3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

البعد الفلسفي والحس النقدي في مقررات الباكالوريا مؤلف كانديد(Candide)نموذجا

الخط









البعد الفلسفي والحس النقدي في مقررات الباكالوريا
مؤلف كانديد(Candide)نموذجا

ربيع تافسوت

عرفت المنظومة التربوية المغربية عدة تطورات عبر القرون ،لكن الأهم هو ما عرفته مع فترة الحماية الفرنسية، التي أدخلت إلى البلاد المدرسة بالشكل العصري،ثم عرفت بعد الاستقلال تدشين عدة إصلاحات ،كان كل واحد منها يروم الاستجابة لمستجدات العصر ، و العمل على إمداد المجتمع بمخرجات من شأنها تحقيق ما يسعى إليه من غايات ، باعتبار أن الاختيارات التي تتحكم في كل إصلاح للمناهج التربوية يفترض أن تكون  بمثابة ترجمة لهوية المجتمع و لفلسفته في الحياة .لذلك فقوة حضور أي مادة دراسية أو خفته لا يكون عبثيا ولا مجانيا ، بل هو أمر مقصود من طرف المقرر السياسي لمسايرة ما يعج به محيط المدرسة من مخاضات .
وقد  شكلت مرحلة الميثاق الوطني للتربية و التكوين و الكتاب الأبيض أهم المحطات في التاريخ القريب للمنظومة التربوية المغربية، لما ميزها من توافق كبير بين كافة الفاعلين و المتدخلين في الشأن التربوي ،إضافة إلى ما رافقها من ظروف جيوسياسية على مختلف الأصعدة الوطنية و الدولية أهمها دخول المغرب إلى ما اصطلح عليه بمرحلة العهد الجديد والانتقال الديمقراطي . لن ندخل في سجال الانتقادات التي وجهت لهذه المرحلة و نتائجها، لكن نشير إلى أن من أهمها أنها كانت ذات طموح مبالغ فيه، باعتمادها آخر صرخات  المرجعيات النظرية و المقاربات البيداغوجية ، فتم تبني المقاربة بالكفايات،ذات الجذور العميقة في مجال الاقتصاد وعالم المال و الأعمال .وكان من التلقائي التوجه نحو التربية على قيم بعينها، وتنمية مجموعة من الكفايات تم تصنيفهاعلى الشكل التالي: الكفايات الإستراتيجية،الكفايات التواصلية،الكفايات الثقافية،الكفايات المنهجية والكفايات التكنولوجية.[1]
وكان من نتائج هذا التوجه أن عملت الجهات الوصية على مراجعة المناهج و المقررات في مختلف المواد و الشعب و المستويات.من هذا المنطلق ارتأينا تسليط بعض الضوء على حضور الفلسفة و الحس النقدي في مناهج الباكالوريا المغربية ، حكاية :" كانديد أو التفاؤل" نموذجا(Candide ou l’optimisme)،للفيلسوف الفرنسي فولتيرVoltaire،التي تدخل ضمن مقررات السنة الثانية من سلك الباكالوريا،  مادة اللغة الفرنسية ،لجميع الشعب .فقد تم تبني اختيار دراسة المؤلفات الكاملة عوض الكتاب المدرسي المعتادLe manuel ،كما كان جاريا به العمل سابقا. تجدر الإشارة إلى كون هذا الاختيار متأرجحا بين ما هو إيجابي، بحيث يفتح هامشا واسعا للحرية في التفاوض بين أعضاء جماعة القسم  حول بناء مشاريع تربوية تقوم على الحاجيات الأساسية و الحقيقية لمختلف فئاتهم ،لكن هناك أمر غير إيجابي ألا وهو اتساع مجال تدخل ذاتية المدرس في القيام بالمهام المنوطة به، سواء بشكل مقصود أو بحكم خلفياته الثقافية و السياسية و العقدية...ولأن اللغة الفرنسية في الواقع، تعتبر جسر المجتمع المغربي نحو عالم الحداثة و مجتمع المعرفة و التكنولوجيات الحديثة، فقد حملت المدرسة على عاتقها مسؤولية جعل المتعلمين يتمكنون من الأخذ بناصية هذه اللغة، لما لها من دور في اندماجهم الإيجابي  في عالم الشغل .غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ،فمادة اللغة الفرنسية مادة حاملة بامتياز ،لذلك تم الاهتمام بالاختيار الدقيق للمؤلفات التي ستمثل طبقا موحدا لجميع  أبناء المدرسة المغربية ، العمومية و الخصوصية، طبقا يكون أرضية لا فقط لتنمية قدراتهم على مستوى تداول هذه اللغة و لكن أيضا لتمرير ما أمكن من القيم و الاتجاهات ، بات من واجب المدرسة الاضطلاع بجعل الأجيال الصاعدة تتشبع بها،نظرا لما يعرفه المجتمع من تجاذبات وصراعات بين مختلف الأطياف الفكرية و السياسية و الإيديولوجية...
فلم تكن برمجة مؤلف" كانديد أو التفاؤل" إلا تنزيلا لهذا التصور العام ،فالأمر يتعلق بالقرن الثامن عشر ، قرن الأنوار الذي أعطى نفسا جديدا لمسيرة البشرية الفكرية ،بفضل تنصيب العقل عاليا لا يعلى عليه ، ضد كل أصناف التفكير التقليدانية،كما يتعلق أيضا بصاحب المؤلف : فولتير ،أيقونة عصر الأنوار و المدافع بلا هوادة عن قيم المساواة ،التعايش والتسامح...مساهمة منه في انعتاق الإنسانية من غياهب الظلمات.وتجدرالإشارة إلى عودة  القراء القوية  مؤخرا للانكباب على أفكاره، نتيجة ما عرفته فرنسا و العالم من أحداث إرهابية ،جعلت الناس يقفون بالملموس على خطرالتعصب و التطرف،وما يشكلانه من تهديد مباشر لسلامة الأفراد و الجماعات .
إن ما يميز هذا المؤلف بشكل بارز هو جنسه الأدبي ،وحضور فلسفة صاحبه بين طياته بشكل مكثف،  تارة بشكل ضمني، وبشكل مباشر تارة أخرى .أما بخصوص الجنس الأدبي ،فهو عبارة عن حكاية (Conte)،على شاكلة الحكايات الشعبية التي تتناقلها الأجيال وتستهدف الأطفال الصغار بالخصوص ،مما جعلها تتميز بخصائص تجعلها تصنف من باب الترفيه وإدخال البهجة على القارئ الذي قد يعتقد لأول وهلة أنها موجهة فقط للصبيان،لكن سرعان ما يكتشف أنها تختلف كثيرا عن سابقاتها من القصص و الحكايات ، أولا لأنها معلومة المؤلف، رغم نشرها في أول الأمر باسم مستعار "الدكتور الألماني رالف"،الذي تبين فيما بعد أنه مجرد شخصية من نسج خيال المؤلف الحقيقي ليتملص بسهولة من كل مسؤولية عن محتويات القصة اللاذعة وغير المرحب بها، أمام جبروت الرقابة الذي كان يتهدد فولتير على غرار عدة كتاب من معاصريه ،كانت لهم صولات و جولات مع مختلف السلطات الزمانية(السياسية) منها و المطلقة(الكنسية).فبسبب آرائهم وكتاباتهم تعرضوا للسجن والنفي والملاحقات وغيرها من المضايقات...
كما أن المستجد في هذا المؤلف هو كونه ليس فقط حكاية عادية بل حكاية  فلسفية ،وهذا جنس لم يأت به أحد قبل فولتير ،فلسفية لأنها تهدف إلى تمرير ونشر نظرة معينة إلى العالم ،ومواقف فلسفية من كل الإشكاليات التي طرحت و تطرح للسجال و الحجاج الفلسفيين .إنه الجنس الذي عمل فولتير على إخراجه في قالب متميز إلى أبعد الحدود ، متوسلا في ذلك منهجا هزليا مثيرا للتهكم والسخرية من مختلف الأعطاب التي كان يعاني منها المجتمع الأوروبي بل و الإنساني في عصره،مما جعل الحكاية تعرف نجاحا باهرا ،وإقبالا من طرف الجمهور القارئ من جميع الفئات ،فقد طبعت عشرين مرة قبل وفاة مؤلفها،وهذا راجع إلى ما تزخر به من حمولات فكرية عاكسة للروح التي كانت سائدة إبان عصر الأنوار،العصر الذي توج بالثورة الفرنسية كشكل أقصى للتحولات التي كان ينشدها فلاسفة ذلك القرن،وهم المتحدثون باسم صوت العلم والعقل الرافضين لكل أنماط الفكر الماورائي،وكل أشكال التسلط السياسي و الديني.
إنه من الصعب ، بل لن نكون مبالغين إن قلنا إنه من المستحيل حصر كل ما تزخر به هذه الحكاية من مضامين ورؤى في مثل هذا المقام ،لكننا سنحاول الإشارة إلى البعض منها فقط ،فقد نهج الكاتب منهجا هجوميا ضد كل ما يتعارض مع قناعاته الفلسفية ،موظفا تقنيات السخرية الكاريكاتورية التي غالبا ما تنجح في انتزاع ابتسامة ماكرة من القارئ ،مورطة إياه في التواطؤ معه في استهزائه من الشخصيات و الأفكار و الممارسات...  وهو بذلك يدافع عما يعتقده ،وكأنه لا سبيل لمواجهة الدوغمائية الا بالسخرية كيف لا وهي الرافضة لكل مقارعة فكرية. وفي ما يلي نورد بعضا من الاختلالات التي اعتبرتها الحكاية شرورا وجب الاعتراف بطغيانها في المجتمع والتصدي لها:
1-التفاؤل كفلسفة في الحياة لدى لايبنتزLeibniz.
2-المعتقدات والممارسات الدينية المنافية للعقل و الإنسانية.
3-التعصب، العنصرية و التمييز.
4-الاستبداد و الحكم المطلق.
5-الجهل، الشعوذة والتطير.

أولا:التفاؤل كفلسفة في الحياة لدى لايبنتز Leibniz.

منذ لحظة قراءة العنوان :"كانديد أو التفاؤل" ،يتشكل لدى القارئ أفق كبير للانتظار ،وتتبادر إلى ذهنه مجموعة فرضيات حول مجريات و محتويات المؤلف ،وبمجرد الشروع في القراءة يتبين أن فولتير يضع نصب عينيه انتقاد فلسفة التفاؤل التي كان من عرابيها الفيلسوف الألماني "لايبنتز"،والذي قدم في الحكاية بطريقة كاريكاتورية تروم الحط من قيمته الفكرية والعلمية ،ولكن بطريقة هزلية ممتعة،تفضح مكامن الضعف في النظرة التفاؤلية للعالم ،فكانت سهام النقد لدى "فولتير" موجهة إلى غريمه الألماني في شخص بانغلوص Pangloss،ذلك الفيلسوف المتعالي عن الواقع ،المتعالم الذي يجعل من نفسه فهامة عصره في كل التخصصات، غير أن كل  رأسماله ليس سوى كلام في كلام ، يتهاوى بسرعة عند أول اختبار له على أرض الواقع. فقد تم تلخيص فلسفته في كون هذا العالم هو أفضل العوالم الممكن خلقها من طرف الإله الأعظم ،لذلك فكل الشرور التي تعتريه ما هي إلا شرور لا بد منها لتحقيق الخير الأكبر والعميم .إن"بانغلوص"هو أستاذ الشخصية الرئيسية:"كانديد"،فالمسكين منبهر به و دائما يصدق بإعجاب ما يتفوه به من تفاهات دون أن يساوره أدنى شك في مصداقيتها ،إلا أن مغادرته للفردوس الأرضي (قصرالبارون)ومواجهته للمجهول وواقعه المرير بمختلف شروره المستطيرة :حروب، اغتصابات،تعذيب، كوارث...كل هذا جعل ذلك  التلميذ الساذج  يخرج من شرنقة التفاؤل ويعيد النظر في هذه الفلسفة المجملة لوجه الحقيقة القبيح. لدرجة أنه لما سئل عن معنى التفاؤل ،قدم تعريفا يعكس انقلاب المفهوم لديه بعد تجارب صادمة :"إن التفاؤل هو السعار الذي يجعل المرء ،وهو في أسوإ حال،يزعم أن كل شيء على ما يرام"[2].
يهاجم فولتير التفاؤل باعتباره يجعل صاحبه يتقبل الأوضاع مهما كانت مزرية وكأنها قدر لا مناص منه ،ولا ينشد التغيير السياسي ،الديني ،الثقافي....فالتشاؤم بالنسبة إليه هو الحافز الذي يقض مضاجع الناس ويجعلهم يثورون ضد كل استبداد او استغلال من أية جهة كانت. ونشيرإلى أن توجه فولتير نحو التشاؤم كان بسبب حدث حقيقي وقع في القرن الثامن عشر ،إنه الزلزال الضخم  الذي ضرب مدينة  لشبونة البرتغالية سنة 1755،تاركا لأثر عميق في نفسه و منظوره للحياة ،فقد كفر بمسألة العناية الإلهية التي يقوم عليها علم اللاهوت( الثيولوجيا) المسيحي،  وأصبح يرى أن العالم فعلا خلق من طرف إله عظيم ،لكنه لم يتعهده بأية رعاية بل تركه يشتغل من تلقاء نفسه كما يترك الصانع الساعة تشتغل لوحدها.لذلك تكثر الشرور وستبقى دائما هي الطاغية على العالم،لكن على الإنسان أن يأخذ المبادرة للتخفيف من حدة كل الفظاعات التي تحدق به سعيا إلى خلق عالم أفضل وأقل خبثا.


ثانيا: المعتقدات و الممارسات الدينية المنافية للعقل وللإنسانية.

لقد تلقى فولتير تكوينا دينيا في بداياته داخل الطائفة اليسوعية ،لكن تفكيره أوصله إلى مواقف مخالفة لكل الديانات السماوية ،فهو يعتبر أن الله خالق الكون غير مهتم بمراقبته ولا ببعث المرسلين ولا الكتب المقدسة .وفي حكاية كانديد وجه انتقادا بكثير من السخرية إلى رجال الدين الذين يقتاتون على الخطاب المقدس دون مراعاة عقل الإنسان وكرامته ،خاصة عندما يتطرق إلى مسالة النفاق الديني و الاجتماعي .
فقد استهل قصته بمحاكاة ساخرة (parodie) لقصة بدء الخليقة، آدم وحواء، الواردة في سفر التكوين من الكتاب المقدس ،ولعله من اليسيرلدى أي قارئ اكتشاف ما بين قصتي آدم و كانديد من تناظر،  فخروج هذا الأخير من قصر البارون ، بسبب محبوبته  كونكوندCunégonde ،ما هو إلا إحالة إلى طرد آدم من الجنة بسبب زوجه حواء.[3]
إن الكاتب يسلط الضوء على عدم تطابق الأفعال مع الأقوال لدى الإكليروس  ،  كما اختص ظاهرة محاكم التفتيش بكثير من السخرية ، حيث سرد قصة الضحايا الذين أعدموا حرقا و قدموا قربانا لله من أجل استدرار رحمته حتى يوقف الزلزال الضخم الذي أتى على ثلاثة أرباع مدينة لشبونة ،لا لشيء إلا لأن ثلة من سدنة الكنيسة رأوا فيهم الشر المتسبب في الكارثة بتهم مختلفة .[4]
إن صاحب المؤلف لم يفوت أية فرصة لكي يتهكم على الممارسات الدينية غير المقبولة ،سواء تعلق الأمر بسلوك خطيب ديني لا يطبق التعاليم التي يدعو الناس إليها ،أو بالجيشين اللذين انخرطا في حرب طاحنة اختتمها  الملكان المتحاربان بإنشاد نفس الترانيم الدينية، تم ترديدها من كلا الطرفين، وكل منهما يعتقد جازما أن الله يقاتل إلى جانبه ،فكانت النتيجة سقوط عدد لا يحصى من المدنيين الأبرياء ، من النساء و العجائز خاصة.[5]دون إغفال ظاهرة الإخصاء التي تمارسها الكنيسة في حق الآلاف من الأطفال للحفاظ على نعومة أصواتهم لأداء الأناشيد الدينية[6].

ثالثا: التعصب، العنصرية والتمييز
اعتبر فولتير التعصب شرا لا يفتأ يتهدد البشرية،لذلك فإنه لم يدخر أي جهد لمحاربة هذه الآفة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بآفات أخرى منها:  العنصرية والتمييز. رغم ما لذلك من عواقب وخيمة على حياة هذا الفيلسوف الذي أدى الثمن غاليا جراء ما تعرض له من تحرشات من مختلف الخائفين على كراسيهم ومصالحهم. وقد عمل في حكاية كانديد على إبراز الأسس التي تنبني عليها هذه الظواهر الضاربة بعرض الحائط لمفاهيم الإخاء ،الإنسانية والمساواة...فهو يقدم مجموعة من الضحايا الذين يعانون منها لعدة أسباب نذكر منها:
1-الدين:
يعتقد كل مؤمن بدين معين اعتقادا راسخا بأفضلية معتقده، وبالتالي فهو يكفر المخالفين له، أي أنه يعتبرهم أعداء للإله الذي يعبده. مما يؤدي إلى صراعات لا آخر لها بين أتباع مختلف الديانات التي بدورها لا حصر لها على وجه المعمور.يشار هنا إلى أن من أسباب تبرم فولتير من الديانات الابراهيمية ( اليهودية، المسيحية، الإسلام)هومقدار الحروب و الويلات التي كان الدين محركها الأساس على مدار التاريخ.(الحروب الصليبية و الغزوات الإسلامية مثلا)بالإضافة الى ابتعاد سلوكات المتدينين وأحيانا التعاليم الدينية ، عن الرحمة و العدل والمساواة...بحيث نجد كل ديانة تعتبر نفسها الأفضل مقارنة مع الغير، مما يجعل الأتباع يطبعون بشكل غريب مع ممارسات غاية في الوحشية ، فقط لأن الضحايا من الأغيار.ضاربين بعرض الحائط الإنسانية التي تجمع بني البشر،مركزين على ما يفرقهم من معتقدات.كمثال الأميرة الإيطالية المختطفة من طرف قراصنة الجهاد البحري المغاربة،وتصارعهم للظفر بأمها الجميلة، ولأنه لا أحد منهم يقبل التنازل فقد تنازعها أربعة رجال شداد غلاظ،كل واحد يجذبها من أحد أطرافها الأربعة حتى تمزق جسدها حية بينهم.يتكرر ذلك على امتداد مساحة  الدولة دون التفريط في أداء الصلوات المفروضة.[7]
2-الطائفة:
لسوء الحظ فإن مظاهر التعصب و التمييز ،ونظرا للخبث والعبث اللذين يغذيانهما ،تطال المؤمنين حتى داخل دائرة الدين الواحد،جراء الصراعات الطائفية ومحاولة كل فرقة احتكار الحقيقة المطلقة، ورمي المخالفين بالبدعة و الهرطقة و الزندقة( اليسوعيون، الأناباتيستيونanabaptistes ،الكاثوليك...) لا شك أن الاحتراب الطائفي لا يقتصر على ديانة دون أخرى بل على الغالب أنه  يهم جميع الديانات. والأنكى أن الذين يزعمون الالتزام بالطريق الصحيح الوحيد،  تصدر منهم كل الموبقات التي تبين أنهم في آخر المطاف عباد مصالح شخصية،  وطلاب سلطة سياسية. أما مايدعونه من تقوى وارتباط بالله ، فلا يعدو أن يكون الذريعة و المطية  الأنجع لاستغلال المستضعفين والجهلة،  واستقطابهم  بغية تحقيق مكاسب دنيوية محضة.
3-العرق:
إن الجشع و تضخم الأنا يدفع بعض الشعوب إلى احتقار الأعراق المختلفة عنها ،فالأفارقة السود مثلا تعرضوا لعمليات الاتجار و الاستغلال الوحشي لكي يتمكن الجنس الابيض من تكديس رؤوس الأموال .ويبقى مقطع أسود سورينام، négre de Surinam،هو مايبين  مدى نجاح فولتير في كشف الوجه القبيح للعنصرية والاستعباد اللذين بهما تحقق الرفاه في المجتمعات التي تعتبر نفسها متحضرة.يقول هذا الأسود مجيبا كانديد عن سؤاله:"إنهم يعطوننا سروالا قصيرا مرتين في السنة .وحين نعمل في معمل سكر، وتصيب آلة أحد أصابعنا، يقطعون لنا اليد كلها ،وحين نحاول الهرب، يقطعون لنا الرجل: وقد وجدت نفسي في هاتين الحالتين.هذا هو الثمن الذي ندفعه لتأكلوا السكر في أوروبا "[8]. دون إغفال التطرق لما عاناه الأوروبيون بدورهم  من ويلات جراء عمليات القرصنة التي كانت منتشرة في شمال إفريقيا حيث كانت تعتبر و تسمى جهادا بحريا، تصادر بموجبه ممتلكات وأموال غير المسلمين، و تسبى وتباع نساؤهم في أسواق النخاسة ،و يتعرض أطفالهم للإخصاء،ليكونوا عبيدا مؤتمني الجانب مع الحريم في قصور الملوك و الأمراء .[9]
4-الجنس:
تحضر المرأة بشكل كثيف في حكاية كانديد،وهو حضور غالبا ما يضعها في مواقف لا تحسد عليها ،فقد اهتم الكاتب بإزاحة اللثام عن مختلف أشكال المعاناة التي يتعرض لها هذا الكائن البشري ،لا لشيء إلا لكونه من جنس مختلف بيولوجيا ، فمن المنظور الديني تعتبر المرأة هي المسؤولة عن طرد آدم من الجنة (الخطيئة الأصلية)،وفي تمثلات أغلب المجتمعات ليست المرأة سوى مجرد موضوع للمتعة الجنسية ،لا ترقى إلى مرتبة الذات الكاملة والفاعلة .وبهذا الصدد تعرضت كونكوند للاستغلال الجنسي بالتناوب من طرف شخصيتين ،يهودية و مسيحية.[10]وتم سرد قصة شروع جيش المسلمين المحاصر في أكل لحم النساء عزما منهم على عدم الاستسلام للعدو ، وإلقاء الإمام لخطبة تحثهم على عدم ذبحهن، بل الاكتفاء بتقطيع اللحم من مؤخراتهن تفاديا لنفاذ المخزون.
تلك إذن بعض المعايير التي يصنف بموجبها بنو البشر والتي جعلتهم يعتبرون الكل عدوا للكل،فكانت صرخة مدوية حين كتب فولتير :" ليت الناس  يتذكرون أنهم كلهم  أخوة !"[11]حتى يسترجعوا طعم الحياة المفقود جراء التعصب الأعمى بمختلف تمظهراته.
رابعا: الاستبداد و الحكم المطلق
عندما كان كانديد على أهبة استقباله من طرف ملك بلاد الإيلدورادو Eldorado،طرح سؤالا على أحد ضباط القصر: "كيف هي طريقة تحية جلالة الملك؟ هل يجب أن نجثو على الركبتين أو نستلقي على البطن، أم يجب أن نضع أيدينا على الرأس، أم على المؤخرة؟ أم يجب أن نلعق الغبار عن أرضية الغرفة؟باختصار ماهي الطقوس المعتمدة؟"  يجيبه الضابط:" تقتضي الطقوس تقبيل الملك على خديه."[12]
هذا المقطع يقدم صورة واضحة ومعبرة  عن الملكيات التي كانت تسود وتتحكم في بلدان أوروبا و العالم، ملكيات تقوم على احتكار كل السلطات (تشريعية ،تنفيذية، قضائية)  في يد شخص الملك ،كما تقوم على مفهوم التفويض الالهي، في تحالف وثيق بين الكنيسة و الملكية لإضفاء الشرعية على كل مظاهر الاستبداد و الطغيان المطلقين، في هذه الحكاية لا يكتفي فولتير بمهاجمة هذا النمط من الحكم ،لكنه يقدم بديلا أفضل من وجهة نظره ،إنه الاستبداد المستنير.وقد وظف عدة محطات في الحكاية لتقديم هذا البديل بشكل سلس و غير مباشر ،[13]حيث وجد كانديد نفسه في بلاد العجائب، "الايلدورادو"، البلاد التي يحكمها ملك ليس كالملوك، ملك قمة في الإنسانية والتواضع، يحكم شعبا يقدس العلم و العمل (صناعة، فلاحة، بحث علمي ...). وتنعدم لديه الكنائس و المحاكم و السجون ،ولا وجود فيه للطقوس الدينية الميكانيكية و الفارغة، ولا للتناحر الطائفي و العقدي .نتيجة ذلك أن أبناء البلد باتوا يعيشون حياة الرفاه و السعادة ،حياة ملؤها الطيبوبة والخير و سائر القيم النبيلة ،من محبة و كرامة وحرية و مساواة بين المواطنين و بين الجنسين. وقد ذكر ذلك كله غمزا إلى درجة ما وصلت اليه الأنظمة الملكية الموغلة في الاستعباد و الاستغلال اللاإنساني دون حسيب ولا رقيب، مما يبرر تصور فولتير لنظام الحكم ،حيث يقترح استمرار النظام الملكي ،لكن في حلة جديدة ،تتميز بتقريب الملك لنخبة من الفلاسفة ،يساهمون في صنع القرار السياسي ،بكل حكمة و ترو ،في مراعاة كاملة لقيم العدل و الحرية و المساواة ...باستبعاد تام لكل تسلط مزاجي و غير مؤسس على قواعد سليمة لعيش مشترك ضامن لأن يكون أي فرد في البلاد مؤتمنا على حقوقه و مستقبله ، ليتفرغ لإبراز قدراته والمساهمة في ازدهار مجتمعه.
خامسا:الجهل،التطيروالشعوذة
إن الخيط الناظم لمجريات هذه الحكاية الفلسفية هو تطور شخصية كانديد من مرحلة الطهر و البراءة من جهة و الجهل و السذاجة من جهة اخرى، نحو التعلم من مدرسة الحياة وتفتح العقل على حقيقة النواميس المتحكمة في حياة الافراد و الجماعات والبشرية على العموم. أي أن رحلته الطويلة عبر أقطار المعمور بعد خروجه مرغما من الفردوس الأرضي ،قصر السيد البارون[14]،وصولا إلى إنشائه لمزرعة صغيرة في آخر المطاف ،[15] كل ذلك سيجعل منه إنسانا بقناعات و مواقف أكثر نضجا و عقلانية، وعلى طول المحطات التي مر منها كان يضع أفكاره المستمدة من أستاذه بانغلوص على المحك ،تلك إذن وسيلة من فولتير ليحارب ما كان متفاقما في المجتمع من مظاهر التخلف و التعلق بالغيبيات البعيدة كل البعد عن التحليل العلمي السليم، وكأن كانديد يمثل مسيرة تطور البشرية من البدائية إلى التحضر.
ففي مقطع قتل المهرطقين حرقا ، L’autodafé،  المنظم من طرف محاكم التفتيش[16]،يقدم الكاتب صورة منفرة لظاهرة كانت تنخر مختلف المجتمعات ،يتعلق الأمر بإقامة العلاقة السببية  بين مختلف الظواهر و الكوارث الطبيعية المدمرة ، وسلوكيات الناس ،فقد اعتبر زلزال لشبونة من طرف حكماء البلاد غضبا إلهيا بسبب المعاصي و الانحرافات عن الصراط المستقيم ،فاتخذ القرار على مستوى جامعة Coïmbre للتخلص من العصاة .إنها طريقة ساخرة لإظهار محدودية و سطحية هذا النوع من التبريرات التي لا تستحق في آخر المطاف سوى التهكم بل والشفقة ،خاصة عندما تفعل سخرية القدر فعلتها ويعود الزلزال بهزة أخرى أكثر قوة وتدميرا، مباشرة بعد إقامة طقوس الحرق المقدس .
يورد الراوي وضعية أخرى مثيرة للاهتمام، وذلك عندما يقص بانغلوص مجريات نجاته من الإعدام أثناء مراسيم "الاوطوضافي" ،ولأنه دخل في غيبوبة فإن جسده قد بيع لأحد الجراحين على أساس أنه جثة هامدة ،بغرض توظيفها في تجارب طبية وتشريحها، لكن الميت يستفيق من وقع ألم المشرط ،مما خلق حالة من الرعب الشديد لدى السيد الجراح ورفيقته الجراحة، ولم يجدا تفسيرا لما وقع سوى كون الجثة مملوكة و مسكونة من طرف الجن ،كيف لا وهي تعود لشخص مارق عن الملة، فكان لا بد لهما من البحث عن أحد الكهنة ليطهرها من الأرواح الشريرة[17].إن كان هذا حال المشتغلين في مجال الطب ،كواحد من العلوم الحقة ،فما بالنا بعامة الناس إذن؟
وعلى سبيل الختام، نحن نثمن عاليا اعتماد هذا المؤلف ليكون مادة مدرسة لجميع أبناء المغاربة مادام يساهم في انخراطهم في المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي الذي ما انفكت القوى الحية في البلاد تنادي إلى تصريفه على أرض الواقع من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل و المعيش اليومي للمواطنين.في إطار انفتاح المدرسة على محيطها. ولا نرى مانعا في أن يستمر تدريسه لسنوات أخر ،إلا إذا تم اختيار غيره من المؤلفات خدمة لنفس الأهداف ،والتي من جملتها :
ü    تنمية الحس النقدي لدى المتعلمين.
ü    تنسيب المعرفة لديهم وإبعادهم عن أي فكر إطلاقي دوغمائي.
ü    دفعهم إلى أكبر قدر ممكن من الاستقلالية الفكرية ،وتمكينهم من تعلم التعلم ،إعدادا لهم للحياة وتحدياتها ...
كما أنه من الجدير طرح السؤال التالي: هل فعلا يحمل المدرسون هم استثمار وتمثل محتويات و فلسفة هذه الحكاية ؟إن ذلك يتوقف على مدى اجتهاد المدرس في تأديته لواجبه من جهة ،واقتناعه برسالته النبيلة من  جهة اخرى ،وعدم تقوقعه في جبة الموظف الأجير الذي لا يربطه بعمله الا عقدة الأجر الشهري. إن فلسفة المؤلف تستمد قوتها من كونها تبقى راهنية بشكل كبير ،رغم أن ظروف انبثاقها تعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي ،لكنها ليست مجرد حوادث تاريخية ،بل هي خارطة طريق للمجتمعات التي تنشد الالتحاق بركب الحضارة والإسهام فيها بالبناء و الخلق ،لا بالتدمير و الترهيب .لذلك فإننا نرى أن في ذلك نموذجا جيدا لمدى قدرة الفلسفة أن تبسط أدرعها لتحتضن جميع المواد الدراسية دون استثناء،وهي دعوة لدفع مزيد من التخصصات لاستلهام روح الفلسفة والنهل من نفسها العميق ،لخلق منظور مختلف للإنسان وللعالم ،أكثر رحابة وتبصرا ،ولجعل الإنسان غاية الوجود التي تضمحل أمامها باقي الغايات .وإن من شأن ذلك تفادي إحدى طامات المنظومة التربوية المغربية ، ألا وهي تضارب مضامين بعض المواد ،واشتغال كل واحدة منها بمعزل عن الأخريات ،حيث يجد المتعلم نفسه ينتقل بينها وكأنها جزيرات متناثرة ،كثيرا ما يؤرقه ما بينها من تشنجات ،فضلا  عن فقدان النسقية فيما يكتسبه من أنماط فكرية ،تجعله عرضة لمختلف التيارات الجارفة و المنحرفة التي تتقاذف الوطن والعالم في أيامنا هذه.





الكتاب الأبيض[1]
 كانديد، الفصل :6[2]
 كانديد، الفصل :1[3]
كانديد، الفصل :6[4]
 كانديد، الفصل :3[5]
 كانديد، الفصل :12[6]
 كانديد، الفصل : 12  [7]
كانديد، الفصل :19[8]
كانديد، الفصلان : 11و12 [9]
كانديد، الفصل :9[10]
رسالة في التسامح، الفصل:23[11]
كانديد، الفصل :6 [12]
 كانديد، الفصل :17و18[13]
 كانديد، الفصل :1[14]
 كانديد، الفصل :30[15]
 كانديد، الفصل :6[16]
كانديد، الفصل :28[17]



هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage