3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الأنا و النحن: التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة ل "راينر فونك’

الخط


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا












































 الأنا و النحن
التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة ل "راينر فونك"
 بشرى بنصالح




عديدة هي التصورات التي راودتني بمجرد قراءتي العنوان " الأنا و النحن " الذي وسم به "راينر فونك" كتابه القيم . فمن منا لا يطرح تساؤلات بخصوص ذاته و بخصوص المجتمع ككل، في عالم غدا يأتينا كل يوم بل كل حين بالجديد. هذا الجديد المتعلق بالتقنية التي أحدثت تغييرا جذريا في سلوكاتنا سواء قبلنا أم أبينا.
و لعل  حجم التساؤل بدواخلنا يكبر فينا حين نكون قد عايشنا طباعا مختلفة  بمعايشتنا أجيالا مختلفة .فجدتي مثلا لم تكن قد عرفت تقنية الصورة و لكن رغم ذلك كانت مخيلتها تحبل بالعديد من الصور و القصص التي كانت تمررها إلينا و نحن صغار من خلال صور ذهنية لا تزال راسخة بمخيلتي إلى اليوم . هذه المرأة لم تعش زمن التقنية لكنها كانت قادرة على خلق الصور الخيالية في أذهان الصغار، و بفعل التكرار عملت على جعل مخيلة الصغار خصبة و غنية بالخيالات. في حين أن جيل الأبناء لا يحفزه الحكي من أجل خلق صور خيالية عنده ، و الخيال عنده مبني على ما تزرعه الصورة التقنية بذهنه من صور. كما أن ارتباطاتنا العائلية بالأمس  كانت قوية و لم يكن يجد الأنا نفسه غريبا في النحن مثلما صار عليه الأمر اليوم.
فبالأمس القريب لم نكن نحتاج الفيس بوك أو الواتساب أو...كي نتواصل مع بعضنا. أما اليوم فصارت هذه العوالم هي العوالم الواقعية بالنسبة للعديد من بيننا و صرنا غرباء في عالمنا الحقيقي.
من جانبي لم أنخرط في هذه العوالم إلا متأخرة لقناعة كانت مترسخة بداخلي ، مفادها أن التواصل المباشر هو الأفضل و الأجدى والأنفع . لكنني انخرطت بفعل الاضطرار حين أصبحت العائلة و المعارف والأصدقاء  جميعهم  مقيمين في هذه العوالم و وجدت نفسي في آخر المطاف غريبة في عالم الواقع.
ما الذي حدث لنا على مستوى الفرد و الجماعة ؟
ما الذي تحكم فينا إلى هذا الحد وغير طباعنا بلا استئذان ؟
ما الذي كان يجعل تلامذتي غير آبهين بنصيحتي لهم ب "عدم استعمال الآلة الحاسبة لأنها تضعف قدراتهم في الحساب" . و غير آبهين حتى عندما كنت أبرهن لهم على قصور الآلة الحاسبة في حل بعض الوضعيات الرياضياتية مقابل قدرتهم على الحل باعتماد قدراتهم الذاتية التي اكتسبوها من خلال التمرن على بعض المفاهيم ؟
ما الذي جعل إيماننا بكل ما تقدمه هذه العوالم المبتكرة  أقوى من إيماننا بما يمكن أن يقدمه لنا كتاب  أو مجلة أو صحيفة ؟
هذه فقط بعضٌ من أسئلة عديدة أيقظها كتاب " الأنا و النحن " في ذهني ، فلم أرد بالتالي تفويت فرصة الحصول على إجابات شافية لبعضها التي تصل أحيانا درجة الألم من جراء الإحساس بالاغتراب المنبعث في الروح حتى و نحن في أعلى درجات الحميمية العائلية .
و بخصوص مؤلف الكتاب : فهو الدكتور " راينر فونك" متخصص في السيكولوجيا و بالخصوص التحليل النفسي . ألماني النشأة مولود بمدينة توبينغن يوم 18 فبراير1943م.
حصل على شهادة الدكتوراه عام 1977م . و هو آخر تلامذة و مساعدي المحلل النفسي الألماني الشهير " إيريك فروم" و الوريث الشرعي لتركته الفكرية. و أسس رفقة آخرين الجمعية العالمية إيريك فروم . و بعدها أرشيف إيريك فروم بمدينة توبينغن. 
نشر الأعمال الكاملة لإيريك فروم في 12 مجلدا ، و اشتغل محللا نفسيا و محاضرا في جامعات ألمانية عديدة . و له مؤلفات عديدة و قيمة .و قد نشر كتاب "الأنا و النحن" بألمانيا سنة 2005 م.
و  قام بترجمة " الأنا و النحن " الدكتور حميد لشهب و تم نشر النسخة المترجمة إلى اللغة العربية في فبراير من سنة 2016 م من طرف دار جداول للنشر الكائية ببيروت – لبنان.
  

نظرة على المدخل الخاص بكتاب " الأنا و النحن"

استهل راينر كتابه بتوطئة أوضح من خلالها تناوله لمفهوم " الأنا " و مفهوم " النحن" من جانب التحليل النفسي و ليس من جانب فلسفي أو سيكولوجي مجرد . و أكد أنه طور التوجه الجديد للطباع باعتماده على أعمال أيريك فروم التحليل نفسية و السيكو – اجتماعية .و حفاظا مني على المنهج الذي قدم من خلاله راينر فونك  كتابه ، ارتأيت أن أتبع المنهج نفسه حتى أكون وفية في نقل جميع أفكاره بما أتاحته لي إمكانياتي الذاتية .
و بعد التوطئة قدم "راينر" مدخلا لدراسته حدد من خلاله العناصر الجوهرية لدراسته التحليل نفسية و السيكو – اجتماعية للأنا مابعد الحداثي لخصت بعض الجوانب منها كما يلي :
يعتبر" راينر فونك " أن أي تغيير اقتصادي و اجتماعي يقود إلى تغيير في الشخصية على مستويات فئات عديدة و يتطور بالتالي نوع جديد للشخصية يؤثر في سلوك الناس و تمثلهم للقيم و الصورالتي يحملونها عن ذواتهم و عن الآخرين و عن المحيط و عن المستقبل . و يقر " راينر " بأن ظهور هذا النوع الجديد من الشخصية يسمح للمنتمين إليه بالاختلاف عن الآخرين بنوع من الاستفزاز  " أنا هو أنا ، طالما أن أنا هو أنا " و " أنت هو أنت ، طالما أن أنت هو أنت " . و يلخص هذا الاختيار الذاتي حاجة أصحابه للتخلص من كل الإكراهات و الصلات و الوصايا من أجل الاعتماد على النفس و امتلاك الذات و تقرير مصيرها . و هذا التوجه هو توجه من أجل معانقة الحرية و هو تطبيق عفوي للأنا كالجواب على تجربة في الحياة .و يشير " راينر " إلى أن توجه الأنا هذا هو نوع جديد للحياة و هو ظاهرة سيكو – اجتماعية يجب فهمها في إطار التغيرات الكبرى للاقتصاد و المجتمع و في إطار الفلسفة ما بعد الحداثية و الفن و الأدب و العلوم . و بالرغم من أن الإنسان ما بعد الحداثي يعيش لذاته و مع ذاته و يقرر لنفسه ما يروق له ، فإن هذا لا يلغي حاجته إلى الإحساس بالانتماء و التواصل مع الآخرين . و منه فتوجه الأنا و الشعور ب " النحن " لا يلغي أحدهما الآخر .
كما أن توجه الأنا ما بعد الحداثي لديه اقتناع ثانٍ عبرت عنه " جيريمي ريفكين " من خلال " الارتباط يحرر" . و قد قدم " إيريك فروم " نموذجا لحل إشكالية " الارتباط يحرر" من خلال تمييزه في دراسة له حول التوجه السلطوي بين الشكل الخامل و الشكل النشيط ، حيث يكون لدى النشيط رغبة عارمة في السيطرة على الآخرين و تكون لدى الخامل رغبة في الخضوع للآخرين و قبول عقابهم و سلطتهم ، أو اتجاه الذات بتعذيبها و التضحية بها و الإيثار ، إذ قياسا على ما أبان عنه في هذا الباب ميز في توجه الأنا ما بعد الحداثي بين نوع نشيط و نوع خامل .
و يعرض " راينر فونك " في كتابه توجه الأنا ما بعد الحداثي كنموذج للشخصية و للتوجه الطباعي من خلال قبول و استقبال طريقة العيش ما بعد الحداثية المتأسسة على تمثلات ما بعد الحداثة .
كما أنه يوجه النظر إلى أن الاهتمام بحدود الادعاء ما بعد الحداثي لن يكون من الجانب الفلسفي لأن هذا الأخير لا يهتم كثيرا بأسلوب العيش ما بعد الحداثي. و أن أهم المؤثرات لوصف التوجه الطباعي ما بعد الحداثي تكمن في الأماكن حيث ينتشر العيش ما بعد الحداثي كما هو الشأن بالنسبة للعوالم المتأثرة بالمعاش الاستعراضي في التسلية و الصناعة المرتبطة بوقت الفراغ و الموضة و فيما يسمى البحث المستقبلي في أوساط الاستهلاك و الشركات الاقتصادية و أجهزة النشر و الإعلام التي اتخذت الحياة ما بعد الحداثية أسلوبا لها .
ثم قدم بعض المداخل التحليل نفسية من فرويد إلى فروم و بعض المداخل السوسيولوجية لفهم نشوء الأنا ما بعد الحداثي   إلا أنه أثار الانتباه إلى أنه سيعتمد  في دراسته لإنسان ما بعد الحداثة على فهم "إيريك فروم" للإنسان.



الجزء الأول: فيما يتعلق بنشوء توجه الأنا ما بعد الحداثي
يقدم " راينر فونك " في هذا الجزء من الكتاب ثلاثة عوامل مهمة في تشكيل التوجه ما بعد الحداثي للأنا . الأول هو تطور اقتصاد السوق و الثاني هو التقدم التقني أما الثالث فهو يرتكز على قوة الإيحاء عند الناس . و قد ركز في كتابه من جانب اقتصاد السوق على البعد المركزي له الذي يحظى بأهمية خاصة في ظهور و تطور نفسي خاص لتوجه الأنا ما بعد الحداثي .
نمط إنتاج السوق و التسويق:
يدرج الكاتب ضمن هذه النقطة التغيير الجوهري الذي حصل على مستوى الاستهلاك و الذي حقق شكلا اقتصاديا سمي باقتصاد السوق الرأسمالي ، حيث كانت أهم خاصية لهذه السوق هو تغيير فهم كل من السوق و العمل و السلعة . إذ انتقل الإنسان من نموذج البحث عما يسد به حاجياته الأساسية من خلال باعة يعرضون سلعهم في السوق إلى نموذج آخرهو سوق الاقتصاد الرأسمالي التي ظهرت نتيجة إمكانيات التقنية و الإنتاج الآلي الواسع النطاق . و الذي كانت من نتائجه تطور تبادل البضاعة ثم رفع الطلب على هذه البضائع من خلال التأثير على المستهلك بواسطة الإشهار، الذي يوهمه بضرورة اقتناء البضاعة و إن كان في غنى عنها. و هذا ما كان مهما في ظهور توجه طباعي جديد.
و هذا التطور نفسه حصل على مستوى الخدمات التي كانت في السابق موجودة أساسا من أجل مساعدة الإنسان روحيا و نفسيا و جسديا، إلى أن أصبحت هي الأخرى خاضعة للتسويق من خلال الدعاية.
و للرفع من الطلب على البضائع ، عمد الإنسان إلى تطوير استراتيجية سوق موجهة إنتاجيا . هذه الاستراتيجية التي تعتمد على المنتوج بقدر ما تعتمد على الاستعمال الإضافي له من حيث التلفيف و شهرة المنتوج ، و يسمى الاستعمال الإضافي للمنتوج فيما توحي به الدعاية و التسويق من مشاعر(كالأمن و الحنان و ..) ، حاجيات و رموز تحيل إل مُعاشات أو إلى نجاح و منفعة.  
و بحسب الكاتب فإن استراتيجية التسويق الموجهة نحو البضاعة لا تبيع المنتوج بقدر ما تبيع رغبات و خصوصيات و قدرات إنسانية إذ و بحسب " فونك " تكون هناك عملية أنسنة للبضاعة من خلال إعطائها حياة و حصولها على اسم إنسان ما و اتسامها بخصائص إنسانيسة . و كل هذا من أجل ألا تكسر دورة العرض و الطلب و حتى تعود الحياة إلى السوق الذي و إن لم تكن تشبَّه بالجسم الإنساني، فهي كذلك، تتنفس و تنبض و معرضة للسقوط.
و قد بات هذا الأمر اليوم مفهوما بحسب الكاتب و يدرج في هذا السياق أمثلة من الإشهار التي تبرهن عما حدثنا عنه  و تعطي الصبغة الإنسانية للمواد أيضا في قطاع الخدمات. حيث أن هذه الأخيرة لا يكون تسويقها ناجحا إلا إذا انضافت إليها صفات إنسانية من قبيل اللطف و الثقة و الضبط. و كلما ارتبطت الخدمات بخاصيات إنسانية كالحياة و السعادة و الأحاسيس و الصحة كلما كان الإقبال عليها مضمونا. و ينتقل راينر فونك من التسويق الموجه إنتاجيا على مستوى السلع إلى تسويق الإنسان كبضاعة من خلال نوع خاص من السيكولوجيا، حيث تعمل هذه الأخيرة على تقديم صورة شخصية للإنسان يصبح من خلالها ناجحا و قابلا للبيع.  فمبدأ سيكولوجيي الشخصية بحسبه يكمن في قدرة الإنسان على بيع نفسه من خلال تقديم نفسه كواع و مرغوب فيه و غير متناقض. فبيع النفس مرهون بجعلها الأحسن و اعتبارها ضربة حظ و أكفأ الناس .و بهذا تتحول الرغبة في بيع النفس إلى الرغبة في البحث عن الأناني القوي لتقديم النفس في أبهى صورة تضمن له الاعتراف و إعجاب الآخرين.
و من هنا يلبس المرء ثوبا نرجسيا ليس بالمعنى الدقيق للكلمة و لكن أنانية كاستراتيجية بيع من أجل قبوله من طرف الآخرين و ليس لقبول شخصيته العظيمة. فبحسب منطق السوق هذا ، يكمن النجاح و فن الحياة في تقمص خصائص الشخصية التي ينتجها المرء نفسه الذي يصبح غير قادر كما الآخرين على التمييز بين شخصيته الأصلية و المنتوج.
و قد وجدت استراتيجية السوق الموجهة إنتاجيا طريقها إلى الإدارة و القطاع الصحي و العمل الاجتماعي و النصيحة و العلاج النفسيين، حيث دخل شريط تطبيق الماركتين الموجه توجيها إنتاجيا كأداة تتحكم في ميادين مستعصية على التحكم كالتربية و المساعدة الطبية. و يكمن نجاح " الماركتين الموجه إنتاجيا " في جعل المرء يعتبر الخدمة التي كان في السابق يسميها مساعدة منتوجا لزبائن معينين. و بحسب إيريك فروم فإن التسويق الموجه إنتاجيا في الاقتصاد و المجتمع يؤدي إلى " تسويق توجه الطبع " (1947) ثم إلى " التوجه الامتلاكي " بعد ثلاثين سنة. و لا يؤدي إلى توجه الأنا ما بعد الحداثي ، لأن هذا الأخير يهتم بفرض الأنا ذاتيا بحرية و عفوية .
 إنتاج الواقع كاستراتيجية السوق:
و يرى فونك أن استراتيجية السوق الموجهة إتناجيا خلال العشرين سنة الماضية و التي لم تهتم بالمنتوج بقدر ما اهتمت بإخراج خصوصيات جودة للمنتوج لا علاقة لها به و باتت تعطيه حقيقة خيالية ، هو العامل الحاسم في تطور الأنا ما بعد الحداثي. و حيث أن اقتناء المنتوج لم يعد من أجل المنتوج نفسه و إنما من أجل العوالم المرتبطة به التي نجح الإشهار في خلقها ، أصبحت هذه العوالم هي ما يعمل عليه سيكولوجيو الإشهار بهدف تمكين مجموعات بشرية معينة  من الشعور بالانتماء إلى مجموعة ما من هذه المجموعات. و يتم توجيه الإشهار بحسب الفئات المستهدفة منه . فالراغبة في الحلم و العوالم الهادئة الجميلة يوجه  إليها نوع من الإشهار الذي يرضي رغباتها و كذلك الفئات التي تتوق إلى العنف يوجه إليها نوع من الإشهار الذي به عنف ما كما أورده راينر في مثال اصطدام سيارتين تكون إحداهما بلا خسائر بعد الحادث و هي التي تكون موضوع البيع.
و كلما كان إنتاج واقع ما يحن إليه المشاهد ممكنا كلما كان بيع البضاعة ناجحا. و هكذا يُنتج الواقع و يُبتكر و يصبح أكثر جاذبية بالنسبة للمرء . و قد صاغ راينر في هذا الباب مثال العالم الافتراضي الذي أصبح المرء يحس نفسه فيه أكثر اندماجا و أمنا من بيته و واقعه لأن الواقع المصنوع بحسبه يعتبر أكثر واقعية و كمالا في تمثل المستهلك له . و قد باتت وصفة نجاح السوق الاقتصادية الحالية التي تعتمد على مبدأ إنتاج الواقع المرغوب فيه تطبق على الإنسان نفسه الذي يعيد إنتاج حقيقته الذاتية التي يتمناها بمساعدة السيكولوجيين و بُنّاء الشخصية و الممرنين.و يسوق في هذا الباب راينر فونك نتيجة ثلاث دراسات سيكولوجية تصب جميعها في جعل الإنسان يميل إلى إنتاج واقع متمنى من خلال تجاوز عتبة الذات الشخصية المحكومة ببعض القيود و ذلك بهدف إنتاج تجربة ذاتية جديدة .
تقديس السوق و ربط الزبائن:
و في خضم الانتقال من مبدأ "أهمية امتلاك المعارف " إلى مبدأ "أهمية امتلاك إمكانية خلق شبكات من أجل الوصول إلى هذه الموارد " أصبح الزبون مربوطا في اقتصاد يُبنى على الشبكات و أصبح بالتالي تابعا للمنتج . و من أجل ضمان ربط الزبون يلجأ استراتيجيو السوق إلى ما يسمى " تقديس السوق" الذي ينجح في إقحام العديد ضمن عالم افتراضي يوافق مزاج المجموعة المستهدفة . و من هنا و من خلال خاصيات تقديس يظهرها المرء إزاء هذا "العالم " الذي  يوافق تصوره و مزاجه ، فهو يحس بالانتماء لأعضاء هذا العالم و يشعر بالهوية إزاءه.
و في تعليق ساخر ل" فريديريك بايغبيدر " عن تقديس السوق قال " لقد عوض المرء العقل LOGOS  (الكلمة الخلاقة ،العقل) بالشعارLOGO "  2002.و يبقى الهدف الحقيقي لتقديس التسويق هو ربط الزبون بشعار المُصنّْع و رموزه من خلال اعتناء المُصنّْع و اهتمامه بالواقع المُنتَج في  الزبون و ليس بالعلاقة الإنسانية معه.
و باعتماد السوق على تقنيات ربط المستهلك من خلال جعله يعتمد على المزودين إلى أن يصبح تابعا له ، فإنه يحقق هدفا جديدا للتسويق، يكمن في بيع أكبر عدد من السلع لمستهلك واحد ، بدل بيع سلعة واحدة لأكبر عدد من المستهلكين.
و بهذا تعمل تقنية ربط الزبائن من أجل تقديم أنظمة تأجير و الاستعانة بمصادر خارجية لوظائف و خدمات و تقديم امتيازات معينة. و تعمل أيضا على ربط مقاولات الخدمات عن طريق اقتسام الأرباح و بناء الشبكات المجانية و تسليم المنتجات دون مقابل كالهواتف و آلات الطباعة و غيرها، إلا أن المرء يدفع مقابلا لاستعمالها و دعمها و صيانتها، و هكذا يتم كسب الزبائن الشباب .كما تستخدم " تقنيات – ع " و هي تقنيات العلاقة من أجل المحافظة و تشكيل العلاقة مع الزبون. و تكون بطاقة الزبون وسيلة لاستدامة هذه العلاقة حيث أن هذه البطاقة تمكن المقاول من معرفة مستمرة بالزبون و تستشرف حاجياته ، بل و بإمكانها تغيير عاداته الشرائية إذا كان لابد من ذلك . و هكذا يتم الوصول إلى ما يسميه المتخصصون " حميمية الزبون" و من بين التقنيات الأخرى المعتمدة من  قبل الشركات هو تشكيل جماعات تستهلك منتوجات الشركة نفسها.
تسويق الخبرات و المشاعر:
لم تعد تتأسس التجارة على بيع و تحويل الأموال في شكل سلع و خدمات، بل بربط المستهلك من خلال مُعاشات مختلفة من بينها مُعاش الأحاسيس. إذن ما أصبح يباع للناس هو المشاعر في عالم أصبح فيه المرء يفتقد لمشاعر كالحب و السعادة و الرضى و العواطف الرقيقة و المداعبة ...إلا أن محاولات تسويق مثل هذه المشاعر  لم تنجح إلا جزئيا. و لم تكن الثقافة بمنأى عما حدث في السوق الاستهلاكية التجارية. فهي الأخرى باتت صناعة ثقافية تتجسد من خلال صناعة التواصل و الفرجة التي تجاوزت صناعة البضائع و ميدان الخدمات الكلاسيكي. و قد حددت الصناعة الثقافية الرأسمالية هدفها في الوصول إلى المُعاشات و المشاعر بمساعدة عوالم محاكاة و أوضاع واعية مُغيَّرة، حتى باتت بعض أنواع  الثقافة كالفن و الرسم و الأدب و الموسيقى و غيرها و التي كانت بالأمس في مأمن من  الأفكار التجارية سوقا مهمة.و تمنح العروض المتعلقة بالمعاشات و المشاعر الإنسان إمكانية الغوص في عوالم افتراضية تساعده على تمثل واقع جديد و مغاير مليئ بالأحاسيس و المعاشات. و تُعاش هذه العوالم الافتراضية كمفرطة في الواقعية و مليئة بالمشاعر و الحماس و غنية أيضا بالمُعاشات مقارنة مع الواقع الفعلي. و مرد ذلك هو الطريقة الإلكترونية التي يركب بها هذا الواقع ، الشيء الذي لا يتوفر في العالم الفعلي أو في الشعر و الفن و الأساطير. و يُعزى هذا الأمر إلى خاصيتن يتوفر عليهما العالم الافتراضي هما تكثيف التصورات الحسية و العاطفية للعينين والأذنين و حاسة اللمس و الشم عن طريق استحضار ردود فعل عاطفية ثم إمكانية التشكيلات التفاعلية للعوالم الافتراضية إذ لا يبقى المستهلك مستهلكا لكنه يصبح جزءا مركزيا في لعبة الكمبيوتر و منصة الإنترنيت. و هكذا تنجح العوالم الافتراضية في جعل المرء يشعر باتحاده مع الآخرين و تفاعله معهم دون ربط علاقة فعلية معهم و دون تجربة تفرضها العلاقات الواقعية. و نتيجة هذا التطور هي إمكانية امتلاك كل نشاط مُعاش و تجربة مصنوعة في هذا العالم . حتى أضحت الحياة نفسها سلعة ينتجها التصنيع الثقافي و التواصلي و نشتريها إلى جانب التجارب و الأحاسيس من خلال دفعنا ثمنا معينا كمقابل. إلى أن غدت المشاركة في هذه العوالم و الانتماء إليها و إمكانية الحصول عليها قيمة رئيسة في الحياة المهنية و الشخصية للناس.  
أهمية الابتكارات التقنية في قيام توجه الأنا ما بعد الحداثي:
إن التقنية الرقمية هي التي ساعدت البشرية في ظهور الإمكانيات الحالية التي تحدد طريقة عيشها حيث عادت إلى ديناميكيات جديدة في الاقتصاد و الإنتاج و الحياة الاجتماعية و السياسية و المُعاشات الثقافية و الروحية، مع ما صاحبها من تحديث عمل  على القضاء على الحدود بين المكان و الزمن و تبادل المعارف و المعلومات الفائق السرعة . و كان لهذا الاكتساح تغييرات أوردها راينر فونك في العناصر التالية:-غياب الحدود بين الفضاء و الزمن أعطى المرء إمكانية أن يكون مستقلا.
-إمكانية خلق واقع جديد مغاير و أفضل باستعمال التقنية الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية بما فيه الواقع الصحي الجسدي و النفسي من خلال منتوجات الاستشفاء و تجنب الألم و الاكتئاب .
-إمكانية استقلال المرء من المتطلبات و ضغط الأشياء بمساعدة التقنية الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية و تحقيق ذاته بذاته.
-إمكانية تحرر المرء من كل الالتزامات الشخصية بمساعدة التقنية الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية و ذلك من خلال  خلقه الفهم الذاتي و الامتلاك الخاص للذات على الصعيد الفيزيقي و الاجتماعي و الثقافي و الحس الشعوري.
-إمكانية استقلال المرء عن الآخرين بمساعدة التقنية الرقمية و وسائل الإعلام و ارتباطه بهم بالجرعة التي يحددها هو نفسه.
و يرى " راينر " أن نتائج هذه الأفكار حول سلطة و قوة الإيحاء مؤقتة و بها سيختم التفكير في نشوء توجه الطبع ما بعد الحداثي
قوة الإيحاء و القابلية للإيحاء عند الإنسان:
إن عملية الإيحاء التي تُنتهج إزاء المرء- حتى و إن كانت تظهر أن هذا الأخير حر في اختياراته و أن الآخر لا يُلزمه ببضاعته و إنما فقط يطلعه عليها، و يترك له الخيار الكامل  - ما هي إلا الإغواء كما كان في الفهم الكلاسيكي الذي كشف عنه " فانس بكار" في كتابه " الإغواء السري". و هكذا فإن إنتاج الواقع الخيالي موجه بطريقة تمكن المرء من وصول حالات نفسية تشبه كثيرا حالة النشوة. و هو نفس فعل التنويم المغناطيسي. و يلخص هذا الأمر ما تتحدث عنه الدعاية المعروفة " إنه لسحر كبير إيقاظ اهتمام الناس بشيء جديد لا يستطيعون اقتناءه و لم يكونوا بحاجة له عشر دقائق من قبل "و إذا كانت التقنيات تساعد في مجال الفضاء و الجراحة الطبية و العلاج النفسي فهي باعتمادها على المحاكاة أنتجت واقعا وهميا و أدت إلى الخلط بين الواقع الفعلي و الواقع الخيالي عند المرء ، و غررت به في ميدان تسويق المُعاشات و أنماط الحياة و المشاعر . و تكمن قوة التغرير في إمكانية التأثير في البشر من خلال إدخال مواد حاملة مختلفة في صناعة بضائع معينة تؤثر على المزاج النفسي و المعاش العاطفي و الشعوري للناس .و لعل ما أحدثته الأدوية النفسية العصرية من تحسن في حالات مرضية نفسية صعبة و ما تحدثه الممارسات التقليدية و الدين في جعل المعاش النفسي إيجابيا أو سلبيا هو ما جعل العديد يؤمن بضرورة الاهتمام بالتمثلات الإيجابية فقط لأجل العيش في سعادة. و كل هذا غير تصور غالبية الناس اتجاه التلاعب و التقنيات الإيحائية. كما أن المواقف النقدية اتجاه الإيحاء تراجعت هي الأخرى و تحولت جزئيا إلى الاهتمام بها و دراستها. و كل هذه الأمور اليوم لها علاقة مباشرة بإدراك الواقع ما بعد الحداثي .إن تمثل الواقع ما بعد الحداثي يقود إلى قابلية قوية للإيحاء عند البشر لأن الوقوف عند حدود معينة و عدم التقدم إلى الأمام سوف يؤدي إلى تعاظم خبرات المعرفة الموروثة و ضياع تمثل القيم و الركائز الأخلاقية و أشكال تواصل بعينها ما يؤدي من وجهة نظر سيكولوجية إلى تراجع /نكوص الأنا ، الذي يظهر اهتماما بليغا و باعتقاد صبياني ساذج أحيانا بكل ما يعطي توجيها جديدا.
إن كل الإمكانيات الحالية التي تعمل على  إنتاح الواقع  مرفوقة  بارتباك فعلي و فقدان التوجه عند الإنسان يضعانه في موقف حساسية تجاه كل ما هو عصري و جديد. و الانفتاح الكبير للإنسان ما بعد الحداثي يزيد قابليته للسقوط في الإيحاء الخارجي . إذ لم يعد الإنسان قابلا للتأثير ، بل أصبح  مستعدا لقبوله. و هنا يطرح " راينر " بعض الأسئلة . فهو يتساءل ما إذا كان المرء يصل إلى مبتغاه عن طريق الأدوية أو بالإدراك الإيجابي ، بالإيحاء أو الإيحاء الذاتي ؟ ثم ماذا تريد ما بعد الحداثة على الإطلاق ؟و في معرض بحثه عن جواب السؤال الأول يؤكد راينر أن تقنيات الإيحاء و الإيحاء الذاتي تغيب فيها الخاصية المستدامة التي هي خاصية التأثير المستدام المراد من وراء الإيحاء و الإيحاء الذاتي . و يؤكد أن تطبيق المهارات المُنتجة غير المتوفرة على خاصية المُستدام يخيب الظن بها في نهاية المطاف . ولهذا السبب يقول " راينر " يُدرس الإنسان ما بعد الحداثي في هذا الكتاب من زاوية طباعية . ثم يتساءل مرة أخرى عن سبب محاولة المرء بمساعدة تقنيات الإيحاء و الإيحاء الذاتي دفع الناس للإحساس بالتمثلات و المشاعر الإيجابية فقط و لماذا لا يتساءل المرء ما إذا كان هذا ممكنا من خلال تقديمه لنفسه و محيطه خدمة جيدة بإقصاء الأشياء المضايقة و غير السارة و الصعبة و غير المرضية و صلته بالآخرين من  التصورات الذاتية . و يورد في نهاية الجزءالأول من كتابه أن لحياة الإنسان قوانينها الخاصة ، تحاول فكرة إمكانية القيام بكل الأشياء التي تؤمن بها ما بعد الحداثة أن تضع لها حدودا.
الجزء الثاني: الإنسان ما بعد الحداثي
فقط عندما تعمل على أن تصبح مهما تكون مهما
إن التوجه ما بعد الحداثي يكمن في السقف الكبير من الحرية و الاستقلالية و العفوية. و يتمثل خصوصا في الرغبة في إنتاج واقع موجه من طرف الأنا ، هذا الواقع الذي يخلقه المرء بنفسه و ينتج ذاته بذاته وفقا للشعار " فقط عندما تعمل على أن تصبح   مهما تكون مهما" .و تكمن قناعة أساسية للتوجه ما بعد الحداثي في المبدأ " لا تترك أي أحد يقول لك من أنت . إنك ذاك الذي هو أنت"
و كل ما يهم في هذا التيار هو إنتاج واقع موجه من طرف الأنا " أن أكون أنا ، أنا بذاتي "
و هناك وظائف معينة تكون محببة أكثر من غيرها عند الشخص الذي يكون أناه موجها توجيها ما بعد حداثي و خصوصا تلك التي لها علاقة بالتقنيات الرقمية و وسائل التواصل.
و ما بات يهم اليوم هو إنتاج و صناعة واقع ما ، يختاره المرء بنفسه و هذا ما يجعل هذا الواقع جديدا بالنسبة إليه و مغايرا و أفضل.
رسم حدود توجه الأنا ما بعد الحداثي بالمقارنة مع توجهات الأنا الأخرى:
يميز في هذه الفقرة " راينر فونك " توجه الأنا ما بعد الحداثي عن توجهات الأنا الأخرى. و يرى أنه من الضروري تمييز توجه الأنا ما بعد الحداثي عن النرجسية و عن التشويه الفصامي للواقع ، و يبين الفرق الحاصل بينهما في كون النرجسي يتميز عند ربط علاقة ما بتمجيد الذات عن طريق الحط من قيمة المحيط الدائر به أو عن طريق الحط من القيمة الذاتية من خلال تمجيد المحيط ، في حين لا يوجد مثل هذا الأمر عند الأنا حينما يكون موجها توجيها ما بعد حداثي.
و يميز " راينر " أيضا توجه الأنا ما بعد الحداثي عن توجه الأنا الأناني الذي يتضمن هو الآخر كل أشكال الحب و التحقيق الذاتيين و البحث الذاتي عن الذات. إلا أن الأنانية و بحسب " فروم " هي شكل من أشكال الجشع .فحتى و إن كان ما بعد الحداثي لا يعير اهتماما للآخرين في طريقة سلوكه الطموح و قوة فرض ذاته إلا أنه لا يكون جشعا و أنانيا و لا يبحث عن تحقيق مصالحه بالإضرار بالآخر مثلما هو الأمر عند الأنا الأناني .
و يرى " راينرفونك" أنه من السهل تمييز الأنا ما بعد الحداثي عن " التوحد" هذا المفهوم الذي عرف تضخما في معناه و أصبح ينعت كل من يعيش في عالمه الخاص بالمتوحد. و هذا التغليف الذي يعيش فيه المتوحد مختلف طبعا عن الواقع الغني بالمُعاشات الذي يرغب في إنتاجه الأنا ما بعد الحداثي بكيفية مستقلة و عفوية. حيث أنه يحاول أيضا إنتاج واقع ما بإظهار حساسية.
كما يرى " راينر " أنه من السهل التمييز بين توجه الأنا ما بعد الحداثي و السادي السلطوي المحدد لذاته بذاته. لأن هذا الأخير محكوم بشغف الرغبة في ممارسة السلطة و جعل الآخرين تابعين و المحافظة على تبعيتهم. و هذا الأمر غير متوفر في توجه الأنا ما بعد الحداثي.
و يورد " راينر " توجه أنا آخر الذي يقول إنه يشبه للوهلة الأولى توجه الأنا ما بعد الحداثي و هو ذاك الميال للربح الذي يسمى ب" طبع التسويق" حيث أن هذا الأخير يحاول أيضا إنتاج واقع ما بإظهار حساسيته و كفاءاته اتجاه الأشخاص و اهتمامه بهم و تهذبه و تواصله معهم ، و لكنه في نهاية المطاف يخلق هذا الواقع لكي يُقبل من طرف السوق . و هو بالتالي يحسب نفسه كبضاعة معروضة للبيع ، و الواقع الذي يخلقه لكي يُمَكنه من بيع نفسه بنجاح ما هو إلا استراتيجية تسويق عنده . بينما هدف الأنا ما بعد الحداثي هو فقط خلق هذا الواقع .
كما أن توجه الأنا ما بعد الحداثي لن يكون نموذجا للذاتية، لأن " الذاتي" لا يأخذ بعين الاعتبار الأشياء إلا من وجهة نظره الذاتية انطلاقا من نظرته الخاصة فقط و لا يكون منفتحا على الآخرين ، بينما الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي يكون منفتحا على الآخر و يصعب التعرف فيه أو عنده على ذاته.
و يجد " راينر " أن ما هو صعب هو التمييز بين الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي و بين الطبع الموجه باستقلال إنتاجي ، فالإثنان يهمهما فرض و تحديد الذات بكيفية مستقلة و عفوية و دون تدخل خارجي، إلا أن الطبع الموجه باستقلال إنتاجي يحدد ذاته انطلاقا من وجوده أي من كل ما يمتلكه ذاتيا و ما لا يمكن خلطه إلا بذاته و هويته الخاصين. بينما لا وجود للوجود و لا وجود لمُعاش هوية خارج الإنتاج العفوي للواقع ( يعني من اللاشيء ) عند الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي.
النوع النشيط و النوع الخامل:
غير أن إنتاج الواقع في توجه الأنا ما بعد الحداثي لا يكون بالضرورة إنتاجا بطريقة نشيطة حسب " راينر" و يميز هنا بين نوعين من الأنا ما بعد الحداثي. الأول هو الذي ينتج الواقع الذي يريده بذاته و هو الذي أسماه النشيط ، و الثاني يعيش إنتاج هذا الواقع كمستهلك و هو الذي أسماه الخامل و هو يكون منجذبا اختياريا للمشاركة في واقع قرر بذاته استهلاكه.
كما أن الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي لا يحدد انطلاقا مما هو، ما بداخله أو ما يمكنه إخراجه من ذاته. و لا يهتم الإنسان ما بعد الحداثي بالدور الذي يجد نفسه فيه. و إنما يبني ذاته و هويته المعاشة بطريقة حرة و مستقلة. فالكيفية التي يعيش بها ذاته تأتي من فراغ. فهي خلق خالص للذات عن طريق الذات مثلما عبرت عنه إيديث فرانك " اختراع الذات المزمن ". و هناك العديد من المفاهيم التي تدخل في محاولات تحديد مُعاش الهوية للإنسان مابعد الحداثي مفاهيميا، يدرج " رانير " من بينها مفهوم الهوية المرقعة أو المختلطة – مفهوم التقلب الذاتي – مفهوم الهوية المتعددة أو الأجزاء المتنوعة للذات و غيرها . إلا أن هذه المفاهيم لا تطابق محاولات تعريف عيش الهوية من طرف الإنسان ما بعد الحداثي .و ما يمكن القطع في شأنه هو التمييز بين نوعين من طرق عيش الذات و هما النشيط و الخامل.
و ما هو حاصل في السوق الاقتصادية من اختفاء قيمة و أهمية الملكية يطابق نفسيا عند الإنسان ما بعد الحداثي اختفاء " أهمية الخصوصي" . و ما أصبح يهم في هذه الحالة هو استهكلاك الواقع المُعاش أو المقترح أو المعروض بما في ذلك المُعاش الذاتي . و من هنا فهناك أشخاص يعرضون و يقترحون و آخرون يستهلكون ليس فقط من جانب العلاقة الخاصة مع الواقع المحيط بالمرء، لكن أيضا بمُعاش الهوية ، و من هنا يصير لزاما التمييز بين الشخصية المُمولة أو المُقترحة و الشخصية المستهلكة في توجه الأنا ما بعد الحداثي من زوايا مختلفة.
خصائص شخصية توجه الأنا النشيط ( الشخص المقترح أو العارض ):
يعمد " راينر " خلال هذه الفقرة إلى تبيان خصائص شخصية توجه الأنا النشيط و هي بحسبه سبع:
1-عندما لا يطابق الواقع تصور المرء المحدد ذاتيا له ، كأنْ يكون مثلا مليئا بالألم أو يحتوي على إمكانية جعل المرء مريضا أو غير ذلك، فإن توجه الأنا النشيط أو المقترح تُخلق عنده الرغبة في إعادة إنتاج الواقع بقرار ذاتي شخصي و اقتراح هذا الواقع كواقع مُعاش.
و حيث أن التواصل و الاتصال مرغوبان كثيرا عند ما بعد الحداثي ، فما يلاحظ عند الأنا الموجه بنشاط هو تعامله مع الأوضاع الصعبة و المشاكل في العلاقات بين الناس و يبحث دائما عن واقع علاقة جديد. و هو لا يعتبر الفراق خسارة، لكنه يراها نهاية مشروع مهمة في تطوره اللاحق.
2-لا يعتمد الأنا الموجه بنشاط في خلق معاش معين بالمراهنة على الإخراج الإعلامي و المحاكاة و إنما يعيش ذاته و يقدمها بإخراج ذاتي لذاته اعتماداعلى خطابته و لغة جسده و غير ذلك من القدرات لديه ، كما أنه يبقى بعيدا عن الخصوصية المعطاة له أو المنتظرة منه لأنها تكون عائقا له، أي أنه يعمل على الإنتاج الذاتي دون نموذج أو مثال . و يورد " راينر" هذا النص الذي يقول عنه بأن هذا هو ما ينطبق على الأنا الموجه بنشاط " لا أتوجه إلا بتوجيهي و ليس هناك من يحق له أن يقول لي من أنا  . إنني أنا من أنا . لا أستطيع و لا أريد أن أحدد من أنا . ذلك أن مُعاشي الذاتي يُحدد بالضبط في غياب أي مُعاش هوية سابق ، و بالتالي غياب أية معرفة لمن و ما هو أنا . ليس لي كذلك أي تصور أو أية صورة عني يمكنها أن تحدد معاش هويتي . و ليس هناك إلا جواب عن سؤال من أنا، و هو أنني ذاك الذي هو أنا . الآن هكذا و فيما بعد مغاير و غدا مغاير تماما "
كما أن الموجه بنشاط يتأقلم مع مشاعره السلبية ، و حالما لا تكون صالحة للاستعمال فهو يقوم بإخرج و تقديم الإدراكات الذاتية الإيجابية.
3- إن الأنا الموجه بنشاط " فاعل" متحمس مستعد للخطر و يعمل بجد. يقيم علاقة إيجابية بعمله حيث يراه مرتبطا بحياة جميلة و يجعل من عمله وسيلة لتحقيق ذاته و يجعل من وقته الثالث مجال حياة يشكلها بنشاط.
و تتحدد المهنة و السلوك الاستهلاكي و وقت الفراغ عنده بما يشغل الاقتصاد و المجتمع و السياسة .
4- كما أن نظرة الأنا الموجه بنشاط للتعلم و التكوين مختلفة ، فهو لا يراها إيصالا و امتلاكا للمعارف و إنما هو " تعلم التعلم " من أجل مواجهة الحياة مع اعتبار التعلم وفق هذا المفهوم " التعلم يحدث عن طريق الإنتاج الخلاق للمنتوجات الفكرية و الإدراكية و المشاعرية و كذا عن طريق الممارسة اليومية "
كما أن الأنا الموجه بنشاط منفتح ثقافيا و خصوصا على كل ما هو جديد و غريب . كما أن الالتزام الاجتماعي و السياسي عنده لا ينبع من الشعور بالواجب أو بالمسؤولية التي تنتج عن الشعور بالانتماء لمجموعة ما و إنما ينبع من رغبته في التأثير في شيء ما من أجل خلق و إنتاج واقع اجتماعي و سياسي جديد.
5- يهتم الأنا الموجه بنشاط بالحياة و جماليات اليومي. و الجميل عنده هو ما يحدد نفسه بنفسه و يعبر عن طريقة حياته . يستحضر الماضي و المستقبل من أجل تجميل نمط حياته بطريقة يتصرف فيها الأنا الذاتي و لا يرى أن الجمال أسلوب موحد و محدد و إنما يخلقه بوضع الأساليب جنبا إلى جنب و جمع المتناقضات ، و يتمتع نمط الحياة عنده بخاصية  الاحتفالية .
6- هناك انطباع خاطئ يعتبر الأنا الموجه توجيها حداثيا لا يعرف أي توجيه قيمي . بل يسمح بكل القيم عنده ما دامت ممكنة. كما أنه يحقق قيما معينة يحددها بنفسه ، إلا أن سلوكه القيمي مغاير تماما ، إذ يتحرر من كل تحديد قيمي لا يكون منطلقه الذات، و ما هو مهم بالنسبة لما بعد الحداثي النشيط هو ما يعبر عنه تحديده الذاتي ، أي ما يقرره أناه. و ما يميزه أيضا هو تسامحه اتجاه التوجهات القيمية المحددة ذاتيا ، و عدم تسامحه اتجاه مؤسسات و فهم قيمي هدفه الاستيلاء على الحق في تحديد قيم الآخرين.
 7- عكس أنماط التفكير المعتادة والمعتمدة على أصناف الأسباب و المسببات بمساعدة قواعد منطقية دقيقة ، فإن التفكير ما بعد الحداثي يتميز بتجميع و ترتيب وجهات النظر و جوانبها جنبا إلى جنب . حيث يعتبر أن التفكير يجب أن يكون خلاقا و ينتج الجديد عن طريق تحليل السياقات و تجميع المعارف المختلفة بطريقة متحررة. كما أن الأنا الموجه بنشاط يُخرج طبقا لرغبات أناه عوالم معاشة بإنتاج صور و اقتراحات معاشات. و لا يرتبط الأنا الموجه بنشاط بإيقاعات إكراهات الأمكنة و الأوقات لأن ذلك لا يتطابق و إياه . فهو يحدد معاشه الزمكاني بالرغبة في الاستقلال و الحدود بينهما . و يرى الأنا الموجه بنشاط وجوب نسيان الماضي و يتعامل بنوستاجيا مع التراث عندما يسعفه هذا الأخير في الإخراج غير العادي للواقع من جديد . كما أنه يتعامل مع المستقبل بعدم اكتراث ، فبالنسبة إليه ما يهم هو ما هو اليوم و الآن " إننا المستقبل بذاته " و يؤمن ب " افتراض الاستمرار " أي أنه يفترض أن الإنسان سيعرف و يقدر على أكثر مما يعرفه و يقدر عليه الآن . إلا أنه و في المقابل يستغل المستقبل من خلال إخراجه في شكل أفلام الخيال العلمي.
خصائص شخصية الأنا الموجه سلبيا / المستهلك:
و على النحو السابق يدرج ضمن هذه الفقرة " راينر فونك" خصائص الأنا الموجه سلبيا مع إشارة منه إلى أن العديد من الجوانب التي ذكرها في السابق تميز توجه الأنا سواء النشيط أو السلبي منه. و يستعرض هذه الخصائص كما يلي:
1- إن الرغبة في عيش واقع جديد و مطابق للذوق الخاص لما بعد الحداثي الموجه سلبيا هو ما يحفزه على الارتباط بالواقع الخارجي و بالناس الآخرين. و هناك ضغط كبير يواجهه الأنا السلبي في سبيل رغبته في  الحصول على إمكانية الوصول إلى العوالم المحددة ذاتيا و الانتماء لها حتى لا يُستثنى منها و يكون بالتالي مباشرة في و مع الحدث باعتبار نفسه زبونا.
و هذه الرغبة هي ما تفرض عليه عقد صلة بالناس الآخرين و لكن بطريقة ذاتية. فهو يكون مربوطا بهم ، متشابكا معهم، على اتصال بهم دون أن يُلزم بأي شيء أو يتحمل أية مسؤولية. و هذه الرغبة في التواجد ضمن المجموعة هي أهم مقومات شخصية الأنا الموجه سلبيا و التي تترجم من خلال " شعور النحن" الجديد . و هذا الانتماء يجعله على درجة عالية من التسامح و الاهتمام بالآخرين المنتمين للمجموعة نفسها. كما أن العلاقات عند الأنا الموجه سلبيا تكون مبنية على ارتباط ذي توجه نفعي و تستمر هذه العلاقات التي يقتسم فيها النحن مشروع المُعاشات المشتركة و تدوم بدوام هذا المشروع.و يعتبر الاعتناء بالتواصل في هذا التوجه همزة الوصل بين مساعي ما بعد الحداثي السلبي. و حيث أن التواصل عنصر مهم عند الأنا الموجه سلبيا فإنه لا يحتمل الفراق لأنه يهدد توجهه، إلا أنه عند الضرورة يقوم بعملية عقلنة هذا الفراق من خلال اعتباره تغييرا مهما لنمط حياة لم يعد يطابقه . كما أن الانتماء القوي إلى نمط حياة محدد ذاتيا يحتمي به الأنا الموجه سلبيا من النقد .
2- بالنسبة لمعاش الهوية عند الأنا الموجه سلبيا فهو ينبني على إمكانية عيش ذاته بذاته في عالم معاشات اختارها عن طواعية و توافقه . كما أن عيش الذات عنده هو نتاج معاش النحن " إنني أنا أنا في معاش النحن" . و يعيش الأنا الموجه سلبيا ذاته كمستهلك لما يعرض عليه من معاشات. كما أن معاش النحن و الارتباط بعوالم و أنماط معاشات هو ما يعطي معنى لعيش ذاتي لذاته. و هو يمتلك المعاش العاطفي و المشاعري من خارح ذاته باستهلاكه لما يعرض عليه من مشاعر منتجة . و عكس الأنا ما بعد الحداثي النشيط ، فإن الأنا الموجه استهلاكيا يزيد من ارتباطه بالآخرين إلى أعلى المستويات لمحو الحدود بين الأنا و الأنت . و حيث أن الأنا الموجه إيجابيا يبعد عنه المشاعر السلبية بإخراج عواطف إيجابية فإن الأنا المستهلك يغير المُعاش المقترح بآخر يُمَكنه من إدراك نفسه إيجابيا.
3- أما في مجال الشغل ، يفضل الأنا الموجه استهلاكيا مناخا تعاونيا في العمل عوض الوصول إلى درجة عالية من المسؤولية في عمله و بأجر أعلى . كما أن مشاعر الاغتراب في عمله (إذا حدثت ) تجعل حياة عمله في صراع مع حياته الخاصة و وقته الثالث. و يتحقق الأنا الموجه سلبيا في وقت فراغه و استهلاكه. فالاستهلاك بالنسبة إليه في المقام الأول هو الوصول و المشاركة في معاشات مختارة ذاتيا و تلائمه.
4- لا يفهم الأنا الموجه سلبيا التكوين كتعلم دائم للتعلم و إنما كتتمة للتعلم و إمكانية للوصول إلى المعرفة المقترحة. و هو يتعلم عن طريق المشاركة و تكرار و تخزين ما شارك فيه. و إذا كان الأنا الموجه بنشاط يعتبر التفتح الثقافي مهما فإن الأنا الموجه سلبيا يراه من جانبه الاستهلاكي فقط . فالثقافة بالنسبة له هي الاستقبال و المشاركة في العوالم المنتجة. كما أن السلوك الاجتماعي و التضامن و المسؤولية عند الأنا المستهلك يكون محددا بقيمة المُعاش الذي قد يوفره هذا الالتزام.
5- إن الأنا الموجه استهلاكيا يهتم أول ما يهتم به بالتحديد الذاتي لطريقة عيشه من خلال نمط عيشه و جماليات المُعاش اليومي. و يلجأ في سبيل ذلك إلى العلامات التجارية و رموز أنماط حياة حتى يتأتى له الاندماج في عوالم أنماط معينة خصوصا تلك التي تشكل أنماطا مبدعة و ذلك من أجل الرفع من أداء الأنا. و إذا كان الإبداع عند الأنا الموجه إيجابيا هو الإخراج أي الوصول إلى شيء جديد مختلف ، غير عادي خيالي ...فإن الإبداع عند الأنا الموجه سلبيا هو التعبير الموجَّه ، أي أن الإبداع الذاتي عنده يتوقف على مساعدة من الخارج. و إذا كان توجه الأنا النشيط يسعى في المعاش إلى رفع الحدود و تجاوزها فإن الأنا الموجه سلبيا يهتم بالمعاشات التي بإمكانها مسح الحدود المفروضة.
6- مثلما هو الأمر بالنسبة للأنا الموجه إيجابيا فإن الأنا الموجه توجها استهلاكيا يسمح بكل شيء على المستوى القيمي و المجتمعي . و القيم التي يسمح بها الأنا الموجه استهلاكيا هي التي تمثل نمط عيش المجموعة التي ينتمي إليها " ما له قيمة هو ما يسمح لي أن أكون مرتبطا" و يبحث الأنا الموجه توجها استهلاكيا عن معاش مليء باللذة في عالم المتعة. و المتعة عند هذا الأنا هي قضاء وقت طيب و الإحساس بالجسد و النفس و العقل و داخليا و خارجيا ، إيجابيا فقط عوض تجاذبيا.
7- إن أنماط الإدراك و التفكير و كذا معاش الفضاء و الزمن التي تميز توجه الأنا ما بعد الحداثي هي نفسها عند الأنا الموجه بنشاط و الأنا الموجه استهلاكيا، و لا يختلفان إلا في شيئين اثنين هما : أولهما أن الأنا الموجه استهلاكيا، على عكس الأنا النشيط يحاول المشاركة في مقترحات المعنى و لا يهمه إن كانت متناقضة أو بلا معنى. و كل ما يهتم به هو الرسالة المُرمَّزة بالصور لما يقترح من مُعاشات ، و ثانيهما يتعلق باختزال الإدراك عند الأنا الموجه استهلاكيا في إنتاج و استقبال المؤثرات الحسية خصوصا المتعلقة بالصورة.
المقارنة بين خصائص طباعية مختارة: 
يستعرض " راينر" في هذه الفقرة خصائص طباعية مختارة توضح التمظهرات المختلفة لتوجه الأنا.
إن البحث عن المعاش المتميز بالحيوية و النشاط هي أول خاصية طباعية للأنا الموجه بنشاط . و خلال أطوار هذا البحث يكون دائما فاعلا . أما عند الأنا الموجه استهلاكيا فإن هذه الخاصية تتمظهر كرغبة ملحة في عيش ذاته كمنشَّط . كما أن هذه الأنا تكون بحاجة إلى تحفيز عن طريق مؤثرات بصرية و سمعية.
إن الخاصية الطباعية الثانية عند الأنا ما بعد الحداثي هي رغبته لإنتاج أناه ذاتيا ، و يبرز هذا من خلال الأهمية التي يوليها للإبداع. و الإبداع عند الأنا النشيط يعني تجميل الحياة ذاتيا من خلال أداء الأنا. أما عند الأنا الموجه استهلاكيا فالإبداع هو تعبير يوجهه و يرشده. و ينتج الأنا ما بعد الحداثي النشيط ذاته بفرض أناه بحرية و عفوية و لذة كبيرة . و تتجلى هذه الخاصية الطباعية لديه في ثلاثة مظاهر أساسية:
- نشوء الأنا يكون جديدا و مغايرا لما وجد لحد الساعة. و يجب أن يكون هذا النشوء منفتحا على كل ما هو غير ممكن و غير عادي و متناقض.
- إظهار الرغبة في التشكيك في كل شيء و السخرية من أي شيء حتى من نفسه و تفكيك كل القيم و تلطيخ كل ما هو مقدس عند الناس . إيمانه لا يكون إلا بذاته و يعترف بإلحاده اتجاه نفسه ، متسامح إلى حدود اللامبالات.
-  يتمظهر نشوء الأنا النشيط في الشعور بالانجذاب إلى كل ما ليس له حدود : الفضاء –الوقت. يحب هذا الأنا المخاطر و المستحيل  و الحدود و غير العرفي . أقصى عقاب له هو الملل . و من خلال رفع الحدود يتمظهر شكل آخر لنشوء هذا الأنا يتمثل في إخراج واقع خيالي و وهمي يجعل من الفضاء و الزمن و المعاناة و خيبة الأمل شيئا من الماضي.
أما نشوء الأنا عند ما بعد الحداثي الاستهلاكي فهو يتحقق في معاش النحن، و تتمظهر هذه الخاصية الطباعية لديه في تمظهرات خاصة:
-لا يعيش الأنا ما بعد الحداثي الاستهلاكي أناه إلا في معاش النحن من خلال البحث عن أشكال جديدة و مغايرة لتكوين الجماعات الاجتماعية كمعاش هذا النحن.
- في معاش المشاركة في مشاعر " النحن " يحدث فك ألعاز و يوضع كل شيء مفروض موضع تساؤل و يتم التشكيك فيما هو موجود و له قيمة في هذا المعاش.
- يتمظهر تجاوز الحدود في نشوء الأنا ما بعد الحداثي الاستهلاكي بكيفية مختلفة عما هو عليه الأمر عند الأنا ما بعد الحداثي النشيط و إن بشكل جزئي فقط.
و في باب عيش المشاعر فإن الأنا الموجه ما بعد الحداثي يترك كل الحرية لمشاعره كي تعبر عن نفسها و يتم ذلك عن طريق تدفق المشاعر الذي يتم بكيفيتين مخلفتين عند النشيط و نظيره المستهلك. حيث أن الأنا النشيط يكون مقترحا للمشاعر بينما نظيره السلبي يكون مستهلكا لها و يستعمل المشاعر المُنتجة. و لا يهتم ما بعد الحداثي المستهلك إلا بالنحن و الإحساس المشترك.
و من بين الخاصيات الطباعية للأنا الموجه ما بعد الحداثي يدرج " راينر" الطريقة التي يعيش بها هذا الأنا علاقاته. فالأنا ما بعد الحداثي النشيط مُحبب إليه ربط علاقات. و هو مرح في أغلب الأحيان . ما يهمه في هذه العلاقات اتصالات لحظوية لقضاء غرض ما سواء كان ماديا أو معنويا. كما أنه غير حقود و يبقى صديقا جيدا حتى و إن لم تنجح علاقة شراكته . غير غيور و يشعر بالحرية و تحقيق الذات. أما الأنا الموجه استهلاكيا فهو يتخذ العلاقات كوسيلة للبقاء مرتبطا و للوصول باختيار ذاتي إلى الآخرين. و العلاقة مع شخص أو أشخاص آخرين فهي تعني له إمكانية التواصل مع أكبر عدد ممكن من الناس باستقلال تام عن المكان و الفضاء و ضمان إمكانيات هذه العلاقات.
و الخاصية الطباعية الأخيرة للأنا ما بعد الحداثي التي يدرجها " راينر" هي شغف الأنا النشيط بالعيش بأصالة و رغبة، و رغبة الأنا الاستهلاكي في معاشات أصيلة . و الأصالة أو ما يمكن اعتباره المصداقية من القيم الأساسية في طباع الأنا الموجه ما بعد الحداثي . و إذا كان الأنا الموجه إنتاجيا من طرف السوق هو الآخر يتوق إلى هذه الأصالة ، إلا أن ما يهمه هو تسويق ذاته عن طريق تقديمها أصيلة وفقا للمفهوم كما يتمثله السوق الآن. أما ما بعد الحداثي فإنه يريد أن يكون هو ذاته و أن يعيش أناه بأصالة من خلال إنتاجٍ لأناه بحرية من لاشيء دون التقيد بنماذج مثالية مسبقة. و الأنا الموجه بنشاط لا يبتغي غير عيش ذاته بأصالة . و الأصيل بالنسبة لهذا التوجه هو من يسمح بمشاركة الآخرين في معاشه اللحظوي و مزاجه و ردود أفعاله و كل من يتمتع بالحدس و الإبداع. كما يريد الأنا الموجه استهلاكيا مُعاشات أصيلة . و بحسب المفهوم الذي أعطي للأصالة من قبل نمط العيش ما بعد الحداثي ، فالأصيل يعبر عن نفسه في الوضعيات التي تكون عجيبة بكيفية خاصة و مخرَجة بطريقة حساسة و قوية عاطفيا.


الجزء الثالث: التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة

سيعمل " راينر " ضمن هذا الجزء على تقديم طريقة تأمل للخصائص التحليل نفسية للأنا ما بعد الحداثي من زوايا مختلفة:
القدرة المنتَجة و القدرة الإنسانية:
يطرح " راينر " في هذا الباب سؤالين عميقين هما : ماذا يتمثل إنسان اليوم بطريقة مغايرة لما تمثله فيما قبل؟ و ما هي المشاكل النفسية التي يقاوم ضدها الإنسان حاليا؟ لأن و بحسبه الإجابة على هذين السؤالين تمكن من معرفة كيف تُهضم المشاكل التي يواجهها الإنسان اليوم و التي أدت إلى نشوء توجه طباعي جديد. و حيث أن التقنية الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية تقدم إمكانيات هائلة من أجل إنتاج الواقع من جديد ، فإنها تعمق الانطباع بأن هذه العوالم هي أقوى مما يمكن للإنسان الوصول إليه انطلاقا من قدراته الجسمية و التقنية و العقلية. و نفس الأمر ينطبق على الآلة التي باتت أقوى من الإنسان الذي ابتكرها . و لعل هذا التفوق للآلة على الإنسان هو ما جعل الإنسان يخفض قيمته في واقعه الوجداني. و يجزم " راينر" هنا أن الإنسان عاش هذه التجربة ككائن ضعيف . و يتساءل في المقابل إذا ما كان الإنسان قد شعر بهذا الضعف على مستوى الوعي . و قد كان للإنسان محاولات عديدة في جانب التعويض النفسي للضعف الجسدي على مستوى الوعي أو الآوعي منذ العصر الآلي من خلال القوة غير الفيزيقية له و من خلال تمجيده للآلة و التقنية و التماهي معها . و لعل أخطر تغير يرافق استعمال التقنيات الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية  أنها قضت على كل أبعاد القدرات الإنسانية من أجل تشكيل الواقع انطلاقا من القوى و الكفاءات الذاتية . و يورد " راينر " هي هذا الباب أمثلة كثيرة من الواقع كالموسيقى المؤلفة بمساعدة الحاسوب و استعمالات الزمن في المدارس المهنية الكبيرة و الرجوع إلى قصيدة معينة باستعمال الحاسوب ...و يعتبر " راينر " أن النقطة النهائية لهذا التطور الذي عرفه الإنسان منذ فترة بعيدة هي " توجه الأنا " . حيث غدا هذا الأخير يعتمد على القوة المُنتجة لأنها تسمح له بأكثر بكثير مما تسمح له به قدراته الذاتية. و هكذا غدا الأنا الموجه شغوفا بشدة إلى العيش على ما ينتج و إلى تسيير إدارته لواقعه بمساعدة التقنيات و البرامج عوض الاعتماد على قدراته العقلية و النفسية و الجسمية. و هذا التغيير هو الذي بات يعرف بمفهوم " القدرة التقنية" التي لا تعني المهارة الإنسانية و إنما مهارة الأشياء التي تنتج من طرف الإنسان .  و قد تجاوزت القدرة التقنية و الآلية التي اخترعها الإنسان بكثير قدرته هو .و لم يعد  الذات المتحكمة في إنتاج الواقع ، بل البرامج و أدوات التحكم هي التي صارت تتحكم حتى في الإنسان نفسه. و صار لدى الإنسان وعي يترسخ شيئا فشيئا و هو أن قوته و نجاحه يكمن في استعمال القوة " المُنتجة" و التقنية عوض قواه الذاتية وأنه محكوم هو و محيطه من طرف هذه الأدوات ، و هذا ما أحدث التغيير النفسي المهم لعصر ما بعد الحداثة . و أصبح بالتالي من يعتمد على القوة " المنتجة" يطابق فاعلية الأنا الموجه ما بعد الحداثي.و تكون طريقة تعبيره تتضمن أيضا مظهر " المُنتج " الموحى به.
الديناميكية النفسية للطبع ما بعد الحداثي:                                                                           
يؤكد "راينر" أن المنظور السيكولوجي يقلل بل يلغي أهمية القول بأن قوة التقنية " المُنتجة" هي في آخر المطاف نتاج القوة الإنسانية، و يفسر هذا الأمر بكون التمثل الوجداني و الحالة النفسية الفعلية للأفراد يفضيان إلى أن المنتوجات و الواقع المُنتج عن طريقها هي الأقوى. و هذا ما أدى إلى التقليل من قيمة القوة الذاتية للإنسان و الكفاءات الخاصة و الواقع المُنتح ذاتيا. و نشأ بالتالي توجه طباعي للأنا الموجه، يمجد القوة " المُنتجة" و يحاول امتلاك الواقع المصنوع باستعمال هذه القوة وهذا ما أدى بدوره إلى ظهور ديناميكية جديدة تنتح توجها غير منتِج.  وحيث أن هذه الديناميكية تملك الميل للتطور  فقد أصبح لدى الناس إيمان قوي بالقوة " المُنتجة" وغدوا يعيشون بذلك ذواتهم بضعف لكن دون ترك مُعاش الأنا السلبي يطفو على وعيهم . و أصبح ما يهم الأنا ما بعد الحداثي هو إنتاج واقع دون الرجوع و الأخذ بعين الاعتبار كفاءات القيم الإنسانية السابقة . وقد أدى تعويض القدرات الإنسانية بالمنتجة إلى تبعية جديدة كما أشار " أوليريك بيك" و ما تأكد 20 سنة بعد صدور كتاب " بيك " " مجتمع الخطر " هو أن الأمر لا يتعلق فقط " بالتبعية للسوق في كل أبعاد الحياة" لكن بتبعية وجودية للقدرة " المُنتجة".
التناقض بين القوة المُنتجة و نظيرتها الإنسانية:
إذا كان هدف تفضيل القوة المنتجة هو إعاقة و إحباط القوة الإنسانية و إذا كانت الإنتاجية الإنسانية تابعة في المقام الأول إلى القوة الإنسانية ،ففي هذه الحالة يكون نعت توجه الأنا ما بعد الحداثي " بعدم الإنتاجية" مبررا. إلا أن عدم إنتاجية توجه الأنا بين القدرة الإنسانية و القدرة المنتجة يجب ألا يفضي إلى تناقض . و يؤكد " راينر" هذه النقطة باعتباره لمثال الفنانين و بعض المهن الخلاقة التي تستعمل القوة الرقمية  التواصلية كتقوية لكفاءاتهم الجسدية و الروحية و العقلية.
إلا أن هناك اقتصادا يبيع واقعا ما عن طريق تقنيات الإيحاء و التوهيم و إزاحة القوة الذاتية. و يطور بالتالي توجها للأنا يشعر فيه هذا الأخير أنه قوي جدا و يستقل بالتالي عن كفاءاته الإنسانية.
و وفق ما سبق أن أفضى إليه تحليل " راينر" للطبع ما بعد الحداثي ، فإن هذا الأخير ينتج في صيغة نشيطة و أخرى خاملة / سلبية و تتبادل الصيغتان التأثير فيما بينهما. كما أن الإنتاجية من الناحية النفسية تنتج من كون أن كلا منهما غريب اتجاه قدراته الإنسانية و كفاءات أناه. و يمكن قياس هذا الأمر على ما سماه " فروم" في الثلاثينات " التوجه الطباعي السلطوي غير المُنتج" إلا أن النقد الموجه للتوجه الطباعي ما بعد الحداثي لا يتعلق بتجاوز الواقع المعطى من أجل الوصول إلى مُعاش واقع باستعمال التقنية الجديدة، و إنما يتعلق باستغلال إمكانية الهروب من الواقع الشخصي باستغنائه عن إمكانياته الإنسانية. أما نقد الأنا الموجه سلبيا فهو يخص إقصاءه قدرة مُعاشاته المؤسسة على مشاعره الشخصية . و يتم تصنيف توجه الأنا ما بعد الحداثي النشيط و نظيره السلبي قياسا على توجه الطبع السلطوي الذي اعتبره " فروم" كوحدة تكافلية للميل السادي المازوخي. حيث أكد على تبادل التبعية بينهما. إذ يُجذب السادي بحالة الخضوع و يجده عند المازوخي كمُعاش فيصبح تابعا له. أما المازوخي فهو يُسقط جانبه السلطوي على السادي و يجده عنده كمعاش و يصبح تابعا له. و تكمن الخاصية غير المُنتجة لتوجه الطبع السلطوي في استغلال السلطة و الكفاءات ، ما يخلق تبعية تكافئية من ممارسة السلطة النشيطة و الخضوع السلبي للناس.
و قياسا على هذه الخاصية يشرح " راينر" الخاصية غير المُنتجة للأنا الموجه ما بعد الحداثي إذ يرى أن النظام الاقتصادي الذي ينتج و يبيع عوالم مصطنعة يفضي إلى عدم إنتاجية الأنا ما بعد الحداثي ، من خلال وسائل الإيحاء و التوهيم التي تعمل على تشكيل و بناء طبع غير منتج.
تصنيف توجه الأنا النشيط ونظيره السلبي:
يعد " راينر " كلا من الأنا النشيط و السلبي الموجه ما بعد الحداثي تعبيرا مختلفا لتوجه الطبع نفسه، حيث يصنف الأنا النشيط منتجا و مزودا أما السلبي فيصنفه كمستهلك أو مستخدم. إلا أنه يعتبر كلا منهما مسحورا بإنتاج الواقع باعتماد القدرات " المُصنَّعة" و يثير انتباهنا إلى أن المتطلبات الاقتصادية هي التي تسعفنا في فهم لماذا يعيش البشر إما فاعلين أو مستهلكين. و يرى من جانبه أن اشتغال النظام الاقتصادي و الاجتماعي الحالي مبني على تطور الشخصية الفاعلة النشيطة و نظيرتها المستهلكة السلبية. و ما يجعل توجه الأنا ما بعد الحداثي بصنفيه غير منتج سيكولوجيا هو اعتماده على المهارات التقنية و المصنعة و ابتعاده عن قدرات التجربة الإنسانية. و تُقوّى أسس الخاصية غير المنتجة لتوجه الأنا   بإقامة تبعية متبادلة بينهما. و تُشرح جوانب التبعية المتبادلة بينهما باعتماد مفهوم التواطؤ الذي يقصد به " التفاعل السري بين شخصين" . و يتقوى التواطؤ بين هاتين الشخصيتين من خلال عدم إحساسهما بالخسارة المتعلقة بضياع القدرات الإنسانية فيهما. و هناك اتفاق سري بين الأنا النشيط و السلبي لا يعيانه أو لا يعترفان به و يكمن في توافقهما على أهمية ما هو مُصنّع. و يعتبر هذا الاتفاق القوة اللاشعورية لالتزام أحدهما اتجاه الآخر . فالمستهلك ينتظر من الفاعل إشباع توجه أناه بتمكينه من عوالم حياة مُنتجة . أما الفاعل النشيط فينتظر من المستهلك الالتزام بسلبيه، و هكذا تكون التبعية متبادلة بينهما. و تظهر في حالة التواطؤ مشاكل عند الجانبين كالخوف عند الأنا الفاعل من فشل أو نضب قدرة فعله و خسران زبائنه. كما أن التركيز على القدرات التقنية و التقنيات بصفة عامة و على إقصاء القدرات الإنسانية يتسبب عنده أيضا في الخوف من فقدان السيطرة على كل شيء . أما من جانب الأنا السلبي ، فإن الخوف عنده يكمن في عدم التمكن من استعمال الواقع المصنع، لأنه قد يفقد إمكانية الوصول إليه , و بعيدا عن التواطؤ، فإن الأنا الموجه قد يمتلك في نفس الآن مسعى الفاعل النشيط و مسعى المستهلك السلبي. إلا أن التصنيف الذي يؤكد على أن جانبا من هذين الجانبين للأنا الموجه يُعاش باتصال مع الناس بينما الجانب الآخر يعاش في علاقة هذا الأنا بذاته هو ما قد يربك الملاحظ.
معاش الأنا المُنتج كممارسة للكفاءات الإنسانية :
إن معاش الأنا و كما تم الإجماع عليه محكوم بعملية تطور تتميز بزيادة في كفاءة الأنا، التي تتأسس على العيش من القدرة على العيش انطلاقا من القوة الذاتية و على القدرة على التمييز بين ما هو ذاتي و ما هو غريب ، بين الواقع الداخلي و الواقع الخارجي. و يورد " راينر" بعض الأمثلة عن كفاءة الأنا من قبيل :
القدرة على التمييز بين ما هو أمنية، تخيل، وهم، انخداع و ما هو واقع. القدرة على اختبار الواقع.
المعرفة الإجرائية : ويورد " راينر" مثال عائلة آتية من مدينة كبيرة و لم تكن تتوفر على معرفة إجرائية من أجل تسيير مزرعة و كيف أنها واجهت مشاكل عديدة بسبب عدم توفرها على المعرفة الموروثة في المجال. و كيف أن القدرات التقنية وحدها لم تسعفها في القيام بالأمر، بل كان عليها أن تستعملها من أجل الحصول على المعرفة الموروثة. و يورد " راينر" كفاءات أخرى للأنا يمكن تسميتها وظائف الأنا تتوفر على خاصية ضرورة ممارستها باستمرار لكي تكون رهن إشارة الأنا كقوة خاصة به. و هي كالتالي:
1- استيعاب المرء للمعطيات الطبيعية و المجتمعية و الثقافية كهدف للحياة في تفكيره و إحساسه و سلوكه. و تتحقق قدرة الاستيعاب لديه بتنشيط قدراته الجسدية و الروحية و العقلية و تطوير قدراته الكفوءة . و إذا كانت القوة الجسدية لا تتحقق للمرء إلا في حدود ممارستها من طرفه فإن الأمر سيان بالنسبة للقدرات النفسية فاكتسابها رهين بتمرينها. و يورد " راينر " أمثلة عديدة كالقدرة النفسية على الحب و الثقة و الحنان و غيرها. و في كل هذه الأمثلة يؤكد " راينر" أن القدرة الذاتية أي الكفاءة الخاصة لا تتحول إلى خاصية ذاتية أو ملك ذاتي إلا عن طريق ممارستها . و أن التمرين وحده هو الذي يحافظ على قدرة معينة من القدرات الإنسانية و نفس الشيء ينطبق على القوة الذاتية الروحية و العقلية و على الكفاءات.
2 -القدرة على التخيل و هي قدرة إنسانية أساسية و مهمة للغاية تشبه القدرة على التفكير و على وعي الذات،  بدونهما لن يكون هناك فن و لا أدب و لا شعر و لا علم و لا اكتشافات .....و تضيع هذه القدرة عندما لا تمارس. و تعمل التقنيات الحديثة من صور و مؤثرات على إعاقتها إلى درجة أنها تصبح محدوودة وتابعة أكثر فأكثر للصور الخيالية المقدمة.
معاش الأنا غير المُنتح كمعاش الأنا الاستهلاكي:
لكي يجيب " رانير" على سؤال ما إذا كان يمكن اعتبار معاش الأنا ما بعد الحداثي من خلال تعويض كفاءاته الإنسانية بكفاءات منتجة هو طريقة عيش سالبة و غير منتجة ، يعود إلى توجه الطبع السلطوي من أجل مقارنته باستلاب الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي.
ديناميكية الاستلاب للتوجه السلطوي:
 تتأسس البنية السلطوية سيكولوجيا على تخلص الخاضع تحت ضغط المسيطر من كل قواه التي تمكنه من العيش كفؤا و بقوة و استقلال و حرية و عكسها على المسيطر ليشاركه في تبعيته له في القوة التي عكسها عليه و يكون له فيها نصيب . و هكذا فهو ينفي كفاءة أناه و لا يعيش أناه البتة و يكون ضعيفا و بلا قيمة و تابعا للمسيطر. و يكون هذا الأخير تابعا هو الآخر للخاضع لأنه لا يمكن أن يشعر بتفوقه إلا بوجود الخاضع المسلوب.
ديناميكية الاستلاب لتوجه السوق:
و فيما يخص ديناميكية الاستلاب لتوجه السوق، من أجل فهم الفرق بين المعاش السلطوي للأنا و معاش الأنا ما بعد الحداثي ، يؤكد " راينر " أن سلطة التسويق لا تتطلب تسويق المشاعر الحقيقية للإنسان و لا تفكيره . بل إن ما هو حاسم هو الكيفية التي يبيع بها المرء عمله و بضاعته المعلبة و شخصيته المبالغ في تجميلها و صورة وعيه بذاته و الرسالة التي يود تمريرها. و تعتبر ديناميكية استلاب توجه السوق مشابهة لنظيرتها السلطوية إلا أن هناك فرقا حاسما بينهما. إذ تُسقط القوى الذاتية في الاستلاب السلطوي على إنسان آخر و تكون النتيجة هي تبعية متبادلة بينهما. بينما تبنى " علاقة عاطفية " مع منتوجات تناسب السوق في الاستلاب المحدد بطريقة السوق و مُثله و يكون هدف إسقاط القوى الإنسانية الذاتية ليس هو إنسان آخر ، بل المنتوج الشخصي الذاتي. و هكذا فإن ديناميكية الاستلاب عند التوجه السلطوي تتمثل في الانجذاب نحو السيطرة و الخضوع و بتبعية متبادلة للطرفين ، أما في توجه السوق فتتمثل في الاندفاع بالرغبة في أن يكون بإمكانه بيع نفسه ، ما يقود إلى تبعية مدمنة للمنتوجات و للأنا الذاتي الشخصي .
ديناميكية الاستلاب عند الأنا الموجه:
و على عكس التوجه السلطوي و توجه السوق اللذين يسقطان قواهما الإنسانية الذاتية على ممارس السلطة أو على المنتوجات الإنسانية التي تصبح حاملة للكفاءات الذاتية التي يستعيدانها بالتبعية، فإن الأنا الموجه يكون هدفه هو تجنب كل تبعية و استعمال الواقع المصنوع بطريقة يقررها هو ذاته ، و لذلك سمي " الأنا الموجه" . فهو يعيش ذاته حرا و مستقلا لأنه يعيش الأنا بطريقة محددة ذاتيا و يتجنب عيش التبعية لحاملي الإسقاط. و يكون الأنا الموجه توجها ما بعد حداثي فعالا من خلال عكس قدراته الإنسانية على الأشياء التي صنعها و لا يعيش هذه القوة كقوته الذاتية.
معاش الأنا المستلب و التقمص الانعكاسي
و من جانب معاش الأنا المستلب يؤكد " راينر " أن إنسان اليوم ينفي قدراته الإنسانية  كلما أحس بضعف قواه الذاتية و إعاقة كفاءاته أمام القدرات المصنوعة الأكثر فعالية. و من هنا يعكس الأنا الموجه ما بعد الحداثي قدراته الإنسانية على المنتوجات المصنعة و مهاراتها. و بهذه الطريقة يستطيع كمشترك و فاعل و مستهلك و ملاحظ أن يعيش ما باستطاعة القدرات المصنوعة القيام به. و ما يهمه ليس هو العثور على قدراته الإنسانية في القدرات المصنوعة أو الدخول في علاقة مع قدراته الإنسانية عن طريقها ( المصنوعة ) بل الابتعاد كليا و نهائيا عن كفاءات أناه و قدراته الذاتية . و هكذا ينجح في إعطاء قدراته الشخصية " فضاء نفسيا" في القدرات " المصنوعة". و يتحرر المرء من كفاءات الأنا بإسقاطها على القدرات المُصنّعة، و لكن هنا يصبح خطر التبعية لحامل إسقاطه واردا ما دام المرء يحتاج على الدوام إلى الإحساس بالكفاءة و الفاعلية.
إلا أن الأنا الموجه يحاول استباق خطر التبعية بمساعدة التقمص الإسقاطي و تحكمه في زمام الأمور. و يعيش الأنا الموجه بالتالي أناه الواعي الذاتي ككفؤ حيث يكون مستقلا عن كفاءات أناه و قواه الذاتية و لا يصبح تابعا للقدرات المُنتجة. و يخلص راينر إلى أن الأنا ما بعد الحداثي مثله مثل الموجه سلطويا و الموجه نحو السوق يعيش في استلاب من كفاءاته الإنسانية. و يعتبر أن التأمل التحليل النفسي الذي يتأسس على استعمال مُعاش الأنا  لقواه الذاتية و كفاءات أناه يقود للقول بأنه بإمكان الأنا الموجه أن يقول عن نفسه " إنني لست أنا ، لأنني لا أوجد إلا كبناء/ كشكل"
لاوعي الاستلاب للأنا الموجه
و يعتبر " راينر" أن معاش أنا " الأنا الموجه" معاش مستلب وفق تحليله أعلاه . و يرى أن هذا الأنا  غير واع بهذا الاستلاب و يؤكد أن هذا الأنا سيجادل بقوة بأنه يعوض قدراته الإنسانية بالقدرات المُصنّعة. و يؤكد أن ما يميز معاش الأنا المستقل و العفوي و المحدد ذاتيا هو استقلاله الكامل عن مثل هذه المعطيات الموغلة في الذاتية، و يتجلى لا وعي التبعية عند الأنا الموجه من خلال نفي تشخصه بطريقة إسقاطية مع القدرات المصنوعة. و يعتبر هذا الأمر النقطة الحساسة بالنسبة لهذا الأنا.
لا وعي الاستلاب
و ككل المعنيين بظاهرة الاستلاب فإن الأنا الموجه هو الآخر غير واع باستلابه و عدم إنتاجيته. و قد كان الموجهون توجها سلطويا غير واعين باستلاب قواهم الذاتية أيضا كما هو الشأن اليوم بالنسبة للأنا الموجه. إلا أن ثمة فرقا بينهما ، فبالنسبة للموجه سلطويا الأمر يتعلق بالقوى الذاتية التي تسمح بفرض الذات و اسقلالها و التي كانت مستبعدة من معاش الأنا ، أما بالنسبة للأنا الموجه فالأمر يتعلق بنفي كفاءات الأنا. و في الحالتين يكون الكبت و النفي غير واعيين و يعمل المرء على التعويض عن الضياع  و عقلنته.
الاستلاب و مرض الحياة العادية:
ميز " إيريك فروم" كل توجه غير منتج بما أسماه " مرض الحياة العادية" و في اعتقاده فإن الوصول إلى أعراض مرضية يتم عندما يعيد المرء صلته بقواه الذاتية الخلاقة و وظائف أناه ، لأن إعادة الصلة هذه ترافَق في الغالب بخيبة أمل قوية.  مثلما يوجد مرض الحياة العادية عند الموجه سلطويا، فهو يوجد عند توجه الأنا ما بعد الحداثي.
الإدراكات اللاواعية ودفاعها:
ينفي الموجه ما بعد الحداثي موضوع استلاب قواه الذاتية بشدة . و إذا كان هذا الأنا غير واع باستلاب قدراته الإنسانية  فهذا لا يعني أنه لا يدركها بطريقة غير واعية. و من خلال هذا النفي يتولد عنده الاعتقاد بأنه واع و أنه يتحكم في الأوضاع و ينتج الواقع انطلاقا من تحديده الشخصي . إلا أن واقع الأمر يؤكد أن معاش أناه مرهون باستعمال القدرات المنتجة التي تكون في متناوله . و خارج القدرات المصنوعة فإن الأنا الموجه يصبح لا شيئا . و يحس بالإحباط عندما يهتز إحساسه في هذه الحالة بأنه يحدد ذاته بذاته و أنه مستقل و قوي . كما أن مواجهته لأوضاع حياة لا تساعد الكفاءات المصنوعة على حلها يمثل أكبر خطر يواجهه الأنا الموجه ما بعد الحداثي ، إذ يواجه آنذاك إدراكه اللاواعي لعجزه الإنساني.
وعي العجز الإنساني:
إن الرغبة في إنتاج الواقع عند الأنا الموجه ما بعد الحداثي باستعمال القدرات المصنوعة هو رفع الحدود عنه و عيش معاش لا توفره قدراته الذاتية و تلبية رغباته . لكن عندما يكون تعويض العنصر الإنساني بالقدرات المصنوعة ضعيفا أو يتوقف نهائيا فإن الملل و الفراغ الداخلي و غياب الخيال و الحيوية تخلق الإدراكات اللاواعية التي ترافق الأنا الموجه. و يعرف الأنا الموجه عجزه الإنساني بطريقة لا واعية و يعي أن عليه العيش انطلاقا من مؤهلاته الإنسانية و يعي أن أناه ضعيف و غير قادر على تحمل الحياة بكل تناقضاتها و أنه يكون عرضة لأوضاع نفسية تعيسة في غياب الإمكانيات المصنعة.
توجه الأنا ما بعد الحداثي و تشكيل رد الفعل :
و على الرغم من هذا فهو لا يسمح بتمظهر عجزه على مستوى الوعي ، و يعمل على مقاومته لدرجة أنه يبقى غير معروف لا بالنسبة إليه و لا إلى محيطه . و هنا تبرز تشكلات رد الفعل. بطريقة تحليل نفسية لهذا الأنا ، فإنه يتحول هو نفسه إلى تشكيل رد فعل للشعور اللاواعي للتبعية الوجودية للإمكانيات " المصنعة " من خلال تعويض المشاعر اللاشعورية للسلبية و العجز و الضعف و الإقصاء. كما أنه يكون هو نفسه تشكيل رد الفعل من خلال تأكيده على إنتاج الواقع بحرية و عفوية و بقرار ذاتي.
توجه الأنا و نفي المشاعر:
إن أكبر مشكل بالنسبة لما بعد الحداثي هو أنه لم يعد بإمكانه تقريبا إنتاج مُعاشاته بنفسه . و ينطبق الأمر حتى على الأنا النشيط الذي يصنع و يروج المعاشات، لكنه لا يستعمل قدراته الذاتية من أجل إنتاج المعاشات، بل القدرات المصنعة. و يعوض توجه المعاش للإنسان ما بعد الحداثي الشعور اللاواعي بالخمول و انعدام الحياة. و من خلال تنشيط داخلي حقيقي يحدث التغيير في حياة هذا الأنا، و يكون المعاش في هذه الحالة تعبيرا عن القدرة على معاش داخلي يعتبر قدرة داخلية للإنسان. كما أن هدم الحدود في جميع مناحي الحياة عند الأنا الموجه الحداثي و إحساسه بالقوة الخارقة بشكل مبالغ أحيانا ما هو إلا تشكيلات رد فعل لمشاعره اللاواعية للعجز و الضعف. هذا الضعف الذي إذا واجهه فإن رد فعله يكون مشابها لمن هو في خطر و هو يقاوم مشاعر الضعف من خلال المشاركة في الخيالات العامة العمومية للقوة. و حيث أن الأنا الموجه تكون لديه الحاجة القوية إلى السيطرة و وجوب السيطرة و المراقبة على كل شيء ، فإن خاصية عنده تكون مرتبطة بهذه الرغبة و هي أن تشكيل رد الفعل هو شعور لا واعٍ  لا يطاق . و تتمثل هذه الخاصية في خاصية الفاعل للأنا الموجه . و عندما يكون الأنا الموجه عرضة لوضع لا أمل له فيه  و يصبح فيه بلا حول و لا قوة فإنه يتهرب من هذا الوضع و ينسحب منه . لكن إذا كان الآخر هو الذي في هذا الوضع فإنه يتضامن معه. كما أن حاجة ما بعد الحداثي للتواصل و الترفيه هي عبارة عن تشكيل لرد الفعل على الشعور اللاواعي الذي لا يطاق . و يكون الأنا النشيط مرفِّها جيدا و أقصى ما يُذعره هو ألا يكون مُرفِّها جيدا و يفقد صلته بشريكه أو جمهوره . أما الأنا السلبي فشعوره بأنه مُرفَّه هو الذي يضمن له بأن يكون على اتصال و يقوم شعور النحن عنده. و في كلتا الحالتين فإن ضمان الاطمئنان على الشعور بالارتباط هو ما يكون مرغوبا فيه من طرفهما كنوع من مقاومة شعور لا واع بالإحساس بالإقصاء بحسب " راينر". و يقاوم الأنا الموجه تبعيته بسبب القدرات المصنوعة التي تجره إلى مشاعر السلبية و الضعف و الإقصاء ،التي لا يكون له الحق في وعيها حتى لا تفضح تبعيته ، عن طريق التشكيل الانعكاسي . و ذلك من خلال التخلص من الإحساس اللاشعوري بالسلبية عن طريق تفعيل توجه معاشاته.
العقلنة كتعبير عن الإدراك اللاواعي:
بحسب " راينر" ليس هناك أي معاش حقيقي للأنا الموجه ما بعد الحداثي ، بل إنه يغرف من لا شيء . و هكذا فإن فهم الانا في تعبير " توجه الأنا" يكون عبارة عن عقلنة لتمثل اللاوعي. و مفهوم الذات هو الآخر يمكن اعتباره عقلنة لتمثل اللاوعي، لأن وظيفته تكمن في تغطية المعاش اللاشعوري لضياعه الذاتي بسبب نفيه و رفضه للقدرات الذاتية.
 و بحسب " فروم" فإن خاصية الأحلام هي التعبير عن التجارب الداخلية كما لو أنها تجارب حسية و مواضيع ذاتية. و يزيد " راينر" القول بأن أحلامنا تسمح بتكوين صورة جيدة على ما لا يمكننا في وضع اليقظة الوصول إليه من مشاعر داخلية و خيالات و كفاءات و تطلعات . و يدرج في هذا الباب حلما ذكره " إيريك فروم " عن طالب في التاسعة عشرة يدرس ميكانيكا الآلات . و قد كان تحليله للحلم هو عبارة عن تمجيد ما بعد الحداثي لتفوق و انتصار القدرات المصنعة على القدرات الإنسانية. و انصهار الناس مع هذه القدرات المصنعة بكيفية سلسة و إحساسهم  بتوحدهم بوضعهم كمسلوبين.
التأثيرات المرضية للأنا الموجه:
يُضمّن " راينر" هذه الفقرة ( بعد أن تطرق في السابق إلى فهم الديناميكية النفسية للأنا الموجه ما بعد الحداثي و تقييم تحليل نفسي لخاصية انعدام الإنتاجية عند هذا الأنا ) توضيحا خاصا بالتأثيرات المرضية التي يعاني منها هذا الأنا.
مرض الحياة العادية للطبع ما بعد الحداثي:
بحسب " إيريك فروم" فإنه كلما كان هناك واقع اجتماعي كبير لتوجه مجتمعي منتج لن يشعر الأنا الموجه باستلاب كفاءات أناه و لن يحس بأي عرض مباشر لضغط ألمه . و هذا ما دفعه للحديث عن " المرض في الحياة العادية" أو " الأعطاب المعطوبة اجتماعيا" . و هذا ما يراه " راينر" ينطبق على توجه الأنا ما بعد الحداثي. إذ كلما فضل هذا الأخير القدرات المصنوعة و عوض بها خسارته لقدراته الإنسانية ، فهو يكون خلاقا في هذه الحالة و لا يشعر ذاتيا بنقص و لا يطور بالتالي أية أعراض  تدل على ألمه. و أشار " فروم" في كتاباته المتأخرة إلى كون استلاب الإنسان يتمظهر أيضا في زيادة الشعور بألم يجهل هو مصدره و بمعاناة في ثقافته و ذاته نفسها.
المعاناة في الثقافة و في الذات:
و أقر " فروم "أن المعاناة في الثقافة و في الذات لا تقدم أي عرض عنها و أنها في العمق " الشعور بعدم السعادة" الذي يتمظهر من خلال " الشعور بالغربة /الغرابة..." و حيث أن ما بعد الحداثي لا يشتغل بطريقة جديدة و يعوض شعوره اللاواعي بالسلبية و الضعف و الإقصاء ، بتوجه أناه السلبي و النشيط ، فإن الشعور بالذات يهاجم الذي يكون يعاني في ثقافته و في ذاته. و يتساءل هنا " راينر" إذا ما كان هؤلاء التعساء لم يتكيفوا أو تكيفوا بطريقة غير كافية مع توجه الأنا ما بعد الحداثي . و بحسب التوجه ما بعد الحداثي القوي فإن هؤلاء الناس لا يزالون سجناء أصلهم و قيمهم، أما من الناحية التحليل نفسية فإنهم لم يفقدوا بالتمام الصلة بمواردهم الإنسانية رغم استلابهم الجزئي.و يكون للعودة إلى قدراتهم الذاتية و ممارستها التقليل من سأمهم و شعورهم بالفراغ.
و يؤكد " راينر " هنا  أن " الواعي يتنازل عن استعمال القدرات المصنوعة"، و يعتبر أن الوعي الهادف و ممارسة القدرات الإنسانية حجر رحى " فن الحياة" الذي يقود إلى المزيد من الرفاهية النفسية .
كما أن الاستغناء عن القدرات المصنوعة تعني بالنسبة ل" فروم" أيضا التخلي عن " خطأ الرغبة في حياة دون جهد و ألم" و يؤكد راينر أن من يرغب في وعي قدراته الإنسانية و ممارستها ، عليه أن يكون مستيقظا لكي يحافظ على قدراته العقلية و النفسية و الجسدية. مستندا على ما قاله " فروم" "إن أهم خطوة في طريق فن الوجود يشمل كل ما من شأنه تقوية القدرة على وعي الذات و يساهم في الفكر النقدي المتسائل"و يبقى أهم شيء في ممارسة القوة الذاتية الروحية والعقلية و النفسية و الجسدية هو تعويض القدرات المصنوعة بالقدرات الإنسانية.
أعراض المعاناة بسبب عجز قوة الأنا:
إن المعاينات الإكلينيكية التي يقوم بها الأطباء النفسيون تبين في العديد من الحالات الضعف المستمر للأنا عوض قوته ، و تبين أيضا عجزا معينا لوظائف الأنا . و ما يلاحظ على أصحاب الأنا الموجه ممن يعانون من هذا العجز هو ميلهم إلى التوهم و عدم قدرتهم على تحمل توترات و غموض الحياة. كما أن التقنية الرقمية و وسائل الإعلام بكل ما توفره من إمكانيات لإنتاج الواقع لا تعمل إلا على توهيم الإنسان من خلال إخراج و إنتاج واقع وهمي. و الوهم في السيكولوجيا هو إعطاء شيء أو حدث معنى غير ملائم أو إلباسه خاصيات لا تنتمي إلى جوهره. وينبني نجاح الاقتصاد اليوم على إخراج الواقع الوهمي الذي غدا يُسوق بشكل جيد خصوصا في صناعة الفرجة و الوقت الثالث. و قد أصبح استهلاك الواقع الخيالي بمثابة دواء في متناول الجميع. و لرغبة الأنا الموجه في الخلق الذاتي و الشخصي للواقع ، فإنه لا يكتفي باستهلاك واقع خيالي واحد و إنما مختلف العوالم الخيالية الممكنة . و لتوهيم الأنا الموجه يتم إخراج الأوهام الجماعية من قبيل: وهم النعيم – وهم الوفرة – وهم الاستهلاكية – وهم روعة الإنسان – وهم حياة خالية من الإحباط – وهم حياة خالية من التجاذب. و التأثير المرضي لهذه الأوهام يكون نتيجة تراجع كفاءة الأنا التي تؤدي بدورها إلى أعراض و أوضاع مرضية متعددة على شكل أمراض نفسية و نفسجسدية و اضطراب الشخصية.
و من التأثيرات المرضية الخاصة بتوجه الأنا يذكر " راينر": التراجع المستمر لقوة الأنا و معاش الأنا، نشر الهوية التي تعتبر نموذجية للأنا الموجه ، ضعف في وظيفة الأنا و الأنا الأعلى ، تذبذب معاش الذات و معاش الآخرين، تقلص المشاعر، معاش مشاعر مصطنعة تكون وجدانية و من وقت لآخر هستيرية و عدم القدرة على تحمل النقد ، دفعات تراجع خبيثة مصحوبة في غالب الأحيان بحلقات عصابية، التخلي عن ميكانيزمات الدفاع الناضجة لصالح أشكال دفاع منشقة كنفي الإسقاط و التشخص الإسقاطي ، ضعف أو ضياع النظام الأخلاقي الداخلي المنظم للأنا الأعلى و مثال الأنا.
الهيكل النفسي التنظيمي للأنا الموجه المريض:
عندما لا ينجح الناس ذوو الأنا الموجه في التعويض عن ضعف أناهم بطبع موجه، فإنهم يصابون بأمرض نفسية تسبب لهم المعاناة من ضعف أناهم. و يكون هدف العلاج النفسي في هذه الحالة هو إيجاد إمكانية تعويض من خلال تقوية الكفاءات المنتجة التي عن طريقها تتم تقوية أناهم. و قد أورد " راينر" في هذا الباب مثالا لمريض سابق عنده، عاش إشكالية هويته بسبب التوجه السلبي لأناه.







الجزء الرابع : الإنتاج و توجه الأنا ما بعد الحداثي
بحسب التحليل النفسي الذي اعتمده "راينر " في الجزء الثالث من الكتاب فإن الأنا الموجه ما بعد الحداثي هو توجه طبع غير منتج . إذ تعوض الكفاءات المنتجة مشاعر السلبية و عدم القوة و الإقصاء عند هذا الأنا. و يكون ذا تبعية وجودية لا واعية للكفاءات المنتجة كتعويض لمعاش أنا بسبب كفاءات الأنا ، ما يجعل التحديد الذاتي الحر لتوجه الأنا عقلنة لهذه التبعية الوجودية اللاواعية. و سيعمل "راينر" في هذا الجزء على إزاحة الانطباع الخاطئ المتمثل في اعتبار- طموح الفكر ما بعد الحداثي في ضرورة بناء الواقع باستغناء عن المعطيات السابقة أو التي تخلى عنها الفرد - من وجهة نقد التحليل النفسي مرضية.و ذلك من خلال شرح إشكالية فهم واقع " الإنسان " كإشكالية متعلقة بطبيعة الإنسان.
التفكير ما بعد الحداثي و تفسيره التحليل نفسي :
تعتبر الاتجاهات الفكرية ما بعد الحداثية أنْ لا وجود لأي مُعاش هوية قار أو متصور عن الإنسان الراشد أو أي نزعة إنسانية أو طوبيات  .إلا أن التحليل النفسي للأنا ما بعد الحداثي الذي اعتمده " راينر" في الجزء الثالث من الكتاب يوحي ببعض الأبعاد في التفكير ما بعد الحداثي تعتبر " كظواهر لروح العصر" يمكن تفكيكها بحسبه ، و المتمثلة في رغبة الأنا ما بعد الحداثي في حق اختيار طريقة عيشه بحرية و استقلال ذاتي ، مبررا الأمر بأن الواقع كما يدعيه هذا الأنا ما هو إلا بناء ذاتي. و اعتمادا على التحليل النفسي فإن هذا التبرير لا يغدو أن يكون إلا ظاهريا و عقلنة للأمور. و قد أبان "راينر" في السابق أن " العقلنة" تكمن في تأسيس سلوك فعلي/ واقعي بطريقة يظهر بها ذا معنى و يعلن عنه ذا قيمة أخلاقيا. و يقدم التمييز التحليل نفسي بين العقلنة و الدوافع أو الحوافز اللاواعية محاولة لفهم معاني التجارب . و هنا اعتمد " راينر" على مثال من أجل تبيان أنْ لا حق لأحد في اعتبار فهم مغاير لفهمه كعقلنة و حطه محط تساؤل.و المثال كما يلي: اعتبار الأنا الموجه إنتاجيا " لفهم الأنا الموجه ما بعد الحداثي لعلاقته بالآخرين" كعقلنة لعدم قدرة هذا الأخير على الانخراط العاطفي مع الآخرين.و في المقابل اعتبار الأنا الموجه سلطويا " الفهم ما بعد الحداثي لعلاقته بالآخرين " كعقلنة لعدم القدرة على الارتباط القوي بهم من خلال دور ملزم و علاقة حماية
التصور التحليل النفسي للإنسان عند " إيريك فروم" :
إن أهم ما يميز الإنسان في نظر " فروم" هو التناقضات الناتجة عن الإمكانيات المتاحة له و عن حدود وجوده و التي من الضروري أن تعرف دائما توازنا من جديد.و تحدث هذه المتناقضات بسبب موهبة العقل فيه و وعي ذاته و قدرته على التمثل / التصور. و ما يشكل الوجود الإنساني هي الأسئلة التي يطرحها و ليس الأجوبة التي يتوصل إليها. و بخصوص هذه الأسئلة قدم " فروم" جوابا عن هذا الأمر من خلال تحدثه عن الخاصيات النفسية للإنسان و التي على غرار الخاصيات الجسدية له تطلب بإلحاح كذلك تحقيقا لها. و تكون أشكال الإشباع الإيجابية تفسيرا عن القدرات الأساسية. و حيث أن هدف الاقتصاد ليس هو تطور كفاءات الإنسان ، بل اشتغال المجتمع على حساب قدرة أفراده على التطور، فإن  متطلبات الاقتصاد و ما يقتضيه من تبعية الإنسان له تجعله غير قادر على تحقيق الإمكانيات الأساسية المرتبطة به. و يكون الإنسان على الدوام في حاجة إلى إشباع حاجاته النفسية و إلى الارتباط بالآخرين، و يلجأ الإنسان إلى الإمكانيات الثانوية عندما يكون مغتربا/مستلبا عن الإمكانيات التي تساعده على النمو. إلا أن هذه الإمكانيات تقوده إلى عرض الانهيار عوض عرض النمو. كما أنها تؤدي إلى توجه طباعي غير منتج في مقابل التوجه الطباعي المنتج الذي تسمح له به إمكانياته الذاتية. و المقصود من مصطلحي " إنتاج "  " إنتاجية" هو تمييز التجربة الموجهة بسيرورة مفادها ضرورة إحضار و تطوير/تنمية شيء ما. و ما اهتم به "فروم" بالدرجة الأولى هو المعرفة التي اهتدى إليها علم الأعصاب التي مفادها " كل ما هو حي يمتلك في ذاته الميول الأساسية التي تساعد إمكانيات الحياة على التطور". و وفقا للأطروحة القائلة بتطور قدرات الخاصيات الإنسانية بتطور استعمالها و تمرينها يقول " هوتر" " إذا فكرنا في الأمر بجدية فإن عقلنا يتطور طبقا للطريقة التي نستعمله بها ، فالروابط العصبية التي تنشط بكثرة و بنجاح  لكي نتوجه في العالم، تتطور أكثر. أما تلك التي لا نستعملها إلا قليلا ، فإنها إما أن تبقى على حالها أو أنها تتقلص تدريجيا" و يخلص " راينر" اعتمادا على بعض الأمثلة إلى أن الإنسان المنتج هو الذي يطور إمكانياته الجسدية و النفسية و العقلية بطريقة مثلى. كما أن " فروم" أعاد من خلال نظريته العامة حول الإنتاج ما معنى وصول الإنسان إلى العقل المنتج ( أي وعي الواقع بطريقة واقعية ) عندما يكون سلوكه موجها نحو التفكير و الإحساس و السلوك بنشاط.
الإنسان ما بعد الحداثي بين الإنتاج و عدم الإنتاج
توجه الانا كبناء خاطئ
منذ بدء الخليقة و الإنسان يصبو إلى إنتاج واقع يحقق فيه حاجياته و أمنياته الذاتية. و هذا ما تفعله اليوم التقنية الرقمية و وسائل الإعلام الإلكترونية حين يعطيها نمط الحياة و توجه مجتمعي ما بعد حداثي أهمية تنمو باستمرار. و يتقوى استلاب الإنسان من كفاءات أناه الإنسانية كلما أعطى الإنسان ما بعد الحداثي قيمة خاصة لتعامله مع القدرات المصنوعة و عند تعويضها لقدراته. و بحسب استراتيجيات التسويق ما بعد الحداثية، يرى " راينر" أنها تعمل على تضليل الأنا ما بعد الحداثي و حمله على الاستغناء عن منجزات أناه التي لا يحققها إلا بمشقة الأنفس و التي بدونها لا يستطيع تحقيق كفاءة أناه. و يؤكد " راينر" على أن بما أنه ليس هناك صراع قائم بين القدرات المنتجة و نظيرتها الإنسانية فمن الممكن أن يستعملها الإنسان دون أن يكون موجها أنيًّا ( من الأنا ) و يقود إلى تعويض القدرات الإنسانية. لأنه عندما يعمد إلى تعويض الإمكانيات الإنسانية بنظيرتها المنتجة يجب اعتبار الطبع المجتمعي للأنا الموجه في هذه الحالة بناء خاطئا من الناحية السيكولوجية. و هذا البناء الخاطئ يفضي بدوره إلى أبنية خاطئة أخرى خاصة بالأنا الموجه لخصها "راينر" في بعض الحالات:
-التقليل من قيمة ممارسة القدرات الجسدية و النفسية و العقلية.
-التقليل من قيمة كل ما يعني الجهد و الانضباط.
- كبت جوانب واقعية لا يمكن الاستغناء عنها كتجربة الألم و المرض و تراجع القوة الجسدية في الشيخوخة و الإيحاء الذاتي بإمكانيات الواقع المصنع كالرغبة في العيش في شباب دائم.
-إخفاء مشاعر السلبية و الضعف و العزلة و عدم الحيلة و استحضار مشاعر إيجابية فكرا و إحساسا و نشاطا.
-إنكار المشاعر السلبية المعاشة كالخوف و الشعور بالذنب و العار و عذاب الضمير في شكل غياب الخوف و الذنب و الضمير.
- تجنب أوضاع المواجهة مع النقد،و البحث الذاتي عن التناغم و المخاطرة.
-عدم الرغبة في كل ما يعني التبعية و الاعتماد على الغير و الرغبة في مراقبة الذات و مراقبة الآخرين أو الإمكانيات" المنتجة".
و في هذا البناء الخاطئ للأنا الموجه الناتج عن محاولة إحلال القدرات الإنسانية بالإمكانيات المنتجة يلعب الاقتصاد الرأسمالي العالمي دوره الأكبر لأن هدفه ليس هو الإنسان و حياته و نجاحه و إنما التسويق بعينه.
التطبيب الذاتي عند الأنا الموجه:
أصبح اليوم الميل إلى التطبيب الذاتي حاضرا بقوة و يمكن ملاحظته على مستوى التركيز على الحركة و قوة العضلات كمركز جسدي للقوة الذاتية. إلا أن ممارسة هذه الرياضات قد لا تكون دائما رغبة في التطبيب الذاتي بقدر ما تمثل رغبة في التعامل مع الإمكانيات التقنية و المنتجة من خلال ألبسة الرياضة و الأحذية و الآلات و مختلف اللوازم الرياضية . و في جانب محاولات العلاج النفسي الذاتي يعتمد " الأنا الموجه" على ربط علاقات مع الآخرين دون قرب مشاعري معهم و اللجوء إلى التفكير الإيجابي من خلال مجموعات من أجل وقاية نفسه من الأمراض النفسية. و قد ذكر " راينر" أمثلة عديدة في هذا الباب من  التي أصبحنا نشاهدها اليوم، و التي يكون التركيز القوي فيها على المجوعة من باب إشباع " الأنا الموجه" حاجته إلى التواصل مع الآخرين. أما التركيز على جانب الإبداع فيها فيكون من زاوية تحقيق " الأنا الموجه" رغبته في الإخراج الذاتي المستقل عن الآخرين ، إلا أن ما يجب التنبه إليه في محاولات التطبيب الذاتي هو أنها تفضي إلى ممارسة غير منتجة للإمكانات المصنعة. لأن " الأنا الموجه" لا يبحث فيها و بواسطتها عن تطوير قدراته ، و إنما يبحث في نماذج سبقته عن كيفية استعمال التقنية التي استعملتها. إن ما يميز  الأنا ما بعد الحداثي هو استقلاله المبرمج من النماذج الاجتماعية للشعور بالذات و التعامل مع المحيط الطبيعي و الإنساني ، و هذا الاستقلال يتحقق من خلال هدم الحدود بين الأنماط السابقة. و قد يؤدي هذا الهدم إلى فقدان التوجه بطريقة درامية’. و حيث أنه لا يمكن للإنسان الاستمرار في الحياة دون الحاجة إلى إطار موجه و موضوع إخلاص، يحاول الكثير من الموجهين من طرف أناهم القيام بمقاومة مضادة ضد غياب الإطار الموجه من خلال تقوية قدراتهم العقلية و الروحية من خلال تمارين تركيز و تأمل و استرخاء و التدين الصوفي و غير ذلك.
تأثيرات توجه الطبع المنتج و غير المنتج:
الإنتاجية كممارسة للكفاءة الإنسانية تتوفر كالإنتاجية الناتجة عن استعمال الإمكانيات المصنعة على ما يلي:
- تاثير منشط /محفز/مشجع يتمظهر من خال نشاط داخلي ،حب للحياة ، انطباع بالثقة  عند المنتج و العكس يحصل عند الموجه غير المنتج .- تأثير طاقوي من خلال وعي بطاقة تسري فيه و شعور بالحياة و بالتدفق و تطوير الحاجة للعطاء و التواصل، أماعند الموجه غير المنتج تكون الطاقة جد ضئيلة.- تأثير التنشئة الاجتماعية من خلال تشجيع التوجه الإنتاجي للسلوك الاجتماعي و الارتباط العاطفي له و التواصل مع الآخر بشكل مباشر معه و الشعور به. -التأثير المقوي للذات من خلال تقوية الاستقلالية و تقرير المصير و وعي الفردانية الذاتية و المصالح الشخصية في حين تقوى عند الأنا الموجه غير المنتج عدم القدرة على تقرير المصير و وعي المصالح الشخصية.- التأثير المدمج من خلال التناغم مع الذات و التوازن و التكامل و إدماج الأبعاد الثلاثة للوجود الإنساني الذي يتجلى في القدرة على تحمل غموض الواقع و وعي الأحاسيس المتجاذبة و لربما المتناقضة ، أما غير المنتجين فيعملون على تقسيم العقلي و الروحي و الجسدي في الذات أي عيش ذواتهم إما كأجساد أو أحاسيس أو عقل فقط .
- التأثير المانح لمعنى في الحياة من خلال عيش الكفاءات الذاتية كأمور تحمل معنى في ذاتها و لا تتطلب أي برهنة /أساس أخلاقي، أما غير المنتج فيكون صاحب معنى مبعثر في الحياة أو حتى فارغ من أي معنى.- التأثير الخلاق من خلال الحدس و النشاط و العفوية و الإبداع، بينما غير المنتج يهتم فقط بتقليد إبداع الآخرين.- التأثير المقوي للأنا من خلال الارتباط بقوة بالواقع المحيط به، أما غير المنتج يعرف تأثير نكوص الأنا من خلال الميل إلى التراجع إلى مراحل تطور سابقة للأنا.
مؤشرات التمييز بين الإنسان ما بعد الحداثي المنتج و غير المنتج:
يجمل " راينر " هذه المؤشرات فيما يلي:
- التوجه غير المنتج يبالغ في إضفاء طابع المثالية على الإمكانيات المصنعة في حين التوجه المنتج يكون لديه وعي بما هو بصدد تطبيقه أو استعماله من إمكانيات مصنعة و إمكانيات إنسانية.
- كلما كان الاعتماد كبيرا على الإمكانيات المصنعة يكون التوجه غير منتج و يكون الاستقلال عنها مؤشرا على التوجه المنتج.
- الحاجة الملحة لمراقبة الإمكانيات المصنعة مؤشر على توجه غير منتج و العكس صحيح ، و تكون هذه المراقبة عند الأنا الموجه غير المنتج تعبيرا عن ارتباط وجودي بالإمكانيات المصنعة  و تبعيته لها ، أما ما بعد الحداثي المنتج فلا حاجة له بهذه المراقبة لأن في مصدر فكره و سلوكه و شعوره توجد قوته الذاتية و ليس في الإمكانيات المصنعة.
- الأنا مابعد الحداثي المنتج يرفع من الطاقة لديه من خلال استعمال القوى الإنسانية الذاتية.
يتميز ما بعد الحداثي المنتج بالقدرة عل الشعور بالآخرين و يكون قادرا على اقتسام مشاعر الشفقة و الإحساس بها.
- الموجه إيحابيا لا يهاب النقد و الصراعات و ما ينتج عنها، هو في الأصل لا يرغب في النقد لكن إذا وجه إليه لا يتجنبه ، أما الموجه سلبيا فهو يهاب النقد و يعتبره تهديدا بالنسبة له. لأن افتراقه عن الإمكانيات المصنعة ستهمشه كليا و تجعل منه شخصا ضعيفا. غير أن هذين الشعورين لا يمران إلى المستوى الواعي عنده و يقاومهما من خلال إظهار أن القرار ذاتي و حر.
- غياب واضح للمشاعر الذاتية للعداوة و التنافس عند الأنا غير المنتج ( لا يظهر أحاسيس العدوانية رغم تواجدها بداخله) أما الأنا الموجه المنتج لا ينفي المشاعر الذاتية للتنافس و العداوة و ليس في حاجة إلى مؤثرات خارجية للشعور بها.
- الخوف الهدام عند الأنا الموجه غير المنتج و الشعور بالخطأ و الخجل بسبب أوضاع معينة و محاولة تجنب التمثلات الوجدانية لمثل هذه الأوضاع بفوبيا كبيرة، بينما يعي و يقبل ما بعد الحداثي المنتج تمثلات هذه الأحاسيس.
- قدرة ما بعد الحداثي المنتج على وعي مطابق للواقع لذاته و لمحيطه و التمييز بين الواقع و الخيال في حين غير المنتج يميل إلى وعي خيالي بالاعتماد على الإمكانيات المصنعة.
- قدرة ما بعد الحداثي المنتج على فهم  و قبول واقعه و واقع الآخرين و تقبل تطوره و فكرة موته،  في حين غير المنتج يظهر ميولا واضحة لقبول جزء فقط من واقعه الخاص و الواقع الخارجي عنه.
خاتمة
 


إن السفر على متن " الأنا و النحن"  هو غوص في دروب الأنا و فهم لتطورات طبعه بدلالة المعطيات السابقة و الراهنة. و هو إجابات شافية للعديد من التساؤلات التي تراودنا كل حين .
كان لي أن أخوض غمار هذا السفر كي أفهم معنى سلوك تلامذتي خلال سنوات عديدة قضيتها رفقتهم إزاء التقنية ( الآلة الحاسبة)، و استبعادهم لقدراتهم الذهنية في عملية استلاب واضحة من قبل التقنية التي أقحمهم السوق فيها منذ السنوات الأولى من تعلمهم، نتجت عنها عملية تغريب حقيقية عن ذواتهم، و لمَ لا القول تدمير لقدراتهم الذاتية . و أستوعب الآن  عجزي الكبير الذي كنت أصطدم به عند محاولاتي إقناعهم  بالإقلاع عن الاعتماد على التقنية و العودة إلى قدراتهم من أجل ممارستها و تقويتها .
كما أن هذا السفر قدم لي إجابات على العديد من الأسئلة و خصوصا سؤال الحرية. فالمرء بصفة عامة يكون تواقا للحرية و يبحث عنها بكل الوسائل المتاحة. فمرة  كنت كتبت " الحرية هي شيء كلما كدت تقترب منه ابتعد عنك، أ ليست هي السراب بعينه ؟ " و قد كنت أحسبني مبالغة بهذه القولة، إلا أنني و بمروري بين دروب " الأنا و النحن" تأكد لي أن ما قلته كان صوابا ولم أكن مبالغة البتة.
قد نكون من بين من يعتبرهم التوجه ما بعد الحداثي القوي " الذين لايزالون سجناء أصلهم و قيمهم، و يراهم التحليل النفسي " الذين لم يفقدوا بالتمام الصلة بمواردهم الإنسانية رغم استلابهم الجزئي ، ويصفهم  راينر  ب
" التعساء" ، إلا أن النتيجة واحدة و هي عدم قدرة هؤلاء على التأثير في محيطهم . لأن المؤثرات الأخرى تبقى أقوى بما تعتمده من استراتيجيات مدروسة و تقنيات رقمية و وسائل إلكترونية مطورة .
  فيكون للإنسانية إذن أن تقطع مراحل في طرق ملغمة تنتج عنها أعطاب لن ينتبه إليها الإنسان إلا عند ملاحظته زيادات هائلة في عدد المعطوبين نسبة إلى تعبير " فروم " " الأعطاب المعطوبة اجتماعيا" .و آنذاك يكون من الجميل الرجوع إلى مثل قولة "فروم"  " إن أهم خطوة في طريق فن الوجود يشمل كل ما من شأنه تقوية القدرة على وعي الذات و يساهم في الفكر النقدي المتسائل".
أتمنى أن تكون قراءتي لكتاب " الأنا و النحن" قد لامست شيئا ما جوهر هذا الكتاب القيم . و شكري للدكتور لطفي الحضري كبير جدا ، فهذه القراءة هي بذاتها  فرصة حقيقية من أجل وعي حقيقي لقدراتنا الإنسانية و ممارستها  تضعنا في مصاف المستيقظين من أجل الحفاظ على قدراتهم الروحية-العقلية النفسية و الجسدية بحسب تعبير "راينر" في كتابه " الأنا و النحن".










نموذج الاتصال
NomE-mailMessage