3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

قول الحقيقة بين الشاعر والفيلسوف في جمهورية أفلاطون أو تأملات في التربية

الخط


















قول الحقيقة بين الشاعر والفيلسوف
في جمهورية أفلاطون  أو تأملات في التربية



ذ. الحسن اللحية




سنتناول في هذه المقالة إشكالا مركزيا في تاريخ الفكر الإنساني يتعلق تحديدا بماهية قول الحقيقة عند الفيلسوف والشاعر. فما المكانة التي يعطيها أفلاطون لكل منها في مراتب قول الحقيقة؟ وما معيار قولها؟ وهل الحط من قيمة قول الحقيقة في الخطاب الشعري بالمقارنة مع الخطاب الفلسفي عند أفلاطون ينذر بنهاية الشعر واكتماله؟....
لا يكفي اللجوء إلى الزوج أسطورة | عقل لفهم مكانة الشعر ومرتبته في قول الحقيقة لأن خطاب الحقيقة لدى اليونان اتخذ عدة صيغ في المحاكاة سواء لدى الطبيب أو الفنان أو الشاعر أو الفيلسوف؛ محاكاة المثال أو الواقع أو المتخيل أو الطبيعة. والمحاكاة هنا تعني الكمال، أي بلوغ الكمال ككمال الطبيعة و الخير والسعادة. وكل ترتيب للأشياء يأخذ مكانته من المنتهى الذي هو الكمال. فالمدينة الفاضلة مثلا هي كمال يعكس كمال الطبيعة (المعادن: الطبقات) وكمال النفوس (ماهية الإنسان: الأعراق والمراتب) والسعادة (القيم: تراتبية القيم).
مما لاشك فيه أن الشاعر يشكل ذاكرة اليونان القوية والحية وأن الدخول في حوار مع الخطاب الشعري هو في واقع الحال حوار الذات مع الذات، حوار حول المراتب والمدارج، حوار حول قول الحقيقة عن الذات والعالم، وربما حول الكوسموس على اعتبار أن الخطاب الشعري اليوناني يعرض لنظريات ورؤى في الخلق ويستعرضها. ومن هذا المنطلق فإن أهمية ومكانة الخطاب الشعري وميوله نحو قول حقيقة الكون والإنسان والطبيعة تجعل أفلاطون يدخل في حوار شامل مع جميع الشعراء السابقين عليه فضلا عن معاصريه.
لم يخف أفلاطون صعوبة المهمة في كتاب الجمهورية لأن للشاعر قدرة على التنبؤ واستجلاء الغموض، بالإضافة إلى أن الشعر هو ديوان اليونان الذي يحوي الأحداث والوقائع ماضيا وحاضرا(كتاب الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا ص.259).
إن حضور الشاعر بهذه القوة في التاريخ والذاكرة جعل أفلاطون لا يتردد في عرض طلب النضال صحبة بوليمارخوس ضد الشعراء كسيمونيدس وبياس وهوميروس وغيرهم كثير (الجمهورية، ص 187)، ومقاومة أقوالهم مثلما يقاوم سقراط الزاهد إغراءات المال والشهوة (الجمهورية، ص 548).
فالنضال ضد الشاعر يكون غامضا وملتبسا بالنسبة لمن يجهل الفلسفة لأن الصراع بينهما أقدم من الجمهورية وما أكثر الشواهد على ذلك (الجمهورية،ص546). ومن غير المحتمل بأن يكون الحكماء الأوائل (يعنى الحكماء الفلاسفة الأوائل) قد غاب عنهم لجهلهم بالفلسفة؛ وذلك دليل على كون خطاباتهم أقرب إلى الشعر منها إلى الفلسفة.

مواطن الاختلاف بين الشعر والفلسفة

وجب التذكير بأن الشاعر زاحم الفيلسوف – بل وسبقه- في بناء رؤية للوجود، مفسرا ومبينا العلل، متسائلا أو محددا للخير والشر، ولما ينبغي القيام به وما يجب تركه لتتحصل السعادة والفضيلة.
وأول اختلاف بين الشاعر والفيلسوف يتمثل فيما يلي:

أولا: الصراع حول تصور الله أو الاختلاف الأنطولوجي

يختلف تصور أفلاطون عن تصورات الشعراء اليونانيين لله. فالله عند أفلاطون خير محض لا يصدر عنه إلا الخير والفضائل والسعادة. ولأن الله خير محض فإن ما يصيب الناس من مكروه لا يمكن تفسيره بغضبه أو سخطه عليهم. وأخيرا فإن الله واحد عند أفلاطون يسود الوجود كله.
وأما الله عند الشعراء، كما يرى أفلاطون، فهو علة الشر والمصائب. ولم يكتف أفلاطون بهذا النقد للشعراء، بل رأى بأنهم يميلون نحو التجسيم والتجسيد ولذلك فإنهم يرون الله يغير طبائعه. يقول أفلاطون: " إن الآلهة يجوسون وسط المدن متنكرين في صورة غرباء من بلاد أخرى متخذين كل صور ممكنة" (الجمهورية، ص 246).
لربما أن هذا التصور جعل أفلاطون يحرم الشعر. يقول: " لن ندع أحدا يقول بأن بروتوس وتيتس يبدلان شكلهما، وهيرا تتنكر في زي كاهنة أو أن الآلهة تهيم في الليل متنكرة في زي غرباء، في صور متعددة أخرى(...) ففي هذا تجديف في حق الآلهة"(الجمهورية، ص246).
لا يكتفي الشعراء بهذا الأمر، بل يتعدونه ليقولوا بأن الذات الإلهية ذات طبيعة مزدوجة تجمع الخير والشر في الآن نفسه . يقول هوميروس:" على باب زوس يوجد وعاءان ممتلئان، أحدهما للمصائر السعيدة والآخر للمصائر التعسة (...) ومن وهبه زوس مزيجا من الاثنين يناله الخير تارة والشر تارة أخرى. وأما من تجرع كأس الشر صافيا فإن الجوع الأليم يلحقه في رحاب الأرض الإلهية" (الجمهورية، ص243).
والشاعر يعزي الكوارث والمصائب للآلهة ككارثة بلوبس وحرب طروادة (الجمهورية،ص244). وقول الشاعر، كذلك، بأن " الآلهة توزع البؤس والمصائب على الأخيار، والخير والسعادة على الأشرار" (الجمهورية، ص221).
لا يقبل أفلاطون برد الشر للآلهة، بل إن الحديث عن الآلهة ليس من اختصاص الشاعر ، يقول : " كل ما نعلمه عن الآلهة مستمد من الأقوال المأثورة وأساطير الشعراء التي تروي نسب الآلهة، وهؤلاء هم أنفسهم الذين يؤكدون لنا أنه من الممكن التأثير فيها" (الجمهورية، ص223).
ثم إن الشاعر رجل مختلق يحث الأغنياء على تقديم القرابين وإقامة الطقوس. وقد ثبت أن هزيود قال بأن " الطريق إلى الفضيلة تبثت فيه الآلهة العقبات" (الجمهورية،ص221). وقال هوميروس في نفس السياق بأن " الآلهة تنحرف بدورها عن هدفها، ذلك لأن توسلات الناس وابتهالهم مقترنة بالقرابين والدعوات الحارة، وبالنبيذ المسكوب، وذهن الضحايا يخفف من نقمتها على الناس إذا ما بغوا أو أذنبوا" (الجمهورية،ص 222).
فالدعوة للاحتفالية كانت عامة لدى شعراء اليونان. فشاعر مثل موازايوس و أورفيوس كانا يقنعان أفرادا ومدنا بأكملها بتقديم القرابين التي تفيد الإنسان حيا أو ميتا(الجمهورية،ص 222).
إن الاحتفالات والطقوس التي حرمها أفلاطون تجعل معايير الخير والشر غامضة، وهو ما يتوضح في قول الشاعر بندار: " أبالعدل أم بالخداع الملتوي أستطيع أن أرقى إلى أرفع برج أحتمي فيه وأتحصن به طوال حياتي؟"

ثانيا: وظيفة الشاعر والفيلسوف في المدينة

يرى أفلاطون أن لكل واحد في المدينة مهنة خاصة أو وظيفة محددة يقوم بها. فمهمة الطبيب ليست هي وظيفة الجندي، ومهنة الملاح ليست هي وظيفة الفيلسوف...إلخ. فإذا أريد أن تؤدى المهام والوظائف على أتم وجه وجب أن يلتزم كل واحد بما أوكل إليه. فكل ممتهن أو موظف هو خبير في مهنته، أي خبير في تلك الصناعة.
والحال أن الشاعر والرسام يخلطان الأمور ولا يختصان بمهنة واحدة واضحة محددة مما يجعلهما في مصاف الجهلاء الذين لا علم لهم بالفضيلة أو الرذيلة والإلهيات. كما لا علم لهم بتعريف موضوعاتهم لأنهما يكتفيان بالمحاكاة الناقصة في حالتي الحكي أو الرسم.
حاكى هوميروس أشياء متعددة كالمرأة والأشرار والأصوات وقصف الرعد وهزيم الرياح وأصوات المطر والعجلات والأبواق والكلاب والخراف والطيور (الجمهورية،ص 265) والطبيب، غير أنه لم يبلغ المراد في محاكاته كلها؛ فهو لم يشف مريضا ولم يقدم دواء (الجمهورية،ص535). وإذا حاكى بطلا شجاعا فإنه لا يعرف معنى القيادة ولا يفقه في أمور الحرب.
إن محاكاة هوميروس وغيره من الشعراء والرسامين لمهن أخرى أو لصور وأصوات الآخرين لا تتجاوز التقليد الجاهل لما يقلد؛ ولذلك فهي محاكاة ناقصة.
يأتي الفنان (الرسام والنحات) في الدرجة الثانية بعد الحرفي. فهما معا يحاولان خدعنا، غير أن النفوس المهيأة لذلك هي التي تنخدع، وبالتحديد النفوس التي يغلب عليها الجانب الخسيس لا العقلاني. يرى أفلاطون أن الرؤية للشيء تختلف حسب المسافة وطبيعة المادة. فالتخديد والتقعر مثلا يكونان تبعا للألوان ولعب الظل والضوء(الجمهورية،ص 540)، والقصبة تبدو منكسرة في الماء...، وهكذا لا يعدو عمل الفنان سوى التقليد كالشاعر تماما، غير أن تقليده يتوجه للعين لا العقل.
يحتل التقليد في مراتب قول الحقيقة عند أفلاطون المرتبة الثالثة ويأتي بعد الصانع الأسمى والصانع الحرفي. فالتقليد يجهل موضوعاته ومواده (الجمهورية، ص 537) من حيث الصحة والبطلان (الجمهورية، ص 539). كما أن عمل كل من الرسام والشاعر عبارة عن لهو ولعب (الجمهورية، ص539) لا يقدم خيرا للمدينة.
وأما من جهة الفضائل فإن الشعر حاكى دوما صورة الفضيلة لا الفضيلة ذاتها(الجمهورية، ص 537). يقول أفلاطون: " الشاعر كالرسام يرسم اسكافيا دون أن يعرف شيئا عن الأحذية، ويقدم صورته إلى أناس لا يعرفون عن الأمر أكثر منه، ولا يحكمون على الأمور إلا بمظاهرها وألوانها(...) يؤثر في أناس لا يقلون عنه جهلا، ولا يحكمون إلا بصورة التعبير فيدفعهم السحر الكامن في الوزن والإيقاع إلى الاعتقاد بأنه حدثهم حديثا خلابا عن القيادة الحربية أو صناعة الأحذية أو أي موضوع فني آخر. فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري فلاشك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته عندما يتحول إلى نثر" (الجمهورية، ص 537).

ثالثا: اختلاف الشاعر والفيلسوف حول القيم

تختلف رؤية كل من الشاعر والفيلسوف للقيم كالخير والعدل والحق والسعادة...إلخ. فقد رأينا أن للشاعر تصورات متناقضة للأشياء وللذات الإلهية، وأنه يقلد تقليدا أعمى ويجهل موضوعات ما يقلد مما ينعكس على تصوراته للقيم.
فالاكتفاء بالمظاهر سبيلا نحو السعادة يجعل الشاعر يختبئ وراء صورة الماكر والمخادع مثلما جاء عند أرخيلوخوس. وكما جاء عند أساتذة البلاغة معلمي فن الإقناع في المحاكم والمنتديات العامة(الجمهورية، ص 223).
إن الحديث عن الكهولة ورحلة الحياة ترتبط عند أفلاطون بالعدالة. وتلك مناسبة لنقد تعاريف الشعراء لها أمثال سيمونيدس القائل بأن العدالة هي إعطاء لكل ذي حق حقه (الجمهورية،ص 179).
إن مثل هذه التعاريف الرائجة في اليونان من طرف الشعراء ومعلمي البلاغة ينطوي على غموض كبير؛ فهل نرد – كما يرى أفلاطون- لمجنون أو مخبول حقه في حالة إذا ما أودعنا سلاحا و لو أننا لا ننكر حقه علينا؟ (الجمهورية،ص 179). وفي معرض نقد لعدالة الشعراء يستعرض تعريف هوميروس الذي يرى بأن العدالة هي فن من فنون السرقة (الجمهورية، ص 179). فمثل هذا التعريف – في نظر أفلاطون- يجوز اللاتوازن وتأبيد قوة الأقوى( الجمهورية، ص 190).


رابعا: اختلاف الشاعر والفيلسوف حول التعليم

إن المتأمل لكتاب الجمهورية سيجد أن التعليم هو أساس المدينة؛ إذ بفضله نتعرف على الصفوة والحراس ومجموع الطبقات الأخرى؛ ولذلك تجب مراقبته مراقبة صارمة ودقيقة، وتنقيح قاموسه من كل ما يحيل على البغضاء والعويل والأشباح والأطياف وغيرها مما يتنافى والعقل " كالأسماء التي يكفي أن يسمعها المرء لتسري الرجفة في كل بدنه" (الجمهورية، ص 252).
لا يستثني أفلاطون من دعوته للتنقيح والمراقبة الموسيقى؛ فهي لا تقوم على اللحن والإيقاع بخاصة و إنما تقوم على الأدب. ومن حيث أن الأدب يضم الصادق والكاذب ككلام الشعراء جازت مراقبته وتنقيحه. ولبلوغ ذلك يقترح أفلاطون ثلاث وظائف ينبغي القيام بها هي كالآتي:

1. الاستبعاد:
وجب في نظر أفلاطون استبعاد الأدب الخيالي كشعر هوميروس وهزيود. فمثل هؤلاء الشعراء كالمصور الذي يرسم صورا مشوهة. وعوض قصص هؤلاء يقترح أفلاطون قصصا أخرى تقوم على افتراضات الواقع والطبيعة كأسطورة الكهف والمعادن.

2. المنع:
يدعو أفلاطون إلى التصدي لكل قصة شعرية تفتري على الآلهة أو تختلق آلهة جديدة. ومن بين الأمثلة على ذلك، يقول:" إن الآلهة تشن حربا على الآلهة، وأنها تنصب الفخاخ وتحيك المؤامرات بعضها لبعض" (الجمهورية، ص.ص 258- 240). ولذلك توجه أفلاطون إلى الرواة وطلب منهم على لسان سقراط تصوير العالم الآخر بأكمل الصور وأتمها بدل القصص الشائعة المزيفة التي لا تعمل إلا على زرع الخوف وفقدان الشجاعة (الجمهورية،ص 250). كما دعا إلى منع قصص الجرائم والقتل التي تنمي العدوانية عند النشء.

3. النحيب المرفوض
طالب أفلاطون برفض كل قصة تصور الآلهة تبكي وتولول وتنوح (الجمهورية، ص 252)، لأنها تظهر عاجزة مستعطفة تثير الشفقة والرحمة والسخرية، وتحط من قيمتها وعظمتها وجلال قدرها.
كما رفض في الآن ذاته كل أدب يصورها ضاحكة ساخرة كما جاء في شعر هوميروس الذي يقول:" انفجرت الآلهة السعيدة ضاحكة دون انقطاع عندما رأت هفاسيتوس يقتحم ردهة البيت" (الجمهورية،ص254).
وباختصار إن مبررات الرفض والمنع والاستبعاد لمثل هذه الآداب التي أشرنا إليها سابقا تقوم في مجملها على تصور قبلي لماهية هذه الآداب وعلاقتها بقول الحقيقة.
فالشاعر شخصية انفعالية لا يقوم قوله على الاتزان والتعقل. وكل أدب انفعالي يثير خساسة النفس ويغذيها (الجمهورية،ص544). ومن حيث أن كلام الشعراء انفعالي تنصاع له العامة وتتحلق حوله وتنقاد له عاطفيا رغم أنه لا يحيي فيها إلا الدموع والرغبة في البكاء ولوم الآلهة (الجمهورية،ص 545)، ولا يحثها إلا على تقديم القرابين(الجمهورية، ص 223).

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage