3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

من التطرف إلى التطرف الديني

الخط

















من التطرف إلى التطرف الديني




محمد بادي
أحمد السباعي
إشراف: الأستاذ الحسن اللحية





تمهيد
              حاولنا في الفصل السابق مقاربة مفهوم التطرف بشكل عام، منطلقين من التحديد اللغوي والمفهومي، مرورا بتحديد خصائص الفكر والسلوك المتطرف وأنواعه وأسبابه. وسنخصص هذا الفصل للبحث في نوع واحد من أنواع ظاهرة التطرف، وهو التطرف الذي يأخذ منحى دينيا، محاولين أن نقاربه من حيث المفاهيم التي يتقاطع معها ومن حيث الصيرورة التي يتبعها الفرد ليبلغ حدا يوصف معه بالتطرف.

1.    التطرف الديني والمصطلحات المتقاطعة معه
          يرتبط التطرف الديني بالعديد من المصطلحات، منها الدوجماطيقية والتعصب. إن التطرف الديني وفقا للتعريفات العلمية يرتبط بالكلمة الإنجليزية Dogmatism  أي الجمود العقائدي والانغلاق العقلي. والتطرف الديني بهذا المعنى هو أسلوب مغلق للتفكير يتسم بعدم القدرة على تقبل أي معتقات تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة أو التسامح معها، ويتسم هذا الأسلوب بنظرة إلى المعتقد، تقوم على ما يأتي:
·       أن المعتقد صادق صدقا مطلقا أو أبديا.
·       أن المعتقد يصلح لكل زمان ومكان.
·       لا مجال لمناقشته و لا للبحث عن أدلة تؤكد أو تنفيه.
·       المعرفة كلها بمختلف قضايا الكون لا تستمد إلا من خلال هذا المعتقد دون غيره.
·       إدانة كل اختلاف عن هذا المعتقد.
·       الاستعداد لمواجهة الاختلاف في الرأي – أو حتى في التفسير – بالعنف.
·       فرض المعتقد على الآخرين ولو بالقوة. [1]
         ويتبين للقارئ مدى تداخل مصطلح التطرف الديني والدوغماطيقية بل وحتى الأصولية فنجد هذه الأخيرة مثلا "عاطفية وصعبة أن [نواجهها] .. فالأصوليون جامدون، مبرمجون لدرجة أن الجدال معهم يكاد يكون غير مجد. [بحيث] يغش الغضب والانفعال حكم الأصوليين ومنطقهم."[2] وواضح أن هذه هي عينها صفات المتطرفين والدوغمائيين كما سبق!  ويتبين ذلك جليا من خلال التعريف الذي يقدمه المفكر اللبناني علي حرب للأصولية باعتبارها إلغاءً لما هو وسطي أو معتدل بقدر ما هي بحث عن حلول قصوى مصدرها الادعاء بامتلاك الحقيقة. ولذا فهي تضع المرء بين فكي الكماشة: المماهاة أو الحرب، الامتثال أو الاستئصال.[3]
          بل يذهب الدكتور عزمي بشارة إلى أنه ليس في اللغة العربية مصطلحان منفردان لترجمة لفظي Extremism، وRadicalism، ولذللك غالبا ما نستعيض عن ترجمة الثاني بتعريبه إلى راديكالية. ويُستخدم الأول بإسقاطات سلبية عند تصنيف ما هو غير مقبول وخارج عن الإجماع، وحتى غير عقلاني، وذلك في مقابل الوسطية، والاعتدال، والتيار الرئيس، وغيرها من التعبيرات التي اصطُلح عليها للدلالة على المقبول والموافِق والمجمع عليه... أما الثاني (Radicalism) فمشتق من اللاتينية بمعنى الجذر... فالراديكالي بالأصل هو الجذري. [4]
        ومن جهة أخرى، وبناء على التعريف اللغوي للتطرف السابق الذكر، يشمل هذا الأخير "الغلوَّ، ولكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف. أو بمعنى آخر: كل غلو فهو تطرف، وليس كل تطرف غلوا." [5]
       أما في ما يخص علاقة التطرف الديني بالعنف، فيرى مجموعة من المفكرين أن "مسار تبني التطرف العنيف لا علاقة [مباشرة] له إلا قليلا بالممارسة الدينية"[6]، ويرجع أوليفر روي "أن تكون الأيديولوجيا السلفية جزءا من الطريقة التي تعمم فيها الشبكات العنيفة خطابا لها."[7]
       ويبقى مصطلح الإرهاب أشد المصطلحات إثارة للجدل، وأشدها علاقة بالتطرف الديني، فالإرهاب يمثل "واحدا من أكبر المخاطر التي تهدد السلامة والأمن الدوليين. وقد رفض المجتمع الدولي أيضا رفضا قطعيا ربط الإرهاب بجنسية أو دين أو بعرق ما... فعلى الرغم من غياب تعريف واحد ومتفق عليه للإرهاب في القانون الدولي، فإن وصف عمل ما بأنه عمل إرهابي لا يعني فقط أن ذلك الحدث يجمع بعض الخصائص لكن هذا الوصف يعني أيضا أنه لا يمكن قطعا تبريره بأي سبب سياسي أو فلسفي أو أيديولوجي أو جنسي أو عرقي أو ديني أو بسبب أي شيء آخر. وعلاوة على ذلك، قد يساء استعمال تعريف واسع جدا للإرهاب لكبت المعارضة وتهديد أسس المجتمعات الديموقراطية. "[8]
      فيكون الإرهاب على هذا الأساس، أقصى مظاهر التطرف. إذ يتخذ العنف طريقة وحيدة للتعبير عن ذاته، سواء أكان العنف رمزيا أم عنفا ماديا.

2.    الدين و   الثقافة والتطرف
            لقد اعتبر الباحثون – منذ بداية القرن العشرين - الدين جزءا من العملية الفكرية للإنسان يتأثر بالعقلانية وبالموروث العاطفي، وأن الدين جزء لا يتجزأ من ظواهر أخرى للنشاط الثقافي للفرد باعتباره شيئا يفعله الإنسان "فإن دراسة الدين تهتم في الأصل بالإنسان وثقافته."[9] فأين يبتدئ الدين وأين تنتهي الثقافة؟ أم أننا أمام ثقافة الدين ودين الثقافة؟ فهل الإسلام في العربية السعودية هو نفسه في إيران أو النرويج أو اليابان؟ وهل المسيحية في الولايات المتحدة هي نسها في أمريكا الاتينية أو الفلبين أو إيطاليا؟ فدراسة الدين من وجهة نظر كهذه في الحقيقة، هي دراسة مقارنة تتيح التمييز بين الدين وثقافة الدين "فالأشكال الثقافية للدين قد تكون وحيا من عند الإله، أو قد لا تكون"،[10] إن اختلاف الناس عن بعضهم على مستوى الشخصية والثقافة وكيفية فهمهم للاختلافات الدينية والثقافية واستيعابها يجعلهم يمارسون أديانهم مفترضين أن هذه الممارسات مأخوذة من مبادئ إلهية بحتة، ومنه فإن شخصية الفرد تعد سببا مباشرا في وجود ممارسات معينة لأديان ما انطلاقا من دور الشخصية في فهم الدين، ولعل ثقافة الفرد والمجتمع أبرز مؤثر على الشخصية إذ تؤطر سياقات الفهم والفعل، ولا تغدو أن تكون الشخصية إلا تمظهرا للثقافة، وأن الثقافة "جينات " الشخصية دون شك.
            تتبلور الخلاصة العامة لكتاب الأشكال الأولية للدين لإميل دوركايم في البرهنة، أوّلاً، على أنّ الدين شيء اجتماعي بشكل محايث، ما دامت التمثلات الدينية تمثلات اجتماعية تعبر عن وقائع جماعية؛ وثانياً، على أنّ الفكر المنطقي؛ أي مقولات الفهم، نتاج للحياة الدينية، حيث إنّ الطقوس تتجه نحو تحفيز بعض الحالات العقلية للجماعات.[11]  ليستنتج دوركايم تعريف الدين على الشكل التالي: "الدين نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدّسة، ومنفصلة، ومحرّمة. إنّها عقائد وممارسات توحِّد، في جماعة أخلاقية واحدة تسمّى كنيسة، كلَّ الذين ينتمون إليها.[12]"
            وقد صنف ويليامز الثقافة إلى ثلاثة أصناف:
1- الثقافة الراقية:
            "غالبا ما ينظر إلى الثقافة باعتبارها شيئا مثاليا، بمعنى أنها شيء راق"،[13] ومن هنا فليس كل عمل فني يسهم في الثقافة إلا إذا اقترب من الكمال الإنساني، كمسرحيات شيكسبير ورايات ديكنز وهيرمان ميلفيل وكذلك الحال بانسبة لنوع من الموسيقى الكلاسيكية ونخص هنا بالضبط مقطوعات موزارت وباخ وبيتهوفن، وأنواع من الدراما و المعمار والفن.. ففي هذه لحال نكون أمام راسة للثقافة باعتبارها محاولة للبشر كي يصلوا إى الكمال والتحضر من خلال وسائل تعبير كهذه.
2- الثقافة بالمعنى الموضوعي:
            "حيث يجب ألا تقتصر دراستنا الثقافية على الأعمال العظيمة في الفن والأدب والموسيقى فحسب بل يمكن لنا أيضا على دراسة الأعمال الأقل عظمة أو الأقل شيوعا.. ومن هذا المنظورنجد أن قائمة الأشياء التي تندرج تحت تعبير أعمال ثقافية لا تنتهي."[14] وهذا النوع هو ما يسميه ستيورت هول بالثقافة الشعبية ويقصد بها "الثقافة الشائعة أو غير المثالية"[15]
3- الثقافة بالمعنى الاجتماعي:

       حيث نجد أن دراسة الثقافة معنية بجوانب ما يفعله الناس كافة، ومن ثمة تصبح أشياء مثل اللغة والغذاء ورؤية العالم والحياة اليومية، جوانب من جوانب الثقافة.[16] ويؤكد بيير بورديو أن الذوق الثقافي والطبقة الاجتماعية يميزان كل منهما الاخر.[17] فهل تتميز ثقافة معينة بأشكال محددة من التطرف؟
             وبما أن "الثقافة جزء لا يتجزأ من الدين المعاصر والعكس صحيح " [18] فلنا أن تنساءل عما إذا كان التطرف أيضا جزءا من عملية ثقافية ما، أو هو جزء من ثقافة محددة، ربما كانت هي الثقافة العربية الإسلامية كما يدعي الكثيرون؟!
           وبعيدا عن كل نزعة جوهرانية[19]، وانطلاقا مما تم التوصل إليه لحدود الآن، فإن إجابتنا تكون بالسلب. ذلك أننا نحجم عن إلصاق أي صفة جاهزة على ثقافة بعينها، أو على مجموعة بشرية بالذات. فالتطرف ظاهرة إنسانية عامة، ظهرت في العديد من المجتمعات من أوروبا القروسطية والحروب الكاثوليكية/البروتستانتية، وليس انتهاءً إلى تطرف تنظيم داعش الإرهابي.

3.    صيرورة  التطرف الديني
         من أجل الغوص في صيرورة التطرف لا بد في البداية أن نميز صفات المتطرف، فمن هو المتطرف إذن وكيف يصبح كذلك؟
         ينطلق جيرالد برونو من فكرة تربط المتطرف بالقدرة على التضحية بأغلى ما يمتلكه ولاسيما حريته وحياته أو حيوات الآخرين، وذلك باسم فكرة ما. كما ألصق هذه الصفة بالانتحاريين بما فيهم الإسلاميين وحتى بعض الفنانين![20] إلا أن هذه الصفات لا تعدو أن تنتمي لنظرية عامة وجريئة للفكر الراديكالي بالنسبة لبرونو دائما. الشيء الذي دفعه للتدقيق في مفهوم التطرف بالقول إنه لا يمكن إلا أن يكون نتيجة اعتقاد جازم بصحة فكرة وجدارتها وأن الاعتقاد يمكن تعريفه في ذات الوقت، من خلال مضمون فكرة ما، ومن خلال علاقة الشخص بهذا المضمون؛ أي الالتزام بفكرة ما بدرجة أو بأخرى. ويكون إما عبر:
1-              الانتماء بالوراثة: إذ يشجع على ذلك المحيط العائلي والاجتماعي، ما يدخل في باب الشرط الثقافي والتنشئة الاجتماعية. إن الانغلاق المجتمعي يحد من اختياراتنا.
2-              الانتماء بالإحباط: اليأس من العالم الخارجي المعادي إذ أن هذا الشعور يولد الاستياء والمظلومية ويصبح بذلك الشخص أكثر خطورة حينما تجتمع الإحباطات
3-              الانتماء بالكشف والانكشاف: الدخول إلى دورة الاعتقادات المتطرفة نتيجة حادث عارض سعيد أو غير سعيد، فيفسره بكونه قدرا إلهيا أو إشارة ربانية، ليبدأ في البحث عن جماعة تقاسمه ذات الفكرة. [21]
         يعتبر اللقاء الأول مع المعتقد الجديد حدثا ذا أهمية بالغة، إذ يتم فيه بسط المعتقد ليس دفعة واحدة ولا بطريقة صادمة تثير أي شبهة. بل يتم الانطلاق من أفكار بسيطة ومسلمة يؤمن بها الجميع، ثم شيئا فشيئا يتم إدماج الأفكار الأقل لاتسليما، والأكثر اختلافا في منطق دوري cyclique يعيد المسلمات السابقة مع العمل على تغيير شكل الأفكار الجديدة، مع الأفكار السابقة التي تمر دون التمحيص فيها أو تدقسقها، فنكون هنا أمام مظهر منطقي بحمولة مزيفة pseudo-raisonnement.
         إن تجزيء المعتقد أو المفهوم أثناء تمريره إذن يساعد على جعله مقبولا بشكل تدريجي في ما بعد، ويجعل الفرد – دون وعي منه- ينخرط في المعتقد، الذي إذا نظر إليه في شموليته منذ اللقاء الأول سيظهر له غير عقلاني، إن الأمر هنا يتعلق ببناء تدريجي يتطلب زمنا طويلا وسياقا تصاعديا، يتم فيه استعمال مجموعة من أساليب التمويه والتلاعب النفسي. "فالدخول في نحلة مثل نقش سلم أدراجه الأولى متقاربة جدا."[22] كما قد يلجأ المستقطب في بعض الأحيان إلى عدم الكشف المؤقت عن حقيقة المعتقد، قصد التحايل على المقاومة الذاتية لنقد المفهوم كما أن إعطاء النماذج "الناجحة" والأمثلة "المذهلة" يساعد على دفع الأشخاص نحو الاعتقاد. إنها أدوات تجعل الشخص ينظر إلى المفهوم في بنائه الشكلي لا في تحليل عملية تكوينه ونشأته. فالفكر المتطرف لا يقبل بودود تناقضات  بين المعتقدات المتعايشة، ويبني عقيدة متماسكة "نقية ومتجانسة".
        من أجل ذلك ينحو المستقطِبون تلك التقنيات التي تجعل المستقطَبين أشخاصا متحكما فيهم دون أن يعوا ذلك، كل هذا لايمكن أن يكون في غياب جو من الثقة والانبهار والخضوع في سياقات اجتماعية محددة تساعد على إخصاب أرضية التعصب، وفي سياقات ثقافية تعمل على التهجين بين الثوابت المعرفية. إننا أمام معتقدات جماعية تمثل ظواهر إدراك اجتماعية تؤسس لعقلانية ما فوق الفكر السليم، أو عقلانية اللاعقلانية بعبارة عزمي بشارة.  
      فالتطرف كمفهوم وكظاهرة يعمل خلال التفاعل الإنساني كما يلي: يبدأ الأمر بتحديد هوية العدو. بعد ذلك، تبنى نحو هذا العدو مواقف نفسية سلبية، تعمل في داخلنا بالطريقة نفسها أخيرا، مواجهة المتطرفين يبرر التطرف داخل ذواتنا، من خلال وضعيات متطرفة تستجلب معايير متطرفة.  [23]
         وبالنظر إلى علاقة التطرف بالطفل عموما والمتعلم على وجه الخصوص، وفي نشرة صادرة بعنوان دليل المدرس للوقاية من التطرف العنيف، يحدد اليونيسكو السلوكات التالية باعتبارها علامات مبكرة للتطرف:
·       يقطع المتعلم شيئا فشيئا علاقته بالأسرة وبأصدقائه.
·       يمتعض المتعلم من المدرسة ويبدأ في الصراع معها.
·       يتغير سلوك المتعلم تجاه الطعام، اللباس، اللغة وتدبير ماليته.
·       تتغير مواقف المتعلم وسلوكه تجاه الآخرين، ويبدأ في توجيه تعليقات ضد المجتمع، ينبذ السلطة، يرفض التفاعل الاجتماعي، وأخيرا الانسحاب من المجتمع والانعزال.
·       يبدأ الطفل في عرض آرائه على الأنترنيت ويشارك في شبكات الرؤى المتطرفة والراديكالية.
·       يبدأ الطفل (المراهق خصوصا) في الاستناد إلى نظريات المؤامرة.  [24]

4.    مظاهر التطرف الديني
       وبالنظر إلى الهالة الإعلامية التي ترتبط بظاهرة التطرف عامة والتطرف الديني بوجه خاص، فحريٌّ بنا تحديد أبرز مظاهر هذا الأخير، وتبيان آثاره، استباقا للخطر الذي يشكله. حيث تكمن أبرز مظاهر التطرف الديني في التعصب للرأي تعصبا لا يعترف للآخرين برأي، ولا يتقبل انتقادا له لا على مستوى منطلقاته النقلية للنص الديني فحسب، بل وحتى على مستوى الفهم الأحادي للنص، مما يناقض فسحة الاجتهاد التي تتميز بها مختلف الأديان. كما يشير هذا "إلى جمود المتعصب على فهم بشكل لا يسمح له برؤية مقاصد الشرع ولا ظروف العصر، ولا يسمح لنفسه بالحوار مع الآخرين. فالمتطرف يرى أنه وحده على الحق وما عداه على الضلال. ومن مظاهره أيضا التشدد والغلو في القيام بالواجبات الدينية، وحاسبة الناس على الجزئيات والنوافل والسنة كأنها فرائض، والاهتمام بالجزئيات والفروع والحكم على إهمالها بالكفر والإلحاد. كما قد يتمظهر التطرف الديني في التعامل العنيف والخشونة في الأسلوب والغلظة في الدعوة دون التعامل بالحسنى والحوار. كما يمتاز التطرف الديني بسوء الظن بالآخرين والنظر إليهم نظرة تشاؤمية تستصغر أعمالهم الحسنة وتضخم من سيئاتهم، فالأصل هو الاتهام والإدانة، إنه ازدراء الآخر وتعظيم الذات. حتى إنه يبلغ مداه حين يسقط المتطرف في استباحة دماء الآخرين وأموالهم وأعراضهم. خاصة عندما يتعلق الأمر بالأقليات الدينية.[25]

5.          آثار التطرف الديني
 ونلامس آثار التطرف الديني في ما يلي:
1-              التدهور في الإنتاج، ذلك أن أهم عنصر في قوى الإنتاج هو الإنسان العامل الذي لا بد لكي يطور إنتاجه من أن تتطور قدراته العقلية بحيث يكون قادرا على الإنتاج والابتكار والتجديد، فإذا ما كان أسيرا لأفكار جامدة وهو عاجز عن التفكير وإعمال العقل فسيجدعله ذلك متمسكا بالأساليب البالية العتيقة في الإنتاج.
2-              يمثل التطرف الديني دائما حنينا إلى الماضي والعودة إلى الوراء، أي يكون دائما ذا منحى رجعي أو محافظ في أحسن الأحوال. وبالتالي فهو يجر العلاقات الاجتماعية إلى أوضاع بالية لا تتناسب مع تقدم العصر.
3-              يرتبط التطرف دائما بالتعصب الأعمى والعنف... الأمر الذي يقود إلى سلسلة لامتناهية من التعصب والعنف المضاد ما يؤدي نهاية إلى صراعات مجتمعية مدمرة.
4-              يرتبط التطرف الديني دائما بالتدهور الثقافي والعلمي والفني... لأنه قتل للإنسان باعتباره كائنا مبدعا.
5-              الغلو في التطرف يؤدي إلى عجز المجتمع عن التفكير في حلول مبدعة لمشكلاته وعن تطوير ذاته ويصبح تابعا.[26]

6.    مقترحات نظرية للوقاية من التطرف الديني
         بمأننا نشتغل على ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد، فإن أي حل لها يجب أن يراعي هذا الاعتبار. فيقتضي النظر في المقترحات الممكنة للوقاية من ظاهرة التطرف الديني، والقضاء على مظاهرها وآثارها تبني نظرة شمولية تراعي هذه الخاصية.  ويرى مختصون أن أكبر التحديات التربوية اليوم هي مسألة "نحن" و "الآخر" وكيف نتعايش؟"[27] باعتبار التعايش المبدأ الأهم للقضاء على مظاهر السلوكات اللامدنية، وآلية مجتمعية كفيلة بخلق اندماج اجتماعي يقوي الالتحام لذي تؤسس له دولة المواطنة وحقوق الإنسان. وعلى هذا الأساس يرى كيمبرلي بلاكر أن التوصل للحل يأتي بتركيبة من المقترحات متعددة الأبعاد:
·       التزام سياسي.
·       دعم المدارس العامة.
·       دعم البحث العلمي.
·       بذل المجهود لاكتساب الاحترام للعلم والفكر العقلاني، والتفكير النقدي،..
·       اليقظة الدائمة لضرورة حماية الحائط الفاصل بين الكنيسة والدولة.
·       إدراك الحاجات العاطفية للبشر، بما في ذلك الأصوليين.
·       الاحترام المستمر والواعي لحقوق الجميع في الحرية الدينية."[28]
       وباعتباره يعالج مشكلة التطرف الديني بالولايات المتحدة الأمريكية، وللتداخل الكبير بين ما هو سياسي وديني خصوصا لدى أحزاب اليمين المتطرف في بلاده، فإنه يرى "أن الحل الأكثر جوهرية أمام خطر الأصولية، هو علمنة المجتمع والحفاظ على تلك العلمنة."[29] بل ويذهب إلى حد رؤية أن الحل يكمن في "مجتمع علماني، يصل على احترام حقوق وعقائد الأصوليين مع حقوق وعقائد كل الآخرين."[30]
        أما المفكر اللبناني أمين معلوف – ابن الحرب الأهلية – فيرى أن الحل لظاهرة التطرف، والتطرف الديني على وجه الخصوص يكمن في "تشجيع كل منا على الاضطلاع بتنوعه الخاص وإدراك هويته بوصفها حصيلة انتماءاته المختلفة، بدلا من اختزالها إلى انتماء واحد ينصب علويا وأداة استعباد وأداة حرب أحيانا."[31]
      ويتضح بجلاء أن هذه المقترحات تتخذ نمطا نظريا عاما. وسنحاول في الشق الميداني من بحثنا هذا البحث عن حلول تربوية للظاهرة المدروسة مستعينين بما توفره أدواتنا البحثية خاصة تقنية المقابلة.



[1] الخواجة، محمد ياسر: التطرف الديني ومظاهره الفكرية والسلوكية، مؤمنون بلا حدود – مؤسسة دراسات وأبحاث– قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، الرباط دون تاريخ ص 4
[2] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق ص: 357
[3] علي حرب (2010). مرجع سابق. ص: 136
[4] بشارة، عزمي (2015). مرجع سابق. ص 12
[5] شبل، علي بن عبد العزيز بن علي: الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف، دون دار الطبع أو تاريخ. ص: 237
[6] قادة للتفاهم الديني ومكافحة التطرف (منظمة): تعزيز المناعة الاجتماعية في مواجهة التطرف. مرجع سابق. ص 6-7
[7] المرجع نفسه.
[8] الأمن والتعاون في أوروبا (منظمة) (2014). الوقاية من الارهاب ومكافحة التطرف العنيف والراديكالية المؤديين إليه: مقاربة الشرطة المجتمعية، فيينا. ص: 23
[9] ناي، مالوري (2009). الدين: الأسس، ترجمة هند عبد الستار مراجعة جبور سمعان. الشبكة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى. بيروت.  ص: 14
[10] ناي، مالوري (2009). مرجع سابق. ص: 17.
[11] ÉMILE DURKHEIM (1912), LES FORMES ÉLÉMENTAIRES DE LA VIE RELIGIEUSE. LE SYSTÈME TOTÉMIQUE EN  AUSTRALIE Paris, Les Presses universitaires de France, 1968, cinquième edition p. 13-14
[12] المرجع نفسه.
[13] ناي، مالوري (2009). مرجع سابق. ص: 45.
[14] ناي، مالوري (2009). مرجع سابق. ص: 47
[15] المرجع نفسه. ص: 50.
[16] المرجع نفسه. ص: 70.
[17] Bourdieu  P. (1984)  Distinction a social critique of the judgement of taste Translated  by  Richard  Nice  Harvard  University  Press  Cambridge,  Massachusetts  p. 67
[18] ناي، مالوري (2009). مرجع سابق. ص: ص:50.
[19] المقصود بالنزعة الجوهرانية النزعة التي ترجع الأشياء إلى جواهرها، وتلتقي انثروبولوجيا مع ما يسمى بالوصمة العرقية. راجع صليبا، جميل (1982). المعجم الفلسفي. دار الكتاب اللبناني.
[20] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 7
[21] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 268
[22] Gérald Bronner (2009) La Pensée extrême Comment des hommes ordinaires deviennent des fanatiques. Numéro d'édition : 159863 Numéro d'imprimeur : 09238414 ISBN 978-2-207-26065-4 / Imprimé en France. p. 192
[23] UNESCO (2016): A Teacher’s Guide on th e  Prevention  of  VIOLENT EXTREMISM  Published in 2016 by the United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization, 7, place de  Fontenoy, 75352 Paris p. 9
[24] Alar Kilp (2011) THE ONTOLOGY AND EPISTEMOLOGY OF EXTREMISM ENDC Proceedings, Volume 14, 2011, p 13.
[25] المرجع نفسه. ص: 26
[26] الأمن والتعاون في أوروبا (منظمة) (2014). مرجع سابق. ص: 28
[27] محمد ملك، بدر والكندري، لطيفة (2009). مرجع سابق. ص 4
[28] بلاكر، كيمبرلي (2005). مرجع سابق. ص: 350
[29] المرجع نفسه. ص:  349
[30] المرجع نفسه. ص:  367
[31] معلوف، أمين (1999). الهويات القاتلة. ترجمة نبيل محسن. ورد للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق. سورية. الطبعة الأولى. ص: 139


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage