3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

تمثلات المتعلم حول الفكر الفلسفي وأثرها على تعلماته

الخط























تمثلات المتعلم حول الفكر الفلسفي وأثرها على تعلماته

?سليمة المختاري 
?اسعد الحدادي


تقديم عــام:
يشكل التمثل موضوعا للطرح  وللاشتغال في كثير من حقول العلوم الانسانية من قبيل علم النفس بفروعه المختلفة المعرفي منها و الاجتماعي و ايضا  في علم الاجتماع و علوم التربية لما له من اهمية في تشكيل نسق تفكير الافراد و بناء قناعاتهم و توجهاتهم الفكرية و الثقافية و التي ستفرز بالضرورة اشكال سلوكية متعددة داخل سياقات اجتماعية تؤطرها بنية المجتمع و مؤسساته المختلفة بما فيها المدرسة التي تشكل فضاء تفاعلي تتعدد ادواره وتختلف بين بناء المعرفة وإعادة بناء وتوجيه التمثلات التي تم ترسيخها في اذهان المتعلمين على امتداد مراحلهم العمرية المختلفة.              وتشكل الفلسفة ذلك النمط من التفكير الذي تكثر حوله احكام القيمة و التمثلات الخاطئة والمشوهة لكونه يستعصي على كل فئات المجتمع الاطلاع عليه والتعرف على مضامينه فيصبح بالضرورة بمثابة الشماعة التي تعلق عليها كل اشكال العبث والالحاد بل والحمق احيانا.             
 و المتعلم بدوره يصل الى السنة الاولى من التعليم الثانوي وقد شبع بهذه الحمولة الثقافية وترسخت لديه مجموعة من الافكار القبلية حول مادة الفلسفة  والتي قد تشكل عائقا ابستمولوجيا  امام استيعابه للمادة .                                                                                                                            
                                                                                        
                                                                                                   







اشكالية البحث :
كيف تتشكل التمثلات ذهنيا؟
ماهي البنيات الاجتماعية التي تساهم  في ترسيخها و تكريسها ؟
كيف يمكن ان تصير عائقا ابستمولوجيا امام استيعاب المتعلم لمادة الفلسفة؟
الى اي مدى يمكن تجاوزها عبر تفعيل المقاربة بالكفايات ؟
فرضيات البحث:
·        المتعلم في بداية احتكاكه بمادة الفلسفة يكون ذهنه محملا بمجموعة من الافكار القبلية التي يجد لها تبريرا من الدين والثقافة
·        عبر سيرورة الاشتغال والتمرن على التفكير الفلسفي العقلاني بشكل تدريجي تتغير نظرة لدى المتعلم الى مادة الفلسفة
أهداف البحث
رصد اشكال التمثلات بحمولتها الدينية و الثقافية السائدة لدى المتعلمين حول مادة الفلسفة باعتبارها عائقا ابستمولوجيا امام استيعاب المادة.
تتبع مدى  تغير هذه التمثلات عبر استدماج المتعلم لماهية الفكر الفلسفي وذلك في ضوء الاشتغال ببيداغوجيا الكفايات.




        I.            تعريف التمثل ومناولته داخل حقل العلوم الانسانية

1.      تعريف التمثل

لقد اورد ابن منظور في لسان العرب ان التمثل في اللغة العربية يحيل الى مثل الشيء أي صوره حتى كأنه ينظر إليه،وامتثله أي تصوره.(التشبيه) , اما في الدلالة اللغوية الاجنبية و تحديدا الفرنسية فنجد "لاروس" يعرف التمثل باعتباره حضور الشىء و مثوله امام العين بواسطة اللغة او الخيال اما لوروبير [1] فيعرف التمثل باعتباره تقديم موضوع غائب او مفهوم الى الذهن , اما صليبا في معجمه الفلسفي فيعتبر التمثيل والتمثل متقاربان: صورة الشيء في الذهن وقيام الشيء مقام شيء اخر.                                                                                                                              
فالتمثل من هذه الوجهة مبني على الشبه من خلال بناء صورة مطابقة للموضوع الأصلي إضافة إلى التأكيد على أهمية الفعل أو السلوك الخارجي في خلق التمثل لأنه هو من يخلقه. لكن هذه الدلالات اللغوية لم تمنحنا  معنى دقيق يمكننا من تلمس أهم خواصه خصوصا تلك التي اكتسبها هذا المفهوم مع الدراسات السوسيولوجية الأولى التي تناولته ،أو الدراسات النفسية الاجتماعية والنفسية المعرفية المعاصرة .ومن هنا نتساءل عن أهم المقاربات التي تناولت التمثلات في حقل العلوم الانسانية  ؟                                                                                              
2.التمثل في العلوم الانسانية.

ان لكل مفهوم تاريخا تداوليا يجعله ينتقل من دائرة العدم الى حيز الطرح و التداول و المعقولية كما يقول الفيلسوف "جيل دولوز" في كتابه "ما الفلسفة" ان المفاهيم كائنات تنمو و تتطور كذلك هو الحال بالنسبة لمفهوم التمثل حيث ان اول طرح للمفهوم كان من قبل "دوركهايم"[2]  في حقل السوسيولوجيا والذي عرفه باعتباره تصورات اجتماعية يؤسسها الدين والمعتقدات واللغة والعلم والأسطورة كما يمكن القول بأنه مع الدراسات الدوركايمية تم إدخال التمثلات حقل الدراسة العلمية وتماشيا مع طرحه السوسيولوجي ركز "دوركهايم" على التمثلات الجمعية بكونها الأكثر حضورا وبروزا داخل النسق المجتمعي ،فهي "إدراك منسجم ومشترك بين أعضاء الجماعة الواحدة ،      
وهم يتكلمون نفس اللغة التي تمثل أهم أداة للتواصل بينهم وتتمثل وظيفتها في تقوية الروابط والحفاظ عليها بين اعضاء الجماعة الواحدة وتهيئهم للتفكير والفعل بكيفية موحدة ، وتظل التمثلات الاجتماعية في منأى عن أي تغيير نظرا لارتباطها بالوعي المجتمعي الذي يستمد صلابته ومتانته من صلابة المجتمع ورصانته.                                               
و التمثلات  تظل متعالية على الأفراد ،فهي جماعية تتكون عبر الأجيال ،وتهدف للحفاظ على المقومات الاجتماعية الخاصة بالمجتمع بكونها تقوي الروابط وتحافظ عليها وأيضا تمارس فعل الضبط والالتزام الذي من خلاله يتم ضمان عملية استمرار المجتمع ،نظرا لعدم قابليتها للتغير وذلك بكونها ليست مشتقة من وعي أفراد منعزلين بعضهم عن بعض وإنما هي صادرة عن العلاقات القائمة بينهم ما يجعلها خارج إرادة الأفراد وتحكمهم فيها فلا يصبح بذلك مجال هذه التمثلات الاجتماعية مجال لإدراك الحقيقة كما في ذاتها ولكن كما يتمثلها الفرد وكما تشكلها المعايير الاجتماعية .                                                                                                                     
لكن ما نلاحظه في هذا الطرح هو اغفال دور الافراد في انتاج التمثلات حيث يعتبرها "دوركهايم" كانتجات متعالية عنهم وعن ارادتهم تسير وفق سيرورة الية تتطور بتطور المجتمع.                     
 هذا الجانب الذي تم اغفاله مع دوركهايم سيتم تداركه لاحقا مع نظريات علم النفس الاجتماعي والتي تم التركيز فيها بشكل اساسي وعلمي على مفهوم التمثل خصوصا مع "سيرج موسكوفيتسي" (1961)و قد اهتمت  هذه الدراسات بمقاربة مفهوم التمثل من خلال عملية تحليلها بطريقة ثنائية تعطي الأهمية للتأثيرات الاجتماعية في تكوين التمثلات لكن دون إغفال عملية إعادة البناء التي يقوم بها الأفراد خصوصا وأن الأطفال أنفسهم يقومون "بخلق تمثلات خاصة بهم للتمثلات الاجتماعية نفسها" التي يتلقونها من الوسط الاجتماعي.وقد اعتبر الباحث التمثل بمثابة  نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي ولكن وفق رؤية خاصة للأفراد وهذا ما لم يركز عليه الطرح السوسيولوجي.وهي لا تسمح فقط بتحقيق استقرار حياة الأفراد والجماعات ولكنها تشكل فوق كل هذا وذاك أداة لتوجيه إدراك المواقف وصياغة الأجوبة على التساؤلات المطروحة وهي أيضا وسائط بين الشخص والوضعية المتواجد فيها بحيث تمكنه –بطبيعة الحال- من إدراك واختبار المعلومات التي تثيرانتباهه. والعمل على تنظيمها وإعطائها معنى معين يخول له تحديد اتجاه نشاطه.                                                      
و انتقل الاهتمام بهذا المفهوم كذلك الى نطاق علم النفس المعرفي والذي انصب بالأساس حول [3]الطريقة التي تتولد بها المعرفة لدى الافراد انطلاق من افكار قبلية أي تمثلات ويسعى علم النفس المعرفي من جهته كما يبين  ذلك الدكتور عبدى الكريم بالحاج في كتابه "المدخل الى علم النفس المعرفي" الى ابراز اهمية اشتغال الذهن من حيث قدرته على استقبال وتحليل المعلومات في صيغتها الرمزية وبالتالي قدرته على الاحتفاظ بها حتى يتمكن من استثمارها في التصرفات او عند انجاز وتنفيد مهام.                                                                                                            
 ويشكل "التمثل الذهني" في السيكولوجيا المعرفية مفهوما محوريا، فقد يتمظهر على شكل صور ذهنية  (وجوه،مكعبات...) أو على شكل رموز مجردة (س،أ،ن...) أو على شكل مفاهيم معينة (منزل ،حيوان ،ذرة...) فهو يمثل باختصار مجموعة من الموضوعات الذهنية التي تكون معرفة ما حول الكون.                                                                                                                          
كما نجد دراسات اخرى قام بها باحثون في حقول معرفية انسانية تناولت مفهوم التمثل كالابستمولوجي الفرنسي "جاستون باشلار" في كتابه "تكوين العقل العلمي"[4] الذي اعتبر التمثل بمثابة عائق ابستمولوجي امام تطور العلوم و فهمها الموضوعي من قبل المتعلمين حيث يقول في هذا الصدد: إن انتشار بعض المعتقدات و الخرافات داخل أي مجتمع يؤدي بالفرد إلى أن تتشكل لديه عدة عوائق لا تساعده على التعلم الجيد. ...ويعطي مثالا على ذلك حيث يقول:  إن مفهوم بعض التلاميذ لشكل الأرض و موقعها داخل الكون قد يسهل أو يعيق اكتساب بعض المعارف الجغرافية المرتبطة بالليل و النهار وتعاقب الأوقات و الفصول.                                                                                                          
وبعد هذا الطرح المقتضب للتداولات المختلفة لمفهوم التمثل عبر حقول العلوم الانسانية و التي استمدت منها علوم التربية كثيرا من مبادئها و نظرياتها سنقف على تحديد التمثل في ضوء ما استجد في بيداغوجيا الكفايات من ابحاث وهذا ما سيسعفنا في تفعيل هذا الجانب في علاقة باالاشكال الرئيسي لبحثنا وهو العائق الابستمولوجي الذي تشكله التمثلات في وجه استيعاب المتعلم لمادة الفلسفة.                                                                                                                           
        I.             ضوء المقاربة بالك
      II.            التمثل في ضوء المقاربة بالكفايات    
                                                                                         
تنطلق الاطروحات في علوم التربية من اعتبار التمثلات كأنساق تفسيرية يوظفها المتعلم لفهم العالم من حوله وتفسيره بكيفية قد تتعارض احيانا مع العلم لذلك يجد المدرس صعوبة في محوها بل كثيرا ما تتعايش التمثلات جنبا الى جنب مع الحقائق العلمية في اذهان المتعلمين وإذا ربطنا هذا بالشق الثاني من بحثنا و هو طبيعة الفلسفة باعتبارها المادة الدراسية  الاكثر جدلا  وتأثرا بنظرة المجتمع والثقافة لها كنمط فكري فريد يتميز بطابعه العقلاني و التجريدي بالأساس . هذه النظرة المرتابة دائما في حق الفلسفة قد ارتبطت بسياق تاريخي كانت فيه الفلسفة وتعلم الفلسفة حكرا على الخاصة, وإذا كان الغرب قد تجاوز هذا الاشكال منذ ان غزته انوار الحداثة و التنوير وصارت الفلسفة نبضا يسري في عروق المجتمع يجسده السلوك قبل الكلام وتجسد فيه القول الكانطي " الحق في التفلسف للجميع" كحقيقة, فإننا لم نتجاوز بعد هذا الاشكال ولازلنا نحتفظ بتلك النظرة الرجعية للفلسفة المترسخة في الثقافة ولازالت "الخاصة" فقط هي من تتطلع الى الحكمة ومحبة الحكمة ويمكن اعتبار الفصل الدراسي اكبر مثال يجسد لنا العلاقة الجدلية التي يحول فيها المدرس قدر المستطاع ان يسمو بالمتعلمين من المعرفة العامية الحسية الى افق التجريد والعقلاني.                                
  ولا غرو أن مستوى الجذع المشترك، هو المحطة الأولى التي يصطدم فيها المتعلم بمادة الفلسفة وهو محمل بمجموعة من التصورات المسبقة والرواسب والأحكام القيمة والتمثلات الاجتماعية، التي تكونت لديه بفعل عوامل ومتغيرات كثيرة : تربوية، سوسيوثقافية، نفسية اجتماعية، وهذه العوامل والمتغيرات تشكل صيرورات نفسية معرفية (تمثلات) تشتغل ضمنها مجموعة من آليات التحضير، المقاومة والرفض، بحيث تتحول الأحكام القيمية المسبقة والجاهزة إلى محفزات ايجابية للتفاعل مع التفكير الفلسفي، أو تتحول إلى ميكانيزمات للدفاع عن الذات، ومن تم إلى عوائق متعددة الأشكال تؤول في نهاية المطاف إلى عائق مركزي وأساسي هو عائق الخوف من التفكير. وهكذا فإن إقدام التلميذ على دراسة التفكير الفلسفي وتعلمه تمتزج فيه الرغبة والخوف. الرغبة في معرفة هذا العالم الغريب الجديد والإطلاع عليه للانخراط فيه، لكنه في اللحظة ذاتها إقدام مشوب بالحيطة والحذر من حيث أن التفكير الفلسفي يرتبط في ذهنه بخلخلة معتقداته وزعزعة قناعاته.هذه الخصوصية و الصعوبة التي يتميز بها الدرس الفلسفي دفعت بالضرورة الى التنظير و البحث في حقل علوم التربية وعلى ضوء بيداغوجيا الكفايات على احسن السبل للاشتغال على تمثلات التلاميذ في افق الارتقاء بالدرس الفلسفي.                                                                                     
ان الرؤية الجديدة في تدريس الفلسفة وفق بيداغوجيا  الكفايات والتي عبر عنهاا طوزي ب  "ثورة كوبرنيكية" [5]  لأنها تستهدف « المتعلم – الفيلسوف »، ذلك الكائن الذي ظل منسيا في درس الفلسفة، يجب إذن كما يقول م.طوزيأن نكون بجانب الذي يتعلم كيف يتفلسف" ففي كتابه "تعلم التفلسف في ثانويات اليوم" يدعم هذا التصورالديداكتيكي الجديد  الذي يجد من المقاربة الذهنية منطلقا له، حيث يهتم أساسا بالسيرورات الذهنية و المعرفية ويركز على منطق التعلم الذي يستهدف قدرات و مهارات المتعلم على شكل كفايات، وقد بينت نظرية "بياجي" ايضا في هذا الاطار أن اختلال التوازن شرط ضروري لكل نمو و اكتساب لهذا فعدم الأخذ بعين الاعتبار تمثلات المتعلمين ينتج عنه تنضيد او تراكب إطارين مرجعيين عند المتعلم أحدهما يستعمل في وضعيات ديداكتيكية الأخر في وضعيات غير ديداكتيكية كما بينت دراسات ميدانية في ديداكتيك العلوم أنه من أجل و تدريس ما هو علمي لا يكفي إمداد المتعلم بالمعلومات و البيانات المنظمة لأن المتعلم لا يدمجها و يتبناها إلا إذا استطاعت ان تغير تصوراته السابقة و يفسر ذلك بوجود رصيد معرفي سابق لدى المتعلم ينطلق منه بالضرورة نحو كل تعلم جديد و يستعمل كنموذج تفسيري فعال حتى لو كان خاطئا علميا لذا فالتعلم الحقيقي هو الذي يأخذ بعين الاعتبار تمثلات المتعلم فهما و استثمارا وتصحيحا.   وذلك يتم عبر استراتيجيات  كالتالي:
          
·        وضعية الانطلاق:ابراز تمثلات المتعلمين عن طريق اسئله شفوية
·        الوقوف على التركيب المعرفي للتمثلات للمتعلمين:وضعية اليقين او التوازن المعرفي في نظر المتعلمين.
·        مقابلة التمثلات من خلال تداول معلومات متناقضة :وضعية الشك وخلق نزاع معرفي لدى المتعلم
·        بناء معرفي جديد :بناء تدريجي جديد للمفاهيم وإظهار جانب الخطأ في التمثلات

تساعد التمثلات المتعلم على الاحتفاظ بالمعلومات و تتيح إمكانية التكيف مع المحيط و خلق التوازن الذي تحدث عنه "بياجي" كما تلعب دور التواصل أي الاندماج في أنظمة معقدة كثيرة أو قليلا لتبادل المعلومات .إلا أن المتعلم سرعان ما يكتشف أن تمثلاته ليست دائما ملائمة للمشكل المعالج و يصطدم بوجهات نظر مختلفة فيدرك أن هناك مجموعة من الأجوبة الممكنة فتبدو له وجهة نظره أقل بداهة مما كان يعتقد فيعيش صراعا معرفيا دافعيا يقوده إلى البحث عما إذا كان مخطئا و يدفعه إلى التساؤل عمن معه الحق و عن سبب ذلك .و يؤدي هذا الحوار الداخلي بالمتعلم الى إعادة تنظيم تمثلاته و البحث عن علاقات جديدة بين المعارف التي يمتلكها و هكذا يلجأ إلى جمع بيانات أخرى و إعادة صياغة التصور على نحو آخر أقرب إلى الصواب..
ان الاشتغال على التمثلات في مادة الفلسفة يقرن ولوج عالم التفلسف وكما يشير الى ذلك "طوزي" بالإنعتاق و التحرر من قارة المعتقدات والتصورات و الأحكام اليومية و القبلية من خلال  " تفكيك العوائق التي سبق أن و تكونت خلال الحياة اليومية ( غ. بشلار ) فنحن في اعتقاد م. طوزي " لدينا دائما تمثل أقل أو أكثر عفوية حول موضوعة ما، مثلا " الحرية " هي " أن أفعل ما أرغب فيه " هذا الرأي هو حكم مسبق " غير مفكر فيه قد يعكس تصورا ذاتيا أو ماديا أو إيديولوجيا. ف" الاشتغلال بتمثلات التلاميذ و عليها هو في الحقيقة وضع التلميذ ضمن وضعية تعليمية، إنه زعزعة نموذج للتفسير من أجل أن يحل محله نموذج آخر أفضل منه .                  
[6]كما ان التدرج في الانتقال بالمفاهيم من مستوى الرأي "الدوكسا" إلى مستوى "الابستيمي"، أي من لحظة التداول العامي إلى لحظة الضبط المعرفي هو  ضرورة  منهجية، هذا المنحى الذي اتخذته الفلسفات أو نهجه الفلاسفة عبر مختلف مراحل تطور الفكر الفلسفي يمكن اعتماده بيداغوجيا واعتباره من الناحية الديداكتيدكية وسيلة ناجعة لإنجاح الدرس الفلسفي، وذلك بالوقوف على تمثلات التلاميذ والعمل على انبثاقها ثم ضبطها وحصرها ومساءلتها و نقدها، وذلك في أفق تجاوزها وتصحيحها والقطع معها في إتجاه "صياغة مفاهيمية" خاصة تميز الطبيعة التفلسفية للمتعلمين.                                                              

إن الانطلاقة الصحيحة لأي منهاج تعليمي يجب أن تبدأ من الوعي بوضعية التعلم كفعل وظيفي يهدف إلى إشباع حاجات المتعلم ورغباته. وبقدر ما تكون هذه الوضعية وغيرها منبثقة من الواقع التربوي تكون النتائج ذات مردودية، شاملة وعالية. ففشل العديد من التجارب والمشاريع التربوية في الوطن العربي كان نتيجة لغياب التفكير في الفكر التربوي الشامل، فإلى أي حد يمكن القول بأن المنهاج الجديد –الخاص بالفلسفة- كفيل بتحقيق الأهداف و الكفايات المسطرة، وبإعطاء تمثل وصورة ايجابية للفلسفة ؟                                                                           
             













الفصل الثاني


1.      تقديم:

لقد شكل  العمل الميداني بالنسبة لنا فرصة من اجل التحقق من الطروحات النظرية التي تناولناها في الشق الاول من البحث وذلك فيما يتعلق بالدور الذي تلعبه التمثلات كعائق ابستمولوجي يحول دون تقبل المتعلم للفكر الفلسفي و الفلسفة كمادة دراسية ، كما اسعفنا ايضا في الاجابة عن اشكالات البحث و فرضياته الاساسية التي تركزت على رصد اهم اشكال التمثلات ذات الحمولة الدينية و الثقافية التي تروج داخل المجتمع عن الفلسفة ، وكذلك في تتبع مدى  تغير هذه التمثلات عبر استدماج المتعلم لماهية الفكر الفلسفي وذلك في ضوء الاشتغال بالمقاربة بالكفايات.                                                                                                     
 وتكمن اهمية هذا الجانب من البحث  ايضا في كونه قد امدنا بمعطيات و نسب مستمدة من ارض الواقع الذي جسده الفصل الدراسي الفضاء الذي اجريت به المقابلات مما جعل نتائج البحث تحضيا بقدر من المصداقية و الموضوعية.                                                             
زمن اجراء البحث:
لقد تم الاشتغال على الجانب التطبيقي من البحث من خلال استثمار الوضعيات المهنية التي كانت مبرمجة ضمن التكوين و بالأساس فقد عملنا على هذا الانجاز خلال الوضعية المهنية الاخيرة والتي استمرت من التاسع و العشرين من ابريل الى الثامن عشر من ماي.                         
مكان اجراء البحث:
 تم انجاز المقابلات  المتضمنة في البحث بثانوية عبد الرحمان الناصر تحت اشراف
ذ.محمد الراشدي
عينة البحث:
تم الاشتغال في الشق العملي من هذا البحث على عينة تكونت من تلاميذ الجذع المشترك(ج.م.ع.2) حيث حاولنا من خلال استثمار الوضعية المهنية الاخيرة و المقابلات التي اجريناها خلالها  التعرف على حصيلة المسار الذي جمع هذه العينة من التلاميذ بالفلسفة طيلة سنة كاملة و مدى تغير التمثلات التي كانت مترسخة لديهم عن الفلسفة.                                  
2. نموذج مقابلة البحث
السؤال الاول:
يكثر الحديث و الجدل داخل المجتمع عن الفلسفة والفكر الفلسفي،اعتمادا على تجربتكم المعاشة،ما هي الافكار و التمثلات التي ترسبت في اذهانكم عن الفلسفة؟
السؤال الثاني:
بعدما بدأتم تستأنسون بالنصوص الفلسفية ،ما هي انطباعاتكم حول هذه المادة؟
السؤال الثالث:
هل تعتقدون بجدوى تفسير الفلسفة للواقع،وإعطاءها حلولا للمشاكل المطروحة؟ علل جوابك
السؤال الرابع:
"الفلسفة تجعلك تطل على العالم من نافذة افضل"،هل تتفقون مع مضمون هذه القولة؟
السؤال الخامس:
على ضوء ما درستموه في مادة الفلسفة على امتداد السنة الدراسية ما هي الدروس او من هم الفلاسفة الذين ترسخوا في اذهانكم؟و لماذا؟
السؤال السادس:
باعتباركم قد انهيتم المقرر الدراسي للفلسفة هذه السنة،و تمكنتم من تحصيل معرفة اولية حول هذه المادة ،ألازلتم تعتقدون بصحة التمثلات التي كانت لديكم في بداية الموسم الدراسي؟           




3.تفريغ مقابلة البحث 

السؤال الاول:
يكثر الحديث و الجدل داخل المجتمع عن الفلسفة والفكر الفلسفي،اعتمادا على تجربتكم المعاشة،ما هي الافكار و التمثلات التي ترسبت في اذهانكم عن الفلسفة؟

(%) النسبة المئوية
الاجابة

40%
            

الفلسفة مجرد الحاد وزندقة

25%

الفلسفة كلام بدون فائدة (تخربيق)

20%

الفلسفة تعمل على تعقيد الامور الواضحة

15%

     الفلسفة مجرد تأويلات


من خلال النتائج المعبر عنها بالجدول يتبين لنا ان غالبية التلاميذ قبل استئناسهم بالفلسفة         
و تعرفهم عليها قد عبروا عن تمثلات تراوحت بين اعتبار الفلسفة كالحاد وزندقة وقد كان  الكثير من التلاميذ  يتبنون هذا الرأي متمسكين بصحته ومستشهدين بما يسمعونه من قصص من جيرانهم و اصدقاءهم عن اساتذة الفلسفة الذين يجهرون بإلحادهم او يبادرون لطرح افكار داعية للكفر و الزندقة داخل الفصل.                                                                                         
كذلك فقد كانت تعتبر نسبة مهمة من عينة التلاميذ التي اجرينا مقابلات معها ان الفلسفة مجرد كلام بدون فائدة لغو او كما تمت تسميته(تخربيق) معللين رأيهم الذي جاء دائما كانعكاس للأفكار التي استمدوها من المجتمع ان الفلسفة لا تمدنا بأية نتائج  يمكن التحقق منها وان اساتذة الفلسفة غالبا ما يكثرون الحديث والكلام الذي لا طائل من وراءه.                                                    
كما رصدنا ايضا من خلال المقابلات التي اجريناها مع التلاميذ ان البعض منهم كان يعتبر ان الفلسفة تعمل على تعقيد الامور الواضحة وقد  كانوا يعللون رأيهم بكون الفلاسفة عادة ما يتعمقون في تحليل بعض القضايا التي تبدو واضحة و بديهية منذ البداية،ايضا كان يعتبر بعض التلاميذ ان الفلسفة مجرد تأويلات كونها لا تخضع لمنطق علمي واضح وإنما لاعتقادات اصحابها فقط.                                                                                        
ويمكن ان نخلص من خلال هذه الاجابات المختلفة الى تلمس طبيعة النظرة التي ينظر بها المجتمع الى الفلسفة و الفكر الفلسفي و اشكال المغالطات التي يتم تداولها في هذا الاطار والتي تتخد لها غالبا سندا دينيا كاعتبار الفلسفة كفرا و الحاد او سندا اجتماعيا و ثقافيا باعتبار المشتغلين بالفلسفة عادة ما يكونون اشخاصا غريبي الاطوار لا يتقبلهم المجتمع و لا تفهم اقوالهم و افعالهم و بالتالي يتم تجنبهم و الابتعاد عنهم.                                                                  
 و ان تعددت هذه المرجعيات و القراءات التي تقدم من خلالها الى الفلسفة فإنها تلتقي في نقطة الرفض المطلق و الاعراض بل وحتى الخوف  و التوجس فتصير الفلسفة بهذا المعنى  وكأنها بمثابة ذلك المخدر الذي يحذرك الناس من الاقتراب منه مخافة ان تدمنه فيدمر حياتك ويرمي بك في عوالم المجهول.                                                                               


                                                                            

السؤال الثاني:
بعدما بدأتم تستأنسون بالنصوص الفلسفية ،ما هي انطباعاتكم حول هذه المادة؟

بالنسبة لأجوبة التلاميذ فقد سارت وفق المنحى التالي:
(%) النسبة المئوية
الاجابة
50%
في بداية استئناسنا بالفلسفة كانت لا تزال تبدو غامضة بالنسبة الينا
40%
الفنا الفلسفة و اصبحت كباقي المواد بالنسبة الينا
10%
الافكار القديمة التي كانت لدينا عن الفلسفة غير صحيحة(تغيرت تمثلاتنا حول الفلسفة)

كما يتضح لنا من خلال ملاحظة نتائج الجدول اعلاه فان اراء التلاميذ جاءت متباينة         
و متضاربة احيانا فيما يخص نظرتهم للفلسفة فخلافا للنتائج التي حصلنا عليها سابقا والتي كانت تسير في منحى واحد سلبي يمثله الرفض المطلق لكل ما له علاقة بالفكر الفلسفي و تقبع خلفه مجموعة من الافكار القبلية التي تتمتع بقدر من الثبات و الرصانة  فإننا نلاحظ ان عينة من التلاميذ بدأت تتزعزع قناعاتها و افكارها القبلية حول الفلسفة بعد ان بدأت تحتك بالاشكالات و القضايا الفلسفية لفترة وجيزة لتحل محلها افكار جديدة اكثر ايجابية  من قبيل اعتبار الفلسفة علما قابلا للفهم و تعرف التلاميذ على مسار بعض الفلاسفة الذين كانوا يشتغلون بالرياضيات او غيرها، لكن ومع اعتبار هذا التغير الملحوظ فإننا نجد بالمقابل ان عينة مهمة من التلاميذ مازالت تتمسك بنفس التمثلات التي كانت حاضرة لديها قبلا مثل اعتبار الفلسفة هرطقة او الحاد او كلاما فارغا  الى غير ذلك.                                                                                          
                                                                        
ويمكننا ان نخلص من خلال هذا التحليل الى ان استثمار المقاربة بالكفايات و التي تتجسد داخل الدرس الفلسفي المنفتح و التفاعلي الذي يشرك التلاميذ في عملية بناء مضامينه و مناقشة مختلف الاشكالات المتضمنة فيه قد اثبتت نجاعتها في وقت وجيز و هذا ما اتضح لنا من خلال التغير في نظرة المتعلمين الى مادة الفلسفة  رغم ان وتيرة هذا التغير تختلف من متعلم الى اخر فكما لاحظنا ان هناك عينة من التلاميذ استطاعوا في ظرف وجيزالإستئناس بالفلسفة و التخلص بشكل نهائي  من الافكار السلبية التي كانت عالقة في اذهانهم عنها وعينة اخرى بدأت قناعاتها تتزعزع ولو جزئيا، بينما نسبة اخرى لا زالت تحتفظ بنفس الاراء الاولى التي كانت تحملها عن الفلسفة وبنفس الحدة و هذا الاختلاف في وتيرة الإستئناس و التفاعل و ايضا التغير امر طبيعي ترسيخا لمبدأ الفروقات الفردية بين المتعلمين والذي تتعدد خلفياته المعرفية و الاجتماعية و الثقافية ايضا و العوامل المتحكمة فيه فالوسط الاجتماعي الذي ينتمي اليه المتعلم والمحيط الذي نشأ فيه وكذلك المستوى المعرفي لأسرته  كلها عوامل تؤثر على طبيعة هذه التمثلات و حدتها و بالتالي  الوقت ألازم من اجل التخلص منها .                                                                                         
  

السؤال الثالث:
هل تعتقدون بجدوى تفسير الفلسفة للواقع،وإعطاءها حلولا للمشاكل المطروحة؟ علل جوابك؟

(%) النسبة المئوية
الاجابة
70%
نعم (لأنها تعتمد على براهين)                                            
30%
 لا (دون تعليل)                              

بالنسبة للإجابات التي عبر عنها التلاميذ ازاء هذا السؤال فقد سارت وفق منحيين متضاربين حيث ابدت نسبة مهمة من التلاميذ  رأيا ايجابيا فيما يخص قدرة الفلسفة على تقديم حلول للمشاكل المطروحة وذلك لكونها وحسب رأيهم خطابا منطقيا وعلميا يعتمد على براهين تجعله يتمتع بقدر من المصداقية ،بالمقابل نجد عينة من التلاميذ تعتبر ان الفلسفة لا تقدم حلولا للمشاكل المطروحة و بأنها مجرد لغو لا طائل من وراءه.                                                                
يتبين لنا اذن من خلال قراءة هذا الجدول ان الاراء لا زالت متضاربة بين العينة التي تستمر في الاحتفاظ بنفس التمثلات القديمة حول الفلسفة رغم تعرفها على المادة و اشتغالها عليها وبين عينة المتعلمين الذين استطاعوا التخلص من تلك الافكار القبلية السلبية و استبدالها بأفكار اكثر ايجابية وهذه العينة كانت الاكثر هيمنة هذا ما يدل على ان سيرورة الإستئناس بالفلسفة تثبت نجاعتها مع مرور الوقت اكثر فأكثر هذا من جهة أما من جهة أخرى فإننا ارتأينا ان يحكم معيار الحكم على مسار تغير التمثلات لدى المتعلمين  في هذا السؤال هو ايمانهم بجدوى الفلسفة في الحياة بعد ان كان جل المتعلمين يؤكدون على ان الفلسفة مجرد ثرثرة او انها تجريد بعيد عن الواقع قد بدأت تتزعزع لديهم هذه القناعة عبر الاشتغال بالفلسفة و الاحتكاك بها ليؤمنوا بجدوى الفلسفة في مساءلة قضايا الواقع و تقديم حلول لها وهذا يعتبر منعطفا حاسما لأننا نحتاج ونحن في القرن الواحد و العشرين لمتعلم و لفرد  يؤمن بقيمة الفلسفة العملية وجدواها في حياته و يستطيع ان يتمسك بمنطقها وهو خارج جدران الفصل .                                                      
السؤال الرابع:

"الفلسفة تجعلك تطل على العالم من نافذة افضل"،هل تتفقون مع مضمون هذه القولة؟

(%) النسبة المئوية
الاجابة
80%
نعم اتفق مع هذا الرأي
20%
لا اتفق مع هذا الرأي

لقد عبر التلاميذ من خلال اجابتهم عن هذا السؤال على تباين في الرأي في ما يخص نظرتهم الى الفلسفة و مدى قدرتها على تغيير نظرة الانسان الى الواقع و ومختلف موجودات هذا العالم فبينما اتفقت عينة مهمة من التلاميذ مع صحة هذا الطرح باعتبار ان الفلسفة تعالج قضايا مختلقة بدءا بالإشكالات  الكبرى الوجود و المعرفة و انتهاء الى ابسط ما يعيشه الانسان في حياته اليومية و هي في تنظيرها لكل هذا تحاول ان تغير رؤية الانسان لمعاشه بشكل اكثر عقلنة و عمقا،بالمقابل شككك بعض التلاميذ في هذا الرأي و بجدوى الفلسفة و قيمتها العملية وهي تبقى بحسب تعبيرهم كلاما للتداول و الحفظ فقط و ليس للعمل والتطبيق.                                                  
مما يمكن استنتاجه من هذه القراءة في نتائج الاجابات هو ان جل المتعلمين هم بصدد المرور من حالة التوازن التي كانوا يطمئنون فيها لقناعاتهم القديمة و يسلمون بها الى حالة لا التوازن التي يهدمون فيها القناعات القديمة ويبنون مكانها افكارا اكثر عقلانية  وهذه الخطوة تعد ضرورية  من اجل بناء اي معرفة كيفما كانت و الخطوة الاكثر اهمية  هنا تكمن في الاقتناع بالأهمية التي تكتسيها الفلسفة في حياة اي فرد منا وفي هذا السياق فان ما لحظناه في اجوبة بعض المتعلمين و  الدليل الذي استدلوا به على اتفاقهم مع مضمون هذه القولة هو ايمانهم بالسند المنطقي و العقلاني الذي تنبني عليه الفلسفة والذي يجعل تعاطيها من الواقع تعاطيا ايجابيا و اكثر عمقا و بالتالي يتمتع بقدر من المصداقية ويمكن تبنيه و التعاطي معه.                                             


السؤال الخامس:
على ضوء ما درستموه في مادة الفلسفة على امتداد السنة الدراسية ما هي الدروس او من هم الفلاسفة الذين ترسخوا في اذهانكم؟و لماذا؟
(%) النسبة المئوية
الاجابة
50%
نص ابن رشد حول (علاقة الفلسفة بالدين)
35%
نص كانط حول (قيمة التسامح و السلام)
15%
نص ديكارت حول(منهج الفلسفة)

لقد عبر التلاميذ من خلال الاجابة على هذا السؤال عن تفاعل كبير باستحضارهم لمواقف
 و اشكالات فلسفية متعددة و عميقة في ابعادها الوجودية و المعرفية فمنهم من استحضر نص "ابن رشد" الذي يعالج اشكالية العلاقة بين الفلسفة و الدين حيث ترسخ في اذهان كثير من التلاميذ لأنه  في نظرهم يثبت عدم تعارض الفلسفة و الدين وأوجه الاتفاق بينهما،كذلك فيما يخص نص  "كانط" الداعي الى قيم التسامح و السلام بين امم العالم و الذي ينبذ  الحرب بوحشيتها و اعتبره كثير من التلاميذ درسا مؤثرا بشكل ايجابي و هو تجسيد لنبل القيم التي تدعو اليها الفلسفة و تبشر بها.                                                                                                
ايضا شكل نص "ديكارت" حول المنهج و اهميته في الفلسفة منعطفا حاسما غير نظرة كثير من التلاميذ الى الفلسفة التي كانت في نظرهم مجرد لغو لا منطق له فصارت خطابا له منهجه و قواعده الصارمة و المتينة و التي تمنحه قدرا من المصداقية. هذا بالإضافة الى كثير من النصوص التي جاءت على لسان التلاميذ و اثارت اعجابهم كنص "طه عبد الرحمان"حول السؤال الفلسفي و نص "كارل ياسبرز" الذي يتناول الدهشة الفلسفية.                              
من خلال هذا التحليل تبرز لنا مرة اخرى قيمة الفلسفة التي تحدثنا عنها سابقا فهذه النصوص السالفة الذكر و نصوص اخرى كثيرة يجب ان يستغلها المدرس ليس فقط من اجل ان يتمكن التلميذ عبرها من التعرف على خطوات البناء الفلسفي من مفهمة و أشكلة و حجاح او يتمكن من استخراج اطروحة صاحبها بل يجب العمل بالموازاة مع ذلك على تمرير خطابات ثاوية خلف هذه النصوص و الاشكالات خطابات ذات حمولة انسانية كبيرة تمجد قيم السلام و الانفتاح و الحوار فتلعب الفلسفة الدور الذي لعبته منذ الازل و هو دور التربية قبل التلقين و التعليم.                                                                                                      
السؤال السادس:
باعتباركم قد انهيتم المقرر الدراسي للفلسفة هذه السنة،و تمكنتم من تحصيل معرفة اولية حول هذه المادة ،ألازلتم تعتقدون بصحة التمثلات التي كانت لديكم في بداية الموسم الدراسي؟     
كانت الاجابة عن هذا السؤال حاسمة من قبل التلاميذ الذين عبروا و بشكل جماعي عن تخلصهم من جل التمثلات التي كانت عالقة في اذهانهم عن الفلسفة قبل ان يحتكوا بها  طيلة هذه السنة الدراسية حيث تغيرت الافكار السلبية التي كانت مترسبة في أذهانهم عن الفلسفة باعتبارها كفرا وإلحادا أومجرد ثرثرة الى غير ذلك من الافكار التي تم استدماجها عبر سيرورة التنشئة الاجتماعية و مررت اليهم من غير دراية ووعي و بالمقابل فقد  حلت محل هذه التمثلات السلبية افكار اكثر ايجابية و وكانت كنتيجة وحصيلة  اشتغال المتعلمين على اشكالات و نصوص و مواقف فلسفية مختلفة  داخل الفصل الدراسي و تعرفهم على محطات كبرى من تاريخ الفلسفة و اهم الفلاسفة البارزين في كل محطة تاريخية  وكذلك اهم المدارس و التيارات الفلسفية و لو بشكل اولي علما ان هؤلاء التلاميذ لا زال امامهم مسار طويل رفقة الفلسفة خلال السنتين القادمتين  لكن ورغم ذلك فان هذه السنة التي قضوها رفقة الفلسفة قد غيرت كثيرا من افكارهم وتصوراتهم ليس فقط عن الفلسفة ولكن عن واقعهم بشكل عام حيث جعلتهم يتشبعون بمجموعة من القيم الفلسفية النابعة من روح الفلسفة.                                                                                                       

                                                                                   










4.تقرير حول البحث

إن إجراء أي بحث خصوصا في مجال علوم التربية، ليس بالمسألة الهينة، إذ هناك صعوبات كثيرة تقف في وجه الباحث، خاصة في الشق الميداني، حيث تتنوع هذه الصعوبات، بتنوع موضوع الدراسة ومجالها، وكذا التقنية المستخدمة خلالها، وقد واجهتنا صعوبات وعوائق، خصوصا مع فئة التلاميذ التي وقع عليها اختيارنا وهي فئة تلاميذ الجدوع المشتركة الحديثي العهد بالفلسفة و بميدان البحث الاجتماعي ويمكن إجمال أبرز هده العوائق في :
-       صعوبة فهم التلاميذ للأسئلة المطروحة عليهم ,مما اضطرنا بالتالي الى إعادة صياغة طرح الأسئلة لأكثر من مرة و توضيحها بل وحتى طرحها باللغة الدارجة في بعض الاحيان.
-       إستغراب المبحوثين، لمثل هذا النوع من المقابلات، بفعل عدم تعودهم على الاستجوابات والتي غالبا ما يطبعونها بكثير من الشك، و تخوفهم من ان تكون الاسئلة جزائية, خصوصا اذا أخدنا بعين الاعتبار , تواجد أستاذهم داخل القسم , اثناء قيامنا بهده المقابلة.
-       طبيعة أجوبة التلاميذ السريعة و المتعددة في وقت واحد مما جعل مهمة تدوين المعلومات تتسم ببعض الصعوبة.
-       طريقة تفريغ المقابلة لصعوبة تبويب الأجوبة.
-       عدم توفر الشروط المناسبة من أجل القيام بالمقابلة بشكل منفرد.
ورغم كل هذه العراقيل، فقد قمنا بتحدي، كل هذه الصعوبات دون أن ننسى المساعدة القيمة التي تلقيناها (سواء من طرف أستاذ المادة أو من طرف التلاميذ أنفسهم الدين أبانوا عن حماس كبير في المشاركة في المقابلة و الإجابة عن أسئلتنا بكثير من العفوية و الموضوعية )، في إنجاز هذا البحث بشكل سلس وطبيعي يراعي الحد الأدنى من الدقة والموضوعية، خاصة و أننا نقر باستفادتنا الكبيرة من هذه التجربة التي منحتنا فرصة الغوص أكثر في  واقع التعليم والممارسة الفصلية والوقوف أكثر على ما يحمله المتعلمون من تمثلات حول مادة الفلسفة ، والتعرف أكثر على المشاكل التي يعانيها أساتدة المادة ، والتي أخذنا كنموذج للدراسة نمودج من تلاميد الجدع المشترك.
أما بخصوص الفرضيات التي قمنا بوضعها في بداية هذا البحث، باعتبارها أجوبة مؤقتة، اتضح لنا ومن خلال أجوبة  المبحوثين في الشق الميداني من هذه الدراسة، أنها فرضيات صحيحة، حيث تبين لنا أن المجتمع حاضر بكل ثقله داخل المدرسة, عبر التصورات و التمثلات التي يثبتها في أدهان التلاميذ والتي تجد مصادرها غالبا في البنية الثقافية التقليدية للمجتمع ( الدين بالدرجة الأولى , ثم تتبعه العادات و التقاليد المغرقة في القدم و الرجعية والتي تقف سدا منيعا أمام محاولات التجديد و التغيير) فإلى جانب المؤسسات الدينية المتحكمة بشكل كبير في المخيال الجمعي لأفراد المجتمع –التلاميذ جزء من هدا المجتمع- هناك وسائل الإعلام بمختلف أنواعها المقروءة و المسموعة و المرئية  أضف اليها الانترنت ,حيث نجد أغلب هذه الوسائل تحت سيطرة قوى مناوئة للفكر الفلسفي و الفكر النقدي بشكل عام , مما يكرس مجموع التمثلات التي تناولناها داخل هده الدراسة في أذهان التلاميذ
و يجعلهم يقفون موقف النقيض من هده المادة و يواجهونها بالرفض و التمنع , وهو الشيء الذي يؤدي في تطوره إلى أن يصبح عائقا إبستيمولوجيا حقيقيا و يشكل بالتالي هاجسا مؤرقا للمادة و مدرسيها( وهو ما عاينناه باديا في أجوبة المستجوبين التي توضح حجم التأثير الذي تمارسه هاته التمثلات على استيعاب المتعلمين للدرس الفلسفي).
أما بخصوص الفرضية الثانية , والتي مفادها أنه عبر سيرورة الإشتغال و التمرن على التفكير الفلسفي و استدماج التلاميذ لكفايات المادة -المعمول بها في البيداغوجيا الجديدة- يتم تغيير البنيات الذهنية لدى المتعلمين و تفكيك تمثلاتهم القبلية عن المادة,فقد تم التأكد من صحتها و دلك تأسيسا على إجابات المستجوبين , الدين غيروا تصوراتهم المسبقة عن الفلسفة و أصبحوا ينظرون إلى هده المادة بكثير من الإعجاب و الحماس و أخدوا يدافعون عنها و عن دراستهم لها بدل الهجوم عليها و نبدها.








خاتمة:
إن النزول الى أرض الواقع التعليمي ببلادنا  و محاولة سبر أغواره والبحث في مشاكله و معيقاته , يكشف حجم الهوة الفاصلة بين ما هو نظري –متضمن في كتب البيداغوجيا و علوم التربية- وبين ما هو عملي تطبيقي على أرض الميدان , ولعل من أهم إيجابيات العدة التكوينية الجديدة داخل المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين هي أنها أتت ببراديغم جديد للإشتغال, يعتمد أساسا على مهننة التكوين و إعطاء الأولوية للتطبيق مقابل النظرية ,تبعا كما هو معلوم لخطاطة عملي – نظري – عملي , فبفضل خطة العمل هاته يتمكن الأساتذة المتدربون من الإحتكاك مبكرا بالممارسة الفصلية و تطوير مستواهم تبعا لتطور مستويات التكوين داخل المراكز بموازاة مع مؤسسات الإستقبال.                                                                      
وارتباطا بموضوع دراستنا التي خصصناها لموضوع التمثلات و أثرها على استيعاب التلاميذ للدرس الفلسفي , فما يمكن ملاحظته و تسجيله في نهاية هده الدراسة هو الأزمة التي تعيشها المدرسة المغربية في علاقتها مع محيطها .                                                         
فإذا أخدنا التمثلات التي قمنا بجردها في مقابلاتنا كمعيار نقيس به نبض المجتمع و تفاعله مع قيم الحداثة و التنوير التي تمثلها الفلسفة , و أخدنا أيضا بعين الإعتبار تاريخ و جود المدرسة في المغرب و الذي يعود إلى أربعينيات القرن الماضي , بالإضافة إلى حضور الفلسفة داخل النظام التعليمي المغربي مند فترة ليست بالقصيرة سنكتشف دلك العجز او لنقل الفشل الذريع لهده المؤسسة في تحقيق اهدافها و المساهمة في تنمية البلد و تقدمه مقارنة بدول أخرى عاشت نفس ظروف المغرب و حصلت على استقلالها في نفس فترة "حصول" المغرب عليه, و تتجلى لنا مظاهر هدا الفشل في استمرار انتشار مظاهر التخلف داخل المجتمع من زيارة للأضرحة و التبرك بها و التضرع بها طلبا للعلاج و انحدار مستوى الثقافة العلمية و التفكير النقدي حتى داخل أوساط الشباب "المتعلم" بالإضافة الى طغيان الأفكار الرجعية و الظلامية و النظرة الدونية للمرأة و مظاهر الرفض التي تواجه بها ثقافة حقوق الإنسان إلى غير دلك من ظواهر أصبحت اليوم أكثر من أي وقت تهدد النسيج المجتمعي و تندر بمستقبل مظلم قد يأتي على الأخضر و اليابس و يشكل بالتالي بداية مسلسل التراجع عن المكتسبات التي حققها المجتمع المغربي بثقافاته المتنوعة و بتعدده الثقافي و مجموع قيمه المتنورة.                                                            
إن غرضنا بهذا القول ليس هو التيئيس و التهويل بقدر ما هو دعوة إلى القيام بمراجعات نقدية لكل ما هو قائم و بمنهج يسمح بمشاركة كل الفاعلين داخل قطاع التعليم بالمغرب من مدرسة و إدارة و مجتمع مدني و كل القوى التي تعمل جاهدة من أجل رفع واقع الازمة هدا و الدفع بقاطرة البلد الى الامام                                                                                            
لتبقى في نهاية هذه الدراسة، إشارة إلى الدور البارز والمركزي، الذي يلعبه البحث التربوي، والباحثون ألتربويون في دراسة واقع المدرسة المغربية، وتقديم الحلول  الواقعية لمشاكلها الكثيرة , لأنه بفضل التعليم تمكنت مجتمعات و أمم مختلفة (وعت بخطورة دور المدرسة) من تحقيق إقلاعها و تقدمها وامتلكت مصيرها وحجزت مقعدها داخل الأمم العظمى في عالم اليوم                                           
لقد قالها يوما القائد الصيني الكبير "ماوتسي تونغ":
" لندع مئة زهرة تتفتح، ولندع مئة مدرسة تتبارى"

      


المراجــــــــع

·        Tozzi. M : « Apprendre à philosopher dans les lycées d’aujourd’hui » ; C.N.D.P Paris 1992.
·        Bachelard. G : « Formation de l’esprit scientifique » ; Vrin, Paris 1989.
·        الدكتور عبد الكريم بالحاج، المدخل الى علم النفس ألمعرفي دار ابي رقراق للطباعة والنشر الطبعة الاولى ،2009
·          الخطابي عز الدين : مسارات الدرس الفلسفي بالمغرب، ط 2002
·        مجلة علوم التربية العدد 7



[1] Dictionnaire Le Robert 1987, Paris p356

[2]التربية الاخلاقية،تقديم بول فوكونيه،ترجمة وتقديم محمد بدوي ،دار مصر للطباعة ط.1992 اميل دوركايم،
[3]الدكتور عبد الكريم بالحاج، المدخل الى علم النفس ألمعرفي دار ابي رقراق للطباعة والنشر الطبعة الاولى ،2009 ص 62
[4] Bachelard. G : « Formation de l’esprit scientifique » ; Vrin, Paris 1989.

[5] Tozzi. M : « Apprendre à philosopher dans les lycées d’aujourd’hui » ; C.N.D.P Paris 1992. P.56

[6]الخطابي عز الدين : مسارات الدرس الفلسفي بالمغرب، ط 2002 ص.24


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage