3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

البحث الجغرافي الجامعي بالمغرب وإشكالية النقل الديداكتيكي في المرحلة الثانوية التأهيلية

الخط


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
























البحث الجغرافي الجامعي بالمغرب
وإشكالية النقل الديداكتيكي في المرحلة الثانوية التأهيلية



مولاي المصطفى البرجاوي
باحث في ديداكتيك الجغرافيا-
جامعة محمد الخامس السويسي- كلية علوم التربية -الرباط
    يظل البحث الجامعي الجغرافي من القضايا الكبرى التي تؤرِّق الرأيَ العام التربوي، خاصة في ظل التراجع المَهُول في جودة الإنتاج التربوي، الذي يتناسب ومقوماتِ المنظومة الاجتماعية والاقتصادية، الذي يركز على الجانب النظري، ويهمش الجانب التطبيقي؛ مما حتم على الباحثين الجامعيين الانخراطَ في المساهمة في المنظومة التربوية، من خلال تكوين خلايا جامعية تربوية للرفع من جودة الإنتاج (مختبرات علمية - بحوث ميدانية...)، ولكن رغم هذه المجهودات الفردية، ما تزال المشكلة قائمة.
1- المشهد الجامعي المغربي: الشرخ بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق الميداني:
    لقد ارتبط التدريس والبحث الجغرافي بالتطور الذي عَرَفتْه الجامعة المغربية؛ حيث ظل الهدف منه تلبيةَ حاجيات الدولة من الأطر التعليمية، خاصة تكوين أساتذة التعليم الثانوي.
 وقد أتى قانون سنة 1982 م، الذي يقسم الإجازة إلى سلكين، مكيفًا في أهدافه العامة مع تلك الحاجيات، وذلك رغم الانفتاح النسبي الذي راعى فيه المشروع هامشًا لتكييف المواد مع التخصصات الجغرافية المتوفرة، مع العلم أن الاستمرار بالعمل في إطار الجذع المشترك بين التاريخ والجغرافيا - يطرح عدةَ مشاكلَ أمام إمكانية تقويم المردودية، ومعرفة المستوى الحقيقي للتكوين الجغرافي[1].
 فالسلك الأول يركز على الجانب المعرفي؛ بتلقين مفاهيم وأوليات في الجغرافيا العامة، أما السلك الثاني، فيركز على أهم فروع الجغرافيا، بالإضافة إلى موادَّ تطبيقيةٍ وأخرى تكميلية، لكن الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا الباب:
 التركيز على الجانب المعرفي؛ بتلقين محاضرات في المفاهيم وأوليات في الجغرافيا العامة.

 التركيز على الجانب المعرفي والنظري على حساب الجانب التطبيقي والبحث العلمي.
  ضعف المردودية والفعالية، وغياب التكيف والتلاؤم بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل.
 لكن ابتداءً من 2003، عَرَفت الجامعة إصلاحًا للبرامج والمضامين، ويندرج هذا الإصلاح في سياقات محددةٍ دولية ووطنية وتربوية.
      أما السياق الدولي، فيتمثل في أن المغرب أراد أن يوحد منظومته التربوية بنظيرتها في الاتحاد الأوروبي؛ نظرًا للروابط العلمية والاقتصادية بينهما، وهكذا ترتَّب عن التنسيق تطبيقُ منظومة تربوية جديدة؛ هي:
"إجازة - ماستر - دكتوراه (LMD)"؛ إذ أصبحتْ مدة التكوين تشمل ثماني سنوات، موزَّعة على سلك: الإجازة (ثلاث سنوات)، والماستر(سنتان)، ثم الدكتوراه (ثلاث سنوات).
    أصبح النظام التربوي الجديد يقترح على الطلبة مساراتٍ في التكوين، تنتظم في إطار فصول (Semestres)، يتكون كل فصل من وحدات (Unités)، وتتكون كل وحدة من مجزوءات، وهذا ما يصطلح عليه في أوربا: (CTS European Credit Transfert system).
   أما السياق الوطني، فيعبر عنه ميثاق التربية والتكوين، الذي يتوخى منح الأفراد الفرصةَ لاكتساب القيم والمعارف والمهارات، التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العلمية، وتزويد المجتمع بالمؤهَّلين لبنائه، وعلى ضوء ذلك، فإن الجامعة مطالَبة أيضًا بأن تكون مرصدًا للتقدم الكوني العلمي والتقني والإبداع، وقاطرةً للتنمية بفعل البحوث الأساسية والتطبيقية في كل المجالات.[2]
   أما السياق التربوي، فيرتبط بأجرأة مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، من خلال ربط مادة الجغرافيا بالمحيط "السوسيو - اقتصادي"، سواء على المستوى المنهجي والطرق الديداكتيكية والتجارب والبحوث التطبيقية، والقيام بتجارب تطبيقية في مادة "الجيومورفولوجيا"، "والجيو - بنيوية"، و"الكارطوغرافيا"، لكن تفعيلها كان محدودًا؛ أولاً لضيق الحيز "البيداغوجي" من خلال ما يسمَّى بنظام المجزوءات، وثانيًا للافتقار إلى الدعم المادي، ومشكلات الشراكة لتنظيم الخرجات التربوية والتطبيقات الميدانية، واتباع مقاربة تشاركية تنخرط فيها جهود الدولة والجامعة وجمعيات المجتمع المدني والتعاونيات والمصانع والمقاولات؛ مما جعل مضامين الميثاق صيحة في وادٍ، ونفخة في رماد!
 2- المشهد التعليمي الثانوي: بين آمال الميثاق وصعوبة التطبيق:
أ- الميثاق والإفادة من التعلمات المدرسية، وربطها بالمحيط الخارجي:
    إن انفتاح المدرسة على المحيط الخارجي - كما جاء في الميثاق - يعني تحويلاً لوظائف المدرسة والمدرِّس، وإعادة النظر في المحتويات والمعارف المدرسية نحو رؤية نفعية للتعليم[3]؛ إذ يحرص الميثاق على تطوير المناهج الدراسية لتتماشى مع التوجهات البيداغوجية الجديدة، التي تتوخى ربط التعلمات الدراسية التي يتلقاها المتعلم بوقائع محيطه المعيشي؛ حتى يتسنى له المساهمة في اتخاذ القرارات، وتحقيق ما يسمى بالتعلم العملي - الفعَّال.
 ب- مدخل الكفايات وقابلية تحويل التعلمات في الحياة اليومية:
    يوجز لنا "فيليب بيرينو" كُنْه التدريس بالكفايات بقوله: "إن النجاح في المدرسة ليس غاية في حد ذاته؛ إذ يجب على التلميذ في نهاية المطاف الدراسي أن يكون قادرًا على توظيف كل مكتسباته خارج المدرسة، في وضعيات متنوعة ومعقدة وغير منتظرة.[4]
    من هنا يتبيَّن أن إدراج مدخل الكفايات في التدريس في منظومة التربية والتكوين في المغرب، يتوخى منه بلورة مفهوم جديد للفعل التربوي، مبناه ليس حشد المعارف وتكديسَها في أذهان المتعلمين، بل تمكين هؤلاء من الإفادة من تعلماتهم المدرسية في حياتهم، وعلى ضوء هذا التوجه، فإن المقصد الأساس هو ردم الهُوَّة بين المعارف والقدرات ومتطلبات المحيط الاجتماعي والاقتصادي للمتعلم.

ج- أزمة المقاربة التطبيقية بين إصلاح المنهاج الدراسي وديداكتيك الجغرافيا:
إن الجغرافيا المدرسية لن تحظى بمكانة مهمة بين خريطة المناهج الدراسية ما لم تقدَّم بصورة معاصرة مفيدة للمتعلمين؛ فالمجتمعات المعاصرة تشكو من سوء مخرجات التعليم، وأصحابه يطالبون بتعلم أكثر نفعًا، وتحت وطأة هذه الظروف ينبغي أن يهتم المدرسون الجغرافيون بالتطبيقات العملية، وأن ينمُّوا لدى متعلِّميهم إطارًا واسعًا من المهارات الضرورية التي تعينهم على التعلم في عصر المعلومات، وتعينهم أيضًا على دراسة المشكلات الحقيقية، وفهمها في مجتمعاتهم وفي العالم من حولهم بصورة موضوعية[5].
     كما أصبح التعلم القائم على اكتساب المهارات الوظيفية أحدَ المداخل المهمة لتحقيق التعليم بصفة عامة، والتعليم الجغرافي بصفة خاصة، ووسيلة لانتقال أثر التعلم إلى مستوى التطبيق في الحياة اليومية والعملية للمتعلِّم[6].
    وبناء عليه، فإن تطوير تدريس الجغرافيا في التعليم الثانوي التأهيلي رهينٌ بتطوير البحث الجامعي الجغرافي، وهذا ما لامسناه من خلال التطور الأبستمولوجي للمادة في المرحلة الجامعية، التي تطرقت لقضايا جغرافية جديدة: (جغرافية البيئة - جغرافية التنمية وإعداد التراب الوطني...)، نجدها حاضرة في الكتب المدرسية الجديدة، لكن رغم الطفرة النوعية ما يزال البحث الجغرافي تعتريه جملةٌ من المنغِّصات، ولعل من أبرزها: الدعم المالي الكافي للبحث العلمي، وعدم تفعيل مقتضيات الميثاق التي تركز في المادة 40 على إحداث شراكات بين المؤسسات التربوية ومراكز التكوين؛ للربط بين الجانب النظري) الدروس النظرية(، والجانبِ التطبيقي) تجارب مخبرية، تجارب ميدانية.... (


[1] - محمد أنفلوس، أي تكوين جغرافي لأية مساهمة في وظيفة إعداد المجال؟ مجلة تانسيفت، العدد 2، ص100.
[2] - محمد الأسعد،2010، التقييم والقياس: حصيلة معرفية وتطبيقات عملية، منشورات مختبر الدراسات الجغرافية والتنمية المجالية، جامعة الحسن الثاني المحمدية الدار البيضاء، ص20 - 21 بتصرف يسير.
[3] - الحسن اللحية، 2000، مدرات إصلاح التربية والتكوين - مجلة التربية والتكوين - العدد 1 - صدرت بدعم من وزارة التربية والتكوين والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، ص73.
[4] - www.unige.ch/fapse/SSE/teachers/perrenoud
[5] - البرعي إمام، 2006، تعليم الدراسات الاجتماعية وتعلمها بين الواقع والمأمول، سوهاج، دار محسن للطباعة، ص 8.
[6] - خضر فخري، 2006، طرائق تدريس الدراسات الاجتماعية، ط1، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، ص15

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage