3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

التربية على المواطنة

الخط


























التربية على المواطنة الديمقراطية على مستوى المنهاج المدرسي برومانيا

L’éducation pour une citoyenneté démocratique au niveau du Curriculum scolaire en Roumanie
Ion Albulescu



ترجمة: ذ جمال الحنصالي/م.م أكرض إمنتانوت




1.     تقديم: التربية على المواطنة الديمقراطية؛
   يُنظر إلى نظام التربية والتعليم باعتباره منظومة للخدمات الاجتماعية التي يجب أن تؤدي وظائف متعدد ومعقدة في الآن ذاته. ومن مساعي هذا النظام التعليمي تكوين المتعلمين وفق جملة من الأنشطة التعليمية التعلمية المختلفة، في سبيل تطوير الجانب الروحي في شخصية الفرد/المتعلم، فضلا عن تدريبه لمواجهة الحياة باعتباره مواطنا. ومن أجل تحقيق هذا المسعى (صناعة المواطن)، ينبغي أن تتكيف المدرسة مع الأوضاع الراهنة، وذلك من خلال مشاريع تربوية حديثة على مستوى المناهج الدراسية؛ مع الأخذ بعين الاعتبار التغييرات السريعة التي تحصل على المستوى الاجتماعي.
   لقد ولّدت الطفرات النوعية التي مابرحت تحدث في عالمنا المعاصر إشكالية جديدة في حقل التربية والتعليم، تتمحور حول مجموعة من القيم والتي تعتبر من الأولويات من قبيل؛ الديمقراطية والمشاركة والمساءلة والتسامح والتعاون والاتصال، وما إلى ذلك. وتتلخص التطورات النظرية Les développements théoriques لهذه المسألة/الإشكالية  والتدابير العملية المطلوبة في العبارة التالية    "التربية على المواطنة الديمقراطية". على الرغم من أن هذه المسألة/الإشكالية تم الترويج لها بعناية منذ مدة ليست بالقصيرة من خلال البرامج التعليمية، إذ أُقحمت وفُرضت التربية على المواطنة الديمقراطية في رومانيا عبر المناهج الدراسية التي تمت صياغتها بعد عام 1990. فضلا عن سلسلة من الإجراءات التي تهم تعليم الكبار، عن طريق أنشطة تربوية نظامية وغير نظامية على قدم المساواة.
  تستمد التربية على المواطنة الديمقراطية في النظام التعليمي الروماني شرعيتها وفقا لاتفاقية لرؤساء الدول والحكومات (فيينا، 08-09 أكتوبر 1993) والمبادئ التوجيهية التي اعتمدت في مؤتمر وزراء التربية والتعليم بأوروبا (مدريد، 23-24 مارس 1994). وتعرض هذه التقارير لمعنى توافقي خاص مفهوم التربية، بما في ذلك:
-         التربية عملية تسهم في مناهضة الأفكار التي تتنكر للقيم الديمقراطية، ( على سبيل المثال: التطرف الذي يتبدى من خلال العنصرية وكره الأجانب والعنف ...إلخ )؛  
-         التربية تساعد على تحديد "مصادر القلق" الخاصة بالحياة الشخصية للأفراد في علاقة بالسياقات السوسيوسياسية les contextes sociopolitiques؛
-         التربية مذهب من المذاهب التي ترنو إلى تطوير المجتمع الديمقراطي من خلال تعزيز التفكير النقدي، وقبول الآراء المختلفة، وتعلم الاستراتيجيات بغية بلورة حلول سلمية "غير عنيفة" للصراعات الاجتماعية؛
  والحال أن التربية على المواطنة الديمقراطية تروم تكوين وتطوير الكفايات لدى الفرد، من أجل ضمان مشاركته النشيطة والفعالة في الحياة العامة (كالمشاركة في الانتخابات، التأثير في القرارات السياسية عبر التدخل الإيجابي، الدفاع عن القانون كممارسة، والسلوك المناسب والمسئول في المجتمع على حد سواء). لعل الممارسة المواطناتية الديمقراطية تتجسد في إعداد المواطن من أجل مواجهة السلطات العامة، دون أي تمييز. وفي هذه الحالة، تتبدى السلطة التشريعية لاتخاذ القرار والتصرف طواعية.
   إن الديمقراطية التشاركية La démocratie participative على حد تعبير (جون ديوي J. DEWEY 1990) ليست مجرد مظهر أوشكل من أشكال الحكومة ! وهي كذلك، في المحل الأول، أسلوب عيش من خلال تقاسم الخبرات والتجارب، وبعبارة أخرى، إن الديمقراطية هي وسيلة للحياة.
   وغني عن البيان أن الناس يفكرون ويتداولون بشكل جماعي حول معظم المشاكل والمشاريع التي يتقاسمونها، ثم تتخذ القرارات بشكل مباشر من لدن أولئك المتضررين من تبعات هذه المشاكل، وهذه الرؤية، على أي حال، لها حدود خاصة بها. فهناك شريحة واسعة من الناس يتصرفون وفق سلسلة من الحقوق والقوانين، إلا أنه من المستحيل بالنسبة للجميع المشاركة بنشاط وبشكل مباشر في اتخاذ جميع القرارات التي تهمهم وتؤثر فيهم. وعليه، فإننا نشهد بداية استبدال أشخاص بـ"السلطة"؛  وهو فعل ينطوي، بمعية المواطنين، على المعرفة وحرية التعبير والمسئولية.
   ومن المنظور التربوي، لا يعني إعداد الأفراد لمجتمع ديمقراطي فقط اكتسابهم المعارف حول آليات الديمقراطية وميكانيزماتها، ولكن تدريبهم على المهارات جديدة والمواقف أيضا. والحقيقة أن التربية على المواطنة الديمقراطية تعزز الثقافة الديمقراطية، وتقوم على مبدإ توزيع المسؤوليات، والتفاهم المتبادل l’intercompréhension، كما ترنو التخفيف من حدة الصراعات. ونعرض هنا لأهداف التربية على المواطنة الديمقراطية الأساسية؛
·        إشاعة ثقافة النظام القيمي (التعددية، وحقوق الإنسان، والتعاون والمشاركة والتسامح، والاحترام ، الخ.)؛
·        تمكين الفرد من القدرة على التواصل وتدريبه على اتخاذ المبادرة قصد التغيير واتخاذ القرارات المسئولة؛
·        تكوين الفرد على أساس تشكيل المواقف الإيجابية لديه، وكذلك إقداره على تحمل المسئولية داخل المجتمع وإظهارا للتضامن والثقة؛
·        أخذ بيد الفرد من أجل إظهار نوع من المرونة تجاه للآخرين، واحترام ثقافتهم، والبحث عن حول سلمية (غير عنيفة) للوضعيات التي تشكل جوهر المشكل.
   على ما يبدو فالتربية من أجل المواطنة الديمقراطية تعد مجموعة من الممارسات والأنشطة التي يكون هدفها الأساس هو تدريب الصغار والكبار على حد سواء على المشاركة البناءة بنشاط في الحياة المدنية، عبر قبول الحقوق والواجبات (المسئوليات) وتنفيذ ها تجاه مجتمعهم. وهذا النوع من التربية، لا هو بمادة دراسية بعينها، ولا هو نشاط من الأنشطة التعليمية التعلمية المنصوص عليها ضمن المنهاج الدراسي، أو حقلا من حقول المعرفة، ولا هو بشكل من أشكال العمل الاجتماعي، ولا هو بنموذج تربوي/ تعليمي مرادف للتربية عل حقوق الإنسان والتربية السياسية أو تربية النخب l’éducation des élites.. وإنما هذا النوع من التربية يعتبر هدفا رئيسا للسياسات التعليمية والتربوية، والمصممة في سياق التعليم المستمر والذي يخضع لجل الأبعاد السالفة الذكر.
         ويمكننا القول أن هناك ثلاث طرق لتحقيق التربية على المواطنة والديمقراطية في المؤسسات التعليمية، وذلك عبر:
·        إدراج اللحظات البيداغوجية، وتحديد الأماكن المناسبة، واقتراح الفرص التي يمكن للتلاميذ أخذ المبادات من خلالها وعبرها، وذلك خارج أنشطة التدريس في حد ذاتها؛ (الأنشطة الموازية بالدرجة الأولى)
·        تفعيل الحياة المدرسية، و بخاصة تفعيل جميع الوضعيات التي تؤسس لها المدرسة باعتبارها وسطا اجتماعيا بامتياز، وكذلك تفعيل نظامها الجماعي، واحتواء الصراعات البين – شخصية لأفراد المجتمع المدرسي، وأيضا اللحظات والفرص المتاحة للتعاون أمام المتعلمين؛
·        إعداد الحصص الديداكتيكية التي من خلالها تتحقق أهداف تعليم وتعلم المواد الدراسية ذات الأهداف المميزة للمجتمع الديمقراطي.
  يشجع هذا النوع من التربية، ومع كثرة العلاقات المتبادلة المحفّزة، ذاك التعلم الذي يمتد إلى ما وراء الإطار الشكلي للأنشطة الدراسية الرسمية، وتتحدد كل هيكلة من الهياكل التنظيمية للمدرسة بحسب دورها الضروري والمتجسد في تحقيق تربية تنشد المواطنة في بعدها الديمقراطية.   

2.     تعلم المواقف والسلوكيات الديمقراطية في المدرسة؛
   لا يمكن للتلميذ أن يتعلم السلوك الديمقراطي إلا في بيئة تعليمية سليمة ومناسبة. وعموما، نعتبر أن جل المدرسين الذين لديهم مواقف استبدادية تجاه تلامذتهم يتخذون بشكل كلي القرارات المرتبطة بسيرورة التربية والتكوين؛ كالأشكال التنظيمية والجدول الزمني وكيفية التعامل مع المهام وما إلى ذلك.. إنهم فئة من المدرسين الذين يحبذون الإدارة المفرطة للفصل الدراسي، ويفضلون الأنظمة التعليمية التعلمية الجامدة، بالإضافة إلى أسلوبي الطاعة والعقاب.
   غالبا ما يتم الخلط بين عفوية وفضول المتعلمين من جهة والوقاحة وعدم احترام القواعد من جهة أخرى والتي يجب أن يعاقبوا على إثرها. واقتناعا منهم بضرورة اعتماد مواقف قاسية وغير متسامحة فيما يخص قيادة المتعلمين، فالمدرسون يحاولون السيطرة على الوضع من خلال مراقبة مستمرة صارمة مع عدم السماح بأي انحراف أو زيغ عن التنظيم. وتعتبر معارف المدرسين وآرائهم وقراراتهم يقينية غير قابلة للنقاش.
   يذهب جل المربين إلى حد الإدعاء بأن تبني مثل هذه الأساليب العقيمة أثناء الممارسة التربوية، والتي تجد لها مكانا في المدرسة التقليدية، حيث أن مثل هذه أساليب تؤدي بالتلاميذ إلى السقوط في الانقياد والخضوع، كما تفضي بهم إلى التكيف السلبي، واكتساب مواقف تفتقر إلى روح النقد والتمييز والتمحيص، وبالتالي تثير في نفوسهم الخوف من الفشل الذي يؤثر لاحقا في مشاركتهم الفعلية في حياة المجتمع الديمقراطي. من المؤكد أن الأمر يتعلق بنهج سلبي من قبل المدرسين، حيث لا ينبغي أبدا للمدرسة الحديثة التسامح مع تطبيقه وتبنيه.
   ويمكننا أن نفكر في معنى آخر لسلطة المدرسين، إذ يجب أن نعتبرها (أي السلطة) كتطبيق لقدراتهم على أداء دورهم المنوط  بهم بنجاح، وهو الأمر الذي يحول دون تغيير مفهوم السلطة إلى الاستبداد. يجب علينا التمييز بين السلطة والموقف الدكتاتوري، لأن السلطة تستبعد القمع التعسفي la répression arbitraire، مع التركيز على مفهوم الرضا استنادا إلى مبدإ الموافقة عوض الإكراه. كما يجب علينا ألا نقرنها، بديهيا، بالصرامة والقسوة الشديدتين، وبالمقابل وجب ربطها بالحزم والفعالية.
   إننا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إن المدرس لا يبدي سلطته إلا أمام تلاميذ يتمتعون بالحرية ويتحلون بالمسئولية، ولعل التركيز المفرط على تحقيق مبدإ هذه المسئولية على حساب ضمان حرية التلاميذ يقود حتما إلى الدكتاتورية، وبالمقابل، فعندما نفرط في السعي إلى  ضمان حرية التلاميذ على حساب تحقيق مبدإ المسئولية لديهم فذلك يؤدي بالضرورة إلى الفوضى. وإجمالا، فهاتين الحالتين تمثلان ما يسمى ب " نفي السلطة " أي أن الوضعيتين السابقتين هما ضد السلطة. يُظهر المدرس سلطته بموجب النظام الأساسي الذي ينظم علاقته مع الجماعة الصفية فضلا عن كفاياته المهنية، مما يمكنه من الحصول على اعتراف من لدن المتعلمين من خلال الموافقة الصريحة وبشكل طوعي، طبعا، وليس عن طريق الإكراه. علاوة على الأفكار والضوابط أو المبادئ التوجيهية التي تسهم في الحصول على موافقة المتعلمين، أكثر من ممارسة السلطة الحقيقة. بهذه الطريقة، فإن السلطة لن تشكل كيفما كان الحال تهديدا، ولكن، على العكس، ستغدو شكلا من أشكال توجيه الجهود الرامية إلى تعليم التلاميذ، وهي جهود موسومة بالملائمة والفعالة، وتعتبر من المحددات الرئيسة لاستقلالية الفكر، والمبادرة والمشاركة والتعاون واتخاذ القرار المستقل، هذه المحددات تتألف من الصفات الأساسية  للفرد، هدفها ممارسة المواطنة الديمقراطية.
   ويمكن للمدرسين أن يسهموا في تشكيل شخصيات ديناميكية، ومبدعة، وقادرة على تلبية المتطلبات المعقدة للمجتمع الديمقراطي، في حالة ما إذا تصرفوا بطريقة حازمة ومرنة في نفس الآن، وكذلك مفتوحة على تعدد الأفكار والأفعال.
3.     الإسقاطات المنهجية؛
   عرف النظام التعليمي الروماني، بعد سنة 1990،  إصلاحات كانت كلها ترنو تحرير هذا النظام. ومن الجدير بالذكر أن التربية على المواطنة الديمقراطية تم اعتبارها عنصرا أساسيا من عناصر المنهاج الدراسي. في هذا الإطار، يتم إدماج روح التربية على المواطنة الديمقراطية من خلال إدخال تخصصات التربية المدنية Education civique ( المستوى الدراسي الثالث والرابع ابتدائي ) والثقافة المدنية      ( المرحلة الإعدادية )، مما يساعد على اكتساب معارف حول المجتمع، وحقوق الإنسان والديمقراطية والنظام السياسي، وهلم جرا.
   ويكمن السبب الرئيس الذي من أجله تم إدراج هذه التخصصات في سيرورة المنهاج الدراسي في كون المتعلم الصغير بدوره مشاركاً في هذا النوع من التربية، بفضل انتماءه للأسرة من جهة وعضويته في الجماعة الصفية (جماعة اللعب والتعلم )، وكذلك بفضل الصلات النوعية التي تربطه بمختلف المؤسسات والمنظمات المجتمعية التي يعيش فيها ( المدرسة، جمعيات المجتمع المدني، المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ..إلخ ). بعد ذلك، يمكن، بل، يجب أن تبدأ عملية التنشئة الاجتماعية في وقت مبكر من حياة الطفل/المتعلم، فالبيان الذي أدلت به هذه التخصصات يلبي حاجة عميقة وعملية لتحقيق الإدماج وتفعيل العمل في المجتمع (السلوك المناسب في مجتمع ديمقراطي) بما يتفق مع قيمه.
   يمثل إدخال التربية المدنية بوصفها تخصصا ديداكتيكيا ضمن سيرورة العملية التعليمية التعلمية بالمدرسة الابتدائية، بداية المسئولية الاجتماعية للمتعلم(ة)، وهو التغيير الذي يمكن أن يساعد على تحقيق السلوك الاجتماعي المرغوب فيه، والمواطنة الصالحة والمشاركة المجتمعية المنشودة.
   لقد تم تطوير وتحضير المنهاج الدراسي الخاص بالتربية المدينة، بمراعاة الشروط الواردة في نص قانون التربية والتعليم، الذي يخص أهداف وغايات التعليم. ووضعية التربية المدنية ضمن المنظومة التربوية التعليمية (المنهاج الدراسي) بشكل عام وبالمستويين الثالث والرابع ابتدائي بوجه خاص، لها ما يبررها:
ü     الحاجة إلى جعل المتعلمين الصغار يستأنسون بممارسة السلوك المدني في مجتمع ديمقراطي، أي ممارسة سلوك نشط، مسئول، متسامح، منفتح، تواصلي ويقض، ثم قابل للتقييم الذاتي.
ü     الحاجة إلى محو الأمية المدينة L’alphabétisation civique  لدى المتعلمين والمتعلمات، وذلك بجعلها مألوفة لديهم/هن، عبر الحوار ومواضيع خاصة وأنشطة تعليمية تعلمية محددة.
ü     إمكانية تعزيز الخبرة الخاصة بعمر محدد عبر إبراز الأبعاد الوجدانية والسلوكية المرتبطة بالتحفيز على المشاركة والتواصل المسئول.
   تتكون محتويات التربية والتعليم التي تروجها مادة التربية المدينة بالمستوى الثالث ابتدائي على سبيل المثال، من المعارف المرتبطة أساسا بالصفات الأخلاقية للفرد     ( الثقة/ عدم الثقة بالنفس والآخر على حد سواء، الاحترام/ نقص في الاحترام أو الازدراء، الشجاعة، التعب، الخير والشر، الصدق والكذب .. ) وبعلاقات الفرد بالأشياء والكائنات ( الحاجات، الاتجاهات والمواقف ..إلخ ) وعلاقته بالآخر             ( جماعات الانتماء: الأسرة، جماعة اللعب، الجماعة الصفية/جماعة التعلم، الجماعة الدينية ... ) وعلاقته بقواعد الجماعة التي ينتمي إليها، فضلا عن واجباته والتزاماته     ( خاص بالمستوى الرابع ابتدائي )، وترتكز المحتويات الدراسية على المواضيع التالية: نحن والغير، الوحدة، المجتمع والدولة. ولتحقيق هذه المواضيع، اتخذنا كنقطة انطلاق الفكرة التي تنص على أن الموضوع الرئيس هو الفرد، وتحليلها من خلال الصفات والقيم والمواقف المرغوب فيها. كما سلطنا الضوء على إشكالية الفرد فقط في المرحلة الابتدائية من التعليم الأساسي، لأنه، في المرحلة الإعدادية، يتم التركيز على كل من الدولة والمجتمع المدني وحقوق وواجبات المواطنين. وفي الآن ذاته، سوف تدفع محتويات هذه المكونات الدراسية المتعلم(ة) إلى معرفة وفهم دقيق لمشكلات المجتمع، كخطوة هامة نحو التنشئة الاجتماعية.
   ابتداء من السنة الدراسية (2003-2004) أصبح من الممكن توظيف برامج التربية المدنية الخاصة بالمستويات الخامسة والسادسة (من التعليم الابتدائي) كمنهج لاتخاذ القرارات المدرسية في إطار النظام التربوي. وتمثل هذه البرامج الدراسية معطى منهاجي Offre curruculaire  يركز أكثر على التربية الأخلاقية والمدنية. في نفس الوقت، تؤكد البرامج الدراسية للسنة الأولى من التعليم الإعدادي الروماني على ضرورة استمرار طريقة التنشئة الاجتماعية تساوقا مع خصوصية التربية المدنية في الأقسام الابتدائية بل وتعميقها وترسيخها وذلك عبر:
أ‌.        المعارف المرتبطة بالقيم والمواقف والمعايير والصفات الأخلاقية للفرد؛
ب‌.   فهم خصوصيات المعايير الأخلاقية؛
ت‌.   التفكير النقدي في المعايير والقيم والسلوك الأخلاقي؛
ث‌.   تشكيل المواقف والسلوكات الأخلاقية، وتنفيذها في سياق أنشطة التعلم.
  في ضوء انخراط دولة رومانيا في الاتحاد الأوروبي، ومن خلال تدريس الثقافة المدنية، لم يتم فقط التركيز على شرح المفاهيم الخاصة بهذه الثقافة، بل تم التركيز أيضا على تطوير بعض طرق التفكير، وتعزيز القدرة على إدراك واقع الحياة الوطنية والدولية من أجل بناء عالم حيث يتم التعرف على حقوق الإنسان والطفل واحترامها. وعلاوة على ذلك، فإن الانضباط la discipline يسهم في رسم ملامح الشراكة بين المدرسة والمجتمع وتطويرها، الشيء الذي يقدم الدعم لتطوير المواطنة الفعالة في سياق الاستجابات الملائمة لاحتياجات المجتمع.
   تم تصميم المناهج الدراسية لبرنامج السنة الثانية إعدادي بحيث أن عملية تعريف المتعلمين بخصوصيات التربية المدنية الواردة في برامج السنة الثالثة والرابعة والخامسة، يتم تناولها والتعمق فيها عبر:
أ‌.        تدقيق المعارف المرتبطة بالحقوق الأساسية للطفل في المؤسسات والمنظمات التي تهتم بترويج وتعزيز هذه الحقوق؛
ب‌.   الاعتراف بمبادئ وحقوق الطفل؛
ت‌.   التفكير النقدي فيما يخص كل من العلاقة القائمة بين الحقوق والمسؤوليات     وحالات الامتثال/العنف ضد هذا التفكير.
ث‌.   تشكيل المواقف والسلوكيات الديمقراطية، وتنفيذها في سياق أنشطة التعلم التي تعتمد النماذج الديمقراطية كنقطة مرجعية.
   تتكون محتويات المكون التربوي (التربية والثقافة المدنيتين) بالمستوى السادس ابتدائي من معرفة الطفل والاطلاع على عالمه الخاص وحقوقه، كما تتكون هذه المحتويات على الوثائق الدولية المتعلقة بهذه الحقوق والمبادئ التي تستند إليها،  وعلى شروط التعزيز والدفاع عن حقوق الطفل وما إلى ذلك.
   تأتي ضرورة إقحام دروس الثقافة المدنية والتربية على المواطنة في المستويات الدراسية (السابعة والثامنة إعدادي) في إطار تعزيز وتعميق الثقافة الديموقراطية بشكل عام بكل تمفصلاتها؛ المسئولية والتسامح والتواصل إلخ...
   إنّ الإلمام بخصوصيات التربية المدينة يتم عادة، وبشكل مسبق، في الأقسام الأولى من التعليم الابتدائي، وبعد ذلك يتم التعمق في أدبيات هذا المكون التربوي ن طريق:
أ‌.        معرفة الناس والمجتمع والدولة؛
ب‌.   نقل القيم والأعراف الاجتماعية؛
ت‌.   التفكير النقدي في القيم والأعراف الاجتماعية؛
ث‌.   تشكيل المواقف والسلوكيات، وتنفيذها  في سياق أنشطة التعلم التي تتخذ كمرجع لها الممارسات الديمقراطية.
   لقد تم تصميم منهاج الثقافة المدنية للمستويات الدراسية السابعة والثامنة إعدادي كسيرورة ديداكتيكية استمرارا للمكتسبات السابقة. والجدير بالذكر أن هذه المادة الدراسية تُفهم على أنها: " مادة تُركز على بعدي تداخل المواد والثتاقف، الأمر الذي يضمن الانفتاح على عوالم أخرى والمرونة والتواصل مع الآخر، مع الأخذ بعين الاعتبار خبرات المتعلمين والمتعلمات  والذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تعزيز إيجابي لهذه الخبرات ". (L. Vl_sceanu, coord., 2002, p. 215)
   الحال أن محتوى البرامج التعليمية الخاصة بالتربية المدنية تمتح من المعارف المرتبطة أساسا بالحياة الاجتماعية والمواقف والعلاقات الشخصية داخل الجماعة، والأسرة، وحقوق الإنسان، والنظام السياسي في بلدنا (أي رومانيا)، والمؤسسات والممارسات الديمقراطية، وسلطات الدولة والعلاقات بين المواطن والدولة وحقوق وواجبات المواطنين وما إلى ذلك.
   في المستوى الدراسي الثامن إعدادي، ومن خلال مبادئ ومفاهيم الديمقراطية (على سبيل المثال، السلطة والمسئولية، والعدالة، والحرية، والملكية...)، تتابع نقاشات تربوية دقيقة حول القيم/المبادئ الديمقراطية وسبل تنفيذ أهداف  النظام السياسي الديمقراطي، والتي استضمرها المتعلم(ة) وتدرب عليها وألفها.
   تتكون مضامين ومحتويات برنامج مادة التربية والثقافة المدنيتين (للمستوى الدراسي الثامن إعدادي) من المعارف ذات الصلة بالسلطة سواء في الفضاء العام أو الخاص، والمعارف المتعلقة أساسا بشكل العلاقة التي تربط المواطنين بالسلطة وتربط، كذلك من جهة، عواقب الفشل بسوء استعمال الحرية، ومن جهة أخرى الحرية بالمسئولية والعدالة بالمساواة والوطنية بالاندماج الأوروبي ...
   إن المواضيع التعليمية التعلمية التي تدور رحاها حول التربية المدنية والمرتقب تدريسها في المستويات الدراسية السابعة والثامنة تتماشى وأفكار مجتمعنا الروماني؛ كالمساواة، وحق الاختلاف في الرأي وحق المنافسة، والتعدد الثقافي، والتسامح، والملكية الخاصة، واقتصاد السوق، والهوية الشخصية في تعقدها، والاندماج والتقبل في فضاء شاسع يتجاوز البعد المحلي إلى ما هو كوني ويتميز بالسلطة الروحية في نفس الوقت.
   وبصرف النظر عن التخصصات التي تحدثنا عنها سابقا، والتي تمت دراستها في التعليم الابتدائي والإعدادي، فهذا المنهاج الجديد الخاص بتدريس التخصصات في المدرسة الثانوية يمكن أن يسهم، بدوره، في إحياء مبادئ التربية من أجل المواطنة الديمقراطية وترسيخ أسس علم الاجتماع، والاقتصاد، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا، وما إلى ذلك.
   لم يكن التركيز العام منصبا فقط في إدخال أهداف محددة للتربية من أجل المواطنة الديمقراطية في البرنامج الدراسية والتخصصات الأخرى، ولكن أيضا كان الشغل الشاغل للمهتمين بالمنهاج الدراسي هو توفير المعرفة للمتعلم(ة) عن الإنسان والطبيعة. وبالنظر إلى السلوكيات والعلاقات التي تربط الأفراد فيما بينهم، فقد لفت عدد كبير من التخصصات الدراسية انتباه الديداكتيكين إلى تطوير المهارات التي تمكن من ترسيخ أسس الحوار والمشاركة والمساءلة.
   كما لا يغيب عن بالنا الدور الحيوي الذي تلعبه العلوم الإنسانية، من خلال دراسة المجتمعات في الماضي والحاضر. إن هذه العلوم نجحت في تيسير سبل وطرق فهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.. هذه الطرق تشمل البعدين التاريخي والإقليمي في ارتباط وثيق مع القيم والمفاهيم الإنسانية.
   إذا كانت العلوم الإنسانية تلعب دورها الطبيعي في تثبيت مبادئ التربية من أجل المواطنة الديمقراطية، فإن تخصصات تدريسية أخرى تدعمها بقوة وتسعى إلى تحقيقها. الحال نفسه نلمسه في اللغات الحديثة وتعليم الفنون: في الواقع، كل ما هو متعلق بالإبداع والخلق والتبادل الثقافي. إن تعلم لغة أجنبية، على سبيل المثال، يعني تعلم ثقافة وطريقة أخرى للتفكير وفهم العالم، ومنه يمكننا أن نبني تصورنا الخاص حول هذا العالم.
   لعل دراسة اللغات الأجنبية من شأنها أن تسهم في بناء وتطوير المهارات التواصلية لدى التلاميذ/الطلاب، وتساعدهم أيضا بشكل غير مباشر في الاندماج الاجتماعي، كما ترسخ لديهم التسامح الثقافي وما إلى ذلك.. وفي نفس السياق جاء برنامج اللغة الرومانية وآدابها، برؤية وأهداف جديدة تتساوق والتعليم المثالي؛ من قبيل تنمية الأفكار المبنية على أساس الفعل الديمقراطي، وتطوير كفاية حل المشاكل، وإنشاء مجموعة من القيم بما يتفق مع مجتمع ديمقراطي ذي فكر تعددي، وخلق موقف يتسم بالمسئولية وأخيرا تشكيل مهارات الاتصال. ومن المعلوم، تاريخيا، أن التلاميذ يكتسبون المعرفة ذات الصلة بالأشكال الماضية والتي تُأخذ من المؤسسات والنظم الحكومية والسياسية، ومن خلال الدور الذي تلعبه الدولة في المجتمع...
   من البديهي القول إن التربية لا تحقق أهدافها الأساسية إلا من خلال دراسة التخصصات الواردة في المناهج الدراسية الرسمية، أما تشكيل مواطن قادر على ممارسة الديمقراطية وهو مطلب أساسي، فلا يمكن أن يتحقق إلا في مدرسة تأسست وفقا للمبادئ الديمقراطية. ومدرسة من هذا النوع بات لزاما عليها أن تعمل على توفير البيئة المواتية لتنمية قدرة المتعلمين/ات على المشاركة في الممارسات الديمقراطية، وهذا الجهد الذي تقوم به - في هذا الاتجاه - لا يمكن أن يُختزل إلا فيما هو منصوص عليه في المنهاج الدراسي الرسمي. إن هذا النوع من التربية المرتكزة على العديد من العلاقات المتبادلة المحفزة، يعزز التعلم الذي يمتد إلى ما وراء أنشطة المناهج الدراسية الرسمية.
   يتم تحديد جميع الهياكل التنظيمية للمدرسة انطلاقا من دورها الأساسي في تحقيق أهداف العملية التعليمية برمتها. لكن لا يغيب عن بالنا أن هذه العلمية لديها تأثيرات تربوية على المتعلم(ة) سواء من خلال العمل المباشر، الذي يوجد في صميم العملية التعليمية ذاتها، أومن خلال الإجراءات غير المباشرة؛ عبر الأنشطة اللاصفية des activités extra curriculaires مثلا، أو انطلاقا من الوسط المدرسي نفسه، أو من خلال تنظيم وتعزيز الشراكة مع الفاعلين التربويين الآخرين وما إلى ذلك... كما تتحقق التربية على المواطنة الديمقراطية أيضا من خلال التعليم والمشاركة الديمقراطية في صنع القرار انطلاقا الفصول الدراسية، وروح المدرسة أو من خلال الخطاب الرسمي المروج في المجتمع المدرسي: الجو العام، الوعي الفرعي للمجموعة، الرموز المهيمنة، وأنواع التقاسمات، والمعارف... وتبقى جميعة التلاميذ والتلميذات لتنظيم الأنشطة المدرسية ومكافأة مبادرتهم فيما يتعلق بتسيير الأنشطة اللاصفية من جهتها، قادرة على خلق بيئة مدرسية تسوق  للسلوك الديمقراطي المنشود. في الواقع، ينطوي تحقيق مقاصد التربية بشكل عام على تعاون جميع الفعاليات التربوية التي تشكل السياق المدرسي العام. وبعبارة أخرى، فإن المدرسة التي تحقق النجاح المرجو هي تلك التي تحرض  المتعلمين/ات بشكل دائم للانخراط في أنشطة مدرسية فعالة، ليس فقط على المستوى الفردي بل أيضا على المستوى الجماعي. هي مدرسة ينبغي أن يُنظر إليها على أنها "مجتمع"؛ حيث يمكن اكتساب أدبيات السلوك الديمقراطي، وهي أيضا المكان المناسب الذي يصبح فيه التلميذ(ة) على دراية بمختلفة الطرق المؤدية إلى الاندماج السليم والسلس داخل المجتمع، من خلال الإشارة باستمرار إلى قيم التسامح والتضامن والمسئولية... إن تطوير التفكير النقدي واتخاذ القرارات والتفكير المستقل كلها عمليات تمثل شرطا أساسيا للمشاركة في الممارسة الديمقراطية. وبغض النظر عن مستويات الدراسة، ينبغي أن يُنظر إلى المدرسة كمكان لتشكيل المواطن الديمقراطي.
4.     خاتمة:
   باعتبار أهميتها الاجتماعية القصوى، تقوم المدرسة بمجهودات جبارة من أجل بناء أصول مؤسسة ديمقراطية، وذلك أولا، عبر القضاء على " الممارسات الاستبدادية " ذات الطبيعة الشمولية، وثانيا، عبر تعليم الأطفال كيفية اتخاذ القرارات بأنفسهم، واحترام الآخرين وتقدير نتيجة التفاعل مع الآخر، وإدراك ثم تتبع مصالحهم الخاصة، مع مراعاة مصالح الآخرين، والتصرف وفق مبادئ الديمقراطية والحرية، المسئولية، والمساواة، والعدالة، وروح المجتمع الخ..
   إن مظاهر فرط المراقبة والتوجيه تأتي إما من طرف المدرسين عينهم، أو من قبل التلاميذ/ات المجبرين على الوقوع في فخ  التكيف السلبي مع المدرسة. لهذا السبب فقد أصبح من الضروري خلق بيئة/مناخ مدرسي متساهل مع أفراد المجتمع المدرسي، يركز أساسا على الحرية التي تفترض كل من المسئولية والثقة والتعاطف.
   يقول (P. CANIVEZ (1990 عن المدرسة التي تؤسس لفعل المواطنة: "إنها تمثل المكان الذي يكف فيه الأطفال عن  الانتماء الحصري لنظام أسرهم، وذلك من أجل الاندماج في المجتمع الأوسع، الذي يجتمع فيه الناس معا، ليس بفعل الرابط البيولوجي ولكن بفعل الرغبة في العيش معا. وبعبارة أخرى، فالمدرسة التي تنشد تحقيق المواطنة هي التي تشيع ثقافة التعايش بين الناس على اختلافهم تحت سلطة نظام واحد، حيث الحاجة أضحت ملحة إلى تعليم الأطفال أسس احترام نظام معين، وبمجرد أن يعتادوا عليه، فإنهم يبادرون إلى الطاعة التلقائية.
   في الواقع، هي قضية حساسة، لأنه في المدرسة الحديثة، حيث العلاقات السائدة تستمد شرعيتها من مبادئ الديمقراطية، وروح الحرية والاستقلال الذاتي ومسئولية الفرد وهي أمور تحقق التربية المثالية. نستطيع القول بكثير من التأكيد، أنه عن طريق التنوع والطبيعة الفعالة للأنشطة المدرسية سواء الصفية أو غير الصفية، وبواسطة المحاكاة والعمل الجماعي، يمكننا تحديد روح المشاركة ودرجة الانخراط لدى المتعلم(ة)، الشيء الذي يؤدي إلى تجويد تكوينه الذاتي باعتباره فردا/إنسانا يستطيع تحمل مسئولية أداء المهمات المنوطة به في وقت لاحق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيبليوغرافيا

ALMOND, Gabriel, Verba, Sidney (1996) Cultura civica, Editura DU Style, Bucuresti.

AUDIGIER, Françoise (1991) Enseigner la société, transmettre des valeurs, Conseil de la coopération culturelle, Strasbourg.

BRAMELD, Theodore, (1965) Education as power, Holt, Rinehart and Winson, New - York, London.

CANIVEZ, Patrice (1990) Éduquer le citoyen ? Édition Hatier, Paris.

DEWEY, John (1990) Démocratie et education, Armand Colin, Paris.

ENGLE, S. H., Ochoa, A. S. (1988) Education for democratic citizenship : Decision making in the social studies, New York, Teachers College Press.

HOUSSAYE, Jean (1992) Les valeurs à l’école. L’éducation aux temps de la sécularisation, PUF, Paris.

ROWE, David (1992) The Citizen and the Law. Teaching about the Rights and Duties of Citizenship, in : E. Baglin Jones, N. Jones (eds.), Education for Citizenship. Ideas and Perspectives for Cross - Curricular Study, London, Kogan Page.

VLASCEANU, Lazar (ed.) (2002) Scoala la rascruce. Schimbare si continuitate in curriculumul invatamantului obligatoriu, t. I, Edit
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage