3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المدرسة و التطرف

الخط






المدرسة والتطرف
محمد بادي
أحمد السباعي
إشراف:
الأستاذ الحسن اللحية



التطرف: المفهوم والمقاربات
 "نعرف التطرف حينما نراه، ونعرف المتطرفين حينما نراهم." [1]

تمهيد

            يصعب وضع تعريف دقيق لمفهوم التطرف، إذ " لا وجود لشيء موضوعي ودائم يمكن وصفه بالتطرف، سواء أكان سلوكا، غاية، قيمة أو فكرة." [2] فالتطرف لغة - كما سنرى – هو تجاوز حد الاعتدال، " وحد الاعتدال نسبي، يختلف من مجتمع إلى آخر وفقا لنسق القيم السائدة (...) فالتطرف والاعتدال مرهون بالمتغيرات البيئية والحضارية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع. كما يتفاوت حد الاعتدال والتطرف من زمن لآخر، فما كان يعد في الماضي تطرفا قد لا يكون كذلك في الوقت الحاضر." [3]
            بالرغم من اعتبار ج. بي. هالدين التطرف ضمن أربعة مخترعات بالغة الأهمية فيما بين سنتي 3000 ق.م و1400 م[4] بحيث يعده اختراعا يهوديا/ مسيحيا.[5] فإن هذا المفهوم ظهر للوجود بشكل بارز في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحالي. وعلى الرغم أيضا من اعتبار اليونيسكو "التطرف العنيف والقوى المستترة للأصولية أكثر التحديات المستمرة في زماننا" [6] وعلى كثرة الدراسات التي تناولت مفهوم هذا المفهوم الخطير، يبقى التطرف من أعقد المفاهيم الحديثة، وذلك راجع لأسباب متعددة، لعل أبرزها النسبية التي تعد من صميمه، إذ "يبدو الأصوليون الدينيون بسهولة كمتطرفين بالنسبة للبراليين، مثلما يبدو المدافعون عن التعددية الثقافية متطرفين في أعين القوميين، وتبدو أقليات المبيحين للحرية الجنسية متطرفة بالنسبة للمحافظين، في الحياة الواقعية ما يبدو غريبا، منحرفا، سلبيا ومتطرفا بالنسبة للبعض، قد يبدو في أعين الآخرين عاديّا، أصيلا ولا يحتاج إلى تفسير." [7] وعليه "فلا يوجد معيار علمي موضوعي للتطرف. ولكن قد تصبح هذه المقولة ذات قيمة إذا ما جرى التعامل معها من منطلق أخلاقي؛ بمعنى أن الأحكام السياسية تقع في إطار العقل العملي وتتضمن بعدا أخلاقيا، هو الوحيد غير النسبي فيها؛ فالمعايير الأخلاقية الكونية، إذا وجدت، يمكن أن تمنح الاعتدال والتطرف مضمونا ما، بغض النظر عمن يقوم بهاما، لاسيما أنه يكمن خلف كل دلالات التطرف نفور من ممارسات الآخر وأفكاره، والموقف الأخلاقي وحده قادر على أن يخضع نحن للمعيار ذاته." [8]
            لكن غياب هذا المعيار الموضوعي للتطرف والاعتدال، يتيح الفرصة أمام تأويلات "أحادية" تحاول فرض رؤيتها على العالم انطلاقا من كون  "المعيار الوحيد المقبول لتوصيف الأعمال واعتبارها من قبيل التطرف أو الاعتدال هو الميزان الشرعي الذي يقوم أساسا على تحكيم الكتاب والسة." [9]
             وعلى هذا الأساس وتجنبا لأي تأويلات مماثلة، سنحاول في هذا الفصل، انطلاقا من الدلالة اللغوية والتعريفات الاصطلاحية السابقة، وضع تعريف يقارب هذه الظاهرة، ويحدد أنواعها وأشكالها وأسبابها وآثارها وصيرورتها، متناولين ثلاث مقاربات نظرية تناولت الظاهرة بمختلف أبعادها.

1.     مفهوم التطرف


1.        إيتيمولوجيا التطرف
            بالرغم من كونه من الناحية الاشتقاقية أصيلا في العربية، يعد مفهوم التطرف مصطلحا وافدا، مثل أغلب المفاهيم الحديثة، فقد "شاع استخدام كلمة التطرف في العقد الماضي بمنطقتنا [العربية] ترجمة للكلمة الأنجليزية Extremism  وتردد معها استخدام كلمة الأصولية ترجمة للكلمة الأنجليزية Fundamentalism والأصولية في معجم وبستر مصطلح أطلق على حركة احتجاج مسيحية ظهرت في القرن العشرين، تؤكد ضرورة التفسير الحرفي للكتاب المقدس.. ولم يقدر لهذا المصطلح [الأصولية] أن يشيع في منطقتنا العربية لاختلاف دلالة الأصولية في اللسان العربي، التي توحي بالتمسك بالأصول، وهو أمر محمود [كذا] .. فكان أن استخدم مصطلح التطرف للدلالة على التشدد وتجاوز الحد في الدين في الكتابات العربية." [10]

2.        الدلالة اللغوية
            التطرف لغة الوقوف في الطرف[11]، و"مجاوزة حد الاعتدال، قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتفت        بها الحوادث حتى أصبحت طرفا" [12]
            وعلى هذا الأساس، وبما أن الطرف من الشيء يأتي بعيدا عن الوسط في أحد الجانبين، "ينتظم في سلك [التطرف] الإفراط والتفريط على حد سواء." [13]
3.        الدلالة الاصطلاحية
            تبني أغلب التعاريف المقدمة للتطرف الدلالة الاصطلاحية على الاشتقاق اللغوي، ذلك أن " التطرّف واصفًا أيّ فكرة ورأي وسلوك وذوق ومزاج.. يفيد الذهاب بتلك الفكرة أو ذلك السلوك إلى الحد الأقصى، وما ينطوي عليه ذلك بالضرورة لناحية الارتباط بين السلوك والقيم من تأكيد بعدٍ واحد في الظواهر المركّبة على حساب غيره. وبهذا المعنى يمكن أن تكون الذات الفاعلة، سواء أكانت فردًا أم جماعة، متطرّفة في عنفها أو سلميتها، وفي تشدّدها أو تسامحها، بل ومن الممكن أن تكون متطرفة في اعتدالها، أو في وسطيتها. فالتطرف بناء على ذلك، حسب الكندري ورفيقها  (2009): "هو المبالغة في التمسك فكرا أو سلوكا بجملة من الأفكار قد تكون دينية عقائدية أو سياسية أو اقتصادية أو أدبية أو فنية، تُشعر القائم بها بامتلاك الحقيقة المطلقة، وتخلق فجوة بينه وبين النسيج الاجتماعي الذي يعيش فيه وينتمي إليه. الأمر الذي يؤدي إلى غربته عن ذاته وعن الجماعة ويعوقه عن ممارسة التفاعلات المجتمعية التي تجعله فردا منتجا. وعليه فإن التطرف في جوهره ينطلق من نظرة تنزيهية للذات والنظرة السوداوية والعدائية للآخر، وهذا ينسحب على الدين والعرق وكل مكونات الذات."  [14]  
            وهذا التعريف من أجود التعاريف التي  صادفناها، نظرا لشموله لكافة أنواع التطرف، ولتبيانه لخصائص هذه الظاهرة، وأخيرا لقربه من الدلالة اللغوية. علىى أننا نجد عددا من الدارسين يعتبر التطرف "موقفا سياسيا يرفض معتنقوه أي فرصة للحوار، كما يرفضون أي تلميح حول وجود قصور أو خطإ في فهمهم، ويذهبون في جدلهم إلى أبعد مدى ممكن."[15] أو هو حسب بعضهم "موقف عدائي تجاه أي نظام اجتماعي قائم أو سواه، يحبذ تغييرا جذريا عنيفا لذلك النظام" [16].
            وكما هو واضح فإن هذين التعريفين يعتبران التطرف موقفا، فيما نتبنى في هذا البحث كونه التزاما بفكر، أو سلوكا ذو خصوصيات محددة. ومن جهة أخرى فإن التعريفين الأخيرين يقصران التطرف في نوع وحيد هو التطرف السياسي؛ فيما نتبنى فكرة اتخاذه أشكالا شتى سنبينها في الفقرات التالية.
            كما أن هناك تعريفات أخرى لا تميز بين التطرف وبعض من المصطلحات المتقاطعة معه، فنجد زهير الرواشدة (2015) يعتبره هو "الغلو في عقيدة أو فكر أو مذهب أو غيره، مما يختص به دين أو جماعة أو حزب." [17] وهو ما سنناقشه في الفصل الثاني (فقرة المصطلحات المتقاطعة مع التطرف الديني).
            وبالعودة إلى المعيار الموضوعي الذي يُعتمد في اعتبار فكر أو سلوك ما ينزع نحو التطرف، فإننا سنتبنى معيار احترام حقوق الإنسان والتربية على الديموقراطية، باعتبار أن النظام التعليمي ببلادنا يحدو حدو "الانفتاح الشامل على الحداثة"[18] و "التطلع الدائم للمعاصرة"، ويهدف إلى إقامة مشروع مجتمعي ديمقراطي،حيث "يربى المواطنون وهم [...] متشبعون بروح الحوار، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون."[19] وفي سياق كهذا، يسعى نحو تحقيق  الديموقراطية اللبرالية، "يمكن أن ينطبق [التطرف] على أي أيديولوجيا تناصر التفوق العرقي أو الديني و/أو تعارض المبادئ الأساسية للديموقراطية وحقوق الإنسان."  [20]

2.     خصائص التطرف

            يشترك المتطرفون عموما في خصائص نفسية واجتماعية مشتركة، تميزهم فـعلى الرغم من أن هناك فروقا واضحة بين المسيحي المتطرف، والمسلم المتطرف، والقومي المتطرف، والشيوعي المتطرف، والنازي المتطرف، إلا أنه يبقى صحيحا أن التطرف الذي حرك هؤلاء كلهم هو تطرف ذو طبيعة واحدة. وتصدق هذه الملاحظة على القوة التي تدفعهم إلى التوسع ومحاولة السيطرة على العالم. [21]
            لكن خصائص التطرف لا تتشكل جملة واحدة وعلى نحو واحد، بل تبدأ في التشكل على المستوى النفسي والاجتماعي شيئا فشيئا، وسنتطرق لهذه الصيرورة في الفقرات الموالية. لكن ما يهما هنا هو الإشارة إلى الخصائص العامة للتطرف والتي يمكن تصنيفها إلى الأنواع التالية:
§         الخصائص النفسية
            يتصف المتطرفون بتشكيل نفسي ذي مميزات خاصة، فالأصولية عاطفية وصعب أن [نواجهها] .. فالأصوليون جامدون، مبرمجون لدرجة أن الجدال معهم يكاد يكون غير مجد. [بحيث] يغش الغضب والانفعال حكم الأصوليين ومنطقهم." [22] ويرجع السبب في ذلك للمنزع النرجسي والاصطفائي في الاعتقاد الذي يوهم جماعة من الناس بأنهم الأحق والأصدق والأفضل بين الناس. [23] وهذا "التشكيل النفسي هو ما يحكم نظرة الفرد للمواقف والتغيرات المحيطة به. إن الحدية التي تقوم عليها هذه النظرة واعتقاد توفر الجواب باستمرار ليست منطقية وأن جوابنا هو الصحيح بالضرورة وجواب الآخر خاطئ بالضرورة." [24] "إنه هوس الذاتية وهواجس الهوية والنرجسية الثقافية والتحجر العقائدي والانغلاق الفكري.." [25]
§         الخصائص الاجتماعية
            يعرف جيرالد برونير Bronner Gerald التطرف بأنه "الالتزام غير المشروط بمعتقدات ضعيفة الانتقال بين الذوات و/أو تتضمن إمكانية اعتلال اجتماعي." [26] وبناء على هذا التعريف، يمكننا وصف المعتقدات المتطرفة بكونها "ضعيفة الانتقال"، وذلك لأنها مختلفة عن المعتقدات والأفكار السائدة في مجتمع ما. إلا أن هذه الأفكار والمعتقدات تجد "مصداقيتها" لدى الملتزمين بها في"أصالتها" وانبنائها على الرجوع إلى سلف قديم، وهو ما يميز كافة المتطرفين، فهم يشتركون بوجه عام، في "خصيصة التطلع إلى الأيام الخوالي والأساليب القديمة كنموذج لحياة أفضل، كما يشتركون في الاعتقاد بعصمة الكتاب المقدس (يمكن التجرؤ على تعميم هذه الخاصية، رغم أن الحديث هنا عن جماعات اليمين المتطرف المسيحي في أمريكا)، وفي وجهة النظر القائلة بأن الرب يرزقهم العلم الصحيح." [27]
            ويشير أوليفييه روا في كتابه "نحو إسلام أوروبي" إلى خاصية شديدة الصلة بالفكر المتطرف وهي كونه عابرا للجماعات، حيث "يقوم التطرف على بناء مخيالي، هو بناء الأمة المستحيلة، لأنها بلا مكان." [28] وهناك درجة من التماثل بين هذه الجماعات تتجلى في إخلاصها للحركة، وفي إيمانها، وفي سعيها إلى السلطة، وفي وحدتها، وفي استعدادها للتضحية بالنفس... مهما كانت  القضايا المقدمة التي يموت من أجلها، فإنهم، على الأرجح، يموتون للسبب نفسه. [29]
ويشير عزمي بشارة إلى خاصية خطيرة ذات بعد اجتماعي، وهي أن "المتطرف هو الذي يرفض التسويات التي تمكن من العيش المشترك، والذي يعلم أن رفضه هذا قد يؤدي إلى حرب أهلية."  [30] فالتطرف – حتى وإن كان الأمر هنا يتعلق بالسياسي منه على الخصوص -  يرفض التسويات التي من شأنها أن تساعد على القبول بالآخر المختلف: السماح بالاختلاف وتقبله واعتباره أمرا عاديا، اعتبار "الحقيقة" أمرا نسبيا، متعددا، والقبول بالعيش المشترك مع الذين نرى أنهم على خطأ.

§         الخصائص الثقافية/الفكرية
            يلخص المفكر اللبناني منبع التطرف والإرهاب في "تعلق الواحد بمبدأ أوحد، أو اعتقاده بوجود قراءة واحدة للمعطيات أو حل وحيد للمشكلات، أو ادعاؤه بأنه وحده - من دون سواه - يملك الحلول أو  قادر على تنفيذها. [31] ولذلك فبالنسبة للأصوليين، "هناك إما الأبيض أو الأسود، إما تابع لقوانين الله أو لقوانين المجتمع، فعلى القوانين أن تؤسس على العقائد[32]، وإن كان الحديث هنا عن  المسيحيين المحافظين، فإننا سنجرؤ مرة أخرى على تعميم هذه الخاصية على كل أصناف المتطرفين.
            وعموما يمكن تلخيص الخصائص النفسية والاجتماعية والفكرية للتطرف أو المتطرفين بشكل أدق، في الصفات التالية والتي تشكل أيضا الأسباب الرئيسية في خطورهم، والتي تجعل منهم أخيرا، جبهة يصعب مواجهتها:
·       أنهم متزمتون ومقتنعون تماما أنهم على حق.
·       أنهم جزء من "الكنائس" التي تطلب الالتزام بالمذهب الديني، والتي تتوقع طاعة عمياء.
·       تحركهم العاطفة أكثر ما يحركهم العقل..
·       [أنهم] مرحبون بالعنف في سبيل [معتقداتهم] [33] إذ "يسهل على الأصوليين استخدام العنف بصناعة وجهة نظر.." [34]

3.     أشكال التطرف

         انطلاقا من اعتبار جيرالد برونو التطرف "التزاما غير مشروط بمعتقدات ضعيفة الانتقال بين الذوات و/أو تتضمن إمكانية اعتلال اجتماعي"،[35] يصنف المتطرفين إلى ثلاثة أشكال:
1.      المتطرفون ذوو معتقدات منخفضة الانتقال بين الذوات ومنخفضة الاعتلال (المولعون بالأطباق الطائرة والأصوليون الدينيون غير التوسعيين الذين قد يعرضون حياتهم للخطر ولكن ليس حياة الآخرين)
2.      المتطرفون ذوو معتقدات قابلة للانتقال بين االذوات ومعتلة اجتماعيا (حركات عنيفة ولكنها "مفهومة" من قبل الكثيرين كحركات المقاومة الوطنية المتطرفة، حركات حقوق الحيوان..)
3.      المتطرفون ذوو معتقدات منخفضة الانتقال بين الذوات وشديدة الاعتلال الاجتماعي (الانتحار الجماعي، الإرهابيون الانتحاريون أي العنيفون غير المفهومين)

4.     أنواع التطرف
            تتجاذب المجتمعات أنواع شتى من التطرف الديني، الأيديولوجي، السياسي، الثقافي، الإثني، الفكري أو السلوكي منذ قرون.[36] ولذلك فنحن واعوون بضرورة أنه لا ينبغي التركيز على ما يسمى بالتطرف الديني فحسب، وإنما يلزم دراسة التطرف الفكري بوجه عام. [37] إذ يمكن للأيديولوجيا والسياسة أو غيرهما أن تجذب الأصوليين. وهذا يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل رسم خطوط واضحة بين الأشكال المختلفة للأصولية.[38] فآراء المتطرف يمكن أن تظهر على نطاقات متعددة: لتشمل العلاقات السياسية، الدينية، وعلاقات الجندر.. لكن على العموم لا توجد مجتمعات، جماعات دينية أو رأي عام منيع ضد التطرف العنيف.[39]  كما يمكن أن يظهر أكثر من نوع من التطرف لدى الشخص الواحد. ويمكن تصنيف هذه الأنواع إلى صنفين: صنف غير مرتبط بالدين، ويشمل عدة تفريعات. وصنف آخر مرتبط بالدين. وقد اعتمدنا هذا التصنيف نظرا للرؤية الضيقة واسعة الانتشار والتي تربط التطرف بالدين وتتمظهر في عدد من االظواهر كالعنف والإرهاب.
          ويعرف الدكتور القرضاوي التطرف الفكري بأنه حالة من التعصب للرأي تعصبا لا يعترف معه بوجود الآخرين، وجمود الشخص على فهمه جمودا لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الآخرين، ولابمقاصد الشرع ولا ظروف العصر ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين وموازنة ما عنده بما عندهم ويؤدي في النهاية إلى الإرهاب المسلح وترويع الآمنين.[40] ويرى الدكتور رفعت محمود أن "التطرف الفكري عبارة عن حالة فكرية وعاطفية وسلوكية لدى الفرد تشوبها شوائب التعصب الروحي، والاطمئنان الإيماني إلى حالة من حالات الاستعداء والعدوان للآخر بدلا من النظر إليه بحسبه مشروعا للتواصل الفكري والروحي، فيصبح الآخر عدوا يجب مجاهدته ومحاربته."[41]
          كما قد يتمظهر التطرف في تعصب لعنصر بعينه أو إثنية بعينها (العنصر الأبيض النازي)، أو لفريق رياضي معين (كما في حشود المتفرجين في مقابلات كرة القدم)، أو في المجال الفني... ويبقى التطرف الديني من أبرز هذه الأنواع وأخطرها، وسنخصص له الفصل الموالي.
5.     أسباب التطرف

            رغم أن ظاهرة التطرف ليست إلا نتاجا لعوامل متعددة وغير متفككة في علاقتها بثوابت فكرية/عقدية ومعطيات متجددة على الدوام في الحياة النفسية والاجتماعية[42]، فإن هناك عدة مقاربات نظرية تناولت موضوع التطرف، لكن أبرزها المقاربة الاجتماعية/الاقتصادية والمقاربة النفسية/الجنسية.

§         المقاربة  الاجتماعية /الاقتصادية
            تنطلق هذه المقاربة من اعتبار العامل الاقتصادي والاجتماعي حول تكوين الفرد والجماعة. "لا أريد أن أبرئ المتطرفين، لكنني أدعو إلى فهم موقفهم على نحو صحيح، واعتبارهم ضحايا الظلم السياسي والاجتماعي." [43] لكن هذا لا يعني أن كل الأصوليين ينتمون إلى الطبقات الدنيا من المجتمع، فهناك أعداد متزايدة من الأصوليين ينتمون إلى فئة أصحاب الأعمال الأثرياء، وفئة ملاك الشركات ذوي النفوذ، ومن النخبة. وما يجذب هؤلاء نحو الأصولية هو حاجتهم النفسية لشعور بالهوية، ولإحساس بالاستقرار، ولشعور بالانتماء إلى جماعة متوافقة الهدف.. فالأصولية توفر جوا من الزمالة وتضع نهاية لوحدة ثري أمريكي يمتلك كل أشكال الرفاهية في مجتمعنا المعاصر، لكنه لم يحقق بعد سعادة حقيقية." [44]
          "المقاربة الاقتصادية للتطرف الديني إذن، هي مجرد قطعة واحدة في نظرية أكبر بكثير؛ وبالتالي فالمنظور الاقتصادي يشرح فقط كيف يمكن للجماعات المتطرفة أن تستمر وتزدهر في دقيق المجتمعات الحديثة مأهول من قبل المواطنين العقلانيين تماما." [45]
1.        المقاربة النفسية
          تعتمد هذه المقاربة على كون " من أين يجيء المتطرفون؟ يجيئون غالبا، من صفوف رجال الكلمة غير المبدعين. إن أهم تفرقة بين رجال الكلمة هي بين أولئك الذين يحصلون على الرضا والشعور بالاعتزاز نتيجة عملهم وبين أولئك الذين لا يشعرون بشيء من هذا." [46]
"على الرغم من أن المتذمرين يوجدون في كل مجالات الحياة، إلا أنهم يوجدون بكثرة في المجالات الآتية:
1.      الفقراء.
2.      العاجزون عن التأقلم.
3.      المنبوذون.
4.      الأقليات.
5.      المراهقون.
6.      شديدو الطموح.
7.      العاجزون جسديا أو عقليا.
8.      المفرطون في الأنانية.
9.      مرتكبو المعاصي." [47]

2.        المقاربة الجنسية

             تنطلق هذه المقاربة من كون " الفاعل الاجتماعي العربي، من خلال سوسيولوجيته العفوية، يحمل المرأة مسؤولية التفكك الأخلاقي والاجتماعي الذي تعاني منه المجتمعات العربية التي لا تفرض الحجاب أو الفصل الصارم بين الجنسين." [48] وتعتبر "تحميل المرأة مسؤولية ما يقع من مصائب تأويل ذكوري وسطحي للتاريخ يتجاهل أو يجهل الأسباب الحقيقية للأحداث" [49] وبناء على ذلك تؤسس هذه المقاربة لفرضية الترابط بين الشخصية الاصولية المتشددة وبين الحرمان الجنسي. [50]
           فـ"الإحصائيات التي تربط بين الاعتداء الجنسي والمسيحيين الأصوليين ذات نتائج مأساوية... و معدل التحرش الجنسي بالأبناء يرتفع بشكل طبيعي بين أزواج الأمهات عنه في حالة الآباء الطبيعيين. لكنها تلاحظ أن معدل سفاح المحارم في الأسر المسيحية المحافظة مرتفع جدا، فمعدل التحرش الجنسي لدى الآباء الطبيعيين في تلك الأسر أعلى من معدل التحرش الجنسي من قبل أزواج الأمهات في عموم السكان." [51]
         كما أن هذه المقاربة لا تتجاهل الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، ف"العجز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعاني منه المسلم المقهور اليوم والذي يصنعه من التحكم بالنساء، يقوده إلى التشبث بقوة بإسلام يحفظ له امتيازاته الذكورية بغض النظر عن أوضاعه المزرية... ويحفظ له حقه في متعة جنسية متعددة انطلاقا فقط من ضرورات فحولته المزعومة" [52]
3.        المقاربة الشكلانية/التجريبية[53]
         لطالما خانتنا نظرتنا لبعض الأشخاص، خصوصا بعدما نعلم أنهم أقدموا على أفعال شريرة ولا تتماشى وتمثلاتنا المسبقة حولهم. إنهم أناس يعيشون بيننا، يشاطروننا همومنا وأفراحنا، وقد يظهرون أكثر اعتدالا منا. إلا أنهم مفعمون بسرية خطيرة، كما لو أن لهم بدل الحياة اثنتين: واحدة عمومية وأخرى خاصة، ولا نعرف هذه الحقيقة إلا بعد أن يفاجئونا بأفعال غير سليمة. فعنصر المفاجأة هذا، قاسم يشترك فيه هؤلاء المتطرفون، إذ يبقى شرطا أساسيا يلازمهم منذ البداية في صراع فكري عقائدي، وصولا إلى تنزيل قناعاتهم على أرض الواقع. تلك القناعات التي تدفعهم لنكران ذواتهم إلى حدود اللاعودة أحيانا. لكن وعلى الرغم من ذلك، فلا بد لهم أن يمروا من مرحلة انعزال اجتماعي. قد لا تكون ملحوظة في بعض الأحيان، وقد لا ينظر إليها بما تستحقه من خطورة. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف تم اقتناعهم أو إقناعهم بمعتقدات تدفعهم حد الزيغ عن المألوف؟ كيف لا تظهر لهم المحددات غير المقبولة في الأطر الفكرية والسلوكية قبل أن ينخرطوا فيها؟ ألا يمتلكون حسا نقديا ومناعة فكرية يسمحان لهم بغربلة المعتقدات قبل تثبيتها، بما يتماشى والذوق السليم المفعم بمعالم الجمال حسب ما هو متعارف عليه في مجتمعاهم؟ يجيب جيرالد برونر Gerald Bronner "لا توجد إجابة وحيدة، ولا توجد طريقة وحيدة تقود نحو التطرف". كما يعتبر برونو - وهو صاحب كتاب الفكر المتطرف LA PENSÉE EXTRÊME) ) شديد الصلة بموضوعنا -  أن لغة الأزمات أسطورة القرن العشرين، لم تعد مجدية في تفسير ظاهرة شديدة التعقيد كالتطرف؛ فإلصاق التهمة بالهشاشة النفسية والفقر الثقافي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحمق... لا يمكن أن تفسر هذه الظاهرة. إذ أكد على ضرورة البحث عن محددات معاصرة لمعالجة هذه الظواهر. ويرى برونو أن المتطرفين ليسوا مجانين بل هم أناس عقلانيون عموما، يناقشون المعتقد ويتمعنون في تفاصيله ويغوصون في ثناياه، قبل أن يسلموا له الروح والجسد أحيانا. مع العلم أن علاقة الإنسان بالعالم تكون إما بالمعرفة أو الاعتقاد، إلا أن ذهن الإنسان يتسم بصفة المحدودية بالقول أنه لاوجود لكائنات عاقلة محضا، أي أن هناك حدودا ما لفكرناتمنعنا من أن نكون كليي العلم. هذه الحدود هي التي تدفعنا إلى الإيمان بمعتقدات معينة دون تمحيصها. فمحدودية العقل تتجلى في محدودية أبعاده المجالية التي تمنعنا من الوصول إلى المعلومة الضرورية لإصدار الأحكام المتوازنة، كما تتجلى في حدوده الثقافية التي قد تدفعنا إلى تفسير المعلومات بناء على تمثلات مسبقة. في حين تتأثر قدرتنا على معالجة الأفكار بحدود معرفية، كون هذه القدرة ليست نهائية، وأن تعقد المسائل يتجاوز إمكانيات الحس السليم لدينا. إن هذه الصفات الثلاث تعتبر خصائص إنسانية للفكر تدفع برونو إلى القول إن مجتمعاتنا ستظل مجتمعات اعتقاد بغض النظر عن حالة تطور المعرفة الإنسانية، أي أن المعتقدات المتطرفة كذلك لن تختفي عن عالمنا المعاصر. وبذلك يكون برونو قد كسر الصورة النمطية التي ترجع التطرف إلى الفقر أو الجنون غسل الأدمغة... ويكون قد عارض الفكرة القائلة أن الجهل آخذ في التلاشي بشكل متناظر مع تقدم المعرفة وانتشارها.[54]






[1] Alar Kilp (2011) THE ONTOLOGY AND EPISTEMOLOGY OF EXTREMISM ENDC Proceedings, Volume 14, 2011, p 10.
[2] المرجع نفسه ص 24.
[3] الخواجة، محمد ياسر: التطرف الديني ومظاهره الفكرية والسلوكية، مؤمنون بلا حدود – مؤسسة دراسات وأبحاث– قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، الرباط دون تاريخ ص 3
[4] هوفر، ايريك (2010). المؤمن الصادق أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية، ترجمة: غزي بن عبد الرحمن القصيبي، هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث، الطبعة الاولى: ص: 242
[5] المرجع نفسه: نفص الصفحة.
[6]UNESCO (2016): A Teacher’s Guide on th e  Prevention  of  VIOLENT EXTREMISM  Published in 2016 by the United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization, 7, place de  Fontenoy, 75352 Paris p. 9
[7]  Alar Kilp (2011) THE ONTOLOGY AND EPISTEMOLOGY OF EXTREMISM ENDC Proceedings, Volume 14, 2011, p. 9
[8] بشارة، عزمي (2015). في ما يسمى التطرف. مجلة "سياسات عربية. العدد 14.  أيار / مايو 2015، الصفحات 7-8
[9] الصاوي، صلاح: التطرف الديني الرأي الآخر، الآفاق الدولية للإعلام دون تاريخ ص 15
[10] زهير رواشدة، علاء: التطرف الأيديولوجي من وجهة نظر الشباب الأردني دراسة سوسيولوجية للمظاهر والعوامل، المجلة العربية للدراست الأمنية والتدريب المجلد 31 العدد 63 الرياض 2015. ص 87
[11] تشتق العربية التطرف Extremism  مثلما تفعل الفرنسية والأنجليزية من كلمة الطرف Extreme ، ويربط قاموس أوكسفورد الحديث هذا المصطلح بالآراء السياسية فقط. 
[12] ابن منظور مادة طرف 9/217
[13] الصاوي، صلاح: التطرف الديني الرأي الآخر، الآفاق الدولية للإعلام دون تاريخ ص 8
[14] محمد ملك، بدر والكندري، لطيفة: دور المعلم في وقاية الناشئة من التطرف الفكري، 2009، مجلة علوم التربية، جامعة الأزهر، العدد 142، ج1. ص 15
[15]سراج الدين، إسماعيل: التحدي رؤية ثقافية لمجابهة التطرف والعنف،  2015 دون دار الطبع. ص 91
[16] نجار، فريد (2003). المعجم الموسوعي لمصطلحات التربية.ط1، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون. (مادة تطرف)
[17] زهير رواشدة، علاء: التطرف الأيديولوجي من وجهة نظر الشباب الأردني، مرجع سابق. ص 87
[18] مقتطف من خطـاب الملك بمناسبة افتتـاح الـدورة الأولى للبرلمان 2002– 2003
[19] اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين (2000). الميثاق الوطني للتربية والتكوين. ص: 8
[20] قادة للتفاهم الديني ومكافحة التطرف (منظمة): تعزيز المناعة الاجتماعية في مواجهة التطرف، تنسيق: فادي ضو، ترجمة: رائد القافون، برنامج الشراكة الدانماركية العربية. دون تاريخ. ص 6.
[21] هوفر، ايريك (2010). المؤمن الصادق أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية، ترجمة: غزي بن عبد الرحمن القصيبي، هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث، الطبعة الاولى: ص: 15
[22] بلاكر، كيمبرلي (2005). أصول التطرف: اليمين المسيحي في أمريكا، ترجمة: هبة رؤوف وتامر عبد الوهاب، المشروع القومي للترجمة الطبعة الأولى. ص 357.
[23] حرب، علي (2010). الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الثانية. ص: 138
[24] محمد ملك ، بدر والكندري، لطيفة (2009). مرجع سابق. ص 15
[25] علي حرب (2010). مرجع سابق. ص: 126
[26] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 248
[27] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. ص: 86
[28] روا، أوليفيه (2010). نحو إسلام أوروبي: ترجمة: خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، الطبعة الأولى. ص: 63
[29] هوفر، ايريك (2010). مرجع سابق. ص: 15
[30] بشارة، عزمي (2015). مرجع سابق. الصفحات  5- 18
[31] علي حرب (2010). مرجع سابق. ص: 94
[32] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. ص: 242
[33] نفس المرجع. ص:  332
[34] نفس المرجع. ص: 239
[35] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 248
[36] Alar Kilp (2011) THE ONTOLOGY AND EPISTEMOLOGY OF EXTREMISM ENDC Proceedings, Volume 14, 2011, p 9
[37] جاد الحق، علي جاد الحق: التطرف الديني وأبعاده، جماعة أنصار السنة المحمدية: إدارة الدعوة والإعلام بالمركز العام، دار أم القرى القاهرة، دون تاريخ. ص 33
[38] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. 234
[39] UNESCO (2016): A Teacher’s Guide on th e  Prevention  of  VIOLENT EXTREMISM  Published in 2016 by the United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization, 7, place de  Fontenoy, 75352 Paris p. 11
[40] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، قطر: رئاسة المحاكم الشرعية، كتاب الأمة ص: 5
[41] رفعت، محمود بهجات محمد. دورالأسرة والمدرسة في مواجهة التطرف الفكري، بحث مقدم إلى "مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف". ص 110.
[42] قادة للتفاهم الديني ومكافحة التطرف (منظمة): تعزيز المناعة الاجتماعية في مواجهة التطرف. مرجع سابق. ص 6.
[43] هويدي، فهمي (1997). المفترون: خطاب التطرف العلماني في الميزان. دار الشروق. الطبعة الثانية. ص: 227
[44] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. ص: 83
[45]Laurence R. Iannaccone (2002)  Religious extremism: the good, the bad, and the deadlythe European Public Choice Society, Belgirate, 2002. p. 12
[46] هوفر، ايريك (2010). مرجع سابق. ص: 210
[47] هوفر، ايريك (2010). مرجع سابق. ص: 54
[48] الديالمي، عبد الصمد (2008). المدينة الإسلامية والأصولية والإرهاب: مقاربة جنسية. رابطة العقلانيين العرب. دار الساقي. الطبعة الأولى. ص: 81
[49] المرجع نفسه. ص:  83 
[50] المرجع نفسه. ص:  85-86
[51] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. ص: 106
[52] الديالمي، عبد الصمد (2008). مرجع سابق. ص: 87
[53] يرى محمد الحاج سالم في عرض نقدي لكتاب الفكر المتطرف أن جيرالد برونر يسعى إلى إضفاء طابع شكلاني على مسألة ثبات التمثلات والمعتقدات وحركيتها على أساس تجريبي، وذلك من خلال شرح الصيرورات.
[54] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 187



هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage