3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الأسباب الإجتماعية للاتكافؤ بالمدرسة

الخط


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا























الأسباب الإجتماعية للاتكافؤ بالمدرسة
من إعداد الأستاذ زارو عبد الله
تقديم : يعتبر هذا العمل بمثابة  خلاصة تركيبية[1] لأهم الأفكار التي تضمنتها لأعمال الرصينة التي قامت بها عالمة الإجتماع ماري ديري-بيلا حول المدرسة و آليات انتاج الفروق المدرسية بين التلاميذ  باستحضار مختلف المقاربات السوسيولوجية لتفسير اللامساواة  المدرسية  و اتخاذ مسافة نقدية اتجاهها ، كما تعتبر من بين الباحثين في علم اجتماع  المدرسة  الذي اهتموا بالتوجيه المدرسي . و هي مناسبة لاستحضار مختلف النظريات السوسيولوجية في مجال التربية،  من  النظرية التي  تعتمد محددات الأصول الاجتماعية و إعادة الإنتاج ،  إلى  نظرية عقلانية الفاعل الاجتماعي و استراتيجيته في الاختيار ، و كذلك دور السياق  المدرسي من خلال دراسة مفعول المدرسة على إنتاج الفروق بين التلاميذ، مبرزة الحدود التفسيرية لكل نظرية ،  لتعتمد  في كل  ذلك على ضرورة  مقاربة سيستيمية لتحليل أسباب ما يسجل من لامساواة اجتماعية  في المدرسة ، معتبرة أنه لا يمكن تحميل المدرسة  مسؤولية تقليص الفوراق الاجتماعية و تحقيق العدالة الاجتماعية إذا لم يتم استحضار السياق الماكرو- اجتماعي و  اعتماد  سياسة اجتماعية مندمجة تهدف معالجة كل مظاهر الفوارق الاجتماعية بين الأسر في المجتمع قبل المدرسة.
من الإشكاليات التي تواجهها المجتمعات الديمقراطية ضرورة تبرير المفارقة بين مبدأ تحقيق المساواة و واقع اللامساواة. فقد تكون بعض الفوارق الاجتماعية مشروعة حين تنتج فقط عن المؤهلات و المجهودات الشخصية التي بذلها أفراد وفرت لهم منذ البداية شروط متكافئة. في مثل هذه الوضعية تكون المؤسسات التعليمية مطالبة برصد التلاميذ المتميزين والأكثر استحقاقا و الرقي بهم إلى أعلى المراتب، شريطة أن تتوفر فرص متكافئة لكل فرد داخل المجتمع. لكن في مجتمع يعيش فيه الأطفال شروط حياة غير متكافئة، تصبح الفروق المدرسية على الخصوص غير مقبولة: لأنه لا يمكن اعتبار الفروق المدرسية هي مجرد شكل من أشكال الفروق الأخرى ولكنها تشتغل آلية لإعادة  الإنتاج الاجتماعي (تكريس الامتيازات الاجتماعية) مما يتطلب مقاربة نقدية لإيديولوجيا الاستحقاق التي تبرر بها المدرسة الإقصاء. و تعتبر عملية تحليل الجذور الأولى للامساواة الاجتماعية بالمدرسة رهانا علميا و سياسيا ، لكونه سيمكن من كشف السيرورة التي تولد وتعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية.
لقد ساهم البحث السوسيولوجي بشكل كبير في دراسة هذه القضايا. و أمام تعدد الدراسات يصعب إنتاج نظرية متكاملة، ولهذا سيتم الوقوف عند النتائج الأكثر ثباتا و ترتبيها وليس تقديم جرد بقائمة الوقائع، و مفصلتها من خلال تصور شمولي من جهة،.و من جهة أخرى، فإن النتائج المتوصل إليها ستكون فاقدة للمعنى إلا عبر دعمها بترسانة نظرية، تسمح بإلقاء الضوء على جذور اللامساواة و تطورها. لهذا سيتم تخصيص الجزء الأول،من هذا المقالة ، لقراءة تركيبية لنتائج الدراسات حول أصول و مظاهر التفاوت في المدرسة. ليتم تخصيص الجزء الثاني لإشكالية تفسير أسباب اللامساواة المدرسية، عبر مساءلة النظريات التفسيرية القائمة وبيان حدودها. ثم في الأخير ستتم مساءلة المنطلقات السياسية لإصلاحات منظومة التربية و التكوين.
1.     بعض الانتظامات في الدراسات المفسرة لأصول اللاتكافؤ الاجتماعي بالمدرسة.
إن لا تكافؤ فرص النجاح بين التلاميذ يعود عموما إلى " اللامساواة، بحسب أصولهم الاجتماعية،في احتمال الولوج إلى مختلف أسلاك التعليم و خصوصا المستويات الدراسية العليا "(Boudon, 1973).. على هذا المستوى، يكون أثر اللامساواة الاجتماعية (في الدول المتقدمة على الأقل) جد مهم، ثابت و كوني. فعلى سبيل المثال، فمن بين التلاميذ الذين التحقوا بالإعدادي سنة 1989، فقد تمكن  85% من أبناء المدرسين (82% لدى أبناء الأطر) من الحصول على شهادة الباكالوريا عامة أو تقنية، مقابل 23% فقط من أبناء غير النشطين (31% أبناء العمال و غير المؤهلين). يتبين كيف أن اللامساواة  تتخذ طابعا جماهيريا ،تكون في الغالب دالة، حين نقارن الوضعيات القصوى خصوصا، و تبرز في المجموعات المتناقضة.  كما أن اعتماد مناهج أخرى ، على نفس الدرجة من الصرامة ، تؤدي كذلك إلى نظرة حادة للفروق، إذ يسجل  معامل ارتباط المرتفع ، بين الأداء المدرسي و الأصل الاجتماعي . لكن باعتماد تحليل إحصائي جد متطور لتفسير درجة تأثر متغير النتائج الدراسية للتلاميذ بالأصل الاجتماعي  فإن 10% إلى 20% فقط من الفروق في النتائج تفسر بالأصل الاجتماعي، و هو ما يدعونا إلى نظرة أقل ثنائية (أو أقل اختزالا) لتأثير الأصل الاجتماعي. فتكميم مقدار اللامساواة الاجتماعية هي اعتباطية بشكل كبير، و تحليل أصولها،و مكوناتها، تكون من دون شك ظاهرة للعيان فيما يخص تقديرها الخام.
1.1            اللامساواة منذ اللقاءات الأولى مع المدرسة:
يظهر تأثير الفوارق الاجتماعية بشكل ملحوظ، منذ مرحلة الحضانة ، على مستوى المنطق التلفظي : في 4-5 سنوات، تصل الفروق بين أطفال الأطر ( العليا و المتوسطة) و أطفال العمال و غير النشطين 1,2 بانحراف معياري [2] ، كما أن الفروق الاجتماعية هي كذلك دالة و تمثل انحرافا طرازيا بين 0,8 و 0,6 في المستويات المعرفية الأخرى( الرسم ، تنظيم الفضاء، و تنظيم الزمن). و تكون عموما جد مهمة  باستحضار بعض العوامل الأخرى (الجنسية الأصلية للأبناء المهاجرين). فمهنة أب الطفل، و التي تختصر مجموع خصائص الوسط الأسري للتلميذ، تفسر أداء التلاميذ( بفارق 14% من الحصيلة العامة بعد مرحلة الروض بعد أن كانت حوالي الثلث). يتبين إن ارتياد التعليم الأولي لا يقلص من تأثير الفروق الاجتماعية، و هو ما يسمح بالقول أن بعض الأطفال " يستفيدون " من البيداغوجيا المعتمدة في هذا المستوى التعليمي أكثر من الآخرين.
ثم ، على مدى المسار الدراسي ، تكتسي التعلمات المدرسية خاصية تراكمية( كورة ثلج): فما يتم اكتسابه في السنة السابقة يشكل أهم مؤشر للتعلمات في أخر السنة . و باستحضار هذه  السيرورة يظهر كما لو أن المكتسبات السابقة لا علاقة لها مع الخصائص الاجتماعية للطفل، بالرغم من أن هذه الأخيرة حاضرة جزئيا  في شكل مكتسبات مدرسية في النماذج التفسيرية للتحسن الدراسي. فحين يتم الاكتفاء  بقياس التعلمات و المكتسبات، على مدى سنة دراسية فقط، تظهر محدودية مفعول الأصل الاجتماعي، لكونه مندمج  في المستوى المدرسي، و لا تتحسن الدعامة الأساسية على المستويات اللاحقة. بصيغة أخرى، فاللامساواة الاجتماعية التي تم تثبيتها في مستوى دراسي معين سيدوم مفعولها ، من خلال المستوى الدراسي الذي سيدخل به التلميذ السنة الدراسية الموالية.
على العموم ، يمكن القول ، و أخذا بعين الاعتبار مجموع التجربة المدرسية  بالسلك الابتدائي، أن الامتياز الذي يستفيد منه أبناء الأوساط المحظوظة عند دخولهم للحضانة لا يستنفذ، بل الفوارق الاجتماعية تتسع بشكل خفي وفق منطق تراكمي، سنة بعد سنة، بالحضانة ثم بالمدرسة الابتدائية .
2.1            اللامساواة في اختيارات التمدرس
يصل التلاميذ إلى المستوى السادس بفروق قوية في المكتسبات المدرسية: في الرياضيات كما في الفرنسية، فإن 10% من التلاميذ المتفوقين يحققون نتائج ثلاث مرات أعلى من 10% من التلاميذ الأكثر تعثرا، علما أن الوسط الاجتماعي متضمن في الفروق المسجلة في مستويات التعلمات الدراسية، بالرغم من أنها لا تفسرها. بالإضافة إلى هذا، فخلال السنتين الأوليتين من التعليم الاعدادي، يحقق التلاميذ الأقوياء تقدما أكبر، خصوصا و أن تلاميذ الأوساط الفقيرة يلجون السلك الإعدادي بمستويات ضعيفة، فالفروق الدراسية تتسع. لقد تم تقدير، من خلال دراسة انجزت في عقد الثمانينيات من القرن 20، أن السلك الإعدادي" ينتج" خلال سنتين فقط أعلى نسبة من الفروق الاجتماعية من حيث النتائج الدراسية منقارنة بمجموع تجارب التمدرس السابقة.
إن ما يميز مرحلة السلك الاعدادي كذلك ،أنه بالإضافة إلى ما تم رصده من اللامساواة في النجاح، تظهر اللامساواة في علاقتها بالاختيار المدرسي. و هو شكل من اللامساواة يقتضي استحضار دور الوسط العائلي للطفل في اختيار الشعب أو المؤسسات. فتحسن التعلمات في الأقسام الجيدة، أو في بعض الإعداديات وبالتالي في المسار الدراسي هي منتجة اللامساواة بين التلاميذ عبر هذه الاختيارات بالإضافة إلى الأصول الاجتماعية (التي سنرجع لتفصيلها لاحقا). يتبين أنه بالإضافة للاتكافؤ الاجتماعي في تحسن الأداء المدرسي و اختيار الشعب، تساهم اختيارات التوجيه في تعميق اللامساواة الاجتماعية بالاعدادية. بالفعل ينظر إلى اختيارات التوجيه كاستجابة لطلبات الأسر. لكن هذه الاختيارات محددة اجتماعيا وتختلف باختلاف المستوى الاقتصادي والثقافي للأسر: مثل درجة الاعتقاد في فائدة الشواهد و الرغبة في تعلم طفله كلما كان الأب متعلما أو من وسط اجتماعي ميسور . يضاف إلى هذه الاعتبارات أن الأسر تمارس لحظة تقديم طلبات التوجيه تمارس نوعا من الانتقاء الذاتي(الإقصاء الذاتي بالنسبة للأسر الفقيرة) و هو مستوى أخر يعكس اللامساواة بحسب الأوساط الاجتماعية للتلاميذ: فمن خلال دراسات تحليلية لطلبات التوجيه لدى الأسر تظهر أثر اللامساواة الاجتماعية بين طلبات التوجيه  الطموحة و  المتواضعة حين يتعلق الأمر بالنتائج الدراسية الجيدة أو الضعيفة. لكن حين يتعلق الأمر بطلبات التوجيه التي تخص التلاميذ الذين حققوا نتائج دراسية متوسطة تظهر الفروق الشاسعة في طلبات التوجيه وفقا للأصل الاجتماعي للتلميذ. وهي ظاهرة تتميز بالثبات منذ أن تم الكشف عنها في عقد الثمانينيات من القرن20، فقد أكدتها دراسة حديثة لوزارة التربية الوطنية حول طلبات التوجيه في نهاية السنة الثالثة، أنه من بين التلاميذ الذين حصلوا على معدل 9 من 20 في المراقبة المستمرة للشهادة الثانوية، عبر 66 % من الأطر، مقابل 18% من العمال، عن الرغبة في متابعة أبنائهم للدراسات الطويلة بالتعليم العالي. في حين تبقى طلبات التلاميذ المتميزين منسجمة، بغض النظر عن الوسط الاجتماعي. 
إذا كانت طلبات الأسر فيما يخص التوجيه الدراسي لأبنائها يعكس أصلهم الاجتماعي و طموحاتهم فيما يخص مستقبلهم، فكيف تتعامل مجالس الأقسام مع طلبات الأسر التي ثبت أنها محكومة بنمطية اجتماعية ؟ إن الدراسات التي اهتمت بمداولات مجالس الأقسام فيما يخص التوجيه ، انتهت إلى أنها على العموم تتخذ قراراتها كرد فعل ضد رغبات الأسر، بحيث يعبرون عن رفضهم للاختيارات التي تبدو لهم لا تتسم بالواقعية اعتمادا على النتائج الدراسية، من دون محاولة "الجذب إلى الأعلى" خصوصا حين يتعلق الأمر بالاختيارات الحذرة لبعض الأسر. بمعنى أن قرارات مجالس الأقسام لا تعمل من أجل تصحيح "الإقصاء الذاتي" الذي تقوم به الأسر من الأوساط  الشعبية ، إلا في حالات نادرة، و هم بذلك يصادقون على طلبات التوجيه التي تحمل معها اللامساواة الاجتماعية.
مجموع هذه العوامل التي تؤثر على التمدرس في الإعدادي أصبحت اليوم جد معروفة، و لكن أهمية البحث هو كونه سيسمح بقياس حجم كل عامل من هذه العوامل. لقد سمحت دراسة المعطيات الإحصائية الممتدة على مدى سنوات الثمانينات، باستحضار اللامساواة الاجتماعية في الالتحاق بالسلك الثانوي عام أو تكنولوجي ، عبر القيام بالمقارنة بين أبناء الأطر و أبناء العمال . فتبين أن حوالي خمس هذه الفروق تسجل عند الدخول إلى سلك التعليم الابتدائي أي قبل الولوج إلى المدرسة ، ثم  خلال المرحلة الابتدائية بشكل خاص ، تتعمق اللامساواة في التحصيل الدراسي بحوالي الخمس، و أن ثلاث أخماس الباقية تتراكم و تتعمق خلال سنوات السلك الإعدادي. و هو مؤشر على تسارع في وثيرة تعميق اللامساواة الاجتماعية،  تؤثر اللامساوة الاجتماعية للنجاح  في السلك الإعدادي بنفس مقدار اللامساواة في التوجيه (حوالي 55% مقابل 45%).فإذا كان ثقل التجربة الدراسية للمرحلة الإعدادية قد أصبحت مؤكدة، فإنها تؤثر على مجموع مسار المدرسي في المرحلة الثانوي، حيث يتبين أن اللامساواة الاجتماعية في النجاح التي تراكمت سنة بعد سنة هي المحدد اللامساواة في التوجيه على الخصوص. لكن ثقلها يزداد تأثيره فيما بعد، بقدر ما يتقدم في المسار الدراسي بقدر ما تصبح  اللامساواة تظهر كانعكاس للاستحقاق أي لتحصيل أقل أو أكثر مرضيا.
أما في سلك التعليم الثانوي (التأهيلي) فما يميز الدراسة هو تنوع العرض المدرسي من حيث المسالك و تعدد الاختيارات و المسارات الدراسية، لتكتسي بذلك طلبات الأسر أهمية مستعجلة. في هذه المرحلة، يصبح تراكم اللامساوة في النجاح إكراها، خصوصا و أنها تصبح مضاعفة بالسلوكات الاستراتيجية فيما يخص  اختيار المسالك و طلبات التوجيه . فعلى سبيل  المثال ، هناك تمثيلية كبيرة لأبناء الأطر في السنة الأولى علوم (Jarousse et Labopin, 1999) ) و تفسر بالنسبة للنصف بمستواهم الدراسي الجيد الذي سجلوه في السنة الثالثة ، و الثلث بسبب اختيارات المسلك ( باعتبار تحسنهم خلال السنة الثانية و بفضل الامتياز الطفيف الذي استفادوا منه من طرف المجالس  لحظة اتخاذ  قرارات التوجيه).
أما في سلك التعليم العالي فتبرز أهمية المشاريع و الاستراتيجيات بشكل كبير، و تصبح آلية الانتقاء الذاتي(auto-sélection) هي المهيمنة، خصوصا فيما يخص المسالك النخبوية. فحين يتم تحقيق نتائج دراسية متشابهة، يلاحظ أن الشباب من أوساط اجتماعية محظوظة يختارون الأقسام التحضيرية للمدارس العليا. و هو الأمر الذي تؤكده معطيات "المشهد " بالدراسات العليا(Euriat et Thélot, 1995) : إذ يلاحظ أن تمثيلية أبناء الأطر العليا و المدرسين  تبلغ 15% بالنسبة لمجموع الفئة العمرية 20-24 سنة، لكن يسجل اختلافها من 4% في المسالك التقنية العليا، إلى 52% بالنسبة للأقسام التحضيرية للمدارس العليا، لتسجل 81% بالنسبة للمدارس العليا "العليا" ( البوليتكنيك، المدرسة الوطنية للإدارة، و الدراسات  العليا في التجارة، و المدارس العليا). فهذه الأرقام المرتفعة هي تعبير عن تراكم اللامساواة المدرسية التي تم تسجيلها  منذ التجارب المدرسية الأولى، و مرورا بسلسلة من الاختيارات الرصينة  التي تم اتخاذها.
مجمل القول ، أن اللامساواة الذي تم تسجيلها بين الأطفال منذ الدخول إلى الحضانة ، تتراكم بشكل مستمر ، حيث ظاهرة استدماج تأثير الأصل الاجتماعي في القيم المدرسية، و يضاف إليه نظام مدرسي جد انتقائي ابتداءا من سلك الثانوي و على الخصوص في سلك التعليم العالي. حيث يتوقف دمج تأثيرات الأصل الاجتماعي بشكل خاص في معدلات النجاح. في هذه المرحلة، تلعب اللامساواة المرتبط بالاختيارات دورا متزايدا، و تخلق الفروق بين المسالك "فضاءات مجهرية متجانسة اجتماعيا". لتبرز اللامساواة الاجتماعية "فيما بين المسالك" منه "داخل المسلك ".  فإذا كان الأصل الاجتماعي له دور جد مهم في التمييز بين الأفراد، و كان المسار الدراسي يبدو أنه يخضع لمنطق الاستحقاق فقط، فإن مسؤولية المدرسة في إنتاج الفروق الاجتماعية تطرح موضع تساؤل؟
ألا يتم تيسير الفوارق الاجتماعية القائمة في المجتمع بالفروق في الاختيارات. مثلما أن المدرسة بسبب، شكل تنظيمها و منطق اشتغالها ، تساهم إلى حد ما في إنتاج الفروق في الاختيارات، و خصوصا وأنها تستند إلى الفروق في التحصيل الدراسي، بمعنى أن المدرسة لا تعمل على التخفيف منها بل تساهم في تعميقها. لهذا يصبح من المهم تتبع الطريقة التي تتم بها "صناعة" الفروق في النجاح و المسارات الدراسية، عبر الأخذ بعين الاعتبار السياقات المتنوعة،من أجل تحديد المسؤولية.
3.1 اللاتكافؤ في  جودة السياقات المدرسية.
لقد أصبح مؤكدا اليوم أن لخصائص السياق المدرسي تأثير على نشأة اللامساواة الاجتماعية في المسارات. نعلم أنها تتأثر:  1)  بحسب السياقات : مفعول المدرسون (تكوينهم و اختياراتهم البيداغوجية)، مفعول الأقسام (تركيبة الأقسام و تدبيرها)، مفعول المؤسسات (التي تتأثر بنوعية الإدارة التربوية،  المحيط و الوضعية الاجتماعية للأسر) 2)  أن المستعملين المنتبهين على علم بها، و يسعون بنجاح، إلى استفادة أبنائهم من أفضل شروط التمدرس، 3) وأن الفروق الاجتماعية للمسارات المدرسية تمر جزئيا عبر هذه الفروق التي ترتبط أساسا بالسياق.
لقد أصبح من الثابت منذ عقد الثمانينات وجود "مفعول المؤسسات" في مجال التوجيه ، بمعنى لامساواة التوجيه بالنسبة لتلاميذ متشابهين مدرسيا و اجتماعيا. و يفسر مفعول المؤسسات بالتركيبة الاجتماعية لروادها و موقعها الجغرافي. و هو ما ثبت تأثيره الواضح على مستوى التطلعات والطموحات السائدة في المؤسسة:  فحين يحقق تلميذ من الأوساط الشعبية نفس النتائج الدراسية فإن تطلعاته تختلف باختلاف المؤسسة، إن طموحاته تكون عالية حين يتابع دراساته بإعدادية راقية منه لو كان يتابع دراساته بإعدادية شعبية. كما أن تركيبة التلاميذ تطبع تعلمات التلاميذ: سواء من حيث التحسن الذي يتحقق خلال سنة دراسية، حيث يسجل أن تأثير المدرسة يكون في نفس مقدار، بل أكثر، من تأثير الأصل الاجتماعي، بالرغم من أنه في مجمل المسار الدراسي للتلميذ، فإن تراكم "مفعول المؤسسة"بشكل نسقي تكون مفيدة مرتين بالنسبة للتلاميذ المتعثرين منه بالنسبة لمتوسط التلاميذ.
لكن يتبين، في المتوسط، أن المؤسسات ذات الأداء الجيد تستقبل في الغالب تلاميذ من الأوساط الميسورة. و هو أمر معروف، منذ تحليلات التي قام بها de Coleman  في سنوات 60، فقد أظهر أن تركيبة الاجتماعية للتلاميذ هو عامل مهم في تحسن الحياة المدرسية، وخصوصا في المدارس العمومية التي تستقبل جمهور من التلاميذ محظوظين اجتماعيا[3]. فملامح التسيير تندمج مع المزيد من الفعالية ، تكون أقل حضورا في الاعداديات التي تستقبل تلاميذ من الفئات الشعبية: التي تتميز بغياب الانضباط، أقل مشاركة في التعلمات، وعدم قدرة الأساتذة على إنهاء المقررات الدراسية بسبب هدر الزمن المخصص للتعلمات في تدبير الانضباط داخل الفصل(إلخ). وعلى العكس من ذلك، حين يغلب التلاميذ من الفئات المحظوظة ، تكون الثقافة و معايير السلوك التلاميذ أقرب من انتظارات المؤسسة، مما يخلق  مناخا مدرسيا يساعد على التعلمات، و بمستوى عال من الإصرار .... بمعنى أن جزء من فعالية التي تسجل بهذه المدارس" يأتي" بها التلاميذ: فخصائصهم الاجتماعية و المدرسية تساهم،عبر تفاعلها مع المدرسين، في خلق بيئة للجودة غير متساو بين جميع المؤسسات.
نفهم طبيعة العلاقة بين مفعول السياق و اللامساواة الاجتماعية: فالأولى تدعم الثانية لأن التلاميذ المحظوظون اجتماعيا يستفيدون من سياقات جد ناجعة، بنفس القدر الذي يساهمون بدورهم في جعلها ناجعة بفعل انخراطهم الايجابي و تفاعلهم بشكل يتطابق مع انتظارات المدرسين. لهذا يصعب الفصل  بين ما يستفيده التلاميذ المحظوظون من وسطهم العائلي و ما يستفيدونه من سياق وظروف تمدرسهم. إن مفعول الوسط الاجتماعي على نجاح و مسار التلميذ -على هذا المستوى - يتم إلى حد كبير بطريقة غير مباشرة، أي عبر الولوج إلى سياق مدرسي ذي جودة غير متكافئة، وليس نتيجة ميكانيزمات فردية مثل" المروث الثقافي". و لكن هذا السياق المدرسي يتم إنتاجه بفضل الإستراتيجيات المعتمدة من طرف الفاعلين، الذين يعتبرون أساسيين في خلق الفروق في السياق.
وباعتبار أن الأسر تدرك أهمية المناخ المدرسي فهي تساهم في إنتاج الفروق بين المؤسسات و بالتالي بين التلاميذ: لقد ثبت أن الإعداديات التي يرتادها أغلبية تلاميذ ذووا أصول ميسورة هي في نفس الوقت المؤسسات الناجعة مدرسيا،(الأقل انتقائية و تمنح جوا دراسيا هادئا). لهذا فمن المنطقي أن توجه الأسر أبناءها إلى مثل هذا النوع من المدارس، لكن يسجل عدم تكافؤ الحظوظ في قدرتها على تحقيق مسعاها. وبالرغم من أن اختيار المؤسسة بفرنسا من طرف الأسرة تبقى ظاهرة نادرة بفعل الخريطة المدرسية (حوالي 10 % من تلاميذ المستوى 6 يلتحقون إعدادية خارج مقاطعة سكناهم) ، كما تم الكشف أن الآباء الذين ينتمون إلى أوساط اجتماعية خاصة يسعون إلى اختيار المؤسسات التعليمية لأبنائهم، مع تمثيلية راجحة للمدرسين و بشكل واسع أطر الوظيفة العمومية. كما تترجم الاستراتيجيات الأسرية في اختيار أحسن الشروط لتدريس أبنائها على مستوى التدخل في صناعة تشكيلة الأقسام داخل المؤسسات كذلك (van Zanten, 2001). فالأسر التي تكون على دراية بآليات الاشتغال المنظومة التربوية تسعى إلى توفير سياق خاص، "ومتميز"، لفائدة أبنائها عبر اختيار بعض الشعب على سبيل المثال(اللغة اللاتينية). هكذا، فالأسر(على الأقل تلك التي لديها أبناء ذووا مستوى دراسي جيد، و ذات قدرة على التأثير في الوسط المدرسي) يرون أن من مصلحة أبنائهم أن يتم وضعهم في أقسام التلاميذ المتميزونles classes pilotes   أو أن المدرسة توزع التلاميذ على الأقسام بحسب مستواهم المدرسي،(لأنه من الثابت أن المستوى الدراسي للتلاميذ يتحسن كلما كان مستوى القسم مرتفعا). فهذه الاستراتيجيات تخدم المصالح الخاصة لآباء التلاميذ المتفوقين، و تقدم تبريرات كما لو كانت تعبر عن مصلحة عامة. لكن لو أخذنا المكتسبات المدرسية لفئة عمرية بعين الاعتبار، فإن الأقسام غير المتجانسة (مختلطة المستويات المدرسية) تحقق "مردودية" أعلى، لأن ذلك  يدفع المتعثرين إلى العطاء أكثر من دون أن يؤثر ذلك سلبا على تحصيل المتفوقين. لكن بالمقابل فإن آباء التلاميذ المتعثرين و الذين من مصلحة أبنائهم الدراسية تشكيل أقسام غير المتجانسة فإن قوة تأثيرهم "الضغط" في قرارات المدرسة تكون جد ضعيف. يتبين كيف أن اختلاف المصالح الأسر تترجم  على مستوى المدرسة: فالأسر المحظوظة، عبر أسلحة غير متكافئة، تعمل من أجل الاستحواذ على الموارد المدرسية و تسعى إلى أن توفر لأبناءها أفضل المسالك التي ستمنحهم أحسن المراتب الاجتماعية.
كخلاصة: يتبين أن السياقات المدرسية بقدر ما يتم إنتاجها عبر استراتيجيات الأسر و فهي نتيجة بالنسبة لبعضها، علما أن التركيبة الاجتماعية للوسط المدرسي تبدو كمقياس مهم في التنشئة و التكوين المدرسي. فالوسط الجغرافي حيث يعيش الطفل، و المدرسة التي يمكنه الولوج إليها، والأقران الذين سوف يرافقهم و يتعامل معهم ، والاستراتيجيات التي توظف حين لا تكون الإقامة الجغرافية ملائمة، هي مظاهر مهمة للحديث عن اللامساواة الاجتماعية و إعادة الإنتاج من الحديث عن  عامل الفروق في "الموروث الثقافي".

2.     اللامساواة في المدرسة : معايير من أجل فهمها، و سياسات من أجل تقليصها
من أجل فهم هذه الفروق ، وبعد التعرف على الآليات الخفية، تبقى الحاجة إلى نموذج نظري، و الذي يمكن التحقق منه: فالمعطيات الامبريقية ينبغي تأكيد قيمتها التفسيرية عبر التحقق منها بشكل مستمر على ضوء المعطيات الإمبريقية الجديدة. فالبحوث الكبرى و التحاليل الكمية التي تم الارتكاز عليها ، تمت صياغتها من دون مرجعية نظرية دقيقة. لكن نسب المئوية  المسجلة في تفسير هذا المتغير ينبغي تأويلها، بمعنى ترجمتها بلغة العلة و النتيجة، فينبغي البحث عن الأسباب في تدخلات الفاعلين و أسسها، بالإضافة، إلى استحضار مفعول السلوك الجماعي بالنسبة لعدد من التصرفات، والتي تنتج بعض الوضعيات.
1.2                        تفسير سلوكات الفاعلين.
إن أول ظاهرة تحتاج إلى تفسير هي أسباب الفروق مبكرة بين التلاميذ في النجاح. لكن علماء الاجتماع يعبرون عن عدم رضاهم عن سؤال يتضمن إقرارا بوجود فروق في الذكاء بين الجماعات الاجتماعية، بل و رفضهم لأطروحة تعتبر أن الذكاء هو وراثي أو "أيديولوجية الموهبة" الطبيعية. يبقى أنه لا ينبغي - في نفس الوقت- الإقرار بأن الذكاء ينمو في سياق اجتماعي، و استبعاد أن الفروق الكبرى على المستوى المادي و التربوي لوسط حياة الأطفال لا مفعول لها على النمو المعرفي. إذا كان Bernstein قد دعم -عبر نظريته "السوسيو- لسانية" عن وجود سوسيولوجيا النمو المعرفي (إن طريقة الاشتغال العائلة ترتبط بنمط للتعبير، والذي يرتبط بنمط للاشتغال المعرفي)، فقد فضل علماء الاجتماع بفرنسا أمثال بورديو و باصرون تفسير امتياز "الورثة" بالمسافة بين المحادثة المدرسية و المحادثة المرتبطة بمختلف الأوساط الاجتماعية، باعتماد نظرية "الهيمنة الاجتماعية" حيث تكون اللغة و بشكل أوسع الثقافة المعتمدة في المدرسة حاملة لها.
في نفس السياق، اثبت علماء النفس (cf.notamment Lautrey, 1980) عن وجود لا مساواة في الممارسات التربوية لتحفيز النمو المعرفي للطفل ، بحسب الأوساط  الاجتماعية. في إطار هذا التوجه، توصل علماء اجتماع مثل (de Graaf et al., 2000) أن أحسن فرص نجاح الأطفال من الأوساط المحظوظة تمر بالفعل عبر الكفايات المعرفية و اللسانية التي تنقل إليهم من طرف آبائهم. يبدو إذن أن الأساس الصلب، لتفسير اللاتكافؤ في النجاح ، يقتضي استحضار اللامساواة الواقعية بين الأطفال. فهذه اللامساواة هي متلقاة: تنتج عن لا تكافؤ الموارد المختلفة للأسر (موارد مادية و ثقافية...)، وهذه اللامساواة تنقل من الآباء إلى الأبناء.
بالإضافة إلى رفض علماء الاجتماع فكرة الفروق الفطرية، فهم لا يتقبلون (وعلى الخصوص علم الاجتماع الفرنسي) فكرة اللامساواة في الكفايات و فكرة اختلاف التحفيزات بحسب الوسط الاجتماعي: كغياب الشهية للتربية و التعلم  لا يمكن أن تكون إلا نتيجة للإستيلاب... و لهذا يمكن القول أن الموقع الاجتماعي المستهدف بالنسبة للأبناء يكون محددا بالعلاقة مع الموقع الاجتماعي الحالي للأسر، فالطموح هو بالأساس ذو خاصية نسبية (أطروحة  التي دافع عنها R.Boudon, 1973 ) . في مثل هذه الوضعية، الأسر من مواقع لا متساوية سوف يستهدفون لأبنائهم مواقع اجتماعية لا متساوية.
إن هذه الرؤية اللامتساوية للمستقبل تعود إلى أن الأسر تتوفر على موارد لا متكافئة من أجل تحقيقها. فهم بذلك في قراراتهم و اختياراتهم، لا متكافئين اتجاه مخاطر و كلفة مختلف البدائل. فقد سبق لريمون بودون  (R. Boudon 1973 ) أن صاغ نموذج "الفاعل العقلاني " الذي يوازن  في اختياراته بين المنافع المنتظرة و الكلفة (المخاطرة)، و الذي فرض نفسه منذ ( (cf notamment Goldthorpe 1996) و(Erikson et Jonsson, 2000  ) من أجل فهم اختيارات الأسر المدرسية ، من هذا المنظور، فالعامل الأساسي للامساواة هي الفروق ، بحسب الموقع الاجتماعي ، في حقل قرارات الفاعلين.
إن السلسلة متصاعدة للتوجيه المدرسي هي من بين المعطيات التي تدعم هذا الإستراتيجية النموذجية، حيث يمكن الوقوف عند الفروق الاجتماعية من حيث »الانتقاء الذاتي «auto-sélection» « والتي تنتج عن القيمة و المعايير غير المتكافئة - للأوساط الاجتماعية- اتجاه مردودية متابعة الدراسة.فهي غير متساوية بحسب نقطة الانطلاقة، و درجة تقدير موضوعية للمخاطرة(هي غير متكافئة، وتدعم الفروق الاجتماعية  للنجاح) أو الكلفة التي سيتم تحملها في الدراسات المرتقبة.
لكن بالاقتصار على المقاربات الإحصائية الخارجية "يبدو أن الأمر يتم " كما لو أن الأفراد يقومون باختيارات عقلانية، لكن هذا لا ينبغي أن يقصي أنه خلال عملية اتخاذ الفرد لقرارات الملموسة ، يوجد  لاتكافؤ على مستوى المعلومة، الأفضليات، والنظرة إلى العالم ...، كما أننا حين لا نسأل بطريقة مباشرة الفاعلين (المقابلة الفردية)، يكون من الصعب أخذ الاستبطان و الاستباق بعين الاعتبار. و كذلك إذا كان الاختيار يبدو أنه "عقلانيا غير متساوي"، فاستقلالية الفاعل تبقى رهينة بالإكراهات المحيطة به، و التي يتم التعبير عنها في وضعيات لا يملك القدرة على التحكم فيها، بالرغم من كونه يساهم في إنتاجها. فالإشارة إلى دور الاستراتيجيات لا تؤدي إذن إلى الحسم لفائدة فاعل يتصرف دائما بعقلانيته بشكل كامل و بحرية. فالقرارات الأكثر عقلانية التي توجه الاختيارات تضمن اللامساواة المفروضة (لاتكافؤ في النجاح، اللاتكافؤ في المعلومات ...) أو المواقف (الأفضليات ، العلاقة بالمعرفة ...) و التي تشكلت في سياقات لم نخترها. لهذا فالعوامل "المتلقاة" من جهة، و القصديات و الاستباقات تنزل بثقلها بشكل مختلف بحسب الوضعيات: و هذه الملاحظات النقدية لا ينبغي أن تؤدي إلى التراجع بشكل نهائي عن مفهوم الفاعل. فالتحليل الملموس هو الذي سيظهر أن فئة من الأفراد ليس لهم أي اختيار( أي أن السلوك محدد بالاكراهات بشكل كامل)، و فئة لا تظهر لديهم ضغط الإكراهات حيث الاختيارات تلعب دورا ملحوظا. فتعبئة خطاطة للحتمية الموجهة للاختيار أو خطاطة للقصدية تبقي على مستوى الحالات الملموسة.
لقد أصبح تأثير الأبعاد السياقية للامساواة اليوم مؤكدة، و هي نتائج تساءل في نفس الوقت كلا من أطروحة قوة الاستراتيجيات (عقلانية الفاعل) و أطروحة ثقل الوراثة(الحتمية الاجتماعية). لهذا لا ينبغي تحنيط مفهوم الوراثة ( والإعاقة الطبيعية) والتفسيرات الحتموية الملحقة بها، فما دامت أن الآداءات الدراسية للتلاميذ أو مستوى طموحاتهم تختلف بحسب السياق بشكل ملموس وليس فقط بحسب الانتماء الاجتماعي.  من جهة أخرى فاللاتكافؤ في الوسط المدرسي لها تأثيراتها، لتبقى الفروق في القدرة على اختيار السياق ، علما أن هذا اختيار يتطلب توفر المعلومة، و القدرة على التنقل ، ونوع من الاطمئنان اتجاه إدارة المدرسة،إلخ. بالإضافة إلى أن قطيعية (جماعية ) السلوك الفردي  يترتب عنها مفعولا معكوسا: فالتواجد مع أقران من أوساط اجتماعية عليا تنتج فائدة للجميع، و العكس صحيح بالنسبة للتلاميذ المحرومين. إذن فإن السياق الذي يتم اختياره وتشكيله من طرف الفاعلين و يصبحون خاضعين له في نفس الوقت.
2.2             اللا تكافؤ في محيطهم البنيوي.
إن اللامساواة المدرسية تعشش في "الدائرة المغلقة" لإعادة الإنتاج الاجتماعي، فباعتبار أن الأسرعند الانطلاقة يكونون في وضعيات غير متساوية، يرهنون مستقبل أبناءهم بشكل لا متساوي، و يتوقعون منهم مواقع لامتساوية. فالسياق الماكرو- سوسيولوجي، يمارس بالطبع إكراها من حيث مواقع "الوصول " و "المغادرة" (Boudon, 1973). إن ما يلاحظ من استمرار الفوارق الاجتماعية في أغلب الدول، تفسر بعدم تحويل التوازن بين الكلفة/ الفائدة إلى بدائل أخرى بعد توسيع القاعدة الاجتماعية للمنظومة التعليمية. بحيث لم تعرف المواقع، بين مختلف الفئات الاجتماعية، سوى تعديلات طفيفة (Goldthorpe, 1996).
على المستوى التجارب الدولية، يتبين أن الدول التي سجلت نوع من الدمقرطة في المسار الدراسي(هولندا أو السويد) هي الدول التي حققت تقليصا في اللامساواة الاجتماعية على مستوى العيش و الأمن الاقتصادي للسكان(Shavit et Blossfeld, 1993)، و هو عامل نعرف ثقله على الحساسية اتجاه المخاطر، وبالتالي على اللامساواة في الاختيار المدرسي. بل، في هاتين الدولتين، لم يتزامن هذا التطور مع الإصلاحات التربوية: و هو ما يؤدي إلى القول أن عدم التزامن بين تطورات التي عرفتها  الفرص التربوية و الفرص الاجتماعية، وهو ما يعني أن الدمقرطة المدرسية تعود إلى عوامل سوسيو- اقتصادية عامة. فضرورة العمل على تغيير واقع اللامساوة في شروط الحياة بين الشرائح الاجتماعية التي تستعمل المدرسة باعتماد استراتجيات و موارد مختلفة سيكون عاملا فعالا في عملية الدمقرطية. فالعلاقة في جميع الأحوال هي عرضية بين درجة الدمقرطة المنظومة التعليمية و درجة الحراك (أو الثبات) الاجتماعي la mobilité social، و هو يدعم أطروحات  كلا من de Jencks et Boudon  مادام انفتاح المنظومة التعليمية على فئات اجتماعية شعبية و دمقرطتها كميا ( تبقى إشكالية) لأنها لا تؤدي بشكل آلي إلى إضعاف العلاقة بين الأصل الاجتماعي و الوضعية الاجتماعية التي يتم  تحقيقها، بمعنى تقليص الفوارق الاجتماعية. لهذا  ينبغي من دون شك  التخفيض من تطلعاتنا اتجاه الأدوار الاجتماعية للمدرسة و اتجاه دور السياسات التعليمية في تقليص اللامساواة الاجتماعية "إعادة الإنتاج"، دون استبعاد أهمية السياسة التعليمية. إن المدرسة التي لا تستطيع تحقيق نوع من التكافؤ في أداءات الأطفال الصغار تقبر في المهد مصدر أساسي للمساواة في النجاح المدرسي/ الاجتماعي، و كذلك الأمر بالنسبة لنظام تربوي الذي يضمن تنوعا و جودة متكافئة في سياقات النجاح، أو الذي تتدخل على مستوى "مسارات التلاميذ" باعتبارها أساس نجاحهم. لكن السياسات البنيوية التي يتم العمل بها في أغلب الدول و التي تحقق حولها الإجماع، هي التي يتم القبول بها. فهي تعمل على مستويين يعتبران أساسيين في النظام التربوي، درجة انفتاحه و درجة أخذه بعين الاعتبار الفروق، هكذا في الثانوي، نعمد إلى إخماد الفروق عبر حذف الانتقاء المبكر و تأجيل اختيار المسالك أو التوجيه. ومن خلال مقارنة دولية، فحجم اللامساواة الاجتماعية تبدو جد وازنة عند الانتقال من أنظمة لا تعتمد الفروق بشكل كامل (مثل الدول الإسكندنافية)، إلى الدول التي احتفظت بالمسالك( ألمانيا ، الليكسمبورغ)، من دون أن يثقل المستوى المتوسط للتلاميذ. إن توسيع التمدرس رافق هذه التطورات، باعتباره الطريق الأكثر ضمانا لدمقرطة الحصول على التربية. لكن هذا التوسع الكمي يسمح للفروق الاجتماعية من أن تختفي في بعض المستويات،ولكن تسمح للمحظوظين من الاستثمار في المستويات العليا، لهذا فارتفاع الكمي يهم كذلك هذه المستويات التعليمية و التي لم يتمكن أي إصلاح كيفي من تغيير الولوج إليها. فالتوسيع العرض التربوي هو في نفس الوقت إصلاح يهدف تحقيق المساواة- و هو بطريقة ما ضد الإصلاح، لكونه يسمح للمحظوظين من الحفاظ على امتيازاتهم عبر نقلها و تغييرها، وهي اختيارات ليست من دون كلفة بالنسبة للدولة، و تكشف من دون شك عن الصعوبات التي تواجهها المنظومة نفسها.
يبقى ضرورة التدقيق في سؤال نادرا ما يطرح بشكل صريح، إلى أي حد تكمن مهمة المدرسة في تحقيق المساواة؟ فإذا كان هدف التكوينات هو التأهيل لشغل مهن متنوعة و غير متساوية اجتماعيا، فالمدرسة لا يمكنها أن تتخلى عن وظيفة الانتقاء، وإذاك سيكون بكل تأكيد مبدأ الاستحقاق هو المعتمد في المجال حين يكون الانتقاء يستند لدعامة يتقاسمها الجميع، و حيث لا يمكن تقبل أي شكل من أشكال اللامساواة. و أخيرا، فنحن نعرف منذ Jencks ، أنه من بين التحديات هو تطبيق فعلي لتكافؤ الفرص في مجتمع اللامساواة، باعتبار أن التلاميذ يرتادون المدرسة بمؤهلات غير متكافئة نتيجة شروط حياة اللامتكافئة للأسر. كما أن نظرة الأسر لمستقبل أبنائها، من مواقع اجتماعية لامتساوية، تكون لا متساوية (أي تعيد  الإنتاج عبر لعبة الاستباقية ). لتظل المدرسة كأداة تستغل من طرف من هم في أحسن موقع. و أن تقليص اللامساوة بالمدرسة مرتبطة بسياسات تقليص الفروق بين الراشدين (بين الآباء ، بين مكانة والحظوة الاجتماعية للمهن نفسها) و التي ينبغي أن تمر عبر اختيارات سياسية في قطاعات اجتماعية أخرى(التشغيل،السكن، و سياسة المدينة...). بحيث لا ينبغي أن نحمل السياسات التعليمية إلا المكانة و الدور الذي تتحمله في المجتمع.

Références

Boudon R. (1973). L’inégalité des chances. La mobilité sociale dans les sociétés industrielles, Paris, Colin.
Boudon R., Cuin C-H., Massot A. (2000). L’axiomatique de l’inégalité des chances, Paris, L’harmattan.
Bourdieu P., Passeron J-C.(1970). La reproduction. Eléments pour une théorie du système d’enseignement, Paris, Ed. de Minuit.
Dubet F. (2000). Les inégalités multipliées, La Tour-d’Aigues, Les Editions de l’Aube.
Duru-Bellat M. (2002). Les inégalités sociales à l’école : genèse et mythes, Paris, PUF.
Erikson R., Jonsson J.O. (2000). "Understanding Educational Inequality : the Swedish Experience", L’Année Sociologique, 50, n°2, 345-382.
Euriat M., Thélot, C.(1995). "Le recrutement social de l’élite scolaire depuis 40 ans", Education et Formations, n° 41, p. 2-21. Goldthorpe J.H.(1996). "Class analysis and the reorientation of class theory : the case of persisting differentials in educational attainment", British Journal of Sociology, vol.47, n°3, p. 481-505.
Graaf (de) N.D., Graaf (de) P.M., Kraaykamp G. (2000). "Parental Cultural Capital and Educational Attainment in the Nehterlands : A Refinement of the Cultural Capital Perspective", Sociology of Education, 73, p. 92-111.
Jarousse J-P, Labopin M-A. (1999). "Le calendrier des inégalités d’accès à la filière scientifique", L’Orientation Scolaire et Professionnelle, 28, n°3, p. 475-496.
Jencks C. (1972). Inequality : A Reassessment of the Effect of Family and Schooling in America, New York, Basic Books.
Lautrey J. (1980). Classe sociale, milieu familial, intelligence, Paris, PUF.
Shavit, Y., Blossfeld, H.P. (éds) (1993). Persistent Inequality. Changing Educational Attainment in Thirteen Countries, Boulder, Westview Press.
Marie Duru-Bellat, 2003:  Les inégalités sociales à l’école. numéro 4 de la revue Comprendre (ed :PUF)
Zanten (van) A. (2001). L’école de la périphérie, Paris, PUF.


[1] Marie Duru-Bellat, 2003:  Les inégalités sociales à l’école. numéro 4 de la revue Comprendre (ed :PUF)
[2]  إن انحراف معياري يدل أن حوالي 85 من أبناء العمال لهم مستوى أقل من أبناء الأطر، في حين لو كانت المجموعتين نفس المستوى ، ستكون فقط % 50 بينهما، يبقى أن تغطية بين المنحنيين يبقى مهما، و أن أغلبة أعضاء المجموعة يحققون نتائج متشابهة مع المجموعة الأخرى.
[3]   تلعب التركيبة المدرسية للسياق دورا كذلك: فالتلاميذ يحقوق تقدما بقدر ما يتابعون دراستهم في أقسام ذات مستوى في المتوسط مرتفع. ولهذا فارتياد قسم  مختلط يختلف مفعوله  بحسب المستوى الأولي للتلاميذ: فالضعاف يستفيدون منه ، وعلى العكس ، يخسر فيها الأقوياء . لكن ما يفوز به الضعاف هو مرتين أهم من ما يفقده الأقوياء. وبالتالي ، فالتركيبة  المدرسية ستكون عاملا للامساواة ما دامت أنها تمييزية (أقوياء أو ضعفاء).
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage