3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المدرسة المغربية والسؤال البيداغوجي المغيب

الخط


















المدرسة المغربية والسؤال البيداغوجي المغيب









عبد الرحيم الضاقية







عرف النقاش التربوي منذ مدة سيادة الخطاب التدبيري التقنوي الغارق في الإجراءات المسطرية  والمالية . وبالمقابل تم تغييب سؤال المقاربة التربوية الموجهة أساسا إلى بناء الدرس وتنفيذه وتقويمه مع الاجتهاد في إبداع وضعيات تعليمية- تعلمية لتقريبه أكثر من المتعلمين /ات وفق مقاربة تأخذهم بعين الاعتبار ككينونة تمنح معنى لموضوع التعلم. لقد مرت أزيد من 10سنوات على إعادة النظر في الكتب المدرسية التي أصبحت مضامينها ومنهجياتها متقادمة. إن واقع الحال يحيل على الضجر الذي دب في نفوس جل المشتغلين/ات بهذا الحقل وعلى مختلف المستويات . كما أن متعة الدراسة/ التدريس لدى المعلمين /ات والمتعلمين/ات أصابها الفتور في الكثير من ألأحيان بفعل الحلقة المفرغة التي ولجتها المدرسة المغربية... إلى أي مدى يمكن رسم خلفية للمسار البيداغوجي ؟هل من حلول ومسارب لإعادة طرح الهم البيداغوجي بملحاحية على طاولة النقاش الدائر حول إعادة النظر في مآل المدرسة المغربية ؟
1.      تجارة المعرفة ،كم هي مربحة
في بدايات المدرسة المغربية العصرية كانت المقاربة السائدة هي عملية نقل للمعارف من ذات عارفة هي المدرس الذي كانت تقع عليه مسؤولية تلقين المعارف المختلفة عبر طريق واحد تنساب منه الإخبارات والمعلومات المختلفة والتي كانت تشكل موادا أو مكونات كثيرا ما تتسم باندماجها في وحدات كبرى . حيث نجد مكون اللغة العربية يشمل القواعد والصرف والعبادات والقراءة والتعبيرين الكتابي والشفهي ...أما عودة هذه المعارف فتتخذ شكل تمارين واختبارات كان الهدف منها استرجاع المعارف لقياس مدى نجاح مهمة التلقين . تأثر هذا النموذج بالمدرسة القرآنية في شقه العربي والمدرسة التقليدية الفرنسية في شق اللغة الأجنبية والعلوم، وقد أطلق على هذا النموذج المربي البرازيلي باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين" التعليم البنكي حيث كانت المعارف عبارة عن ودائع توضع في حسابات بنكية لمدة معينة ،ليأتي يوم الاسترداد وقياس مدى ودرجة الاحتفاظ بالوديعة كاملة . لم يكن هذا النموذج يطرح سؤال المتعلم  /ة ودرجة تفاعله مع موضوع التعلم بل كان السؤال المركزي يتمثل في ملائمة المعارف للطلب الاجتماعي المتمثل في تزويد الإدارة بأطر قادرة على القيام بمهام محددة . وكانت هذه المنهجية مربحة اجتماعيا رغم عدم تدقيقها في جودة العلاقات التربوية بالنظر إلى قراءة المجتمع لمخرجاتها بشكل براغماتي واعتبار المدرسة سلما اجتماعيا يتيح الحركية الطبقية .
2.      من الغايات إلى الأهداف :
هبت على المدرسة المغربية رياح التغيير عبر توسيع العرض التربوي الذي عرف شبه تعميم للمدرسة التي أضحت رهانا اقتصاديا واجتماعيا وليس فقط إجراءات لمحاربة الأمية . وتسربت الى الخطاب التربوي مفاهيم السوق باعتناق مبادئ العقلنة والفعالية وترشيد النفقات . وقد تزامن هذا المعطى مع فتح مدارس عليا لتكوين الأساتذة وتوسيع قاعدة المراكز التربوية الجهوية واستقبال أفواج من المكونين /ات الذين تشبعوا بمدارس تربوية حديثة تصبوا الى تطوير النموذج البيداغوجي ومواجهة ماسمي " المناهج التقليدية " بعدة مفاهيمية وإجرائية جديدة شكلت الأفواج الكبيرة من المتخرجين رسلها الذين وسعوا قاعدة ممارسيها على طول وعرض الوطن . وقد تمثل هذا الاختيار البيداغوجي في ماسمي بمقاربة التدريس بالأهداف والتي كانت تبنى على منهاج تعليمي متكامل ينطلق من غايات كبرى الى أهداف خاصة بكل مادة الى أهداف نوعية بكل وحدة ثم الى أهداف إجرائية خاصة بكل وحدة من وحدات الدرس . وقد بدل مجهود محمود في توسيع التكوين الجماعي والذاتي لنشر هذا النموذج البيداغوجي عبر الأيام التكوينية والإخبارية في بداية التسعينيات في إطار تكوينات وتداريب . كما تم تعزيز العدة الوثائقية بواسطة منشورات ومجلات متخصصة صادرة من الرباط أو الجديدة إضافة الى سلسلات من المؤلفات التي تتبنى نفس المقاربة .وقد أسفر هذا الوضع عن إنتاج خطاب متميز وتكوين رصيد يشترك في عدته المفاهيمية والتي أضحت شبه موضة تلف جنبات الخطاب التربوي .ويوصم بالتقليدي كل ممارسة أو خطاب لايتبنى بيداغوجيا الأهداف حيث طبعت المقاربة الكتب المدرسية والتكوينات المصاحبة .
3.      كفايات ، وكفاية ؟ :
عرفت نهاية التسعينيات نقاشا سياسيا ومجتمعيا ساخنا وضع المسألة التعليمية على المحك ، كما أن تقرير البنك الدولي لسنة 1994 وضع الأصبع على أزمة عميقة للمنظومة . وبدأ التفكير في إصلاح شمولي توج بالميثاق الوطني لتربية والتكوين الذي شكل نصا توافقيا بين مختلف المكونات المجتمعية . وكان النص فعلا متقدما ،على مستوى المنطوق على الأقل ، حيث نص على تبني مقاربة تربوية جديدة تتساوق مع ما يوجد في المنظومات العالمية وهي مقاربة التدريس بالكفايات . وتلت الميثاق وثائق إجرائية دققت المقاربة منها – خاصة - الكتاب الأبيض الذي صنف الكفايات الى استراتيجة ومنهجية وتواصلية وثقافية وتكنولوجية ، كماجعل من الكفايات عناصر تحدد مواصفات التخرج من مستوى أو سلك تعليمي .وترتب عن مراجعة المناهج والبرامج إنتاج كتب مدرسية جديدة تتبنى المقاربة نفسها مع إقرار التعدد في التناول والمعالجة الخاصة بالدروس والمكونات والمراحل في كافة الأسلاك التعليمية .إلا أن المتتبع الفاحص للمردودية الداخلية والخارجية للمنظومة يقف على تقارير المجلس الأعلى للتعليم ( 2008/2009 ) ونتائج الدراسات الدولية على مستوى التحصيل وجودة التعلمات ،وهي تجمع على تراجعات كبرى على مستوى الرصيد المعرفي الذي يتبقى للمتعلم /ة أثناء وبعد مغادرته للمدرسة . ويجد الباحث أن خطاب الكفايات يملأ الوثائق  والمنتديات وورشات التكوين لكن الممارسة الفعلية في الفصول الدراسية لازالت غارقة في ثقنيات هجينة منها ماينتمي للمدرسة التلقينية المعرفية ( خاصة في بعض المواد) ومنها ما يحمل بعض ملامح التدريس بالأهداف . فاختلطت المقاربات بشكل لا يسهم في تطوير الممارسة الديداكتيكية فغرق الدرس في إجراءات منزوعة السياق لا طعم ولا رائحة لها دون الوصول الى المقاربة المأمولة ولا البقاء في المقاربة القديمة بكل عناصر قوتها .زاد من سواد الوضع عدم تطبيق عدة التكوين المستمر كمانص عليها الميثاق ثم ولوج مهنة التدريس أفواج من الأساتذة/اة بدون تكوين أساس  إضافة الى انحسار دور التفتيش التربوي بفعل إغلاق المركز. يحصل هذا في وقت يوجد فيه الفاعلون في أمس الحاجة الى فتح نقاش تربوي رصين حول الكتاب المدرسي المتعدد وعدة التقويم بواسطة الأطر المرجعية .
4.      إدماج بدون " إدماج ":
أسفرت التقارير الداخلية والخارجية على سن خطة استعجالية قيل عنها أنها سوف تسرع من وثيرة الإصلاح . وقد جاءت هذه الخطة بنموذج بيداغوجي سمي (( بيداغوجيا الإدماج )) وكان عبارة عن أجرأة منهجية للمقاربة بالكفايات الواردة في الوثائق المرجعية .وتتأسس هذه المقاربة على إدماج المعارف التي تم تدريسها على شكل موارد مشتتة عبر وضعيات مركبة يتم إنتاجها في سياقات قريبة من اهتمامات المتعلمين /ات . ورغم ما أتت به المقاربة من عدة تقنية وبرنامج تكويني مكثف ، إلا أن التدبير الإجرائي  والمالي وكذا عدة التقويم التي كانت معقدة وتتجاوز قدرات المدرسين /ات من حيث الإعداد والتنفيذ والتصحيح سرعان ماعصفت بها  من خلال قرار إداري لم يراع الأثر التربوي على المنظومة . خصوصا وأن أجرأة مقتضيات هذا الخيار البيداغوجي وصلت مراحل نشر التوجيهات التربوية وبداية التأليف المدرسي وفقها . فتم تصريف فعل عدم الإدماج على بيداغوجيا الإدماج .
5.      هل من بدائل ممكنة ؟
إن المسترجع للمسار المسلوك إلى الآن يستطيع الوقوف على غياب مقاربة تربوية داخل القسم المغربي . لأن التكوين الذي تم إنجازه أثناء إرساء بيداغوجيا الإدماج كان من أهدافه هدم الأساس النظري والعملي الذي استند عليه بناء نموذج الكفايات في الكتاب الأبيض أي الخلفية النظرية التي استندت عليها إعادة النظر في البرامج والمناهج والمؤجرئة ضمن التوجيهات التربوية والكتب المدرسية المعمول بها في الأسلاك الثلاث منذ 2003 . هذا المنحى التفكيكي   (ديريدا، الكتابة والاختلاف ، الدار البيضاء) لم ينتج إعادة بناء للنموذج بل أسس لمنهجيات تم إلغاؤها بمنطق إداري وليس بنقاش وتأسيس نظري . إذن تتواجد المنظومة الآن على مستوى المقاربة البيداغوجية في شبه مساحة أنقاض فارغة مثل ساحة حرب بدون معالم . وانعكس ذلك على مستوى الفصول الدراسية حيث يسود الارتجال لعدم وجود بوصلة تستند على نموذج بيداغوجي مؤسس . ويوجد المدرسون /ات في وضعيات لا يحسدون عليها حيث يكتنفها الغموض في ظل إكراهات المردودية و ضغط المحطات الإشهادية . وبالنظر المقوم للنماذج السالفة الذكر يبدو أن المقاربة المعرفية وإن كانت لا تعير اهتماما للجانب العلائقي مع المتعلم/ة لكنها كانت تنتج تكوينا رصينا على مستوى المعارف . أما مقاربة الأهداف فرغم تفتيتها للمعرفة وهاجسها التقويمي ومركزية المدرس/ة فإنها حريصة على استيفاء مفردات المنهاج في الآجال المقررة دون هدر للزمن المدرسي . أما المقاربة بالكفايات فإن أجرأتها لم تتم بالشكل الأمثل ( تقرير المجلس الأعلى 2008 ج1 ) مما فرض تبني بيداغوجيا الإدماج التي سقطت بدورها في الهاجس التقنوي المعقد خاصة على مستوى التقويم .ورغم ذلك فإنها تهتم بعلاقة التلميذ/ة بموضوع المعرفة المدرس إضافة إلى طرح موضوعة الدعم والمعالجة بشكل يساعد التلاميذ المتعثرين على تجاوز صعوباتهم .أمام هذا الوضع لامناص من الوعي بالمعطيات والعناصر التالية :
·       أن الوقت لم يعد في صالح المنظومة فالإصلاح راوح مكانه منذ 15 سنة خلت .
·       أن التشخيصات موجودة ومتفق عليها سواء على مستوى الداخلي او الدولي .( المجلس الأعلى).
·       لن يمكن تكوين أعداد كبيرة من المدرسين/ات بنفس الحماس والتعبئة البشرية والمالية التي تمت في إطار البرنامج الاستعجالي ( 2009-2012) .
·       أن منطق الإصلاح لا يمكن أن يخضع لمنطق التراتبية الإدارية بالنظر إلى التجارب الدولية . لأن التفكير في قضايا مصيرية يتعين أن تقوده شخصيات ذات علم وخبرة وكاريزما وغيرة وطنية بعيدا عن السلم الإداري والانتماءات والو لاءات .
·       لابد من القطع مع التساهل في عدم احترام الآجال الذي طبع تفعيل برامج الإصلاح التربوي الشيء الذي كانت له عواقب وخيمة على الأجيال والمنظومة والمجهود المالي والتنظيمي .
لعل تركيب هذه الأفكار وغيرها قد يمكن من الخروج من الغيبوبة الدماغية التي طبعت المنظومة منذ خطاب غشت 2013 . إن الخبرة الوطنية قادرة على التعامل الايجابي مع ما يعتمل في المنظومات الدولية على مستويات عدة باتخاذ إجراءات إنقاذية أولا تستحضر المكاسب وتتخذ إجراءات تطبعها الجرأة لإيقاف النزيف .  ثم إجراءات وقائية تحصن القرارات وتعيد الروح لمنطق القانون والمساطر التنظيمية التي تحمي الحلقات الضعيفة في المنظومة : التلاميذ/ات والأسر . ثم إجراءات تأسيسية لنموذج رصين يأخذ من المسار الإصلاحي الجوانب المضيئة فيه ، كل ذلك في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة .


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage