3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

يوحنا هنري بستالوزي(1746-1827)

الخط






















يوحنا هنري بستالوزي(1746-1827)
عمراني مغانيم
حسن خيتــاس




ولادتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه:
 ولد في مدينة زيورخ بسويسرا سنة( 1746 ) من عائلة متوسطة الحال توفي والده وهو في الخامسة من عمره وظل تحت رعاية أمه مع أخيه وأخته الصغيرة وكانت سيدة طيبة وتقية ورعة كرست كل وقتها واهتمامها في تربية أطفالها.
 نشأتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه :

نشأ بستالوزي في بيئة نسائية مع أمه مما أبعده عن أصدقاء سنه فأثر هذا عليه وأبعده عن خشونة الرجال وقوة التحمل وظل محروماً من مخالطة الناس. شب بستالوزي قليل الثقة بنفسه سهل الانخداع ضعيف الإرادة يحب الوحدة ويتهيب المجالس والمجتمعات مما اثر على نجاحه في أعماله ، ولكنه في مقابل هذه الصفات كان عميق التفكير جامح الخيال يحب القراءة والعطف على البائسين والفقراء ، وكان له جد قسيس يزوره من وقت لآخر وينتقل معه في زياراته للتعميد والتكليل ، وكان له عم طبيب يزوره من حين لآخر ويرافقه في زيارة المرضى كل هذا اثر فيه وجعل طبيعته ميالة إلى العطف على الفقراء.

التحق بستالوزي بجامعة زيورخ بعد ما أتم دراسته الابتدائية وتعليمه الثانوي وفي الجامعة تتلمذ على يد بعض الأساتذة الذين كانوا يغرسون في نفوس الطلاب حب الحرية والخير، ويولدون فيهم ميلاً شديداً إلى خدمة الشعب.
  درس في الجامعة اللاهوت بقصد إيقاظ الناس بالمواعظ الدينية بجانب دراسته الفلسفة اليونانية واللغة العبرية والتاريخ ، وتحول عنها إلى دراسة الحقوق بقصدالدفاع عن المظلومين ، إلا أنه عدل عن هذه الدراسة أيضاً وعزم على الاشتغال بالزراعة لأجل أن يعيش عيشة حرة. فسعى للحصول على مزرعة خاصة به ليقوم فيها بالتجريب في الزراعة مستهدفاً زيادة إنتاج المحاصيل وقد بنى في حديقته دارا اًسماها ( نيوهوف ) عاش فيها مع زوجته وابنه يعقوب تاركاً كل دراساته السابقة ولكن عندما بدأ يربي ابنه بدأ يفكر في قضايا التربية وقد تأثر بآراء " روسو" في تربيته لابنه وأخذ بستالوزي ينشر نتائج تربيته من ملاحظاته على ابنه الذي لم يهمل الكتب في تربيته ، وقد أوضح أن الفقراء يمكن أن يكسبوا قوتهم من الزراعة والصناعة ، كما أنهم يمكن أن يكونوا مواطنين صالحين مهذبين على خلق والسبيل إلى ذلك التربية والتعليم والبعد عن الجهل والفساد ، وكان في خطاباته لخطيبته يقول" أبنائي يجب أن يركزوا على فلاحة الأرض حتى ولو تلقوا أرق وأرقى ما يمكن من التهذيب الفعلي لأنني لا أود أن أكون اباً لحضريين عاطلين "وبعد أن صار أباً وأخذ يسجل ملاحظاته عن ابنه كتب يقول" إن ابني سيكون يوماً ما حاكماً لي أو علي فيا ر بي احفظني من زلة إلقاء الشر في هذا القلب الصافي ".وقد قام بستالوزي بعدة تجارب تربوية حاول تطبيق أفكاره ونظرياته في تعليم الصغار ، و قد بدأت تلك التجارب في حوالي عام 1775 في منزله الذي أسماه"نيوهوف " ، ثم تجربة " ستنانز " عام 1798 ، وفي عام 1800 قام بتجربة"برجدورف" ، وكانت آخر تجاربه التربوية هي تجربة " إيفردون " والتي استمرت عشرين عاماً من 1805 إلى 1825 ، والتي بعدها عاد إلى " نيوهوف " منزله الأصلي وتوفي بعد عامين من عودته .

تجاربه التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــربوية:

1- تجربـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة نيوهوف:
أسهمت زوجته بمالها في تحقيق أمانيه إذ أسس في نيوهوف سنة (1775 ) مدرسة صناعية جمع فيها ما يقرب من عشرين طفلاً من أبناء الفقراء والمشردين من الذكور والإناث وتولى تربيتهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه ، وبدأ يصرف عليهم ويأويهم معه في منزله ، وكان يعلم الأولاد الزراعة والعمل في الحدائق ، أما الإناث فكان يعلمهم بمساعدة زوجته أعمال المنزل والخياطة وأشغال الإبرة والطهي وكان خلال هذه الأعمال يناقشهم ويوجه أنظارهم إلى الطبيعة وعظمة الخالق ويحفظهم الإنجيل فتعلموا مبادئ الدين والعلوم ، ولم تمض شهور حتى قويت أجسامهم وتحسنت طباعهم ونمت عقولهم ومداركهم ، واكتسبت أيديهم المهارة في العمل ولكنه مع فرحة النجاح ، ضم إليه مجموعة أخرى من الأطفال فزاد العبء المالي عليه ، واستدان واضطر إلى أن يسرح الأطفال ، وأغلق المدرسة عام 1780 وكان هذا ثاني فشل انضم إلى فشله الأول الذي بدأ به حياته العملية ، وخرج من هذه التجربة بأنه إذا أحس الطفل عطفاً ورعاية فلن يقترف السلوك الشائن.

2تجربـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ستانز:

بعد حادثة إغارة الفرنسيين على قرية استانز عام 1789 اضطرت الحكومة إلى الاهتمام بأمر الأيتام فقررت أن تؤسس ملجأً خاصاً لأيتام هذه المدينة وعهدت الحكومة له بتأسيس الملجأ وإدارته ، وهكذا وجد بستالوزي الفرصة في تجريب نظرياته في تعليم الصغار ، تلك النظريات التي بنيت على المبدأ القائل بأن التعليم الصحيح يحدث عندما يرتبط العمل والنشاط بالتعليم النظري.لقد كان عمل بستالوزي في تجربة استانز يقوم على سد حاجات الصغاراليومية أولاً ، ثم معاملتهم بالشفقة والمحبة خلال تلقيهم للانطباعات الحسية والخبرة ومزاولتهم للنشاط والعمل، وذلك لتنمية النواحي العاطفية فيهم ، ثم يبدأ في تدريبهم حتى يمكنهم أن يستفيدوا من عواطفهم ويمارسوها في بيئاتهم ومحيطهم الخاص.وخرج بستالوزي من هذه التجربة بفكرته الشهيرة" لا يوجد انطباع دون التعبير عنه ".

3تجربــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة برجدورف:

حاول بستالوزي أن يجرب طريقة جعل الموضوع محسوساً وذلك بمشاهدة الموضوع مباشرة ، والتعرف عليه عن طريق الحواس ، وقد يحاول أن يجعل موضوع الدرس مناسباً لمستوى إدراك الطفل فلا يحمله مالا يطيقه إدراكه الحسي وهكذا يكون التعليم مبنياً على أسس نفسية.
( برجدورف ) لإعداد معلمين يسيرون وفق طريقته في التعليم عند التخرج ، وكانت فترة الإعداد التي اقترحها ثلاثة أشهر ، ثم انضم للعمل معه في قلعة ( برجدورف ) عام 1801 عدد منالمدرسين الشبان المؤمنين بالفكر التقدمي في التربية ، الذي اشتهر به بستالوزي. وكان الهدف الذي يسعى إليه في تجربته هذه تعليم الأطفال عن طريق تنميةحواسهم وقدراتهم الذاتية ، وليس شحن عقولهم بالمعلومات ، أي أن أسلوب التعليم كانأهم من نتائجه ، ولم يكن بستالوزي يشترك في عملية التعليم ولكنه كان يخطط لطريقةالتعليم الجديدة التي ابتكرها.

4- تجربــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة إيفردون:
تعد هذه التجربة خاتمة تجاربه التربوية في تعليم الصغار ، وقد شغل معهدإيفردون – قلعة قديمة كانت تشمل عدداً مناسباً من القاعات الفسيحة التي تصلح للدراسة ، وبها عنابر لإقامة التلاميذ وقاعات للاجتماعات –وكان المعهد يضم عدداًكبيراً من العاملين والتلاميذ ، وصل بعد عامين من إنشائه إلى مائتين وخمسين فرداًمن جنسيات ومن بنين وبنات ، ومن مختلف البيئات وقد عنى بستالوزي بغذائهم الذيراعى فيه النظافة والكفاية دون الترف ، وجعل الألعاب والغناء من الأنشطة التي تتخلل الدروس العلمية والعملية.شعر بستالوزي بحالة من الرضا والاستقرار النفسي في تجربة إيفردون مماجعل قدرته على تجسيد أفكاره التربوية أفضل مما كانت عليه من قبل ، فبدأ في وضع رأيه في طريقة التدريس للصغار التي أسماها الطريقة،
The Method (1806) ، عندما كان يعيش في حجرة صغيرة.
- معظم مبادئه التربوية بين عامي 1805 في أعلى المبنى بقلعة إيفردون .وفي عام 1825 وبعد حوالي عشرين عاماً من عمل بستالوزي المتواصل في معهد إيفردون.
– ذلك العمل الذي أكسبه شهره واسعة في العالم المتحضر.
– أغلق المعهد أبوابه بسبب سوء إداراته.وأخيراً عاد بستالوزي إلى نيوهوف منزله الأصلي هو وحفيده الوحيد وتوفي بعد عامين من عودته ، وقد كتب على قبره ملخص حياته: " هنا يستريح هنري(بستالوزي) المولود في زيورخ كانون الثاني ( 1746 ) والمتوفى في شباط ( 1827)" :
 واعظ الخلق في ليونارد وجرترود.
– حامي الفقراء في نيوهوف- أبو الأيتام في استانز.
– مؤسس المدرسة العامة في برجدورف.
– مربي البشر في "إيفردون".
ونجد أن أفكار بستالوزي التربوية والتي حاول تطبيقها في تجاربه السابقة كان لها اثر كبير في مؤلفاته والتي منها" ساعات الناسك الليلية " وضع فيها آراؤه التربوية ومذاهبه إلى جانب التصوف والتدين ، وقد نصحه أحد أصدقائه أن يجرب كتابة القصص فقد ينجح في ذلك ويتمكن من العيش منها بعد فشله في نيوهوف وخصوصا أن زوجته وابنه تركاه بعد فشله وتراكم الديون عليه، وفعلاً ألف كتاب على شكل قصةسماه ( ليونارد وجرترود ) وجعل جرتورد هي السيدة القروية التي استطاعت بحسن خلقها وطيبتها أن تصلح حال زوجها ليونارد السكير المدمن حتى صار صالحاً مثلهاوجعل هذه السيدة تقوم على رعاية أبنائها وأبناء جيرانها بنجاح ، وبعد طبع الروايةسنة ( 1781 ) لاقت نجاحاً واكتسب بستالوزي شهرة كبيرة في كل العالم الألماني .
ومن أقواله المشهورة عندما عفى عليه الدهر" عشت كالشحاذ لأعلم الشاحاذين أن يعيشوا مثل الإنسان ".
آراؤه التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــربوية:

1- يرى بستالوزي أن الهدف من التربية هو مساعدة الطفل على تنمية قواه العقلية وإيقاظ مواهبه الكافية وليس ملء رأسه بالعلوم التي قد لا يحبها ولا يحتاجها في حياته.

2- جعل حواس الطفل المختلفة وعمله هي أبوابه إلى المعرفة والعلم.

3- جعل الملاحظة هي أساس التعليم الصحيح من خلال عمل الطفل وإشراك
حواسه ومن هنا نادى بأهمية الملاحظة من خلال التجارب العملية وتوجيه نظر الأطفال إلى ما حولهم من مناظر الطبيعة حتى يتفاعلو ا معها ويشاركوا في فحصها والتعرف على أشكالها وألوانها وأجزائها ثم التعبير عنها .

4- نادى باستخدام المحسوسات في تعليم الحساب ، ورأى أن ذلك ممكن خلال
قطع الأحجار أو الحلوى أو أصابع اليد أو أعضاء الجسم أو الخرز ، وكذلك الجغرافيا يمكن تعلمها من خلال تعرف الطفل على بيئته المحلية أولاًوملاحظة ما فيها ومعالمها ثم عمل النماذج لما حوله من بحار وأشجار ، وبعد ذلك يمكن عمل المصورات تمهيداً لعمل الخرائط وإدخال الألعاب والجولات والرحلات للأطفال في المدارس.

5- يرى ضرورة تعليم الطفل التفكير والتكلم والملاحظة وكشف قواه الذاتية ، وأن
هذا لن يأتي عن طريق الكتابة والقراءة والحساب فقط ، فتعلم المفردات دون ربطها بمعان واضحة في ذهن الطفل غير مجدية .

6- يرى ضرورة التسلسل في عملية التعلم إذ يجب البدء بالسهل ثم الصعب ثم الأصعب وأيضا من البسيط إ لى المركب والبدء من بيئة الطفل وما حوله مع مراعاة حاجات الطفل ثم الانتقال إلى غيره .

7- على المعلم أن لا ينتقل تاركاً ما بدأ به غيره قبل أن يتأكد من استيعاب الطفل له.

8- يرى أن الحب والتعاطف والتواد هي الرابطة الأساسية التي تتيح للطفل التعلم أما القسوة فهي تشوه العملية التربوية ، وتنفر الطفل منها ، وتطفئ في نفسه العواطف وتوقف التفكير وتفسد الطبيعة الفطرية الحسنة في الطفل .

9- اهتم بستالوزي بالتربية المنزلية حيث يرى أنها أساس سعادة الأفراد والشعوب لذا كان يرى أن المدرسة لابد وأن تكون صورة من الأسرة المتحابة والسوية .

10- يرى أن المعلم لا يجب أن يحمل الحقائق إلى الطلاب حملاً أو أن ينقلها إليه منقلاً بل يتركه تأتي دون أن يستعجل الانكشاف الطبيعي من الطفل لأن الطبيعة تحيط الطفل العليا بقشرة تحافظ عليها وإذا استعجل المعلم كسر القشرة قبل أن يتأكد من نضج الثمرة الداخلية أدى ذلك إلى إتلاف الثمرة وإضعاف القوة الكامنة فيها.
 11- أن التربية تستهدف العقل والقلب واليد معاً أي أنها تقوي مدارك الطفل وتقوم خلقه وتدربه على مهنة تكفل له الحياة.



                                          

تعتبر رسالة بيستالوزي من التراث البيداغوجي، و لهذا فقد تم دراستها من الجانب التاريخي و الفلسفي والتربوي و سنحاول بدورنا التركيز على هذا الشق الأخير في تحليلنا و ترجمتنا لنص الرسالة.
و قبل هذا سنقوم بإعطاء نبذة عن حياة هذا الفيلسوف الذي ترك بصمته واضحة في الميدان التربوي وخصوصا تربية الأطفال.
و لهذا، أصبح ممكنا لي أن أطبق برامجي التربوية الخاصة و وضعها بين يدي الكبير (Le Grand)  والذي ساعدني على توفير الحاجيات اللازمة لتربية هؤلاء الأطفال الأيتام و الفقراء، حيث وضعت خطة عمل تربوية و التي وافق عليها السيد الوزير Stopfer بصدر رحب.
و كانت مأساة Unterwald في شتنبر 1879 مكان منطلقي في العمل بعد أن أكدت الحكومة على ضرورة الاستعجال في إنقاذ المنطقة، و وفرت لي بناية URSULINES بستانز و لكن العدد الهائل من الأيتام و المتخلى عنهم الذين قدموا فاق كل التوقعات، بحيث لم يستوعبهم المكان و مازالت ظروف السكن اللائقة لم تكتمل بعد فيه، مما جعل البداية متعثرة و صعبة و اكتفيت بغرفة من 24 قدما كنقطة انطلاق في نفس الوقت التي تجري فيها الإصلاحات داخل المبنى. و هذا كله أرغمني على إعادة بعض الأطفال ليبيتوا في منازلهم نظرا لعدم توفر الأسرّة و لكنهم يعودون كل صباح في حالة مزرية نظرا لظروف عيشهم القاسية.    
و لكن ما كان يقلقني جدا عند هؤلاء الأطفال هو الانعدام التام لبوادر تعليمية حيث كانوا أمّيين لا يعرفون أدنى شئ عن التربية و النظام، غير أن الطبيعة و تأثيرها كان واضحا عليهم، حيث استمدوا جميع الهاماتهم منها.
و ما كان يجب فقط هو نزع الوحشية من هؤلاء المتشردين لإظهار باطنهم البراق و الجميل، مثلما تفعل شمس الربيع بأرض أصبحت قاسية بفعل الشتاء.
و كان هذا ممكنا و متماشيا مع فلسفتي التربوية التي أجعل فيها من الطبيعة المكوّن و المربّي الأساسي في منهجيتي؛ و لا أنكر أنني عانيت الأمرين في حلمي هذا حيث لم أستطع أن أجد من يمكن أن يساعدني في محنتي و اضطررت للعمل وحيدا مع هؤلاء الأطفال و كانت معي امرأة تتكلف بالطبخ  وترتيب المنزل. فقد كنا فعلا شمعتين تذوبان من اجل تربية هؤلاء الأيتام، و كانت الطبيعة و الحاجة اليومية لهم من عوض علي مساعدة المربيين.
فلقد كنت متأكدا أن المعلمين المكوّنين لن يتماشوا مع فلسفتي، فقد كنت ملزما بتوضيح معالمها لوحدي، حيث أردت أن أبرهن للجميع أن التربية المنزلية (الأليفة) يجب أن يحتذى بها في التربية الحكومية حيث لن تكون لها قيمة إنسانية سوى أن اقتدت بالأولى.
إن المربي لن يكون ناجحا إلا إذا كان في نفس الوقت أبا و مدرّسا، و حيث يحس الأطفال أنه يتفاعل مع  مشاعرهم.
الإنسان يريد في غالب الأحيان الخير و يريد أن يراه ؛كما يتخيله؛ في الطفل، و لكن هذا خطأ لأن السعادة تكون في مخيلة الطفل، و يجب على المربي أن ينصاع لها كما يراها الصغير، كل ما يجعل من الطفل "أنا استطيع" فهو يريده، و يجب أن يترجم هذا في الأفعال.
و كان همي الأكبر هو كسب ثقة الأطفال حتى أتمكن من تيسير عملي، و كان هذا شاقا حيث اعترضنني عدة حواجز في طريقي نظرا لصعوبة الظروف التي ورثت بعد الحرب الضارية بالنار والسيف، أفقدتني كل ثقة في الحكومة.
و كنت غريبا بالنسبة لهم نظرا للظروف المشحونة بالدين و السياسة التي كانت تسود آنذاك، مما أرغمني على الزيادة في ترحابي و سعة قلبي و أكثرت من العناية بهم حيث كان كل خير يشعرون به يأتي من يدي، و كنت دائما حاضرا معهم أشاركهم ابتساماتهم و حزنهم و اقتات معهم و لم يكن لي أحد سواهم في حياتي، حتى شعرنا أننا في عالم آخر خارج ستانز، لكن سرعان من بدأ بعضهم يمل و يمرض نتيجة تغير النظام الغذائي، و هذا كله عقد بدايتي.
و بعد تتبعي و ملاحظتي اليومية تبين لي أن هذه العلل التي مرت بهم كانت بالعكس نافعة لتطورهم الجسمي و ليس كما يعتقد عامة الناس، و سرعان ما تغير الأطفال في بنيتهم الجسمانية إلى الأحسن حتى أنهم أصبحوا غير معروفين عن ذي قبل.
و لكن رغم هذا كانت عائلاتهم التي تزورهم ترغّبهم على العودة إلى المنزل و الرحيل عن مكاني،  و كان وقت زيارتهم الأحد فعلا رحل بعضهم لكن سرعان ما يرجعون من جديد، حتى أني شبهت المكان بأعشاش الحمام منهم من يطير بعيدا و آخرون يرجعون في نفس الوقت.
و كانت كل عائلة تملي علي شروطها حتى تعطي ابنها الإذن للبقاء، لأن ما يحز في القلب أن بعض العائلات كانت تستعملهم للتسول، و كانت فعلا بداية صعبة لأن النتيجة (التغيير) لا يمكن أن يطرأ في الحين.
و كان كل طفل يبوح لي و يقول بأنه سعيد معي أكثر منه في منزل العائلة؛ و توطدت العلاقة بيننا فأصبحوا يتأقلمون مع الجو الجديد و بدأ المبنى يكبر حتى صار يتسع لثمانين سنة 1799.
و أبدوا(أي الأطفال) رغبة في التعلم حتى عندما أطرح لهم سؤالي في المساء "أبنائي ماذا تودون فعله الآن الذهاب الى النوم أو التعلم ؟ " و كانوا يجيبونني "التعلم". رغم ذلك كان هناك من الأطفال من لم يستطع الخروج من وحشيته، مما أرغمني على بذل جهد أكبر لتجاوز هذه الحالات.
عندما تسهر ليالي بدون نوم لكي تقول في كلمتين ما يشرحه الآخرون في أعوام، فلا تندم على سهرك وكنت دائم الحوار معهم و أطرح عليهم الأسئلة لملاحظة مدى تجاوبهم معي.
فالرغبة في تحسين وضعيتهم كانت دائما تحدوهم و تضع فيهم الطموح و الحلم بغد أفضل، فلقد كنت أطرح عليهم أسئلة توقظ فيهم حس التفكير و الخيال، فمثلا كنت أسألهم: "ألا تحبون، أن تعيشوا بين الفقراء و تدرسوهم و تربوهم و تجعلوا منهم أناسا مثقفين" و كان هذا يجعلهم يبكون و يجيبون  "بالطبع نعم إن استطعنا" و يفهمون من ذلك أيضا أن التغيير ممكن، و الأمل في معيشة أفضل تعطيهم القوة في الاستمرار و حاولت أيضا أن ازرع فيهم حب إشراك الآخرين في أقل ما يجدون و يتقاسمون مع الأطفال الفقراء أبسط الأشياء.
حاولت دائما أن انطلق من تجاربهم لكي نستنتج مبادئ حياة سعيدة، و تطبيقها في الحين.
و لعب الصمت دورا مهما في تجربتي هذه، فلقد تمكن الأطفال تعلم مبادئ عظيمة من أشياء بسيطة كالتركيز على أحد أصابع اليد عند النطق بالجمل.
فعدم توفرهم على أي تربية حتى أنهم أميين لم يكن لي عائقا، بل بالعكس كان ذلك ايجابيا بالنسبة لي حيث تمكنت من تحرير بيداغوجيتي بشكل سهل.
و كان أطفالي طيبون و لطيفين و لكن عندما أرى أن بعضهم يقسو و يستعمل ألفاظا غير لائقة كنت اضطر إلى العنف الجسدي.
إن لجوئي إلى هذا النوع من التربية القاسية ناتج عن الاختلاف و التنوع الكبير في أطفالي و هذا كان يخلق الثقة في نفوس الضعفاء حتى يبقى الجميع ملتئما.
وإن هذا الإجراء يبقى استثناء، و يتفهم المتعلمون هذا، حيث يقدرون شخصيتي لوجودي دائما معهم، لذلك فعندما يوبخ الأب ابنه يبقى دون اثر بالعكس إن صدر من معلمه حيث عدم تواجد هذا الأخير مع الطفل يخلق ذلك الانطباع السلبي.
فعندما أضرب احدهم فإنه يترجم من طرف الطفل بأنني أحبه و لا أريد منه تصرفا سيئا مماثلا.
فاعلم صديقي، أن التربية الأليفة تعطي أثارا ايجابية أكثر و تربي داخل نفوس الأطفال هذا الرباط العائلي الحميمي.
التربية الخلقية تعتمد على ثلاث محاور:
         أ – إيقاظ الأحاسيس الراقية.
         ب – فرض جهد الـنفـس.
         ج – إيقاظ التفكير و التحليل بالاعتماد على المبادئ القانونية.
فالإحساس بالحق و العدل الكامن بهم كان يثمن و يقوى فقط بالاهتمام بهم.
مثلا عند آخر الليل عند ذهابهم إلى النوم اسألهم "ألستم أحسن حال هنا من منزلكم، فكروا جيدا وأجيبوني".
و أسألهم أيضا "هل تعاملي بعض الأحيان القاسي معكم يضركم" و كانوا دائما يجيبونني من قلوبهم أنهم بخير و لا يريدون الرجوع إلى عائلاتهم.
فكثرة عددهم الذي يراوح الثمانين جعل تربيتي تختلف قليلا عن التربية العائلية الأليفة رغم أن توجهي كان نحو ذلك.
إن الخير أو الشر يولد داخل المبنى و يمكن لأحدهم أن ينتشر بسرعة و بهذا تصيب العدوى كل الأطفال. و الخطير هو تفشي الشر بينهم و لهذا كنت دائما قاسيا في هذا الجانب حتى لا أرى ثمانين طفلا أصبحوا كلهم أشرارا و كنت دائما أشرح لهم هذا الشئ، حتى يدركوا أن قسوتي كانت في مصلحتهم.
إن الإنسان يتعلم بعد محنة أو إقناع، لقد كنت استعمل طريقة السيناريوهات حتى أشتق النتائج الممكنة لطريقة تفكيرهم و ذلك لأمكنهم من فهم الألاعيب المتحكمة في حياتهم.
و ما كان أيضا يؤثر فيهم هو سؤالي "هل تعرفون شيئا أجمل و اكبر من مساعدة الفقراء و تربيتهم" وكنت أعتبر أيضا أن معرفة المشاكل العامة يجب أن تسبق معرفة الأسئلة الدقيقة.
إني اعتقد أن السنين الأولى من عمر الطفل تكون مضطربة بفعل التعليم اللفظي و الذي لا يلائم عقل الطفل و لا محيطه الخارجي.
و لكن قبل توحيد التعليم و العمل يجب تأسيس الواحد على الآخر، و أيضا استخراج الواحد من الآخر وكنت أؤكد خصوصا على قدرات الانتباه و التفكير و التسجيل قبل القدرة على الحكم و استخراج النتائج.
و اعتمادا على هذه المبادئ كنت أحاول تمكينهم نطق كلمات مركبة صعبة قبل تلقينهم حروف الهجاء وعملت أيضا على طريقة Géodique في القراءة. فلقد قمت بتركيب حرفين ثم ثلاث أحرف و كان الأطفال يستنتجون بعض التراكيب الصعبة النطق و لتعلم الكتابة كنت اعتمد الطريقة التالية:
المكوث كثيرا على ثلاث أو أربع حروف حتى يتمكنوا جيدا من إتقانهم ثم محاولة استخراج كلمات منها وكتابتها. فكنت أعتمد على الكتابة قبل التحكم في القراءة.
وكنت في تدريسهم للمواد الأخرى أعتمد على تجاربهم و معارفهم و لو كانت قليلة لبناء دروسي            و هذا يعطيهم الثقة في النفس و الاعتماد على أنفسهم في التثقيف الذاتي.
و كان مبدئي في البيداغوجيا هو الإتقان في كل شيء.
لم أكن أقبل الرجوع إلى ما قد قمنا به حتى يتمكن الأطفال من الحفظ الجيد و الانتباه.
و شجعت فيهم روح التعاون و كان الأطفال المتفوقون يساعدون الآخرين و كانوا يجدون المتعة في فعلهم هذا و كنت أيضا أتعلم منهم الكثير.
فلقد كان هدفي هو أن يكون التعليم الأولي داخل الأسرة و لهذا كان هاجسي هو إيجاد الطرق الملائمة وتلقينها للآباء.
لقد قمت بتجربتين هامتين :
التجربة الأولى : هو أنه يمكن تعليم و تلقين أطفال في نفس الوقت ولو كانت أعمارهم متباينة.
التجربة الثانية : أن هذه الجماعة من الأطفال يمكن أن تتعلم العديد من الأشياء أثناء عملهم الشخصي.
فعملية الحفظ توقظ في نفس الأطفال الخيال و الفكر و الترتيب و الأحاسيس الراقية.
"لا تعلّم صديقي بعمل متكامل" حيث أن العمل التربوي لا يمكن إتمامه بل يجب أن يتمّم بالتعليم الذاتي.
لقد وجدت مساعدة و تهنئة فقط من طرف رجال الكنيسة، أما المدنيين فقليل منهم من أعارني اهتماما باستثناء TRUTTMANN، و أغلبيتهم كانت تجربتي مشعلة سياسية لهم.
و هكذا كان حلمي، فقد غادرت ستانز في الوقت الذي اقتربت فيه من تحقيق أحلامي.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage