3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

عبد السلام ياسين الشاب: التربوي البيداغوجي الأنواري

الخط


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا






عبد السلام ياسين الشاب:
 التربوي البيداغوجي الأنواري[1]

 الحسن الحية

         سيكون الموضوع هذا اليوم موضوعا هاما للغاية، وهو يتناول أحد أعلام الفكر التربوي المغربي، وهم قلائل، وينبغي أن يحتفى بهم كيفما كان الحال نظرا للمجهودات التي قدموها  لتاريخ الفكر التربوي والبيداغوجي بالمغرب،  ويتعلق الأمر بالأستاذ عبد السلام ياسين، وما يهمنا هنا هو ما كتبه قبل أن يصدر رسالته الشهيرة حول الإسلام أو الطوفان، نحن نعلم أن الرجل كثير الكتابة وتبلغ مؤلفاته زهاء 43 مؤلفا وثلاثة مؤلفات باللغة الفرنسية، فهذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كان له الفضل في استنبات ما نسميه اليوم "علوم التربية"، ومن جهتنا ولأننا نشتغل على هذا الموضوع فإننا نتساءل لماذا لا يعود القارئ ولماذا لا يعود الأتباع إلى هذه الكتابات ما قبل السبعين من القرن الماضي؟
 سنتناول نحن الرجل بعيدا عن السياسة، وبعيدا عن الفكر الديني الذي انخرط فيه، سنتناول رجلا يكتب في التربية والبيداغوجيا بدون بياضات أو تلك النقط التي كان يتركها في كتبه اللاحقة، فهذا الرجل هو باحث وسنرى ذلك، وهو أستاذ بالمعنى الدقيق للكلمة، وهو إنسان كذلك مثله مثل الناس، وهو قارئ للنصوص كما سنرى، وهو المعترف بأن ميلاد التربية والفكر التربوي والبيداغوجي هو حديث العهد، وهذه نقطة مهمه جدا بالنسبة لكل مهتم بالتربية والفكر التربوي والفكر البيداغوجي، وهو كذلك يعترف في مقدمة كتبه البيداغوجية والتربوية بأن البيداغوجية حديثة العهد، فهذا الأستاذ الذي نتحدث عنه في ثنايا مقدمات لكتبه الثلاثة التي سنتعرض إليها اليوم، يُؤْمن بأنه يقدم مساهمات فقط، فهو يساعد القارئ، يساعد المتكون بلغة اليوم ــــ وفي ذلك الوقت كان يسمى المعلم على فهم فكر الغير للتفكير في التربية في وطننا المغرب.
 إذن،  من هذه الناحية نحن لن نهتم بالمنعطف الذي أصابه بعد ذلك، ولا تهمنا كثيرا ما هي الأسباب، وما إذا كانت هناك قطيعة بشكل ما في مساره الفكري، ولا ما الأسباب التي جعلته ينتقل من رجل يفكر في التربية وبالتربية وفي البيداغوجيا وبالبيداغوجيا وتأصيلهما إلى رجل متصوف، إلى رجل يقبل بأن يكون شيخا ضد منطق البيداغوجيا تاريخيا، والفكرة هنا هي تماما ضد الفكر التربوي؛ لأن الذي يفكر في بالتربية والبيداغوجيا يرفض رفضا تاما أن ينعت بالشيخ.
  فالفكر الذي يستند إليه الرجل هو فكر حديث معاصر ينتمي للقرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر والقرن العشرين كما سنرى، ولكنه في نفس الوقت آمن بأنه شيخ فيما بعد؛  فقراءتنا لهذا الرجل،  هذا اليوم، ستكون قراءة إبيستيمولوجية على كل حال، أو كما قال ألتوسير في شأن ماركس بأن هناك ماركس الشاب وماركس الشيخ،  ونحن بالنسبة لنا بأن ماركس الناضج  هو عبد السلام ياسين للستينيات، وما بعدها شيء آخر ولذلك فإن هذا القلب الهيجلي حينما قام به ماركس تجاه هيجل سنسترشد به هذا اليوم لأننا نريد الأستاذ عبد السلام ياسين الشاب الواقف على رجليه في الستينيات.
 سنتناول ثلاثة كتب وهي على التوالي:
 الكتاب الأول: وهو "النصوص التربوية لمدارس المعلمين والمعلمات"[2]، وكانت الطبعة الأولى سنة 1963، في دار السلمي، وآنذاك كان الأستاذ عبد السلام ياسين مُفتشا للتعليم الابتدائي، ومديرا لمدرسة المعلمين بمراكش، سنلاحظ بأن هذا الكتاب الذي هو نصوص مهمة للغاية، وهي صالحة اليوم وصالحة غدا أيضا، فهذه النصوص مذيلة في الكتاب بأسئلة؛  بمعنى أنها موجهة من أستاذ إلى متكون.
 يقول في مقدمة الكتاب: "وتارة يتخذ النص التربوي متنا لدرسه، ومناسبة لتركيز البحث حول نقطة معينة واستعراض آراء المربين عبر العصور"[3]. هكذا كان الرجل في هذه الكتب يستعرض آراء المربين عبر العصور وحسب المبادئ الفلسفية والاجتماعية التي ينتسبون إليها؛ بمعنى أن الرجل سيستعرض مجموعة من النصوص لفلاسفة باختلاف مشاربهم وإيديولوجياتهم دون إقصاء، أو الطرق العملية التجريبية التي يطبقونها ثم يقول في مقدمة هذا الكتاب بأن هذه "النصوص المدروسة في مدرسة المعلمين من اختيار الأستاذ"[4] وتتضمن سير التربية وتطورها ويقول أيضا: "حاولنا أن يكون كل نص صورة للمذهب التربوي الذي يقتنع به كاتبه"[5]، ثم يقول أيضا: "أما بعد، فإن تدريس النصوص التربوية يريد أن يبلغ الأستاذ جهده ليوقظ اهتمام الطلبة بالموضوع، ويصرف عقلهم الناقد إلى ما يقرؤونه حتى يتبصروا الأمر"[6].
 هكذا نلاحظ في مقدمة هذا الكتاب كيف كان الرجل أنواريا، وكيف كان يدافع على إعمال العقل في الممارسة التربوية. يقول أيضا: "فإن فعل ذكر الجزئيات الصغيرة لا تدخل حساب النتيجة كثيرا أو قليلا فتماريننا تهدف إلى تبديل هذه العادة، ليقرأ الطالب وأمام عينيه الفكرة حين تبنى وحين تتقلب، ولتكون قراءته عملية إيجابية يتفاعل أثناءها عقله بالمادة الثقافية التي بين يديه"[7]، أي يتفاعل العقل مع المقروء، أو بلغة أخرى يتفاعل القارئ مع المقروء" وهذا النص وهذا الكتاب في الأصل كتبت مقدمته في 3 أكتوبر 1961إذن نلاحظ أن الكتاب الذي بين أيدينا يتناول أولا الفكر التربوي الإغريقي، والفكر الفارسي، والتربية الإسلامية، لكنه لم يتوقف عندها طويلا وهذه هي الملاحظة الأولى.
 يطرح نصوصا وتكون هذه النصوص دقيقة ومذيلة بأسئلة لأنها موجهة إلى المتكون، والجانب الثاني الذي استرعى انتباهي هو الأسماء الواردة في هذه النصوص، أو أن هذه النصوص تعكس اختيارا، تجد مثلا ابن سينا وروسو(1712 - 1778) وويليام جيمس(1840 - 1910) ودوركايم (1858 - 1917) ومونتني(1532-1592) والغزالي(450-505هـ) وجون لوك (1632 - 1704) وكلود بيني(1857 - 1911) وألان (1868 - 1951) وبياجي (1897) ومنتسوري وكلابريد (1873) وطه حسين (1889-1973)، وخاصة يستحضر كتابا محددا لطه حسن  هو "مستقبل الثقافة في مصر" ، وهو كتاب كان فيه طه حسين المثقف الذي ينظر لمستقبل الثقافة في مصر...ثم نجد سقراط(469-399ق.م)، ونجد إراسم (1497-1556)، ونجد كذلك كومينيوس (1671-1592)، وبستالوزي(1746-1827)، وجون ديوي (1859-1952)، وكونفوشيوس(551- 479ق.م)، ودكرولي(1871-1932).
إذن سنلاحظ بأن الأسماء التي طغت على هذا الكتاب كلها أسماء غربية؛  فمن جهة المفاهيم فهو يتعرض لمفاهيم كثيرة وهي تهم التربية بالذات، مثل ما معنى التربية السلبية وهنا يستحضر روسو، ويتعرض للعلوم وخاصة علم النفس، وهو يسميه بهذا الاسم علم النفس ولكنه يتعرض لمفهوم مهم جدا في التربية وهو فن التربية وكذلك يتعرض للتربية في نظر علماء الاجتماع كما يتعرض لشيء مهم وهو تعلم البنات، وهنا اقتنصت نصا من كتابه يقول فيه في استخلاص أو في وضع ملاحظة في ص 52 ما يلي : "وقف الناس اليوم عند فكرة تعليم البنت (ونحن في الستينيات من القرن الماضي) واتفقوا على وجوب تعليمها، وذلك لدواعي سياسية واجتماعية واقتصادية غير أن الأمر لم يكن كذلك في ما مضى فقد كان حظ المرأة من التعليم وحرمانها منه رهنا بالفكرة التي يتصورها الرجل عنها وبالمكانة الاجتماعية التي تحتلها المرأة في قومها، لكن مشكلة اختلاط الجنسين في المدرسة لازال موضوع جدال، نظرا للاعتبارات الدينية والخلقية التي يعتبرها المسؤولون عن التربية كل حسب بلاده وتقليده".
 إذن نلاحظ من خلال الملاحظة التي وضعها أو استخلصها أو استنتجها الأستاذ عبد السلام ياسين أنه يفكر بتعدد الذهنيات كما يفكر بتعدد الثقافات، ولكنه ينحو منحى آخر هو تحديث المجتمع من أجل تدريس البنات.
والكتاب الثاني هنا: وهو "كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا؟"[8] من تأليف الأستاذ عبد السلام ياسين، وقد صدر عن دار الثقافة  في طبعة جديدة ومنقحة،  وكان يشغل مدير مركز تكوين المفتشين، ولكن في السابق يقول في هذا الكتاب وهو كتاب مهني موجه إلى المهنيين، إلى الذين يريدون اجتياز الامتحانات، فهو يقر في مقدمة كتابه بصعوبة المهمة ثم يرى بأن هذا المتكون يعاني نقصا، النقص الأول وهو نقص في اللغة أسماه الجهل باللغة وقواعدها واستعمال الكلمات لغير المعاني التي وضعت لها وكذلك اللحن، ثم النقص الثاني وهو المهم هنا وهو النقص في الأفكار، ومرده في نظره إلى أن طالب مدرسة المعلمين أو المعلم المؤقت يلتمسان عند الأستاذ أو في كتب التربية صيغا يحفظونها ــــ وهو ضد الذاكرة وضد الحفظ ضد العنعنة ضد أن يتلو الطالب المعرفة التي خزنها ــــ ظانين أن هذه الصيغ قمينة بأن تسد الفقر الذي يعرفونه في أنفسهم، وبهذا يخطئون الطريق من الأول فإذا مرت فترة التهييئ للامتحان، وهكذا فإن هدف هذه النزعة الامتحانية وجدا أنهما لم يتقدما كثيرا ولا قليلا في التزود بالأفكار.
 وما يلاحظ على هذا الكتاب هنا -المقدمة كتبت في مراكش 5 أكتوبر 1962- هو كتاب عملي يهتم بالجانب التقني؛ مثلا يعطيك النص بفراغ في خطاطة العرض والتصميم، وكيف تتعامل مع الموضوع، وبأي المنهجية، وسنعطي بعضا من نصوصه التي جعلها نماذج للامتحانات آنذاك وهي ستبين لنا اختياراته الفكرية والإيديولوجية والمعرفية آنذاك، فالكتاب ينقسم إلى: الفصل الأول: وهو التربية وهو علم النفس، والفصل الثاني: وهو التربية وآداب المهنة بلغه اليوم  La déontologie...
النص الأول: وهو في الصفحة 23 يقول: "قيل أن للطفل طبيعة حية يستهويها كل جديد وتنجذب لكل ما يتجاوب معها، وتنفر من كل أجنبي عن عالمها".  سنلاحظ هنا بأن الأستاذ عبد السلام ياسين وهو يحلل هذه النصوص وهي حديثة أنه منفتح على الفلاسفة، منفتح على علماء الاجتماع، منفتح على السيكولوجيين، منفتح على البيداغوجيين، وهو يفكر معهم .
 النص الثاني: وهو نص في الصفحه 40 يقول: "قيل أن الخطوط العريضة لشخصية الطفل ترسم في سن الطفولة المبكرة وأن مصيره ليتقرر بين جدران البيت". هكذا تلاحظون أن هذه القولة تحيل مباشرة إلى الحوار الفكري الذي كان دائرا في أوروبا بين الفروديين وغيرهم، وفي الصفحه 49 سنلاحظ  النص التالي: تقول الدكتوره مونتيسوري: "يلاحظ أن الانقطاع الفجائي عن العمل يتعب أكثر مما تفعل المثابرة .." إذن سنلاحظ بأنه يتتبع كذلك عمل التجارب الشخصية  والفردية كما عمل بياجي ودكرولي(1871-1932) ومنتيسوري (1870-1952)، وفروبل(1728-1852) وغيرهم، وفي صفحة أخرى وهي الصفحه 144 مثلا، يتحدث عن التربية وآداب المهنة فيقول: "يجب أن يكون التلميذ المغربي بعد خروجه من المدرسة الابتدائية مهيأ ليكون مواطنا صالحا فكيف تفهم مهمة التربية هذه وكيف تؤديها؟" .
هكذا إذن يستحضر الأبعاد والغايات من التربية ومن المدرسة والأدوار التي ينبغي أن تلعبها، كما أنه في الصفحة 163 من هذا الكتاب تعرض لشروط المهني ولا بأس أن نتوقف عندها شيئا ما، يقول في هذا الصدد: "الثقافة المهنية أساس تكوين المعلم إذ على قدر مهارته في التربية وطرق التعليم يكون نجاحه وتريد هذه الثقافة كالثقافة العامة أن تغدى بكل معرفة جديدة حتى لا يجمد المعلم على أسلوب واحد وتتوقف أفكاره عن الحركة فترجع القهقرى، ولا بد أن يبقى المعلم مجاريا لتيار التربية مطلعا على حركاته، ولا بد أن يجري تجارب من شأنها أن تقوم طرقه في التعليم، والمعلم الحي يلتمس الرشد من كل أبوابه فيأخذ نصح زملائه الأكثر منه تجربه ويسعى لزيارتهم في أقسامهم والاطلاع على وثائقهم لما يرجو أن يجد عندهم من علم، وإن كان لبعض المعلمين موهبة خاصة في الميدان تضمن لهم ان يبرزوا إذا هم تعهدوها فإن بوسع كل معلم أن يحصل على التجربة الكافية والمهارات العلمية التي تعوض بعض ما يفوته بفقد الموهبة لديه".
 إذن نستخلص مما سبق من هذا النص الذي يتحدث عن شروط المهنية عند الأستاذ عبد السلام ياسين ما يلي:
أن الرجل كان يتحدث عن ثقافة المهنية أو الثقافة المهنية، كما تحدث عن الجمود في المهنة، وتوقف الأفكار في المهنة، وتحدث عن التجربة في المهنة، وتحدث كذلك عن المبدعين في المهنة، فالنص في نظري يطرح مشاكل الأمس كما هي اليوم، ويستحق هذا الكتاب أن يقرأ مرات ومرات، وأن يحضر بين المتكونين لأننا نعرف أهمية التكوين والرجل كان مكونا.
 وأما الكتاب الثالث الذي نتحدث عنه في معرض حديثنا عن الأستاذ عبد السلام ياسين، فهو "مذكرات في التربية"[9] لهذا الكتاب طعم خاص فهو من تأليف الأستاذ عبد السلام ياسين مفتش التعليم الابتدائي مدير مدرسة المعلمين بمراكش، وقد صدر سنة 1963 عن دار السلمي، فالكتاب عبارة عن دروس ويبدو أنها استغرقت سنوات وسنوات، فالدروس ألقيت في سنوات وفترات مختلفة، وهنا أتذكر بأن نشر دروس بتمحيص وبتدقيق من طرف باحث، من طرف مهتم في مجال ما، يعني أن هذه الدروس خلاصة التجربة، خلاصة خبرة، خلاصة تفاعل بين المدرس وطلبته، خلاصة تكرار لا يعني الاستنساخ، خلاصة التدقيق وخلاصة التمحيص إلى آخره؛ بمعنى أن هذه المذكرات كان يعول عليها هو شخصيا، كان يعول عليها كثيرا، فربما أراد أن يسميها مذكرات، أراد أن تكون مرتبطة بمساره المهني ورحلته الفكرية، فنجد في هذا الكتاب، وهو مهم،  تصورا يشبه الكتاب الأول الذي تطرقنا إليه فهو من جهة يتوقف عند مفهوم التربية في أبعاده الفلسفية، وهاهنا كذلك لا يقصي أو ليس انتقائيا بمعنى الانتقائية؛ لأنه لا يدافع عن أطروحة، وإنما يدافع عن تصورات وتعدد التصورات فنجد أفلاطون وإيراسم (1467-1556)، ولوتر(1485-1516)، ومونتيني((1533 1592، ولوك(1632-1704) وكومينيوس (1592-1670) وروسو وغير هؤلاء، و بمعنى آخر حيثما كانت فلسفة التربية فهو حاضر،  قد نعلق  على أمور كثيره هنا لكننا نرجئها إلى ما بعد.
 ثانيا: نجده يتوقف عند مفكري القرن التاسع عشر والقرن العشرين فالأسماء مثل آلان، منتسوري، ديوي إلى آخره... هي أسماء تنتمي إلى هذه الفترة، وكذلك يتوقف عند سوسيولوجية التربية، فهنا توقف عند هذا الجانب ليس عند أعلام ولكن عند مفاهيم، مثلا مفهوم المدرسة، مفهوم وظيفة المدرسة، ما معنى النظام الأخلاقي للمؤسسة المدرسية. إلى آخره...
 ثم انتقل في جانب آخر ليتوقف عند مفهوم هام وهو مفهوم "الطفولة"، وهنا لا نجده يعود إلى الوراء  ليؤصل لهذا المفهوم مثلا في القرن الثاني عشر أو في القرن الثامن أو في القرن التاسع، وإنما توقف عند مفكري القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر والقرن العشرين، وهذا وعي حاد بالمفهوم.
  وفي الجانب الرابع من هذا الكتاب فإنه يتوقف عند العلاقة الممكنة بين الطفل والمعلم وهو يسترشد دائما بأسماء وبنصوص تنتمي إلى القرن التاسع عشر والقرن العشرين والقرن الثامن عشر. وأخيرا فإنه اهتم على شاكلة الانجلوساكسونيين وقد أورد أن جون لوك هو من أوحى له بذلك في كتابه عن التربية بأن يتوقف عند مفهوم التربية الجسمية للطفل، وأخيرا توقف عند الدين والأخلاق.
إذن ماذا نستنتج من هذه الكتب الثلاثة؟ وما هي الخلاصات التي يمكن استنتاجها منها؟
نلاحظ ما يلي:
 أولا: إن الأستاذ عبد السلام ياسين يعتبر من الرواد الأوائل الذين دشنوا درس علوم التربية في المغرب، وهذا لا شك فيه، لكنه لم يميز أي تخصص كان يميل إليه من خلال كتبه، فإن أردنا أن نميز بشكل أو بآخر فإننا نجده أقرب إلى السيكولوجيا منه إلى السوسيولوجيا، وهذا ربما يرجع إلى تكوينه الأكاديمي هل كان مكونا تكوينا سيكولوجيا لا أدري سأعود للبحث في الرجل فيما بعد.
 ثانيا: لا نجده ينتصر انتصارا للفلسفة الإسلامية أو للفكر الإسلامي ولا نجده متشددا وأنه يحشر نصوص هؤلاء في التربية حشرا كأن التربية أو البيداغوجيا هي بيداغوجية إسلامية، أبدا لا يقول هذا الكلام، وإنما الرجل يعرف بأن تاريخ الفكر البشري تطور وأن التربية أصبحت موضوع تفكير علمي وفلسفي حاد وسوسيولوجي وبيولوجي في القرون الحديثة و نعني بها من القرن الثامن عشر إلى الآن.
 ثالثا: نجد أن أفق الرجل  الفكري التربوي والبيداغوجي هو منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم. مسألة أخرى تستوجب التوقف عندها وهي أنه في كتابه الأخير ظلت العلاقة بين الدين والأخلاق ملتبسة لديه، وهذا يعني بأن الرجل لم يتوقف كثيرا عند مفهوم الأخلاق عند الفلاسفة ولم يتوقف عند مفهوم الأخلاق عند السوسيولوجيين وخاصة دوركايم.
 رابعا:  لم يدقق تدقيقا كبيرا في نظريات التعلم ولا في السيكولوجيات ولا في المدارس، نفس الشيء بالنسبة لعلم الاجتماع أو السوسيولوجيا، ونفس الشيء بالنسبة للتصورات الفلسفية الكبرى المؤسسة لفلسفة التربية، ولكن ينبغي أن تحسب للرجل هذه الوقفة الطويلة عند الطفولة في كتبه الثلاثة وهو يعي تماما بأن هذا المفهوم هو مفهوم جوهري في التربية، فالرجل فكر على كل حال بمهنية في هذه الكتب، فكَّر كمربي وكمدرس وكمكون، فنظرا لحداثة المغرب أو الدولة المغربية المستقلة حديثا ولعلاقة المغرب بالفكر الأوروبي فإن الرجل بذل مجهودا كبير في هذه الكتب، فيمكن اعتبارها أنها كتب مؤسسة لعلوم التربية وهي كتب غير متجاوزة بالإطلاق، ولكن ما يلاحظ هو أنه لم تكن له اختيارات سيكولوجية ولا اختيارات بيداغوجية، فمثلا حينما يتحدث عن البيداغوجيا لم يدرك بأن البيداغوجيا هي بيداغوجيات، وأن البيداغوجيا التجريبية تنتمي إلى مخبريات تصورية وعلمية، كما أنه لم ينحز إلى أية مدرسة من المدارس في السيكولوجيا أو في السوسيولوجيا، والجانب الآخر وهو أن الرجل لم يفكر أو لم يعط تصورا ما للمدارس الفلسفية التي ينبغي أن يبني عليها اختيارا ما، مثلا في تصوراته للتربية وبالتالي للنظام التربوي وبالتالي لتصوراتهم للمجتمع الذي يريده أو الدولة التي يريدها، إذن فهذه الملاحظات لا تنقص في نظري من أهمية ما  كتبه الرجل، ولكن السؤال الذي يطرح بالنسبة إلي وهو: لماذا نهتم بعبد السلام ياسين صاحب التيار السياسي الذي له أتباع وأشياع ولا نهتم بعبد السلام ياسين الباحث التربوي والبيداغوجي الذي يفكر بالمعرفة الإنسانية وبالتفكير التربوي والبيداغوجي الإنسانيين؟



[1] - الأصل في هذا المقال هو محاضرة للأستاذ الدكتور الحسن الحية، منشورة في فيديو على اليوتوب في الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch?v=Psnesd9PKV4
[2] - النصوص التربوية، عبد السلام ياسين، دار السُّلمي للتأليف والترجمة والنشر والطباعة والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1963، والكتاب يوجد طبق الأصل في موقع سراج siraj.net
[3] - المرجع نفسه، ص 7
[4] - المرجع نفسه، والصفحة.
[5] - المرجع نفسه، والصفحة.
[6] - المرجع نفسه، والصفحة.
[7] - المرجع نفسه، ص 8
[8] - كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا، عبد السلام ياسين، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1962. والكتاب يوجد طبق الأصل في موقع سراج siraj.net
[9] - مذكرات في التربية، عبد السلام ياسين، دار السُّلمي للتأليف والترجمة والنشر والطباعة والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1963. والكتاب يوجد طبق الأصل في موقع سراج siraj.net
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage