3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مصير المدرسة في عهد النيوليبرالية

الخط


هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا




























مصير المدرسة في عهد النيوليبرالية
الحسن اللحية

أولا:  التفسير الاقتصادي

يرى الباحث الفرنسي دومنيك بليهون أن العالم دخل الثورة الصناعية الثالثة، موضحا أن الرأسمالية مرت بحقب ثلاث هي مرحلة الآلة البخارية و السكك الحديدية والفحم والمعادن(1760-1875) لتصل إلى الكهرباء والبترول (1890-1965)، وأخيرا دخلت عصر البيوتكنولوجيا و التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال.
تعني تكنولوجيا الأعلام والاتصال الهاتف والسمعي-البصري والإعلاميات، ويعود أصل هذا التحول الثالث إلى الحرب العالمية الثانية مع اكتشاف الحاسوب والإعلاميات من قبل الإنجليز، وكان ذلك من أجل فك الرسائل الألمانية السرية، ومن قبل الأمريكان الذين أنتجوا القنبلة الذرية. وما نعيشه حاليا، المتمثل في شبكة الانترنت والإعلاميات، يشكل المرحلة الثانية من هذه الثورة التكنولوجية. في حين قد بدأت مرحلتها الثالثة المتجسدة في قواعد المعطيات التي تشكل بدورها رهانا اقتصاديا كبيرا(1).
تؤثر التكنولوجيات الجديدة، في نظر دومنيك بليهون، في مجموع المجتمع والاقتصاد بالمقارنة مع الثورات السابقة؛ مثلا أثرت الثورات السابقة عميقا في الفلاحة ثم المانيفاكتورا.إن الأمر يشبه السكك الحديدية في القرن التاسع عشر والسيارة في القرن العشرين، وحيث الاستهلاك المعمم للتكنولوجيات الجديدة فإنها حولت حضارتنا بفضل الشبكات العالمية والتكنولوجيا الرقمية.وبذلك ظهر مجتمع جديد تحتل فيه المعلومة والمعارف مكانة هامة.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال ثورة نشيطة عمت النسيج الاقتصادي الاجتماعي كله بدء بالتوزيع والبنك والمالية، وكذا مجالات أخرى كالصحة والتربية والتعليم، حيث انتقل دور الأستاذ من الوقوف أمام السبورة إلى الوقوف أمام جهاز إلكتروني. ومن جهة التلميذ فقد أصبح أمام كم كبير من المعلومات.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال مست مجالات اقتصادية تقليدية وفي الآن نفسه غيرت نماذج البحث العلمي وطرقه وتقنياته.
 وخلاصة القول إن الاقتصاد المبني على المعرفة وجد أساسا تكنولوجيا خاصا به ليتطور أكثر من حيث النجاعة المرتبطة بخزن المعلومات ومعالجتها وتبادلها، ومن حيث إمكانية تطور وتطوير الصناعات الجديدة كتعدد الوسائط التكنولوجية والبرانم والاقتصاد الالكتروني، ومن حيث الدعوة إلى تبني نماذج تنظيمية جديدة واستغلال امكانات جديدة في إنتاج و توزيع المعلومة(2).  
لم يكن قطاع الخدمات يمثل إلا نسبة قليلة خلال القرن التاسع عشر بالمقارنة مع الفلاحة والصناعة، لكنه أضحى يمثل نسبا مهمة مع نهاية القرن العشرين لنصل إلى تلاشي الحدود بين الممتلكات والخدمات.وهو ما يعني ظهور الاقتصاد اللامادي، حيث العلاقة المركزية تقوم بين الإنسان والفكرة والصور (3).لم تعد القيمة كل القيمة للملكية الفيزيائية عوض القدرة على على إعطاء منفذ لأداءات لا مادية، وذلك هو الاقتصاد المسمى باقتصاد المنافذ حسب جريمي ريفكلان (2000)، وهو اقتصاد عوض فيه تبادل الخيرات والممتلكات بنظام للمنافذ مراقب عبر إجراءات عديدة للاستئجار والامتياز وحقوق الولوج و الارتباط.إنه عالم عوض فيه نظام الولوج الملكية، وحل الاستئجار محل الشراء مثل المستهلك الذي لم يعد يشتري السيارة وإنما صار يستأجرها. بل إن التصور للاستهلاك نفسه تغير بالنسبة للمقاولات حتى يتماشى والتغيرات الحاصلة من جراء تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وحيث لم يعد المنتوج المادي إلا كحامل لتوزيع الخدمات وإقامة علاقة خدماتية مستديمة بين الزبون والمقاولة. وهذا ما يفسر بيع المنتوج من قبل المقاولة بأقل من ثمنه الحقيقي كما هو الحال عند الشركات التي تستغل رخص الهواتف النقالة.ثم إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال سمحت للمقاولات بتكييف عروضها مع متطلبات الزبناء.إنها ثورة فعلية تجسد الانتقال من الإنتاج الموحد المعمم إلى إنتاج الخادمات النوعية كما يحدث في الابناك مثلا(10). غير أن أهم التحولات الناجمة عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تتجسد في تنظيم المقاولات في شبكات، وذلك ما أثر فعليا في طرق العمل والتنظيم الداخلي للمقاولات.
لقد كان الإنتاج في المقاولات التقليدية يعتمد التسلسل حسب التصور التايلوري، بينما صار في المقاولات التي تنتمي للعالم الصناعي الجديد يقوم على المرونة؛ أي التكيف المستمر مع تطور الطلب على الخدمات الخاصة نتيحة انتشار تكنولوجيا الإعلام والاتصال والتجهيزات المبرمجة والتجديدات التنظيمية. ثم إن المقاولة لم تعد هرمية التنظيم لتأطير آلاف العمال لأنها أصبحت ذات علاقات أفقية. ووفق هذا المنظور انتقلت المقاولة، بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، من الهرمية ومركزة المعلومة إلى نموذج تفاعلي تكون فيه المعلومة موزعة بين الجميع. ولذلك يعمل هذا التدبير الجديد على تعبئة جميع الذكاءات لصالح خدمة الحاجات الجديدة للزبناء(5).
هناك داع آخر لفهم ما يحصل في مجال الكفايات يتمثل في تحول المقاولات نحو الرأسمال الفكري، وهو ما يعني أن الرأسمال المادي صار ثانويا. فالمقاولة غيرت النموذج الإنتاجي؛ إذ كان هذا النموذج مع التايلورية استاتيكيا يقوم على أساس التوزيع التقني للعمل، وحيث العلاقة قارة بين الآلات والمنتجات، فإن المقاولات الجديدة تسعى إلى توزيع العمل وفق منطق فكري لأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تلعب دورا أساسيا في هذا التهافت على المعارف.
لقد بدا في هذا العالم الصناعي الجديد أن هناك مصدرين للنجاعة بالنسبة للمقاولة هما الإبداعية التقنية و المهارة التجارية. فالمناصب المخولة للإنتاج مافتئت تتناقص بفعل الاوتوماتيكية وصار الشغل يتمركز حول التصور لإبداع منتجات جديدة وتقنيات إنتاجية جديدة أكثر تنافسية، وحول مهام توزيع تلك المنتجات.
لاشك أن العصر الصناعي الجديد يقوم على تنامي المردودية وتنامي اقتصاد المعرفة، حيث صار الرأسمال الاحتياطي للتربية والتكوين والبحث التنموي والصحة أهم من احتياطي التجهيزات، وهوما يفسر القول بتحول الاقتصاد نحو المعرفة المطبوع بسيرورة الإنتاج والمعالجة ونشر المعارف وكل ذلك أضحى يتم عن طريق الانترنت.
إن خاصيات التكنولوجيات الجديدة واقتصاد المعرفة يقود إلى القول بالنموذج التنافسي المطلق، وذلك ما يطرح مشكلة التحكم في السوق وتنظيمه وتعديله ودور السلط العمومية في الاقتصاد المعاصر. تستعمل المقاولات في هذه الحرب كل الأسلحة الممكنة لبلوغ أهدافها مما يعنى أن المنافسة المطلقة مقيدة بشروط غير شروط المنافسة المطلقة (6).
وما تجب الإشارة إليه أن التكنولوجيات ورؤوس الأموال والخدمات تتجاوز كل الحدود الممكنة للدول وبسهولة لا يمكن تصورها.
لقد مر الاقتصاد من الإقليم والمكان الجغرافي إلى السبير-فضاء.إنها سرعة جديدة يدخلها عالم الاقتصاد منذ نهاية 1970 إلى اليوم، وهي سرعة تتلاءم وسرعة الاستهلاك ، بحث أن المنتجات الالكترونية لبعض الدول لا يتجاوز عمرها الثلاثة أشهر (7)  .لكن ما يهم في التكنولوجيات الجديدة ليس المكان الجغرافي ما إذا كان بعيدا أو قريبا، لكنها سرعة التنفيذ والأداء والتماهي مع سرعة الضوء. فاقتصاد الوقت أهم من أي اقتصاد آخر. والخلاصة أن التكنولوجيات الجديدة جرت معها تحولات كبيرة وعميقة أثرت على المقاولات والاقتصاد والمجتمع. ويجمل دومنك بليهون كل ذلك التأثير فيما يلي:
1- صارت المعرفة عاملا رئيسيا في التنمية.
2- خضعت المقاولات لتحولات عميقة.
3- تسارع النموذج العولمي.
4- تأزم النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على التوحيد.
ولم يغفل الكاتب العولمة المالية التي جعلها الوجه الآخر لتكنولوجيا الإعلام والاتصال. وعرفها بالقول كسيرورة على اعتبار أنها سيرورة تربط العلائق والاتصالات بين أسواق رؤوس الأموال على المستوى العالمي، محرضة على ظهور سوق عالمية موحدة للنقود.
ليست العولمة ظاهرة جديدة لأنها تعود إلى القرن الخامس عشر في نظر المؤرخين، لكنها في الاقتصاديين تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث ظهور المبادلات التجارية بين أوربا والعالم الجديد الأمريكي.يكنه رد ميلادها الحقيقي إلى 1914-1918 لما انتصرت الرأسمالية عالميا.
ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ساد الاعتقاد، بعد أزمات اقتصادية كثيرة، بأن الدول ليست في المستوى لتدبر الاقتصاد؛ ولذلك يجب أن تعطي الأولوية للأفراد والمقاولات في التدبير الاقتصادي، ووحده السوق المالي المحرر من القيود قادر على خلق الاستثمار والتنمية.وذلك هو مضمون الأفكار التي تنبني عليها اللبرالية الجديدة (8) التي تستهدف توحيد المكان بربطه بشبكات الاتصال، والزمان بجعله متواصلا ليلا ونهارا.
ولم يغفل المؤلف علاقة الأسواق المالية بالتكنولوجيات الجديدة مثل الحاسوب وشبكات الاتصال والبرانم والإنترنيت إلخ... وما تقوم به هذه التكنولوجيات من معالجة ونقل آلاف المعلومات في أزمنة قياسية، وتقييمها للأثمنة في كل لحظة من اللحظات وتحويل المعلومات ونقلها عالميا.إنها ثورة متبادلة بين تكنولوجيا الإعلام والاتصال والأسواق المالية.كما لا ينبغي أن نغفل، في نظر الكاتب، بأن المالية صناعة تتأسس على معالجة المعلومة؛ لذلك فإن السوق المالية ترتبط ارتباطا كبيرا بالتكنولوجيات الجديد.ولكن كذلك أصبحت أسواق المال تتحكم في سيادة الدول وتزيح رمز عملتها الوطنية كما حصل للمكسيك وكوريا الجنوبية والبرازيل والأرجنتين منذ 1993. فما يحصل من أزمات مالية وطنية يعني فشل السياسات الماكرو-اقتصادية الوطنية وخضوع الدول لاستبداديات الأسواق، حيث صارت البنوك المركزية للدول مستقلة عن السلطة السياسية الوطنية (9) وخاضعة لمتطلبات سوق مالية عالمية.
ويخلص الكاتب دومنيك بليهون في الفصل السادس من كتابه إلى أن تطور التكنولوجيات الجديدة وسيادة القوة المالية العالمية وظهور نظام رأسمالي جديد كلها عوامل ستحدث تحولات عميقة في المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وبالتالي ستعرف معها المجتمعات أشكال جديدة من اللامساواة.
فقد سادت في النظام الرأسمالي القديم الفوردية كشكل تنظيمي يتحدد من خلال ثلاث خاصيات هي أولا؛ خاصية تمركز المؤسسات، ثانيا؛ خاصية العلاقات الاجتماعية القارة، ثالثا؛ خاصية القيم الاجتماعية الجماعية القوية. وأما مع مجئ (مجتمع الشبكات)، حسب تعبير السسيولوجي مانويل كاستيل، مع عصر الإعلام فقد أصبحت اللامركزية هي الخاصية المميزة للعلاقات في المقاولة والعائلة والدولة.إنه تحول يتجاوز الهرمية التايلورية ليدخل المجتمع أشكال جديدة من العمل والاستهلاك، محدثا انفجارا في العلاقات الأجرية.
إنه لمن البديهي أن تقوم المنافسة على الجودة و التجديد مما يطرح مسألة تنوع عقود العمل وفردنة الأجور كأمر واقع، أخذا بعين الاعتبار تعدد التأهيلات وتنوعها والاستعدادات والتحفيزات. فقيمة الأجير تظل قائمة فيما يميزه عن الآخرين من أمثاله. وهو ما يفسر تراجع التضامن الطبقي ووحدة العمال. إنها قطيعة عميقة مع التصور القائم على الوحدة (10).
يفيد هذا التحول أن وضع العمل وقانونه قد عرفا تحولات عميقة من عقد لا محدود يرمز إلى الاستقرار إلى المرونة (العقد المحدود المرتبط بالمهمة المحدودة في الزمن).ثم إن شروط العمل بدورها عرفت تحولات وانقلابات ما أن أصبحت المقاولات خاضعة لإعادة التنظيم لتتكيف مع المعطيات الجديدة للرأسمالية الجديدة: العولمة و الإعلاميات وبرانية الإنتاج إلخ...
إن تحول العلاقات الاجتماعية للإنتاج بفضل المنطق الصناعي الجديد والمالي للمقاولات يترجم بضعف موقف العمال؛ فمن جهة أولى اختفى التضامن الاجتماعي بفعل دخول المقاولات في شبكات مما أثر على المفاوضات بين العمال وأرباب الشغل، ثم الإلحاح على مطلب المردودية الدائمة للعمال.وهكذا دخلت الرأسمالية الجديدة مرحلة الرأسملة المالية والبشرية ( تقويم كل فرد على حدة انطلاقا من وظائف معارفه) (11).وقد أفضى هذا الواقع الجديد إلى مايلي:
1- فردنة عقود العمل والتخلي عن البعد الجماعي: يفاوض العامل منفردا رب العمل.
2- الهيمنة القبلية للعقد المقاولاتي على المفاوضات القطاعية والجماعية الذي لايسمح بظهور قوة نقابية.
3- تطور منطق كفايات فردية وتشغيلية لتحل محل منطق التأهيل.
4- التدبير الفردي للحماية الاجتماعية. فنسق الحماية الاجتماعية من الأخطار (العائلة، البطالة، التقاعد..) المؤسسة على التضامن المميز لدولة الرفاه في المرحلة الفوردية عوض بنسق تأميني خاص يقوم على الادخار المالي الفردي.
5- إعطاء الأولوية للفرد على الجماعة ، وللاقتصادي على  الاجتماعي، ولعقد العمل على القانون.وبذلك صار الأجراء مسؤولين فرديا على مسارهم المهني وحمايتهم الاجتماعية.(12).

   
ثانيا: التفسير الماكروسسيولوجي

يرتبط التحول الذي أصاب المدرسة، وبالتالي اللجوء إلى بيداغوجيا الكفايات، بالعلاقة القائمة المباشرة للمدرسة بالعقل الاقتصادي؛ بحيث ليس للمؤسسات من معنى، بما فيها المدرسة، إلا في الخدمات التي يمكن أن تقدمها للمقاولة وللاقتصاد.ولعل شعار"الإنسان المرن" و"العامل المرن" هما المرجعان للبيداغوجيا المثالية الجديدة(13).
 يفسر كرستان لافال العلاقة الجديدة بين المدرسة والعقل الاقتصادي النفعي بردها إلى تحول مضاعف؛ فمن جهة هناك المنافسة العالمية، ومن جهة ثانية هناك الدور الحاسم للتأهيل والمعرفة في تصور الإنتاج وبيع الممتلكات والخدمات(14).فالمنظمات العالمية ترافق الدول في التحرير والخوصصة وتدفع في اتجاه أن تصبح المدرسة رافدا من روافد المنافسة؛ المنافسة الاقتصادية هي منافسة الأنظمة التربوية لأن الرهانات الاستراتيجية تريد أن تجعل من (الموارد البشرية) شيئا مهما وحاسما في المنافسة بين المقاولات العابرة للقارات والاقتصاديات الوطنية.فالمورد البشري مورد اقتصادي والدول المنظوية تحت OCDE تنتظر من أنظمتها التربوية ومختلف برامج التكوين المهني تبني هذه الرؤية الإصلاحية. لذلك اعتبر التكوين الأساسي هدفا اقتصاديا أو نشاطا اقتصاديا ذا تكلفة ومردودية. ولعل هذه الرؤية الاقتصادوية الصرفة جعلت المدرسة تفقد استقلاليتها لتصبح المقاولة مقاولة معلمة ومؤهلة في إطار رؤية تنبني على المرونة(15) .
لقد شكل ظهور المدرسة ومؤسسات التربية بعد العائلة، في حد ذاته، تحولا عميقا بالمقاونة مع ماسبق. واللبرالية الجديدة، الحالية، لا تريد تحويل المدرسة بسرعة كبيرة، بل تعمل على تحيينها، يكفي الرجوع إلى هربرت سبنسر أحد رواد النزعة النفعية في القرن التاسع عشر، وإلى بنيامين فرانكلين، وإلى جون جاك روسو، لنجد أن دور المدرسة والتربية هو تهييئ الفرد لحياة كاملة. وبالاستناد إلى آدام سميث نجد المدرسة تعلم أشياء نافعة، لذلك عليها أن تصغي للطلب الآتي من الكبارأو السوق.
تبلورت هذه الرؤى النفعية واللبرالية عبر مراحل؛ فمنذ 1980 ظهر تصور فرداني وأكثر تسويقي للمدرسة تزامن وانهيار المرحلة الفوردية وتصوراتها للعمل.وقد صار العامل المرن النموذج المثالي للمدرسة والمقاولة معا. يجب على العامل أن يكون قادرا على استعمال التكنولوجيات الجديدة ومبادرا لا ينتظر الإملاءات الفوقية، وذلك هو معنى الاستقلالية.
إن التطورات الحاصلة المجسدة في التبضيع تريد أن تجعل من المدرسة معملا جديدا لإنتاج المعارف: التكوين، التكوين المستمر للعمال. لقد مرت الإنسانية من الإنسان المؤمن، ثم مواطن الدولة، ثم المثقف صاحب المثال الإنساني لتصل إلى التصنيع والتسويق الذي يعين الإنسان ككائن اقتصادي وكفرد خاص. لم نعد نفكر في الإنسان إلا كمورد من بين موارد أخرى، ثم كمستهلك ينبغي إشباع حاجاته (16).
لقد عرفت المدرسة كغيرها من المؤسسات تحولات عميقة في مفاهيمها، وتحويلا في الجهاز المفاهيمي لاستقبال الروح اللبرالية. فالمعجم والفكر التدبيري بدأ ينطبق شيئا فشيئا على التربية في جميع أبعادها، وذلك ما يجعل المؤسسة المدرسية كمقاولة تربوية منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. ومن بين تلك المفاهيم التدبيرية نجد التعلم مدى الحياة والإنجاز والأداء والكفاية إلخ...
   1- التعلم مدى الحياة        
  هناك جدل دائر بين المدافعين عن التكوين والمدافعين عن التربية حينما طرح مفهوم التكوين للنقاش بمعنى خاص. وأصبح ينظر إلى التعليم المدرسي كتكوين أولي؛ بمعنى أنه تعليم تحضيري للحياة المهنية. والمدرسة بهذا المعنى لا تقدم إلا تراكما بدائيا ومتخلفا يقبل التجديد لأن المقاولة لا تعيد التكوين بالانطلاق من الصفر، بل تطالب بقاعدة من الكفايات الضرورية للعامل المتعدد الأدوار والمرن. وسيكون التكوين موجها وفق أهداف مهنية محضة.إلا أننا لا يمكننا أن ندرك المقصود من التكوين إذا لم نضع بعين الاعتبار بأن المقاولة نفسها أصبحت مقاولة مكونة تبحث عن الجمع بين الإنتاج والتكوين.
يسمح هذا التصور للمقاولة بإعطاء وجهة نظرها في التربية، وإعطائها المشروعية لتتدخل في التكوين الأولي .وهذا ما يفسر إصرار الباترونا على أشكال التواجد والعمل ومختلف وجوه الشخصية.
وبفضل الاستعمال الواسع والخاص للفظ التكوين شاع بين الناس تعبير التعلم مدى الحياة منذ1970 الذي استعادته OCDE مرة ثانية سنة1996.ومنذ ذلك التاريخ أصبح التعبير المتداول والمهيمن في خطابات الجميع.
يفيد اللفظ الاستدراك والتخلي. ويفيد كذلك مسؤولية المواطنين عن تكوينهم الذاتي. إنه إلزام للاستمرار في الحياة : الحكومة الذاتية والتعلم الذاتي من اجل الاستمرار في الحياة الخاضعة للسوق. إنه عود أبدي؛ بداية لا تهدأ ونهاية لا تنتهي؛ هناك تعلم في المنزل وفي العمل وفي المدرسة وفي مقر العمل وفي أماكن الاستراحة واللهو، وعروض التعلم كثيرة ومتنوعة من حيث المضامين والطرق والمستويات.والفرد المسؤول هو الذي يقدر إيجابيات وتكاليف هذه التكوينات غير المؤسساتية. ولكي يكون تكوينه مقبولا عليه أن يتوجه إلى وكالات التوجيه التي تقدم له المعطيات والمعلومات و دقة القرار. وأما دور المدرسين في هذه التكوينات فيتمثل في التوجيه والوصاية و الوساطة.إنهم كاليعسوب يحكمون خلايا المكونين عن بعد.
2- الاستعمال الاستراتيجي للكفايات
يرى كرستان لافال أن الاستعمالات الجديدة للفظ الكفاية لا علاقة لها بالاستعمالات القانونية لرابلي أو إرازم، إنها استعمالات تستهدف، في المقاولة والمدرسة، تدبيرا جديدا للموارد البشرية، وهو استعمال يعيد طرح المهام التقليدية للمدرسة من جديد ونقل المعارف والتكوين الفكري والثقافي بالمعنى الواسع (17).
فالكفاية موضوع نقاشات كثيرة من منظورات متعددة، ومعناها متعدد ( لساني، نفسي-معرفي، واستعمالاتي اجتماعي...) مما قد يوحي بحياد اللفظ وديمقراطيته لما يتعلق الأمر بإجراء الاعتراف بمهارة العمال وأجراة دون إقصائهم لعدم توفرهم على دبلوم معين. والنقابات من جانبها تعترف بذلك. ثم إن الكفاية تعيد ربط المعرفة بالممارسة، وهي بذلك تؤزم الثنائية الصلبة المتمثلة في المجرد/الملموس. وبالقابل فإنها تخضع لأدوات القياس والتقويم والمراقبة لتجعل من اليد العاملة كاحتياطي للكفايات؛ ذلك ما يتبن حينما نجدها مرتبطة أيما ارتباط بالفعل والمهارة والإحالة على المعرفة العملية والقدرة على إنجاز مهمة بمساعدة أداة مادية أو فكرية.وأخيرا ترتبط الكفاية بتحولات العمل مع التكنولوجيات الجديدة ومطلب النجاعة والمرونة في مجتمع المعرفة(18).
وأما على المستوى الاقتصادي والمهني فقد عوضت الكفاية فكرة التأهيل. فقد كان التأهيل، في المجتمع الأجري القديم، يعمل كمقولة اجتماعية ترتبط به مجموعة من الضمانات والحقوق تلعب فيها الدولة دور الوسيط والمالك والضامن.كان التأهيل يتوج بدبلوم للاعتراف بالفرد، أنه مع سيادة السوق والفردانية المتزايدة للعلاقات الاجتماعية دخلت الكفاية هذا الرهان؛ إذ لم يعد الدبلوم محددا للاعتراف لأن رؤساء المقاولات يجعلون من الكفاية أداة تسمح بتحليل دقيق للتشغيلية ومراقبة دائمة لليد العاملة والسيطرة الدقيقة على العمل بدعوى النجاعة والمردودية.
هكذا نكون قد مررنا من نظام كان فيه الحكم على قيمة الفرد من اختصاص مؤسسة عمومية إلى مرحلة حيث التقويم لعبة مرتبطة برهان سوق العمل. وبذلك يكون السوق قد حل محل الدولة (19)، أي عوض إثبات الصلاحية للقيمة الشخصية من طرف الدولة بسوق للقيمة المهنية الأكثر مرونة والأكثر شفافية.
وعلى الرغم من ذلك لا بد من إيجاد معيار عام يجعل الكفاية مرئية تقوم مقام الشهادة المدرسية.لهذا لا بد من إدخال منطق الكفايات إلى المدرسة.إذن على المدرسة أن تمر من منطق المعارف إلى منطق الكفايات  (20) .
3- إيديولوجيا التمهين
لم يعد هناك تناقض كبير بين عالم الاقتصاد والمدرسة لأن الالتباسات القائمة في لغتيهما (اللغة الاقتصادية واللغة المدرسية التربوية) سهلت إدخال إيديولوجيا قوية لجعل المدرسة في خدمة الاقتصاد. وأما المهنية فهي واحدة من بين القواعد الجديدة لنظام المدرسة.يتضح ذلك من خلال جعل جميع المسالك الدراسية تفضي إلى المهنية.
لقد صارت المهنية متخيلا يعيد تأويل كل شئ وفق هدف واحد، وهي ايدولوجيا تعمل على تحويل السياسة التربوية إلى سياسة التكيف مع سوق الشغل مما يفقد المدرسة والجامعة استقلالهما.
قد يبدو ذلك تحديثا ودمقرطة أو تأهيلا للمقاولات، لكن اللجنة الأوربية ترى بأن المدرسة والمقاولة هما معا أمكنة لتحصيل المعرفة المتكاملة ومن الواجب التقريب بينهما.
يبدو أن مهننة الدراسة أمرا لارجعة فيه والنجاح المدرسي لم يعد هو الحصول على شهادة مدرسية وإنما النجاح الاجتماعي والمهني. فمعظم العائلات تدافع عن النجاح المهني والاجتماعي ، فيما يتعلق بالتمدرس، وتدافع عن المهنة الجيدة وهي تتمنى الحصول عن تمدرس كامل.ومن جهة أخرى، وبالنظر لتراكم العاطلين هناك من يجد الفرصة مناسبة لينادي بتقريب المدرسة من المقاولة لأن المدرسة لا تؤهل المتخرجين منها بالشكل الكافي والمناسب لولوج الحياة المهنية(21) والمبررات قائمة لدى المدافعين عن هذا المنظور منها أن المدرسة عاجزة عن الاضطلاع بالتكوين دون اللجوء إلى المقاولة، ومن ثمة أصبح الحديث عن المقاولة المكونة.إنها فكرة ماكرة تريد أن تقنع الجميع بأن المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المقاولة والاقتصاد والمجتمع، لذلك وجب القبول بأن تساهم المقاولات في تحديد المحتويات والمناهج التعليمية (22) .
4- المدرسة كسوق
صار من المستحيل في نظر كرستان لافال تصور مؤسسة ما كشئ أوكأداة في متناول الفرد-المستهلك، عوض تصورها كخدمة مقترحة على زبناء.وإذا كانت المدرسة منظورا إليها من خلال هذا المنطق الذي يجعلها مقاولة فإنه بالامكان تفسيرها بلغة اقتصادية.فالملاحظ أن المدرسة دخلت المنطق التسويقي مستعملة تقنيات السوق لجذب الزبناء وكل ما له علاقة بذلك وبثقافة السوق.
 لقد أصبحت المدرسة تتحدث لغة الطلب والعرض المدرسي مودعة المؤسسة المدرسية التي كانت ضرورة سياسية واقتصادية لتصير عرضا يتكيف مع السوق المعممة، ولا تعمل، على مقاومته على الأقل بالنسبة للمدرسة العمومية، ولهذا السبب يرى لافال أن المدرسة أخذت مكانها فيما يسميه في التسويق التربوي (23).
إن هذا التمثل الذي يجعل من التربية علاقة بضائعية يجعلها في الآن نفسه ترجمة للمنظمات المالية الدولية، حيث التربية والتجارة توحدتا في كثير من البلدان بفعل الخوصصة الكاسحة بما فيها خوصصة التعليم نفسه(24).
5- سوق التربية
تعمل اللبرالية الجديدة على تنامي المصالح الخاصة في التعليم والتربية وخلق مكانة للتمويل الخاص.ويظل مفهومها لتحديث المدرسة مقتصرا على المحو المتنامي للحدود بين المجال العام والمجال الخاص حتى يصبح التكوين شغلا.
لا يمكننا تجاهل أن التجهيزات المدرسية في جزء كبير منها تنتمي للسوق: الآت، كتاب مدرسي، كتب، وثائق، كتب التمارين، تجيهيزات من كل صنف إلخ... علما بأن المدرسة توجد في اقتصاد السوق مما يجعل الشباب بالنسبة للمقاولات الكبرى هدفا تجاريا خاصا ينبغي بلوغه عبر استراتيجيات خاصة ونوعية كوسائل الإعلام لتحويل الذهنيات وتنشئتها على استهلاك منتجات معينة (25).
لتبضيع المدرسة وجوه كثيرة منها الرؤية التي تجعل منها معملا لتفريخ اليد العاملة المتكيفة مع حاجات الاقتصاد، وهي علاقة تجعل المقاولة تتدخل مباشرة في المجال البيداغوجي والمحتويات وأشكال التصديق والدبلومات لارتباطها بسوق الشغل.ثم هناك الشركات المحتضنة كماكدونالد أو مكروسفت مثلا لمؤسسات مدرسية معينة. وقد تختلف هذه الشراكات والتوأمات حسب الظروف والأمكنة. لكن أحد كبار المختصين في التسويق الأمريكي الذي هو ألكس مولنار يحدد ثلاث سيناريوهات للتحويل التجاري للمدرسة؛ منها أن الماركتينغ المدرسي لا رجعة فيه مادام التلاميذ والمدارس والعائلات يقتنون المنتجات والبضائع.ثم يرى، وهيالوجه الثاني أن التسويق المدرسي حديث العهد سيمر بأشكال متعددة من التمويل والاحتضان والحضور الاشهاري والبيع الحصري في المدرسة نفسها.وأخير، وهيي المرحلة المتقدمة التي تجعل المدرسة نفسها مقاولة لتسويق منتجات مخصصة لخلق المواصفات تدخل في منافسة كباقي المقاولات الأخرى (26).
يستخلص كرستان لافال من هذه السيناريوهات نوعين من الاستراتيجيات؛ أولهما أن المقاولات ستدخل إلى المجال المدرسي بحجة الإشهار، أوأن المقاولات ستلج عالم التربية والمدرسة لبيع المنتجات. ولما تتحقق الاستراتيجيتان أو احداهما نكون أمام تسويق الفضاء المدرسي.والنوع الثاني من الاستراتيجيات حسب نفس الخلاصة تريد أن تجعل من المدرسة مقاولة منتجة: تسويق الأنشطة التربوية(27).
لا ينبغي تفسير ما يحصل برده إلى عصر الإيديولوجيا الخالصة، بل إلى سيرورة ليبرالية للمبادلات في زمن تطورت فيه التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال على المستوى العالمي، بحيث يسير الاتجاه العالمي نحو جعل الأنظمة التربوية تدخل في تنافس فيما بينها لاكتساح سوق شمولية.ومن هذا المنطلق بدأ تشجيع التبادل الحر وتحفيز يوتوبيا شبكة تربوية واسعة عالمية عابرة للحدود والأوطان.وإن عولمة التربية لا تطال جميع الأسلاك ولا جميع المواد، وإنما المواد التي لها علاقة مباشرة بالأنشطة الاقتصادية(28).وفي حالة ما إذا وجدت عوائق ينصح البنك الدولي بتشجيع القطاع الخاص في التعليم أو تفويت مؤسسات التعليم الرسمية للقطاع الخاص لأنه يرى بان تكلفة التعليم ما تزال ثقيلة بالنسبة للدول، ومن ثمة فإنه يشجع على تعدد تمويله.
يتضح أحد وجوه هذه الخوصصة من خلال مايسمى بالمدرسة الثانية أو تربية الظل مثل الدروس الخصوصية؛ بمعنى متابعة دروس موازية في إطار خاص تحت إشراف مقاولات خاصة.
6- سوق التكنولوجيات الجديدة
 برزت منذ التسعينيات من القرن الماضي سوق تكنولوجية جديدة للاستعمال التربوي في أوربا بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية سباقة إلى ذلك منذ الثمانينيات من القرن العشرين، وذلك من خلال عقد اتفاقيات بين الثانويات والشركات الكبرى كميكروسفت مثلا، فكان من نتائج ذلك تهافت الشركات على المدارس (29).وأما في أوربا فقد بدأ التفكير في الشراكات وتشجيع البحث المتعلق بالبرانم التربوية والتعليم عن بعد إلخ....
يترافق ظهور سوق التكنولوجيات الجديدة التربوية مع خطاب بيداغوجي يعلن عن نهاية الأستاذ: موت الأستاذ، كما أعلن عن ذلك لويس روسوتو مدير مجلة Wired الذي يرى بأن التكنولوجيات التربوية على الويب تخلص الأطفال من عبودية الأقسام والمدرسة (30).
لا ينظر إلى الإعلاميات والانترنت كأشياء وموضوعات تقنية ينبغي تعلمها وفهمها ولا كأدوات (معينات تربوية) تساعد على التعلم، وإنما كرافعة تعمل على التغيير الرادكالي للمدرسة والبيداغوجيا.
إن جعل الأستاذ كوصي وموجه ومرشد ومنشط ومرافق للتلاميذ في بحثهم الشخصي والتمارين الجماعية والموجه عن طريق الإعلاميات يسمح بتبرير الاقتناء الواسع للتجهيزات التكنولوجية. ويعني ذلك أن التربية ستصير سوقا صناعية.وحسب منظري هذه السوق فإنها الأكثر مردودية المشار إليها بالثقافة الجديدة للمدرسة التي يبنيها التلميذ بالمحاولات التجريبية، وهو انتصار للبنائية البيداغوجية، حيث التلميذ يبني معرفته الخاصة.وقد تعالت أصوات المتطرفين لتنادي بإلغاء المدرسة جملة وتفصيلا تحقيقا لتكافؤ الفرص والتخلص من سلطة المدرسة بالذات، حيث سيتابع التلميذ والطالب دروسه في المنزل وفق إيقاعه الخاص. كما يمكنه أن يمدد هذا التكوين طيلة حياته.وأما الأستاذ فسيعوض بدوره بخانات افتراضية أكثر نجاعة(31) من حيث المراقبة والتقويم.
 يسمح هذا التصور بإقامة عولمة تربوية مباشرة قائمة على بيع المنتجات التربوية تشبه الأسواق العالمية الممتازة للتكوينات المباشرة تكون المرونة أساسها في التكوين وعالمية الطلب والعرض.
 يلاحظ كرستان لافال أن جميع النظريات تتأسس على حكم مسبق يتمثل في سيادة المستهلك المدعو لاختيار، بكل حرية، المنتجات، لكن ما هذا الاستهلاك؟ وماهذه المؤسسة المدرسية التي ستعمل على تلبية حاجة المستهلك؟ وما طبيعة المعلومة الضرورية للاختيار؟ وهل يعرف المستهلك المنعزل ماهو ضروري بالنسبة إليه؟ وهل يتوفر على الوسائل الضرورية ليعرف نتائج اختياراته على المدى البعيد؟ تريد السلطات العمومية توفير المعلومة بالمقابل حسب المنطق القائل بأن الزبون-ملك. لكن اعتبار التربية، حسب لافال، كملك خاص يمكن أن يتملكه الفرد يفترض كثيرا من اللاواقعية لأن الألفاظ الاقتصادية تستعمل بكثير من الاستعارة في مجالي العرض والطلب في التربية لأن المستهلكين ليسوا لا متساويين ولا أحرارا، خاصة وأن المؤسسات الجيدة باهظة التكاليف والمنتوجات أو العروض المطروحة في السوق عادية. وهكذا فإن سوق التربية سوق انتقائي لا يخلو من خطابة منظري اللبرالية الجديدة(32) .
يستند منظرو سوق التربية في دعواهم التسويقية إلى النجاعة، مستحضرين ما قاله آدام سميث يوما الداعي إلى أن الدولة عليها أن تمول جزء هاما من تربية أبناء الفقراء، وتلك هي وسيلة التجديد للاستجابة للطلب من أجل التجديد حتى تصير المدرسة مرنة مجددة مقتضية بالمقاولة. 
يتداول اليوم لفظ تحديث المدرسة في تزامن مع الإصلاحات الجارية، وهو لفظ لا يخلو من بلاغة صراعية لتفادي النقد، وخاصة إذا ما علمنا أن الحداثة تفيد من بين ما تفيده التقدم والتجديد والإصلاح والتكيف مع الحياة المعاصرة إلخ...، وحيث من السهولة بما كان تعبئة الناس من أجل ذلك.
لكن لفظ الحداثة ليس محايدا كما يريده المدافعون عن الإصلاح. كانت الحداثة في الستينيات تكسيرا للتقاليد، وفعل التحديث: حدث، يفيد البحث عن النجاعة في التنظيمات والمؤسسات لترقى إلى مستوى الإنتاجية.
يجب أن نتذكر بأن المدرسة كانت دوما موضوع سيرورة عقلانية مستمرة على جميع المستويات لتصل إلى افتراض معرفة ماهي النجاعة في التعليم. كما أن طبيعة النجاعة لها علاقة بالغايات المتبعة. ومهما تكن الاعتبارات فإن وظيفة المدرسة هي نقل المعرفة والمقاربات التي ترى فيها انعدام النجاعة المجسدة في الشغل والتكيف مع المقاولات إلخ... وهذا ما يعني أن النجاعة منتوج علاقات اجتماعية.
يحدد الاقتصاد اليوم النجاعة المرغوب فيها.ومن تم كان الخلط بين نجاعة التعليم والقدرة على المردودية والأداءefficience في الاقتصاد التي تحيل على نتائج مرقمة. ثم إن موضوع التجديد عرف بدوره رواجا كبيرا منذ الثمانينيات من القرن الماضي:تجديد المدرسة.فانخرطت الأذهان المجددة وأصحاب النيات الحسنة المناضلة وهي تغض الطرف عن مطالب النجاعة والمنافسة الاقتصاديين المعتبرين كخلفية أساسية للتجديد.
إن إيديولوجيا التجديد هي نتيجة فقر الأوهام التقدمية لليسار السياسي والبيداغوجي الذي لا يتساءل عن ماهية هذه الايديولوجيا وما إذا كانت تقدمية، كما يعتقد، في دواعيها ونتائجها(33). والتجديد الملوح به من جهة التكنولوجيا والبيداغوجيا يقدم كتحسين قوي وناجع لما كان سائدا.لهذا السبب ينظر إلى الفكر التدبيري للتجديد كهدف في حد ذاته، كموضوع تدبيري خاص يلتقي حوله الإداري والخبير والبيداغوجي، مما يجعل المدرسة خاضعة لمقاييس أخرى لا تختلف عن مقاييس المقاولة والمنافسة.
يحيل التجديد على ميتافيزيقا المطلق. بالتجديد ستحل مشاكل المدرسة كلها لو اتبعت في ذلك نموذج المقاولة بإدخال الآلات الجديدة وتدبير جديد من أجل النجاعة والتكيف مع السوق والإنتاجية والمردودية. هكذا تكون التكنولوجيات الجديدة المحرك الأساسي لتحويل المدرسة في أشكالها ومضامينها باسم مجتمع المعرفة والإعلام.
لن تعود المدرسة فضاء عاما للتربية والتكوين الفكري وإنما مكانا للانتقاء وتخزين المعلومات ومعالجتها بفضل التكنولوحيا التي لا تملي فقط أشكال التعلم الجديدة وإنما تملي أشكال التفكير الجديدة المتمثلة في القيام بفعل ما والتواصل الافتراضي كامتداد للمحيط المهني والمقاولاتي(34) لأن الإبداع والمعالجة ونقل المعلومة صارت المصادر الأولى للإنتاجية.
لقد أصبحت المدرسة أمام غموض واضح وهي تتبنى الكفايات، غموض يتجلى في معجمها و اصطلاحاتها ومفاهيمها، مثلما يحصل أثناء الحديث عن المعلومات والمعارف، والتواصل والتأمل والتفكير.
إن التكنولوجيات الجديدة تجعل حدا للعلاقة القائمة بين الأستاذ والتلاميذ؛ منذ اليوم لا وجود لدينامية الجماعة ولا يمكن أن يكون الأستاذ أمام التلاميذ، ذلك ما تأكد في أحد تقارير طاولة المصنعين الأوربيين الذي ينص على تحويل فضاء القسم عن طريق التكنولوجيات الجديدة.
7- اللامركزية
من بين المفاتيح التي تحدد الشكل الجديد للمدرسة مفتاح التعددية في مقابل الوحدة.هذا ما يلاحظ مع الإصلاح الجديد الذي أعطى حرية كبيرة أو لنقل استقلالية كبرى للمؤسسات على المستوى المالي والبيداغوجي والإداري.
تستجيب اللامركزية لخطاب اليسار من حيث إشراك الفاعلين المحليين وميلاد ديمقراطية القرب وتقريب القرار من المواطنين. فالمواطن هو الفاعل والمستعمل والمساهم والناخب إلخ...لكن ما يحصل في لامركزية التربية في عصر اللبرالية الجديدة يستهدف أمورا أخرى مادامت التربية قد صارت عاملا اقتصاديا والمدرسة مقاولة مافتئت تفقد كل يوم مثالها التكويني والتربوي وتهجر قيم المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، بل تفقد نموذج المؤسسة الوطنية العمومية.
إن الانتقادات الموجهة للمركزية كثيرة للغاية من طرف اليمين واليسار، ومن طرف البيداغوجيين والتربويين وأصحاب النزعات الجهوية والمحلية، لكن الجهوية المقصودة هنا مختلفة لأن إصلاح المدرسة سيصير قضية تنظيم مدرسي معزولا عن إشكالات الوطنية والثقافات المحلية التي ستعمل بموجبه الدولة على رسم الخطوط العامة والأهداف البعيدة وتحديدها وتحتفظ بالتوظيف وتنظيم وتكوين "الموارد البشرية" وتترك الباقي.وسيكون الهامش متعددا ومتنوعا مساهما في التمويل ورسم السياسات المحلية وفق متطلبات السوق ومطالب الممولين الجدد. وتحت غطاء إنهاء المركزة وصد البيروقراطية سيكون التدبير الجديد للمدرسة شبيها بالتدبير المقاولاتي لأن الهدف المركزي هو أن تصير المدرسة آلة ناجعة في خدمة المنافسة الاقتصادية عبر تحرير المبادرات الفردية وخلق الشراكات وإدماج المقاولات في التسيير والتدبير والمحتويات والطرق البيداغوجية.

ثالثا: التفسير الايديولوجي

يعتبر الباحث البلجيكي نيكو هيرت من أبر مناهضي الإصلاحات الجارية في التعليم، أو بمعنى أدق من أبرز مناهضي تسويق المدرسة وتبضيع التعليم عالميا وأوربيا؛ إذ لم يكتف بالتأليف والمقالة، وإنما بادر على تأسيس جمعية أطلق عليها "نداء من أجل مدرسة ديمقراطية". وما سنعمل عليه هنا هو إبراز أهم القضايا التي يناقشها نيكو هرت في مؤلفاته الثلاث المعروفة بين القراء.
أولا:  كتاب اللائحة السوداء
صدر كتاب اللائحة السوداء سنة 1998. ينطلق الكتاب من تحذير للقارئ مفاده أن البحاثين نيكو هيرت وجرار دو سليس سيستعملان لغة أو معجم الأغنياء (الباترونا أو الملاك أو المصنعين أو الأقوياء أو المقررين لأن الباترونا هم في النهاية ملاك لمقاولات متعددة الجنسيات ويريدون أن يظلوا أغنياء)، ويضرب الباحثان مثلا بصاحب مكروسفت الذي تتجاوز ثروته العائد العام لستين مليون إفريقي. لذلك فإن الغني هو الغني.
إن مسألة إصلاح التعليم تتعلق بالتكنولوجيات الجديدة وليس الأمر هو الوقوف ضد استعمالها فيه إن كانت ستساهم في تحسينه ودمقرطة المدرسة، لكن المؤلفين ضد الاستراتيجية المتبعة في هذا المجال التي تستهدف وضع التعليم تحت متطلبات الباترونا وخوصصته(35).تلك هي أطروحة الكتاب أو بالأحرى قضيته: كيف سيجعل الإصلاح الحالي التعليم في خدمة الأغنياء، وبالتالي سيفضي إلى خوصصته؟ وكيف حصل وسيحصل ذلك؟.
ينطلق الكاتبان من رصد حالة مفترضة لأسرة يعمل الأب مترجما عن بعد وهو مجبر على إرسال ما قام به قبل منتصف الليل عبر الانترنت لأن الباترون لا يقبل التأخير.ثم إنه يقبل على التكوين الذاتي بعد ما كانت المقاولة تعمل على تكوينه في مقر عمله. والابن في غرفة يتقاسمها مع أخته، وهو لا يذهب إلى المدرسة إلا صباحا بينما يقضي فترة ما بعد الزوال أمام الحاسوب لتعلم اللغات والرياضيات إلخ... وقد عمل أبواه على تسجيله للاستفادة من عدة دروس عن بعد رغم تكاليفها الباهظة لتفادي البطالة. وبينما يراجع الطفل دروس اللغات أعلن المذياع زوالا في النشرة الإخبارية أن ثلث الشباب وربع البالغين لم يجدوا عملا.
لم يتلق الطفل نتائجه المدرسية مما يعني أنه لن يحوز على الدبلوم. في حين أضاف الممول نقطا في "بطاقة كفاياته" لتقدمه في التعلم عن بعد لأنه في الوقت الذي سيبحث فيه عن شغل سيكتفي بإدخال بطاقة الكفايات في حاسوبه بحثا عن شغل فإذا ما كانت كفاياته متناسبة والمطلوب من الممكن أن يحصل على شغل.
وأما الأم ليس لها عقد عمل لذلك فهي تقبل بكل شئ حتى ولوكانت مدة عملها تتجاوز العشر ساعات يوميا بما فيها نهاية الأسبوع لان مطالب الحياة كثيرة كالتجهيز والتدفئة والكهرباء والاتصالات والانترنت...
لقد أصبحت العائلة برمتها تخصص ربع ميزانيتها لشراء التجهيزات والاتصالات والانترنت وأداء الدروس عن بعد.ولهذا السبب لم يعد للأم زميلات ولا تجد الفرصة للاجتماع بالأصدقاء منذ زمن بعيد لسبب واحد هوكونها أصبحت مشغولة. والأب من جانبه ابتعد عن أنشطته النقابية، بينما الابن له صديقة لم يرها قط لأنه يتبادل معها أطراف الحديث على الانترنت(36) عبر علبة الرسائل القصيرة المباشرة. 
هل هذا هو المصير الممكن الذي ينتظره الجميع أو أغلبية الناس؟ هل هذا هو المصير الذي يتنظره كل تلميذ؟ لماذا حصل ما حصل؟ لماذا أصبحت الدروس الموازية (الدروس عن بعد) أو تربية الظل أكثر مردودية من المدرسة؟.
 يفسر الكاتبان هذا التحول الذي أصاب المدرسة بالحروب الاقتصادية؛ إذ منذ 1972 والعالم الغربي يعرف أزمات اقتصادية لم يعرفها من ذي قبل تتمثل في ارتفاع نسبة البطالة وإفلاس المقاولات واختفائها. ففي أوقات الأزمات تجد المقاولات صعوبات في تسويق المنتجات مما يجعلها تدخل في منافسات حادة، وذلك ما يتطلب السيولة النقدية و إبرام تحالفات جديدة والبحث عن مصادر جديدة وأسواق جديدة (37).
منذ بداية الثمانينيات عملت الباترونا وخبراء OCDE وFMI والبنك الدولي واللجنة الأوربية على اكتشاف مجالات مالية جديدة منها الموارد المالية للدول والخدمات العامة.إنها مستعمرات جديدة لا ينبغي غزوها والسلاح في اليد لأنها ليست خارج البحار، سيتم ذلك بوضع استراتيجيات جديدة وكثير من اللغط كالدعوى القائلة بالمحافظة على السلم العالمي ومراقبة الاقتصاد العالمي حتى لا تحدث نكسات اجتماعية. فبدأت الاجتماعات السرية والتحالفات الجديدة مثل اجتماعات العصبة الأوربية للتعاون والاقتصاد LECE والطاولة المستديرة للمصنعين الأوربيين ERT المؤسسة سنة1983 ، ونفس الشئ عرفته الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وبنفس الهدف(38) .
إن الحجج التي ساقها هؤلاء الكبار تأخذا طابعا كرونولوجيا يبدأ منذ سنة 1989، وهي نصوص تفصح عن الطريقة التي فكر فيها الأغنياء لإنجاز مشروعهم الخوصصي للتعليم بخاصة والقطاعات الاجتماعية بعامة، نصوص أنجزت من طرف الخبراء على شكل تقارير مقدمة لأصدقائهم السياسيين، وهم ينتظرون من الأصدقاء تطبيقها من حيث أنها تعليمات وجب تطبيقها حرفيا، لكن عن طريق "ديمقراطيين" حتى تبدو أنها إصلاحات قام بإنجازها رجال أو حكومات ديمقراطية أمام الناخبين. وقد يعمد هؤلاء الكبار والخبراء إلى تنظيم ندوات وأوراش ليفسروا للسياسيين ما يجب أن يقوموا به ولإقناع الرأي العام عبر وسائل الإعلام لخلق حوار ماكر بين الناس.
إن النصوص التي اعتمدها المؤلفان نصوص خبراء مليئة بتعابيرهم وصيغهم ومعجمهم، وهي تعتمد التكرار المقصود لتركيز ما يرغبون فيه.
ففي سنة 1989 نشرت الطاولة المستديرة للمصنعين الأوربيين ERT تقريرا تحت عنوان"التربية والكفاية في أوربا"، مؤكدة" أن التطور التكنولوجي والصناعي للمقاولات الأوربية يتطلب بوضوح تام إعادة تجديد متسارع لأنظمة التعليم وللبرامج التعليمية"واعتبرت " التربية والتكوين استثمارات استراتيجية حيوية لنجاح مقاولة المستقبل"، علما أن "الصناعة ليس لها سوى التأثير الضعيف على البرامج التعليمية"، و"المدرسون لهم معرفة غير كافية بالمحيط الاقتصادي (...)، بل إنهم لا يفهمون في الحاجات الصناعية"(39) .
كما طالبت إرتي في نفس التقرير بأن يحصل تعاون بين"الصناعة والمؤسسات التعليمية للعمل معا من أجل تنمية برامج تعليمية مخصوصة لأجل الكبار الذين يمكنهم متابعة دراستهم من دون مغادرة عملهم". ومن تم كانت فكرة"التعليم عن بعد" أو "التعلم عن بعد"مما يعني تطوير البرانم التربوية(40) .
لقد كان التعليم عن بعد موضوع وثيقة صدرت عن اللجنة الأوربية في 7مارس 1990 تحت عنوان" التربية والتكوين عن بعد" لا يختلف عما اقترحته إرتي. ومما جاء فيه:" إن التعليم عن بعد (...) ضروري للغاية (...) لبلوغ تعليم وتكوين ذو مردودية(..)..تعليم ذو مستوى عال يمكن إنتاجه مركزيا وبعد ذلك العمل على نشره على المستوى المحلي (.)"(41). .
إن التعليم في نظر اللجنة الأوربية ينبغي أن يواكب الثورة الإعلامية وأن يتجدد بتجددها لأن المعارف الضرورية لا يتعدى عمرها العشر سنوات (42).ثم إن التعليم عن بعد يسمح للمقاولات بالاستثمار في تطوير رأسمالها البشري بالتحكم في التكاليف (  والمقصود هنا العامل الذي يتكون عن بعد في منزله أو في نهاية الأسبوع).ففكرة التعليم عن بعد أوحت للجنة الأوربية بخلق جامعة مفتوحة على شكل مقاولة للصناعية والتعليم والتعليم العالي عن بعد.وستعمل هذه المقاولة على بيع منتجاتها على مستوى سوق التعليم المستمر الخاضع لقانون العرض والطلب(43) .
 يستخلص الباحثان، بعد استعراض محطات عديدة، أن التعليم صار صناعة ستعمل على بيع منتجاتها (الدروس) وفق قانون العرض والطلب ومن لا يستطيع أداء تكاليف هذه الدروس سيحكم عليه بالطرد.فالطلبة هم الزبناء، هم المستهلكون لا المواطنون والمنتجات هي الدروس (44).
 كما ربطت اللجنة الأوربية بين التعليم عن بعد والمنافسة. جاء في أحد تقاريرها:" يتطلب تحقيق هذه الأهداف بنيات تربوية ينبغي تصور اشتغالها انطلاقا من حاجات الزبائن. يمثل التعليم عن بعد إغراء خاصا لأنه يمكنه أن يتكيف مع متطلبات العمل"(45). ثم إن" التعلم المفتوح والتعليم عن بعد لا يعود إلى الحدود الوطنية، وذلك ما سيساهم في توسيع امكانات السوق"(46).
يتمثل المسعى الذي تتوخاه طاولة المصنعين الأوربيين واللجنة الأوربية حسب الباحثين في تخريب التعليم العمومي، التعليم المجاني عن طريق خلق شبكات للمعلومات كأداة لتعليم وتكوين جميع الشباب لإعطاء بعد دولي للتعليم.إنه بالكاد، حسب الباحثين، البعد الدولي التجاري، وذلك ما يتضح من خلال برنامج ليوناردو الموجه للتعلم طيلة الحياة وتطوير أشكال جديدة للتعلم والتصديق على الشواهد والتحكم في التكنولوجيات الجديدة.ومن المفروض أن تعتبر التربية، كما جاء في تقرير مجموعة السبع G7 ، خدمة كباقي خدمات العالم الاقتصادي، ذلك هو مضمون التعلم من المهد إلى اللحد.
يرى الباحثان أن المدرسة ستكون تحت الرقابة والسلطة المباشرة للمقاولات حينما تدعو لتشجيع التعلم الذاتي في المنزل لا في مقر العمل وان كل تلميذ ينبغي أن يتوفر على حاسوبه الخاص كعلامة على نهاية المجانية(47).      
يأخذ تعلم التعلم والتعلم مدى الحياة أو التعلم من المهد إلى اللحد معنى خاصا في تقرير طاولة المصنعين الأوربيين الصادر في سنة 1995؛ إذ الضرورة تستوجب تعدد وجوه التكوين وصولا إلى التصديق على الكفايات فرديا بعيد عن الدبلوم والمدرسة، وذلك بالتوفر على بطاقة شخصية للكفايات (48).وهذا ما يفسر تشجيع اللجنة الأوربية للبرانم التربوية المتعددة الوسائط وخلق وكالة خارجية للتقويم غير حكومية لدعم الشفافية وتنظيم السوق بين المتنافسين.
لا تخرج مقررات OCDE عن هذا المنحى لما ترى أن التعلم مدى الحياة لا يتوقف على الحضور الدائم للأستاذ. فالتعلم مدى الحياة ستضطلع به المقاولات التربوية.وعلى مستوى التعليم العام ترى أنه على الطلبة المساهمة في تمويل جزء كبير من تكاليف تربيتهم (49) . وفي المقابل دعت اللجنة الأوربية المقاولات لوضع بطاقة الكفايات سنة 1996 لتأمين الاعتراف بكفايات كل فرد وفق نظام مرن ودائم يعتمد الوحدات والتقويم المعلوماتي وفق برنم تفاعلي مرتبط بشبكة الانترنت يسجل حصيلة الكفايات على البطاقة التي ستصبح بدورها جواز المرور نحو الشغل(50).لذلك كانت دعوة وزراء التربية الأوربيين إلى تشجيع الشراكة الدائمة بين المؤسسات التربوية (المدارس) ومزودي البرانم والبحث التربوي.
إذا أصبح التعليم بضاعة وسوقا للتنافس بين المقاولات ماذا يعني وجود المدرسة والقسم الدراسي والحجرة الدراسية في عهد التعليم المفتوح والتعلم عن بعد؟ لا بد من الوقوف عند وظائف المدرسة التي حصرها الباحثان في أربع وظائف هي:
أولا: تمنح المدرسة حظوظا في تكافؤ الفرص لجميع الشباب لأنها تصحح اللاتكافؤ الاجتماعي الذي يعود للصدف والثقافة منذ الولادة، فبفضل المدرسة يمكن للطفل والطفلة الفقيرين أن يتكونا ويصبحا متساويين مع أبناء الأغنياء.
ثانيا: يسمح التعليم لكل فرد بتنمية إمكانياته والمدرسة تفتح أفق هذه الامكانات الإبداعية والفكرية والأدبية إلخ..
ثالثا: تعمل المدرسة على تهييئ الجميع لمنصب شغل دون ملاءمة ضرورية بين المدرسة والمقاولات.
رابعا: يعمل التعليم على خلق مواطنين أحرارا ومسؤولين يحترمون المؤسسات الديمقراطية والقيم التي تنبني عليها الدولة.
وما يتضح، في واقع الحال، أن المدرسة لا تعمل بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص لأنها تقوم على التقسيم والتوزيع حسب الأصل الاجتماعي لأنه لا وجود لمدرسة موحدة بالنسبة للجميع.ولماذا القول بأن المدرسة تمنح حظوظا متكافئة للجميع؟ لأنه بالتحديد الخطاب الذي يريدنا أن نعتقد بأن النجاح في الحياة مسألة استحقاق شخصي وفردي، وأن كل عاطل وكل كادح عليه أن يقتنع بأن المدرسة منحته الفرصة إلا أنه لم يجد استغلالها وعليه أن يلوم نفسه لأنه هو المسؤول عن فشله(51).
ثم إن هذا الخطاب يرى أن مسألة الذكاء مسألة فطرية وطبيعية مثل وجود الطويل القامة وقصيرها؛ هناك العباقرة وهناك الأغبياء، هناك المهرة وهناك العمال، هناك القادة وهناك الأتباع، هناك السادة وهناك العبيد، هناك المدبر وهناك المنفذ... لا وجود للامكانات والقدرات الموحدة؛ إذا كل فرد هو انعكاس للوسط أو ما صنعت منه الظروف، ومع ذلك ينبغي ملاءمة المدرسة مع المحيط الاقتصادي وتجديد أنظمتها القديمة (52) بزيادة مصاريف إضافية حتى يصبح الطلبة أكثر إنتاجية.
ومن الجانب الدمقرطة تقدم المدرسة افتراءات وتزييفا واضحا للدمقرطة لأن المجتمع الديمقراطي هو الذي يكون فيه المواطنون لهم نفس السلطة.ولهذا فلا وجود لمدرسة واحدة؛ إذ هناك مدرستان واحدة للأغنياء وأخرى للشعب.وما يجمع بينهما أنهما تعملان لصالح الأغنياء.ولكن كيف يمكن للتعليم أن يضمن المستقبل للشباب كما يقال عادة؟ففي مجتمع تتزايد فيه البطالة لا تعمل فيه المدرسة إلا على تحويل الشباب إلى يد عاملة منتجة توالسياسي.الأغنياء هاهنا تكمن الديمقراطية التي تقوم عليها المدرسة وليس تغيير الظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.لا يفكر الأغنياء في الأطفال إلا بتعابير السوق. ففيما يخصهم هناك أطفال قادرين على أداء تكاليف التعليم الخاص وغيرهم غير قادرين على ذلك، وهم في نظرهم أطفال الشوارع، علما أن للشارع دلالات الرفض والمعارضة.وما ينبغي التفكير فيه هو مستقبل الشارع حينما يكون في يد أطفال الشوارع(53).

ثانيا: أسياد المدرسة الجدد

يرى الباحث نيكو هرت أن الإصلاحات الجارية في التعليم منذ عشر سنوات تدخل في إطار مرحلة تاريخية جديدة مطبوعة بانزلاق المدرسة نحو الاقتصاد؛ إذ الثمانينيات في من القرن العشرين عرفت المدرسة موجة من النقد والإصلاحات تعبيرا عن ملاءمتها مع المتطلبات الاقتصادية الجديدة. وقد ترجمت هذه الثورة على مستوى المحتويات بانزلاق المعارف نحو الكفايات. إن ما يحدث بتعبير أدق، حسب المؤلف، هو تسويق فعلي وحقيقي للمدرسة يشمل الملاءمة الواسعة للمحتويات والبنيات والمناهج والطرق التعليمية مع منتظرات المشغلين، وقد تم استعمال الأنظمة التربوية لتحفيز بعض الأسواق. وأخيرا تحويل التعليم والمعارف إلى سوق كبرى(54). فكيف حصل ماحصل؟ وكيف حصل أن تحولت المدرسة إلى سوق والمعارف إلى كفايات؟
للإجابة على سؤالنا يعود كاتبنا إلى فترة السبعينيات من القرن العشرين لتفسير الأسباب التي أدت إلى إعادة رسم السياسات التعليمية.وقد حصرها الباحث في مايلي:
1- التكنولوجيات الجديدة وما يرتبط بها من تراكم المعارف والتحولات التكنولوجية. ثم بروز المنافسة واللجوء للتكنولوجيات الجديدة لغزو أسواق جديدة في تزامن مع العولمة.
2- تطور سوق الشغل وتحوله نحو البطالة المقنعة والتركيز على وظائف جديد في اقتصاد جديد كالإعلاميات والهندسات الإعلامية والتخصصات والصناعات المرتبطة بها.
3- تخلي الدول عن التزاماتها القديمة لصالح القطاع الخاص.
بالإضافة إلى هذه العوامل الثلاثة عرفت فترة 80-90 انعدام استقرار النمو الاقتصادي وكان التأهيل والأزمات المالية من الأسباب التي أدت إلى التفكير في إصلاح التعليم.كما لم يغب التفكير في التعليم عن الأوساط الاقتصادية منذ ثلاثين سنة خلت.إذن، أين تتمثل هذه القوة الأساسية التي أدت إلى تجديد الأنظمة التعليمية؟ يرى نكو هرت أن إعادة التجديد تعود إلى التحولات التكنولوجية والانقلابات ا(55).دية، حيث المدرسة لا تعمل إلا على التكيف مع التحولات في واقع العمل (55).
يتخذ تجديد الأنظمة التربوية استعارة مليئة بالغموض لما يفهم كتقدم أو كحرحة مضادة للجمود؛ ستتجدد الأنظمة التربوية لتتحول من القسم والمدرسة إلى شبكة الانترنت، وسيعوض الحاسوب الأستاذ، وستصبح البرانم التربوية حلا لمشاكل الوقت وسجون المدرسة وإيقاعات التعلم.إننا أمام مدرسة جديدة على الساتل. فالمدرسة القديمة لم تكن قادرة على تتبع واستيعاب التطور التكنولوجي ولا تقدم ما هو مطلوب من تكوين مطلوب من طرف المقاولة ولا تتمتع بالمرونة الكافية ولا الاستقلالية بالنظر إلى التطورات المتسارعة على مستوى السوق.
إذن، على المدرسة الجديدة أن تودع الأهداف المعرفية لصالح الكفايات المرتبطة بالتشغيلية حتى تتلاءم والمقاولة، والسوق، عبر مسالك مهنية وتمهينية واضحة(56). ولا شك أن التكنولوجيات الجديدة قادرة على حل المشاكل في لحظة قصيرة بسحرها البيداغوجي للقضاء على الفشل الدراسي وانعدام التحفيز وغياب التأطير(57).
إن الهدف الأساسي، حسب الباحث نكو هرت، من التجديد متعدد الوجوه؛ فهو من جهة أولى مراقبة للمعارف والكفايات والسلوكات التي سيكون عليها عمال  ومستهلكي المستقبل، ومن جهة ثانية تتمثل المهمة الأساسية للمدرسة في دعم المقاولة(58).
فما ينتظره المشغل من المدرسة هو أن تكون الناشئة على الحرف المطلوبة كثيرا على مستوى السوق وعلى الكفايات العرضانية والرفع من مستوى الفهم التكنولوجي والتعدد الثقافي لأن مجالات العمل أصبحت مجالات عالمية ودولية.
ستكون المعرفة المدرسية، وفق هذا المنظور، كالأكلات الجاهزة؛ معارف سريعة وسطحية تتجدد كل يوم وبشكل دائم لتساير إيقاع التحول وانعدام استقرار الشغل: سيمر الشغيل في المستقبل من شغل إلى آخر بشكل لا ينتهي والنتيجة الحتمية عليه أن يجدد معارفة –كفاياته- باستمرار وذلك هو مضمون التعلم مدى الحياة(59).
يعزى اختفاء الشغل مدى الحياة لصالح العمل الظرفي والمدد المحدودة الإنتاج حسب الطلب والعمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع إلخ...، حسب الكثيرين، وإلى تسارع التحولات التكنولوجية ومطلب المرونة المرافق للأزمة الاقتصادية والمنافسة.
يمكننا تخيل ما قد تقوم به التكنولوجيات الجديدة وهي تعوض ما كان يقوم به الإنسان – العامل ليتفرغ للشأن العام و العمل الاجتماعي والثقافي أو ليستكمل التكوين ويواكب التطورات المعرفية فيحافظ بذلك على منصب عمله.لكن منطق الاقتصاد يختلف عن منطق التأمل والافتراض، وخاصة إذا ما كان هذا المنطق يشتغل في أزمات وظروف غير مستقرة تدفع للإنتاج بأقل عدد ممكن من العمال وبأقل التكاليف. وذلك ما يفسر بالليونة في العمل كحل للازمات غير المتوقعة، ويفسر المنطق القائل بأن التقدم التقني يتطلب الليونة والتكيفية(60)، بل يفسر كذلك لماذا يحب أن يتكيف التعليم بشكل واسع مع"الحاجيات" الاقتصادية؛ وبمعنى أكثر يجب على المتعلمين أن يكتسبوا مع نهاية تمدرسهم الكفايات والمعارف والسلوكات التي تجعلهم عمالا منتجين وقابلين للتشغيل(61) لأن ما يميز الأنظمة التربوية، حسب تقرير الطاولة المستديرة، هو اللاتلاؤم بين التعليم والمحيط الاقتصادي وتقادم الأنظمة التربوية والتكوينية.
ماهي مطالب المرونة في العمل المفروضة على محتوى المعارف المدرسة في المدرسة؟ وما هي المعارف والمهارات وحسن التواجدات التي يطالب بها المشغلون؟ إن اليد العاملة المرنة هي يد عاملة متعددة الاستعمالات، يد متحركة وقابلة لاستكمال التكوين لأن سرعة التحولات التكنولوجية وإيقاعات إعادة هيكلة الصناعات ومطالب التنافسية جعلت العمال يغيرون عملهم باستمرار أو محيط العمل باستمرار.لذلك تطالب المقاولة بأنظمة تربوية تنمي الكفايات، وبخاصة الأنظمة التربوية التي تنمي الكفايات التي تسمح بالليونة، أي قدرة العامل على التكيف(62).ثم إن المعارف المدرسية صارت ظرفية ولحظية لا تستجيب للسياقات المهنية، وأهم ما ينبغي أن تنقله المدرسة هوأن تجعل الفرد قادرا على تحصيل المعارف وفق الحاجات لأنه لا وجود لتكوين عام يؤهل الفرد للحصول على كفاية مهنية(63). والنتيجة الحتمية لهذا التوجه تتجلى في تراجع الأهداف المعرفية لصالح الكفايات التي تطالب بها التجارة والخدمات مثل قدرة العامل على الاستئناس بالمحيط الذي فرضته التكنولوجيات الجديدة وتكيفه وقدرته على الاستجابة السريعة للأوامر واتخاذ القرار والتكوين الذاتي(64).
تقتضي المرونة المهنية وجود عمال أكثر تكيفا لهم القدرة على ممارسة مختلف المهام الموكولة إليهم. كما جاء في تقرير للجنة الأوربية بأنه لا يكفي أن يكون العامل عارفا بالقراءة والحساب ؛ إذ ينبغي أن يكون قادرا على التحكم في أشكال التواصل وبلوغ المعلومة والتحكم في لغات متعددة. وبما أن المدرسة متخلفة عن الإيقاع الذي تتطور به المعارف العملية والمعنية فمطلوب منها أن تزود التلاميذ بأسس تسمح لهم بأن ينموا بأنفسهم معارفهم في المجالات التي تهمهم (65).هكذا ينزلق التكوين المدرسي نحو التكوين المهني وتنزلق المعارف نحو الكفايات.
لا تتمثل التشغيلية التي تعني التكيف الممكن لعمال المستقبل مع متطلبات المشغلين في التأهيل أو في المعارف النظرية، بل في اكتساب كفايات تتماشى وتطور الشغل والمقاولة وذلك بتشجيع التعلم مدى الحياة والإبداعية والمرونة والتكيفية والقدرة على تعلم التعلم وحل المشاكل(66). 
إذن، ماذا ينبغي أن ندرس؟ تميز اللجنة الأوربية بين نوعين من الكفايات للاستجابة لحاجات السياق الاقتصادي الجديد؛ منها الحاجة إلى تكوين أساسي متين، ثم الحاجة إلى كفايات تسمح بالتجديد. يشمل التكوين الأساسي القراءة والحساب. في حين تتمثل كفايات التجديد في استعدادات تكنولوجية واجتماعية وتنظيمية تسمح للعامل بالتكيف السريع مع تحولات المحيط وتنظيم الشغل.كما أقرت OCDE هذا التوجه منذ سنة1998 حينما دعت إلى استهداف أهداف ذات خصائص عامة عوض تعليم مواد بدقة لأن عالم الشغل يتطلب جودة علائقية واستعدادا لغويا وإبداعية والقدرة على العمل في فريق وحل المشاكل ومعرفة جيدة بالتكنولوجيات الجديدة، وهي كلها كفايات لا محيد عنها اليوم للحصول على شغل والتكيف السريع مع التطورات ومتطلبات الحياة المهنية(67).
وخلاصة القول في هذا الباب أن اللجنة الأوربية وغيرها من المنظمات ذات التأثير في السياسات التربوية أعرضت عن التخصصات والمحتويات المعرفية لصالح الكفايات العامة والعرضانية، وعن تخصصية هيئات التدريس لصالح مدرسين غير مدرسي المواد، والإعراض عن المواد لصالح الأنشطة والمجزرءات.
إن المبتغى هو أن يصبح عامل المستقبل قادرا على الاندماج وتقبل الاكراهات المفروضة عليه عن طريق تنمية كفايات اجتماعية، أي سلوكات واستعدادات ومواقف، وذلك ما يشير إليه المجلس الأوربي لما أعلن في أحد تقاريره بأن ما سيحصل من تغيرات وتحولات تكنولوجية في مجتمع الإعلام والمعرفة سيجعل الحدود بين التربية والتكوين تكاد تكون منعدمة ومن ثمة وجب التركيز ليس على المهارة وحدها وإنما على حسن التواجد كذلك(68).
يفسر هذا الموقف الأوربي بالدعوى القائلة بأن التكنولوجيات الجديدة ستؤثر تأثيرا كبيرا إن لم نقل ستغير مرتكزات مستقبل التعليم ووظيفة المدرسة. فما هي هذه الوظيفة الجديدة للمدرسة في مجتمع الإعلام والمعرفة والتكنولوجيات الجديدة؟
الظاهر أن المدرسة لم تعد مونوبولا لنقل المعرفة لأنها حسب وزيرة التعليم النمساوية ستتمثل وظيفتها في نقل معارف مهنية جيدة واكتساب كفايات منهجية واجتماعية وكفايات الاستقلالية والعمل في فريق والحوار وتدبير الخلاف والتواصل والمرونة والفكر الابداعي والمعنى الاجتماعي وقابلية التكوين المستمر والتحفيز بغاية التعلم(69).ونفس الشئ دافعت عنه في ألمانيا عن طريق حزب هلموت كول لما رأى بأنه من الأهداف الأساسية للحزب في مجال التربية تكييف التربية والتعليم مع عالم الشغل المستقبلي، وحيث أوجز مضمون هذا التكيف في الاستقلالية والمبادرة والابتكارية والثقة في النفس والقدرة على الحكم على الأشياء والتركيب(70).
إذن ستلقن مدرسة المستقبل كفايات اجتماعية أشير إليها ككفايات عرضانية، وهو ما تراه OCDE يختلف عن المقررات المدرسية(71).
رأينا أن المواقف الداعية إلى إصلاح التعليم ترد أسباب استعجالية الإصلاح، وبالتالي تغيير وظيفة المدرسة إلى تطور التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال (NTIC)، حيث فسر الباحث نكو هرت هذه الدعوات المتكررة بالاستئناس الذي ينشأ فيه الشباب، أي أن إدخال التكنولوجيات الجديدة إلى المدرسة مبكرا يستهدف تنشئة جديدة لعمال المستقبل في محيط معلوماتي، ولكن كذلك هو تحضير لمستهلكي الغد في محيط تكنولوجي.ومن أجل ذلك عقدت لقاءات كثيرة مثل لقاء أوتاوا في سنة 1998 تحت شعار عالم بلا حدود، و لقاءات تحت إشراف OCDE، تبين كلها أهمية التجارة الالكترونية في التربية والتكوين، حيث ستتحول مؤسسات التربية والتكوين إلى مؤسسات تساعد الشباب على إيجاد مكان لهم في مجتمع الإعلام والمعرفة(72).  
لا يختلف هذا التصور عن موقف وزير التربية الألماني يورغن روترغس لما رأى بأن مجتمع المعرفة سيصير مجتمعا مكونا من طبقتين؛ الأولى طبقة عليا مسيرة للشبكات، وأخرى طبقة دنيا تجهل الإعلاميات. فالتخوف الذي أبداه الوزير ألماني لم يكن في السابق وكأن المجتمع لم تكن فيه طبقات. إن الهم الأساس أو الخلفية التي يصدر عنها الوزير الألماني هي تجنب اللامساواة وانعدام تكافؤ الفرص ليصير الجميع مهندسا إعلاميا أو يجب أن يغير الجميع وظائفهم ليصبحوا مهندسي إعلاميات(73).
لم تخف طاولة المصنعين الأوربيين رغبتها في إدخال التكنولوجيات الجديدة إلى المدرسة كتخصص أساسي في التعليم والتكوين لتخويل المتعلمين ثقافة إعلامية كونية في مجتمع الإعلام والمعرفة ولظهور مصممين ومزودين ومنفذين ومستعملين أكفاء في هذا المجال لهم ثقافة إعلامية كونية يتوجهون للعالم أجمع كمستهلك (74).وهو ما حصل لما قرر الاتحاد الأوربي تجهيز جميع المدارس ما بين 2002و2005 بالتجهيزات الإعلامية وربطها بشبكة الانترنت.
البيداغوجيا
أغري كثير من المدرسين والبيداغوجيين بالخطاب الباترونالي حينما أضحى يردد القولة الشهيرة الداعية إلى التقليل من المعرفة والإكثار من الكفايات؛ أي التأكيد على التكوين بدل ملء الرؤوس، وتعلم التفكير بدل الحفظ.أليست هذه التصورات هي معركة البيداغوجيا التقدمية تقليديا؟.
لقد كانت المعارف المدرسية متهمة دائما من قبل الجميع مثل الرافضين لحفظ التواريخ وتقدس الماضي لأنه ماض وتدريس سير الأسلاف لأنهم أسلاف وغير هؤلاء، إلا أن الإصلاحات التي تدعو إليها الأوساط الاقتصادية اليوم لها طبيعة خاصة؛ فهي لا تستهدف ربط التنظير بالممارسة حتى يتمثل التلاميذ المعارف المدرسية، وإن ما يحصل هو تبديل اكتساب المعارف بالكفايات المرتبطة بإنتاجية العامل واختزالها في المهارات والنفعية التي لم تعد المدرسة وحدها القادرة على تعليمها للمتعلمين(75)، لذلك ستختزل مهمة المدرسة في الكفايات العرضانية، وبالتالي تحول البرنامج الدراسي إلى قواعد للكفايات.
إن انزلاق المعارف نحو الكفايات هو انعكاس لتطور مواز على مستوى سوق الشغل يتجلى في التخلي عن فكرة التأهيل لصالح التشغيلية(76).
كان التلاؤم بين المدرسة والشغل المبني على التأهيل أو إرادة التخطيط لتكوين يد عاملة بعد الحرب العالمية الثانية يحدث في محيط مستقر، حيث يتمتع كل فرد بمنصب قار ومحدد يتناسب ودبلوم معين، والإنتاجية قارة أو قابلة للتنبؤ، إلا أنه في الوقت الراهن لا نجد غير التحولات السريعة، حيث يعمد العمال إلى تغيير مناصب شغلهم باستمرار وربما شغلهم كذلك، بل صار من المستحيل التخطيط للإنتاج وبالتالي الحاجات لليد العاملة مما جعل نظام التأهيل يبدو كعقبة أو عائق أمام التطور (77).وقد جاء ذلك في أزمنة تعرف تزايد العاطلين بالشواهد والدبلومات العليا عن العمل، وتراجع الضمانات المؤسساتية فيما يخص الشغل.
والحاصل أن التأهيل فقد كل معنى لتحل التشغيلية كمفهوم أكثر غموضا. لقد كان التأهيل مبيانا واضحا للقدرات الفكرية والتقنية ولمنصب الشغل والحقوق والواجبات وأما التشغيلية، فهي على العكس من ذلك، هي تراكم كفايات عامة وعائمة لاحتلال منصب افتراضا غير محدد، ولا تعترف بقدرات معينة ولا بحقوق معينة (78) لأن الكفايات المطلوبة دوما في عالم يتحول باستمرار هي الكفايات القابلة للتحويل والنقل. وإن ما سيعطي للفرد قيمة في السوق، سوق الشغل، ويجعله يحصل على منصب شغل هو ما يسمح له بالمرور المرن من تخصص إلى آخر.لذلك فإن المعارف العملية تتطور هناك خارج المدرسة.
لتحول التأهيل إلى التشغيلية نتائج واضحة للعيان. فقد كان العمال فيما مضى يتفاوضون مع المشغلين جماعة ، لكن التفاوض اليوم صار فرديا يخضع لمتطلبات المشغل. إنه منطق الكفايات التفريدي الذي يحتم على كل عامل تكوين رأسماله الكفاياتي الأصلي المرن. وذلك ما يفسر لماذا فقدت البرامج المدرسية والدبلومات والشواهد نفعيتها.لكن بماذا ستعوض؟ يجيب الكتاب الأبيض الذي أصدرته اللجنة الأوربية بأن الدبلوم سيعوض بالكفايات الجزئية الدورية، أي بالتصديق المجزوءاتي الذي لا يعني التأهيل بشكل عام(79).(La charte des programmes-la charte un lycée pourXXIsiecle- le décret sur les missions de l'enseignement obligatoire). وإنما التأهيل بواسطة بطائق الكفايات skill's card وبرامج التعلم مدى الحياة.
الخوصصة
دخل التعليم الآن مرحلة أريد له فيها أن يتكيف مع تحولات ومجتمع السوق بما فيها الليونة والسرعة في الاستجابة للتكوين وتشجيع أنماط التكوين غير المؤسساتية، وذلك ما تشجع عليه منظمة OCDE حينما تدعو إلى تعدد سياقات التكوين المهيكل وغير المهيكل لقتل المدرسة التقليدية وإحلال المدرسة الخاصة مكانها.(80) ويتجلى ذلك من خلال ثلاثة وجوه هي:
أولا: استقلالية المؤسسات المدرسية؛ بمعنى دخول المؤسسات عهد اللامركزية لتفادي البيروقراطية، وبالموازاة مع ذلك ظهور علاقة تفريدية بين المؤسسة والتلميذ؛ إذ أصبح ينظر للآباء والتلاميذ كزبناء يبحثون عن تطوير وتنمية رأسمالهم البشري.
ثانيا: هناك اتجاه كبير نحو تبضيع التعليم، بحيث أصبح الهم السائد هو تحويل المعارف وتحصيل الكفايات رهان الصراعات التنافسية، أي تحول المعارف إلى خدمات مؤدى عنها مما يجعل المؤسسات التعليمية عبارة عن مقاولات تجارية. ثم إن نقل المعارف عن طريق التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال جعل المعارف تنفلت من المدرسة التقليدية بما فيها وظيفة النقل تحت اسم التجديد.
ثالثا: خضوع المدرسة للباترونا مما يجعل التعليم عامة خاضعا لمنتظرات الباترونا(81).
وفي تحليله للوجوه الثلاثة التي ذكرناها، تلك التي يتخذها تحرير التعليم، تساءل الباحث نكوهيرت قائلا لماذا اللامركزية؟ ولماذا الآن؟ فيجيب بأن سن مثل هذه السياسات كان بغايات وأهداف متنوعة منها:
1- التحكم في ميزانية التعليم.
2- تكسير المقاومات المناهضة للتغيير.
3- العمل بتنمية متنوعة.
4- العمل على التكيف السريع مع منتظرات المقاولات(82).
5- تكسير وحدة الشريحة التعليمية.
تدعو مجموعة طاولة المصنعين الأوربيين إلى أن يكون التعليم مستعدا لإعادة تحديد المهن باستمرار وتعزيز التكيف وتوسيع أنواع الكفايات؛ وذلك ما عملت به اللجنة الأوربية لما جاءت في الكتاب الأبيض الدعوة إلى تعليم أكثر مرونة وانفتاحا حتى يستطيع الأفراد تغيير عملهم أربع أو خمس مرات في حياتهم(83). ولن يتأتى ذلك إلا بمنح الاستقلالية للمؤسسات التعليمية ودفعها لركوب التجديد وتغيير المقررات والمناهج استجابة لمنتظرات الزبناء حسب ما تتوقعه المقاولات. ومن هنا كانت ملاحظة اللجنة الأوربية التي رأت بان المؤسسات غير الممركزة هي الأكثر مرونة والمتكيفة بسرعة كبيرة والمنمية للشراكات الجديدة(84).
وأما المنظمة العالمية للشغل oit فترى بأن روح المقاولة تتمثل في اكتساب الكفايات العرضانية المرنة والسهلة الاستغلال. فأي تعليم يمكنه أن يكسبها للتلاميذ؟ وأي مادة قادرة على ذلك؟ هل التاريخ أم الجغرافيا أم العلوم الطبيعية أم التربية الفنية إلخ...؟. يتعلق الأمر في نظرها باستجابة الأنظمة التعليمية للطلبات الواقعية والمباشرة للمقاولات (85)، وهو أمر سيجعل القطاع العام مكرها على الدخول في منافسة للحصول على عقود التكوين، وبالتالي سيتمكن التلاميذ والآباء من الاختيار بكل حرية لأنهم ليسوا أمام نظام تعليمي موحد ومهيكل بصرامة. ومن جهة المؤسسات التعليمية فإنها ستفقد مع مرور الوقت، شيئا فشيئا، خصائص المؤسسة العمومية لتقدم نفسها في النهاية للطلبة والآباء كممول تجاري في مجال التعليم والطالب سيصير زبونا له مطالب تكوينية معينة. ولن يحصل ذلك، حسب OCDE، إلا إذا كانت المؤسسات تعرف انفتاحا كبيرا مقدمة خدمات متنوعة لزبناء متنوعين (86)لأن التعليم والتكوين ينبغي النظر إليهما من زاوية الطلب.
سيكون الشباب أمام وضعية تنافسية يحركهم التكيف مع السوق لإيجاد فرصة شغل. سيكون الشاب وحيدا وهو يفاوض المدرسة عن التكوين المرغوب فيه ؛ تكوين تحت الطلب، وسيكون وحيدا وهو يفاوض رب العمل لأن العلاقة بين المشغل والشغيل ستتحدد في السوق الحرة. فالكفايات تجعل المتعلم مسؤولا عن نفسه وإذا ماكان في القديم الأستاذ هو المركز فإنه في التعليم بالكفايات سيكون المتعلم هو المركز، لذلك كانت الدعوة إلى أن يتحمل التلميذ مسؤولية تعلمه طيلة حياته؛ إنه الزبون- الملك الفاقد للحقوق ومن غير ضمانات يعيش في فردنة مطلقة وظلم كبير(87).
إن أحد وجوه التفريد المتزايد نجده في نظام العمل ببطاقة الكفايات personal skill-card أو البطاقة الشخصية للكفايات. بماذا يتعلق الأمر إذن؟
وردت فكرة البطاقة الشخصية في الكتاب الأبيض الذي أصدرته اللجنة الأوربية و مما ورد فيه مايلي:" أنها وثيقة ستسمح لكل فرد بالاعتراف بمعارفه ومهاراته بالموازاة مع تحصيلها". ستنضاف هذه البطاقة للبطائق التي يتوفر عليها الأفراد كالبطائق الالكترونية البنكية الالكترونية والشخصية وغيرها من البطائق الأخرى.
ممولو المدرسة الجدد
بدا التعليم كأكبر سوق ينبغي غزوه من قبل الخواص، وخاصة وان المؤسسات المستقلة، غير الممركزة تبحث عن التمويلات في ظرف أصبح فيه التعليم قضية تجارية لما ظهرت شركات متخصصة في الدروس المسائية وشاشات التعليم والمعينات الوسائطية والبرانم التربوية إلخ...
ستعمل الشركات الخاصة على تمويل المعينات التربوية والأنشطة المدرسية الموازية إذا ما سمح لها بالإشهار داخل المؤسسات المدرسية أو تم عقد اتفاقيات مع المدارس مثل شركة نستلي التي تقدم في المدارس الابتدائية ورياض الأطفال نصائح حول وجبة الفطور الصحي حينما تقدم منتوج Nesquik "الصحي" والحلويات رأس السنة. وأما النصائح حول أمراض الأسنان فإن شركة معجون الأسنان كولكات Colgate لا تخلف الموعد في غزوها للمدارس....
وأما في التعليم الثانوي فالشركات متنوعة وكثيرة حتى ولو كانت بعيدة كل البعد عن المجال التربوي والبيداغوجي كشركة كوكاكولا التي وجدت صعوبة كبيرة في اختراق المؤسسات المدرسية فبادرت إلى صنع قرص مدمج حول وظائف المقاولة واقترحت نموذج لملء القنينات (88).
وبما أن الفضاء المدرسي أصبح مفتوحا أمام الشركات فإن إدخال الحاسوب إلى الأقسام والارتباط بشبكة الانترنت واستعمال البرانم تقدم للتلاميذ كوسائل لتحسين البيداغوجيا وتفادي الفشل الدراسي مما يخفى ملايين الدولارات التي تنفق في سبيل تلك التجهيزات، وخلق سوق داخل المدرسة بغض النظر عن مطالب المقاولات التي تنادي بتكييف المدرسة مع السوق. من جهة الشركات المتخصصة في التكنولوجيات الجديدة فإنها تعمل على تحطيم الحدود بين المدرسة وتلك الشركات، وشيئا فشيئا يموت الأستاذ، فبدأ التعليم ينفلت من السلطات العمومية لصالح الشركات والتسويق وذلك بتحفيز التلاميذ ومن خلال التلاميذ تحفيز الآباء على استهلاك التكنولوجيات الجديدة.
إن الخوصصة وأداتية التعليم تفضي إلى جعل المدرسة تحت المراقبة الخارجية للشركات والخواص مادامت أنماط أخرى من التعليم الخاص تعمل بذلك حتى تستجيب المدرسة للطلب الاقتصادي.
   
ثالثا:كتاب المدرسة العاهرة

اعتبر هذا المؤلف من بين المؤلفات التي أثارت جدلا كبيرا وترجم إلى عدة لغات في وقت وجيز. وربما يعود ذلك إلى عنوانه الماكر المليئ بالدلالات والإيحاءات والاستعارات. وهو على كل حال تتويج للمؤلفات السابقة للباحث نكو هرت.
يناقش مؤلف الكتاب كيف أصبحت المدرسة مستباحة بدعوى التجديد الذي يستهدف في واقع الحال تكييف المدرسة مع حاجات السوق والاقتصاد.وكعادة الباحث يستحضر البعد التاريخي في تحليله لقضية تسويق المدرسة، وهو التصور الثابت في طريقة كتابته.
الأستاذ و الانترنت
أصبح اليوم الحاسوب والانترنت من صميم المشهد المدرسي والجامعي؛ إذ أن كثيرا من التلاميذ والطلبة يحاولون الاستئناس بذلك في تعلمهم، وهم يرغبون تعويض الكتب الثقيلة بنقرة لولوج الانترنت أو تعويض الأستاذ ومتابعة التكوين الذاتي.
هناك مواقع ثقافية كثيرة على الانترنت مثل الموسوعات و les labos vertuels  والبرانم الديداكتيكية التي تقترحها التكنولوجيات الجديدة ، علما أن الشباب اعتاد على الألعاب الالكترونية والإبحار الالكتروني والمراسلات والحوار المباشر على الانترنت إلخ...وربما في غياب الأستاذ المؤطر سيضيع الشاب كثيرا من الوقت أمام الحاسوب(89).هل بعد المذياع والعاكس والتلفاز ومختبر اللغات والفيديو ستكون الانترنت الحل المعجز للمشاكل البيداغوجية والتأطير الفعال أم هي موضة عابرة في الوسط المدرسي؟ لا تفسر الموضة كل شئ لأنه لا يمكن المقارنة بين الاستثمارات في المعينات الديداكتيكية بالأمس ونظيراتها الكثيرة اليوم في تكنولوجيا الإعلاميات وتعدد الوسائط، بل لا ينبغي تجاهل التشجيع من اجل ذلك، وهو تشجيع لم يأت من فراغ؛ إذ يتبع أهدافا، لكن ماهي؟ 
إن أول عنصر في الإجابة على ذلك، في نظر نكو هرت، يأتي من خلال حدث لم يسترع انتباه المجموعة التربوية. إنه لقاء لشبونة في مارس سنة 2000.لقد أقر اللقاء برنامج e-learning الالكتروني رسميا، وهو التطبيق الرسمي النوعي للمشروع الأوربي e-Europeللتعليم في سياق العولمة.
يقوم مخطط e-Europe على الاعتقاد باللحاق بالولايات المتحدة الأمريكية في مجال" الثقافة الالكترونية" والاقتصاد الالكتروني والإعلاميات وتعددية الوسائط. ومن أجل ذلك دعت القمة إلى إدخال أوربا إلى الثقافة الرقمية و إدخال جميع المواطنين والأسر والمدارس والإدارات في العصر الرقمي(90).
إن الاقتصاد الرقمي هو المستقبل في نظر مسؤولي أوربا، غير أن المواطنين لا يتبعون ذلك. ومن أجل استدراك التأخر ترى اللجنة الأوربية أنه على المواطنين اكتساب الكفايات التي تمكنهم من تحصيل المعلومات على الانترنت، ولكن أيضا شراء بضاعة على الانترنت، وتعلم كيف تحصل على غرفة في فندق على الانترنت، و ثمن هاتف نقال، وكيف تحصل عليه وأنت في منزلك إلخ... (91).
ففي عالم يشجع على الاستهلاك على الويب والاستهلاك بالشفرة لم تبق للمدرسة سوى مسايرة الركب للدخول في معارك اقتصادية عالمية عوض الوطنية التي كانت أساس التنشئة المدرسية. فالاقتصاد الرقمي يجد نجاحه لما تكون المدرسة الفضاء الأمثل لتلقينه للشباب منمية ما أطلق عليه بالتعلم مدى الحياة.
الأستاذ والباترون
لم يظهر مفهوم التشغيلية فجأة إنه يتزامن والأزمة الاقتصادية على المستوى العالمي، يتزامن واقتصاد في تحول دائم، وهو لا يتأسس على المعارف المشهود بها والدبلومات والشواهد المعترف بها، وعلى الضمانات والحقوق الاجتماعية، وإنما على معارف سريعة متكيفة مع التنافسية. لايهم إن كان الشاب مطلعا على تاريخ الفلسفة فالمطلوب هو القدرة على استعمال برنامج أو ملء شبكة معينة. ذلك ما تؤكده OCDE حينما تدعو إلى استهداف ماهو عام في التكوين، استهداف كفايات نفعية في سياق مهني (92).
ستكون الكفايات المكتسبة باسم التشغيلية ومن بين تلك الكفايات نجد كفاية المرونة كالقدرة على تجديد المعارف: التعلم مدى الحياة، بغاية التكيف مع المتطلبات التكنولوجية والاجتماعية والصناعية ليظل الفرد منتجا ومتنافسا (93).
ليس التعلم مدى الحياة هو ما توحي به العبارة منذ الوهلة الأولى، إنه تعلم مراقب ومقولب ومهيكل يتماشى والمتطلبات الاقتصادية لأنه يقوم على أساس اقتصادي، أساس تجاري واضح. فمنظمة OCDE ترى أن الأنشطة التكوينية ينبغي أن تكون دينامية ليصبح الفرد متحكما في تكوينه الخاص، مستعملا الحاسوب وشبكة الانترنت. والغاية ليست هي تكوين الشباب لممارسة مهنة محددة، ولكن ليصبح الشاب والشابة مؤهلين لممارسة مهام متنوعة والتهيؤ للتكيف مع التحولات الاقتصادية وتحولات سوق الشغل كأحد الأهداف ذات الأولوية في التكوين(94).لهذا كان الإلحاح على المرونة الشاملة في إيقاعات العمل والإنتاج والغلاف الزمني الذي أضحى يستدمج عطلة نهاية الأسبوع والعمل عن بعد، والمرونة في التكوين واستكمال التكوين وفي التعاقدات بين المقاولات والأجراء....، بل أصبح الإلحاح يتزايد على إكساب الطلاب والتلاميذ ثقافة المقاولة بسن طرق جديدة في التكوين كالتناوب وعقد الشراكات وانفتاح المدرسة على المقاولات.
إن التربية الجديدة، حسب OCDE، ينبغي أن تستثير ذهنية المقاولة لدى التلاميذ(95)، وهي نفس الرؤية التي تدافع عنها طاولة المصنعين الأوربيين التي ترى بدورها وجوب إكساب المتعلم المرونة والليونة الممكنة والتمرن سنة على الأقل بإحدى المقاولات لاكتساب، كما ترى المجموعة الفرنسية، الاستعداد للعمل في جماعة والقدرة على التكيف مع التحول والتغيير واكتساب حس المسؤوليات وروح المبادرة وتذوق طعم المجهود (96).
إذن لكي يستجيب التعليم لهذه المطالب وجبت إعادة هيكلته على مستوى الأسلاك والمسالك المهنية لإضفاء نزعة تمهينية عليه، والعمل بالتناوب بين الفصل الدراسي والتدريب في المقاولات، وخلق شبكات مستقلة للتكوين تتنافس فينا بينها.والحصيلة هي التنافس بين المؤسسات والتمويل الخاص واللامركزية وانعدام الاستقرار في الوظائف وتحطيم المقررات المدرسية وتطوير اللاتكافؤ المدرسي والخضوع للباترونا...(97) .وبذلك انفتحت المدرسة على منطق السوق لتعيش على إيقاع المنافسة.والحاصل أن المرونة هي وجه من وجوه التمهين التي تطال المتعلمين والمدرسين على حد سواء.
التعليم العالي
أصبحت هيكلة التعليم العالي خاضعة لتصور جديد يقوم على تجميعها في إطار جهوي في وحدة أو شبكة جهوية للتكوين أو على شكل أقطاب تتمحور حول تخصصات معينة تعمل وفق السياق الاقتصادي والجهوي، وهي منفتحة بطبيعتها على المقاولات الخاصة والعمومية وأريد لها أن تساهم في تكوين اليد العاملة ذات المستوى العالي.
ولتحقيق تلك الأهداف ستعمل مؤسسات التعليم العالي على البحث عن مصادر التمويل بمنآى عن ميزانية الدولة، والشراكات. والمصدر الثاني للتمويل سيتأتى عن طريق "الزبناء" ، أي الطلبة.وقد جاء في تصور OCDE أن التمويل إما أن يكون عن طريق أداء تكلفة التمدرس من قبل الطالب أو الأداء المؤجل والضرائب المقتطعة من عائدات الدبلوم(98) أو عن طريق أشكال أخرى كالقروض البنكية.ومن جهة الأستاذة سيكون أداؤهم حسب الاستحقاق.
الأستاذ والتاجر
يساءل نكو هرت وهو يناقش إعلان السربون وإعلان بولونيا قائلا: ما معنى جعل الجامعات في مواجهة المناخ الاقتصادي والاجتماعي والتربوي؟ فيجيب بأن الأمر يتعلق بإدخال تعدد الاختيارات في التعليم العالي حتى لا تبقى الجامعات العمومية تحتكر الشاهدة الجامعية بالنظر للمنافسة العامة.فوحدة أوربا، حسب إعلان السربون لا ينبغي أن تقتصر على الأورو والأبناك والاقتصاد، ولكن كذلك على التربية(99).
ستتحول الجامعات بدورها شيئا فشيئا إلى مقاولات لا هم لها سوى البحث عن زبناء ومصادر التمويل معرضة عن التخصصات المعرفية أو العالمة التي لا ترتبط بسوق الشغل مباشرة لأنها ترى أن تلك التخصصات المعرفية ليست لها المردودية الممكنة وغير نفعية.
ومن جهة ثانية ساهمت التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، وخاصة شبكة الانترنت في تحول الجامعات، وبالتحديد التعليم عن بعد الذي يتجاوز المحليات والدبلومات الوطنية وتداعياتها على سيرورة التعلم اليومي بالانتقال من الكتاب إلى القرص المدمج، ومن المحاضرة إلى المجزوءة المؤدى عنها.











هوامش

1  - Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme, ed. ladecouverte.Paris.2003.p.7-8
2- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p8
3- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p9
4- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p10
5- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p11
6- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p15
7- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p17
8- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p20-24
9- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p76-77
10- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p91
11- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p93-95
12- Dominique Plihon, Le nouveau capitalisme. Ibid. p97-98
 13- Laval Christian, L'école n'est pas entreprise.ed.La découverte/poche.Paris.p21
14- Laval Christian, ibid. p 21-22
15- Laval Christian, ibid. p22-23
16- Laval Christian, ibid. p62
17- Laval Christian, ibid. p72
18- Laval Christian, ibid. p73
19- Laval Christian, ibid. p74-75
20- Laval Christian, ibid. p76
21- Laval Christian, ibid. p83-86
22- Laval Christian, ibid. p87
23- Laval Christian, ibid. p125
24- Laval Christian, ibid. p125-126
25- Laval Christian, ibid. p127-128
26- Laval Christian, ibid. p129-131
27- Laval Christian, ibid. p131
28- Laval Christian, ibid. p134-135
29- Laval Christian, ibid. p143-144
30- Laval Christian, ibid. p145-146
31- Laval Christian, ibid. p147-148
32- Laval Christian, ibid. p193-194
33- Laval Christian, ibid. p232
34- Laval Christian, ibid. p235
35- Gérard de Sélys et Nico Hirtt.Tableau noir: résister à la privatisation de l'enseignement, ed.EPO. 7eme ed.2003. Bruxelles –Belgique .p14
36- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p16
37- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p17
38- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p21-22-23
39- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p26
40- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p27
41- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p29
42- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p30
43- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p31
44- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p32
45- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p32
46- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p32
47- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p38
48- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p40
49- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p44
50- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p47
51- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p73-75
52- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p77
53- Gérard de Sélys et Nico Hirtt. Ibid. p89-90
54- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole:l'enseignement européen sous la coupe des marchés .ed.EPO. Deuxième édition Mars 2002.p133-134
55- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p144
56- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p16
57- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p18
58- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p23-24
59- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p25
60- Nico Hirtt,  Les nouveaux maitres de l'Ecole.p26
61- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p30
62- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p32
63- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p32
64- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p33
65- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p34
66- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p34-35
67- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p36
68- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p36-37
69- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p37
70- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p38
71- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p40
72- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p41
73- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p41-42
74- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p44-47
75- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p50
76- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p51-52
77- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p52
78- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p54
79- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p62
80- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p63-64
81- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p68
82- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p73
83- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p75
84- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p76
85- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p78-79
86- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p79-80
87- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p84-85-86
88- Nico Hirtt,  Les nouveaux maîtres de l'Ecole.p90
89- Nico Hirtt, L'école prostituée: l'offensive des entreprises sur l'enseignement. Editions Labor/Editions espace de libertés.2001.p11
90- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p13
91- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p14
92- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p28-29
93- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p29
94- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p30-31-32
95- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p34
96- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p35
97- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p35
98- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p39
99- Nico Hirtt, L'école prostituée. Ibid. p41-42

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage