتى ينوب عنه. فالهدف لم يكن يوما إعطاء تقييم أو نقطة سيئة للمتعلم، كما في المدرسة التقليدية، الجميع هنا من أجل النجاح.  فور انتهاء القراءة يتم اختيار أفضل رسمين ليتم وضعه في "كتاب الحياة" الخاص بالقسم، ثم يجهز لنقوم بطباعته. إن النجاح نجده مرافقا على الطول في أنشطة التلاميذ. على النقيض مع التقليدية التي تبحث عن الخطإ من أجل العقاب، بل و الإهانة حتى. دور المدرس يكمن أساسا في مساعدة المتعلم على إدراك الخطإ و قيامه بتصحيحه من تلقاء نفسه. أما في الحضانة، فيأخذ الرسم مكان التعبير الحر و القراءة. و تقوم المربيات بالمصاحبة و جعل الطفل يتحدث عن رسوماته.



3.      برنامج العمل:
«إذا كانت برامج العمل في المدرسة التقليدية تكون محسومة سلفا، و محددة من خارج المدرسة (باريس)؛ و إذا كان المدرس ينص على سيرورة و مجريات الحصة في دفتر نصوصه مسبقا بالتفصيل، فإن السؤال يبقى مطروحا، هل هذا الإختيار المفروض من الخارج يناسب الأطفال حقا؟هل يتم الإشتغال في ظروف جيدة؟ و هل المردودية مقبولة؟»[10]
في طريقة عمله، ينحى فريني في اتجاه مغاير، و يؤكد أن الهاجس في قيام الأنشكة التعلمية إنما هو تلبية حاجياتهم و اهتماماتهم بأعمال تلامس حياتهم. فبعض الزملاء أزاحوا البرامج و التواقيت المدرسية. فلو توفر  المتعلمون على الإمكانيات و القدرات اللازمة و المهارة لتتبع المدرس فهذه هي الصيغة المنشودة، لكن القليل من النجباء من يفعل، لذا فإننا نعمل جماعيا على تنظيم الأعمال النشيطة للمتعلمين. بوسائل جديدة و تقنيات يتم اعدادها و تجريبها. و بالتالي، فعوض تقرير العمل سلفا و بشكل مفروض، فإننا نقوم جماعيا كأطر بتجضير الأنشطة يوم الإثنين بواسطة برامج العمل.
يستشهد فريني بأحد الزملاء الذين يعملون وفق برنامج عمل ليعطي تفاصيله (ص:66).
يتميز هذا البرنامج بكونه مجزءا إلى أربعة برامج: عام/سنوي/شهري/يومي.
أما البرنامج العام فيتناول الأشغال و الأنشطة الوظيفية، ترتكز على ما يريده الطفل و يفصح عنه في كتاباته خلال التعبير الحر أو رسوماته.
 أما البرنامج السنوي: هو خلاصة ما ينبغي علينا التطرق له في الحساب، النحو، التاريخ،الجغرافيا، العلوم..يتم تتبعه بواسطة دفتر لدى المدرس صفحاته مجزأة إلى خانات،  وكلها تحتوي على سؤال من البرنامج  المسطر من المدرسين. بالطبع لا يوجد ما يفرض ترتيبها لتتبعها كما هي مسطرة، ينبغي مراعاة اهتمام و إرادة المتعلمين أولا. ما عدا التاريخ، فالحتمية الكرونولوجية تفرض ذلك.





نموذج لبرنامج عمل شهري بأسلوب فريني:

 



مميزات بيداغوجيا فريني:

يمكن تلخيص بيداغوجيا فريني في ارتكازها على مفاهيم أساسية ثلاث:

·       التعبير الحر و التواصل .
·       التنظيم المشترك الذي يهدف إلى التسيير الذاتي و المسؤول.
·       التعلم عن طريق التجربة و المحاولة.

أما المبادئ فيمكن أن جمعها في المميزات البيداغوجية التالية:

·       لا ينبعي فرض أي طريقة للقراءة.
·       التعبير الحر و الرسم نشاطان فيويان مطلوبان لأنهما يعززان الرغبة في الكتابة.
·       البرامج يتم ربطها بواقع التلميذ: ندرس الجغرافيا إنطلاقا من خرجة أو رحلة بالحقول.
·       تستمد جذورها من المعيش اليومي للمتعلمين في الفصل.
·       ترتكز أساسا على الطفل و تنتهي إليه.
·       تعطي معنى للتعلمات: نكتب/نرسم لننشر في الجريدة المدرسية. نتواصل لكي نقوم بالمراسلات بين المدارس.
·       تعطي الكلمة للطفل و تفسح له المجال للتعبير: التعبير الحر، المطالعة ، الرسم بالإختيار.
·       تراعي الخصوصيات: عمل الأفراد، تعاون، أعمال مختلفة حسب الحاجة (بيداغوجبا فارقية).
·       تنفتح على الحياة : رحلات، مشاهدات، جولات بالبلدة، بحوث، اهتمام بأنشطة المحيط.
·       تفسح المجال للطفل للتعلم و التجربة : التعلم بالتجربة.
·       تكون الأشخاص بإشراكهم الجماعي في صياغة البرامج، و تنمي التعاون و العمل المشترك.
·       تنمي القيم الإنسانية كالتعاون، التنسيق، المشاورة، التكافل بين الأطفال أفراد/جماعات.

























أهم الكتب و المراجع التي تتحدث عن بيداغوجيا فريني:


§  Célestin Freinet, L'imprimerie à l'école, 1927.
§  Célestin Freinet, Œuvres pédagogiques, Seuil, 1994, tome 1.
§   Célestin Freinet, Plus de manuels scolaires, 1928.
§  Célestin Freinet, La méthode naturelle (1963).
§  Célestin Freinet, Les techniques Freinet de l'École moderne (1964).
§  Marc-André Bloch, Philosophie de l'éducation nouvelle (1948), PUF, 1968.
§  ICEM, Pédagogie Freinet. Perspectives d'éducation populaire, Maspero, 1979.
§  Guy Avanzini, P. Clanché et al., La pédagogie Freinet. Mises à jour et perspectives,1994.
§  Henry Peyronie, Célestin Freinet. Pédagogie et émancipation, Hachette éducation, 1999.
§  Roger Cousinet, Une méthode de travail libre par groupes, 1943.
§  Philippe MeirieuCélestin Freinet. Comment susciter le désir d'apprendre ?, PEMF, 2001.
§  Ginette FournèsLa danseuse sur un fil : une vie d'école Freinet, École vivante (2009).
§  Sylvia Dorance, S'engager dans la pédagogie Freinet, École vivante (2014).
§  Henri L.Go, "Freinet à Vence. Vers une reconstruction de la forme scolaire",2007.






[1] Les Techniques Freinet de l’Ecole Moderne . Celestin FREINET, coll Bourrier, Lib A. Colin. Paris,1968   ص:5-6 
[2] نفس المرجع السابق (أنظر ص:7-8)
 [3]  نمط تعليمي جامعي في القرون الوسطى يرتكز على اللاهوت و الفلسفة، كانت الكنيسة تمارس وصاية على التفكير الفلسفي لكي يتماشى فقط مع العقائد التي تمليها عليها السلطة الدينية  
[4] مخطط أسس للبيداغوجيا الفارقية،نشأ في دالتون الأمريكية سنى1917،و يعطي الصلاحية للتلميذ بالعمل بشكل ذاتي،حسب الإيقاع الذي يناسبه.
[5]  Les Techniques Freinet de l’Ecole Moderne . C. FREINET, coll Bourrier, Lib A. Colin. Paris,1968  (ص:18-20) 
[6] نفس المرجع  (أنظر ص:22)
[7] نفس المرجع السابق (أنظر ص:23)
[8] نفس المرجع السابق (أنظر ص:24)
[9] نفس المرجع السابق (أنظر ص:24)
[10] نفس المرجع السابق (أنظر ص:65)

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage