3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المبادئ الأخلاقية لجون ديوي

الخط




















قراءة في كتاب المبادئ الأخلاقية لجون ديوي

هشام بنوزكري                 
بإشراف سليم رضوان



تقديم:

لربما كان أسمى تجل للعقل البشري في الوجود، هو تفكيره في تربية الإنسان، ولما كانت التربية مجموع العمليات التي يصير بها الإنسان إنسانا، فلاشك إذن في أن التفكير في التربية،هو تفكير في الإنسان، ومن ثمة يغدو التفكير الفلسفي بوصفه جزءا من اهتمام العقل البشري الأجدر بوضعه في سدة الاعتبار عند الاشتغال بمسألة التربية.
وقد لا يختلف اثنان في أن مسألة التربية قد غدت أكثر راهنية، إذ أصبحت نقطة تقاطع الانشغالات الكبرى للبشرية، وبالخصوص بعد إدراك أهميتها في تقدم المجتمعات، وفي تنشئة أفراد قادرين على الإسهام في النهوض بحضاراتهم بمظاهرها المادية والمعنوية ولهذا الاعتبار فإننا قد لا نجد حرجا في الإقرار بأن الروح العلمية هي الموجهة للمتن التربوي فكرا وممارسة.
       والحديث عن التربية يستدعي ضرورة الحديث عن المدرسة، إذ تشكل هاته الأخيرة محك الاختبار لمدى فاعلية ونجاعة النظريات التربوية، سواء تعلق الأمر بشكل أو مضمون التعليم المدرسي، كما أنها مسؤولة أخلاقيا عن المواءمة بين مؤهلات من تحتضنهم وبين ضرورات الواقع المعاش.
       وبإلقائنا لنظرة على مدارسنا، فإننا لا نجد أفضل من تعبير جيل دولوز على الوضعية المأساوية التي تعيشها، وهي على حد تعبيره أننا "أضعنا في مدارسنا فكرة تعلم التفكير"، فغياب التحفيز على التفكير وطوباوية الأهداف، وإقصاء الذوات في اختيار ما تعشقه، كل هذا وغيره جعل من التربية في مدارسنا ملحقا شديد الهامشية، مما ينذر بمشكلة أخلاقية، قد تعصف بإنسانية الإنسان وتجعل من مدارسنا قيدا  أمام الخروج من التأخر والتخلف.
من هذا المنطلق انصب اهتمامنا في هذا البحث على الإحاطة بأحد رجالات التربية، وهو الأمريكي "جون ديوي"، وبالخصوص مؤلفه "المبادئ الأخلاقية في التربية"، لأنه بمثابة لبنة من لبنات التفكير في تربية تقدمية تقطع مع الماضي، وتجعل من المدرسة البداية الحقيقية لكل تقدم.
 فكيف يمكن إذن للمدرسة باعتبارها مؤسسة اجتماعية أن يكون لها موطئ قدم في رقي المجتمعات؟ هل تستقل بمناهجها وخططها، أم تستفيد من معطيات العلم الحديث؟ لكن ألا يمكن للعلم ونتائجه باعتبارها أمور نسبية أن تقيد حرية الإنسان؟ وهل يمكن الحديث عن أخلاق تربوية تتجاوز الأخلاق المتعارف عليها؟
       لهذا الغرض، فبحثنا هذا يضم محورين، أولهما نستعرض فيه أهم ما يمكن استخلاصه من مؤلف ديوي، ومحور ثان خصصناه للحديث عن علاقة الكتاب بفكره التربوي، وكذا التأصيل النظري والمرجعي للنظريات التي ينطلق منها ديوي لتأكيد تصوراته، مع صفحات تدور في ثنائية التأييد والنقد لتربية ديوي، لننتهي إلى خلاصة تركيبية، تحتوي أهم ما يمكننا أن نستخلصه من هذا البحث.







                              الفصل الأول:

"المبادئ الأخلاقية في التربية"
وبحوثه:





"ليس المهم أن يكون الإنسان صالحا، لكن المهم أن يكون صالحا لشيء ما"
جون ديوي
شهد العالم في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين العديدمن التيارات الفلسفية التربوية، التي اتخذت من الطفل والمدرسة نقطة انطلاق بحوثها ونظرياتها، فكان إذ ذاك أن تعددت وجهات النظر حول المسألة الواحدة،  كما رفعت شعارات تهتف بضرورة الاهتمام بالطفل، وفتح المجال أمامه للإبداع والابتكار، كما هتفت معارضة كل نظام مدرسي تقليدي يسبح في مياه القرون الوسطى، ويقصي حرية الطفل في التعبير عن ميولاته ورغباته، وبالتالي ظهرت معالم تربية حديثة، ترتكز على أسس علمية قابلة للتحقق المنطقي والتجريبي، كما تضع نصب أعينها خدمة المجتمع بغية رقيه وتطوره، ولما لا تأثيره في باقي الحضارات البشرية الأخرى، التي تشكل في نهاية المطاف الإنسانية جمعاء.
وفي نفس السياق أثمرت اجتهادات أحد الأساتذة الإنجليز وهو البروفسور   ج.ج فندلاي، هذا الأخير قام بجمع ثلاثة بحوث للمربي والفيلسوف جون ديوي (1859/1952)، وأصدرها في مؤلف معنون ب"المبادئ الأخلاقية في التربية" مع     مقدمة له يعرض فيها أسباب اهتمامه بهاته البحوث، في وقت اختفى في ربط   التعليم المدرسي بالنظريات السياسية والاجتماعية في انجلترا من جهة، في حين تأكدت من جهة أخرى فاعلية بعض الفلسفات التربوية في بعض المدارس التجريبية، التي أخذت رياحها تصل إلى مختلف أرجاء العالم، فكان بذلك أن أدرك البروفسور ج.ج. فندلاي أهمية ديوي باعتباره أحد رواد الفلسفة البرغماتية التي تؤمن بما هو عملي في الحقل التربوي، و تدور محاورها الكبرى في التربية حول كل من الطفل والمدرسة والمجتمع، كما أدرك أيضا فندلاي أهمية ديوي في الإجابة عن مختلف الأسئلة، التي طرحتها المدارس الإنجليزية وبالخصوص الدور الإيجابي للمدرسة في الرقي والتقدم.


1.      التعليم الأخلاقي الاجتماعي

غالبا ما يتم الحديث عن المدرسة كمؤسسة اجتماعية تساهم إلى حد كبير في تنشئة أجيال من الناضجين، ينتظر منهم حمل لواء الحضارة والزحف به إلى أبعد الحدود، إلا أن هاته التنشئة مرتبطة بمجموعة من الأسس والمبادئ التي ما فتئت أن أصبحت أخلاقية في العملية التربوية، ومصدر قوة للتعليم المدرسي، نظرا لعقلانيتها وموضوعيتها.
جون ديوي (1859/1952) واحد من أولئك الذين خصصوا للمدرسة حيزا مهما في تفكيرهم، بعد إدراكه لأهميتها في تقدم واستمرارية المجتمعات، وحفظ تماسكها الاجتماعي العضوي بين أفرادها، إلا أن نظرة ديوي للتربية عامة ومبادئها الأخلاقية خاصة، تعد فريدة من نوعها، فاستناده إلى نتائج العلم الحديث وبالخصوص فرعه السيكولوجي قد كان له بالغ الأثر في بلورة ديوي لموقفه إزاء الأخلاق التي كانت متعالية عن بيئة الفرد محلقة في أعلى الأعالي،و في المقابل اعتبرها ديوي "مسألة تفاعل بين شخص وبيئة اجتماعية على غرار كون المشي تفاعل بين الأرجل وبيئته الحسية"[1]، تفاعل الفرد مع بيئته تفاعلا سليما بناء يجب أن يوضع في أعلى هرم المبادئ الأخلاقية المدرسية، حسب ديوي، ذلك أن من واجب المدرسة بذل الجهد في فهم الطبيعة الإنسانية فهما جيدا، وتوجيهها نحو أهداف وغايات اجتماعية يشترك فيها الكل، باعتبار أن هذا الكل،كل عقلاني اجتماعي، وجداني أخلاقي.
ولتيسير عملية فهم الطبيعة الإنسانية من حيث هي مصدر للسلوك يؤكد ديوي على ضرورة الاستعانة بنتائج البحوث السيكولوجية لما لها من أثر في ربط سلوك الفرد بغايات أخلاقية مدرسية نابعة من روح الجماعة والتي يعتبرها ديوي صانعة المطالب الأخلاقية.
كل سلوك، حسب ديوي، سلوك هادف ينبغي توجيهه نحو الحياة الاجتماعية، المطالب من الفرد  العيش فيها والتكيف معها على أحسن الأحوال، ومن ثمة فالمدرسة مسؤولية أخلاقيا بأن تكون الحياة نفسها لا إعدادا للحياة، كما كان سائدا في المدارس التقليدية، ذلك أن المدرسة هي "في جوهرها منشأة أقامها المجتمع لتؤدي عملا معنيا بالذات. أي لتمارس وظيفة معينة محددة في المحافظة على حياة المجتمع وتزويده برفاهية مطردة النمو"[2].
الحياة الاجتماعية قطب الرحى في التفكير التربوي لديوي، فالتربية تنشأ عند اشتراك الفرد في الوعي الاجتماعي بموارده الفكرية والخلقية والتي نجحت الإنسانية في نيلها وتحصيلها، كما أن المدرسة خير سفير لهاته الموارد، فهي قادرة على تعديل النظام الاجتماعي بربطها للواجبات المدرسية مثلا بواجبات الحياة ،واتصال كل من المضمون التعليمي بالمضمون الاجتماعي، والعقلي بالأخلاقي، والمعرفي بالعملي، كل هذا  بغرض تكوين فرد يساير التحولات والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتصبح المدرسة قادرة على غرس الروح الاجتماعية في الطفل لخدمة مجتمعه وربط علاقات اجتماعية لحفظ استمرارية المجتمع، باعتماد بعض أفراده على آخرين، فلا يولد إنسان إلا في "محتوى الاعتماد على الغير، وبدون معونة ورضاعة وتغذية من الآخرين فإنه يموت ميتة تعسفية"[3].
ولتحقيق الغرض الاجتماعي من المدرسة يؤكد ديوي ضرورة ارتباط منهج ومضمون التعليم المدرسي بالحياة الاجتماعية، فيشكل منهجها أداة من أدوات العمل الاجتماعي، فهي حين يرتبط مضمونها بغاية العمل الاجتماعي، مما يساهم في إنماء الشعور بالحياة الاجتماعية لدى الطفل، وتصبح كل من الثقافة والمعلومات والنظام المدرسي وجوها للتفسير الاجتماعي وقيم تضبط قوى الطفل الإيجابية وتفسح له المجال للإبداع والابتكار فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية، كما يغدو هذا الثالوث (الثقافة، المعلومات، النظام المدرسي) ثالوثا أخلاقيا بتجسيده للحياة الاجتماعية المستخلصة من التجربة الإنسانية الواعية[4].
التاريخ، الجغرافيا، الفن، حقول معرفية تمثل تجربة الإنسان الواعية وبالتالي وجب حسب ديوي الاهتمام بها من جهة أنها إذا وظفت التوظيف الصحيح فهي قادرة على إثارة القوى الخلاقة والمبدعة في الطفل، كما أن إيصال مغزى هاته الحقول بشكل حيوي إيجابي يسهم كثيرا في نظرة الطفل للحياة نظرة تفاؤلية، تعد مكسبا أخلاقيا.
فالجغرافيا مثلا حسب ديوي، لا تشير فقط إلى تضاريس ومناخ الأرض، بقدر ما تبين أيضا تفاعل الفرد مع بيئته الطبيعية من جهة، وتفاعله مع الآخرين من جهة أخرى، وبالتالي تصبح كل من الجغرافيا التجارية والسياسية إلى جانب الطبيعية دافعا إلى وضع الفرد في موضعه الصحيح ضمن محيطه الاجتماعي، كما تعمل على إقامة جسور التواصل والتعاون بين أفراد المجتمع وعلى مختلف الأصعدة والمستويات[5]، ومن ثمة فالمدرسة أو التعليم المدرسي مسؤول أخلاقيا بتدريس الجغرافيا على أساس تحديد العمل الاجتماعي وتوزيعه في نفس الآن.
القيمة الأخلاقية للتاريخ ضمن التعليم المدرسي يضعها ديوي في أعلى القيم الأخلاقية، فالتاريخ معرفة أخلاقية منظمة ومنسقة مادامت تمكننا من فهم الظروف والأحوال والفاعليات التي يحيا عليها الإنسان، ويكون بها خططه وينفذها، كما يكون التاريخ معرفة أخلاقية بكشفه لأوليات تقدم وازدهار الأمم والحضارات، ومدى تأثير أبطالها وعظمائها في الجماعات، التي تنتمي إليها ،بالإضافة إلى هذا فالتاريخ حي لدى الطفل إذا تم عرضه كمسرح لتحليل العلاقات الاجتماعية القائمة على ضوء الماضي، والذي يصاغ في نظر ديوي على شاكلة حاضر، كما أنه تاريخ حي حين يستوعب أسس التقدم الاجتماعي ويفهم الحياة الاجتماعية، وبالخصوص ما يتعلق بمصالحها وغاياتها، التي ينبغي أن تحضى باحترام وتقدير الطفل، وبذلك يكون التاريخ قد حقق فاعليته الأخلاقية في التعليم المدرسي ويتجاوز كونه سجل ماضوي يحمل في طياته دراسات مفصلة عن حضارات لا قيمة لها، بل اكثر من ذلك فهي تجعل من التاريخ فارغا من المعنى وخاليا من الروح.
نصل الآن إلى المسؤولية الأخلاقية للمدرسة فيما يتعلق بربط شكل التعليم المدرسي بالمجتمع واعتباره "شعورا بالوسائل والخطط الضرورية لضبط الحركات الاجتماعية"[6]. وحديث ديوي عن شكل التعليم المدرسي يحيل إلى كل من اللغة والرياضيات باعتبارهما أدوات عملية اجتماعية تؤدي وظيفتها في اختلاط وتفاهم أفراد المجتمع وتحقيق أهداف اجتماعية لها أثر نفع على الآخرين، كما أنها أدوات تنمي إلى حد أقصى كلا من الذكاء الاجتماعي والقوة الاجتماعية والمصالح الاجتماعية لدى الطفلـ التي هي أيضا غايات أخلاقية تقتضي العودة إلى السيكولوجيا لمعرفة دوافع سلوك الطفل وإقرارها بلغة سيكولوجية، حتى يتسنى توجيه الطفل نحو تلك الغايات.
كل هذا إذن من وجهة نظر ديوي يساهم في إغناء مضمون وشكل التعليم الأخلاقي الاجتماعي، كما يمكن أيضا من معرفة الخلق وكيفية نموه الحسن و النظر إليه على أساس كونه قوة اجتماعية وكفاءة منظمة للوظيفة الاجتماعية، ينبغي تحويلها إلى عادات خلقية اجتماعية نفسية وربطها بالتصور الفكري للطفل، وبالتالي يتكون الحكم الذي يعتبره ديوي الفهم الصائب للحياة الاجتماعية والاستجابة العاطفية لكل ما هو أخلاقي اجتماعي.
ها نحن قد قطعنا شوطا من البحث الأول في مؤلف "المبادئ الأخلاقية في التربية" نقبل فيه على دعوة ديوي إلى صياغة القيم الأخلاقية المدرسية بلغة اجتماعية نفسية واعتبارها قيما واقعية في الحياة مثلها مثل قوانين العلوم، كما يؤكد ديوي على فطريتها في المجتمع، إلا أنها تحتاج إلى إيمان أصيل منا يجعل من الأخلاق أخلاقا مرنة منفتحة تعترف بالآخر وتحفظ السلام بين المجتمعات[7].


2.      إرادة واهتمام

سبق أن أشرنا إلى أن تربية ديوي (1859/1952)، تعد فريدة من نوعها، وها نحن نعود لنؤكد ذلك، فمن خلال البحث الثاني من مؤلف "المبادئ الأخلاقية في التربية"، والمعنون ب "الاهتمام وعلاقته بتدريس الإرادة" فواضح أن ديوي سيعطي الأولوية لعلم النفس في فهمه لكل من الاهتمام والإرادة وصياغة نظرية بصددهما تعد كأحد مكونات التدريب الأخلاقي المتعلق بالطفل داخل المدرسة، هاته الأخيرة يؤكد ديوي دائما على مسؤوليتها الأخلاقية في فهم الطبيعة البشرية و حسن تاويلها.
جون ديوي، حاول فض النزاع بين نظريتين معاصرتين له، أحدهما تنادي بأن الاهتمام هو أساس العملية التربوية (الحركة الهرباتية نسبة إلى هربارت (1776/1841)) وعامل مساعد على التدريب الأخلاقي، بالإضافة إلى أنه البردايم المدرك الذي يكونه الإنسان عن طريق خبراته في الحياة، وهو الأساس الذي ينبني عليه التعلم، ومن ثمة وجب الاهتمام بالقوى الإيجابية  للطفل وتوجيهها نحو ولوج عالم الإبداع والابتكار.
 كان هذا إذن ما أعلنه المنادون بالاهتمام، أما النظرية الأخرى فقد أكدت أن مجهود الطفل هو أساس العملية التربوية، إذ أنه يمنح الطفل القدرة على مواجهة أكثر الأمور جدية في الحياة والتحرر من الاعتماد على الآخرين، زيادة على كون المجهود سبيل للنفاذ إلى عمق الحقائق الجوهرية وعدم الاكتفاء فقط بالحقائق المغلفة والهشة. ويرى أصحاب المجهود أن الاهتمام مجرد عنصر للبلبلة الفكرية والضعف الأخلاقي، لأنه يتماشى مع رغبات الطفل دون تأويلها تأويلا حسنا.
في هذا الجو المشحون بالصراع النظري تأتي محاولة ديوي كما سبق إلى فض النزاع بين النظريتين، منطلقا من نقدهم لكونهم وقعوا في خطأ تربوي، مفاده أن ما يتعلمه الطفل يجب أن يختار مقدما، بمعنى آخر أن تكون المواد والمقررات منفصلة ومنعزلة عن ذات المتعلم ، إلى هنا يأخذ ديوي نظرية المجهود لكونها تضع حدا فاصلا بين النفس والحقيقة، التي يجب امتلاكها والسيطرة عليها. كما أن طاقة الفرد تظل طاقة عشوائية تتخبط بين الشرود الذهني وأفكار لا قيمة لها.
في حين يؤكد ديوي على ان الاهتمام الحق هو المرتبط بتطابق الذات بشيء أو بفكرة العمل الذي يروح عن النفس ويحقق لها لذة التعبير عن الذات، ذلك أن ارتباط الاهتمام بتأثيرات خارج دائرة قوى الفرد لن يسهم سوى في تبديد واستهلاك حيويته ونشاطه.
ولهذا يؤكد ديوي على مركزية علم النفس في العمل التربوي، وبالخصوص فيما يتعلق بفهم الجانب الوجداني لدى الطفل وعلاقته بالاهتمام لكونه عملية خلق وإبداع تستوجب تهيئة الشروط النفسية والعقلية للتدريب الأخلاقي،بل وحتى يكون الاهتمام دفعا إلى الأمام  بإلغائه لكل انفصال بين الطفل والمواد التي يتلقاها، وبالتالي تظهر قيمة النشاط المستغرق انطلاقا من الدافع الذي هو "القوة المحركة للذات أو دفعها في اتجاه آخر"[8].
والاهتمام أيضا في نظر ديوي، يكون موضوعيا عند ربطه للانتباه بما هو خارجي ،بمعنى أخر تحفيز ذات الطفل على الحركة والاتجاه نحو امتلاك أدوات النشاط وكل ما هو ضروري نافع، ومن ثمة فديوي قد وحد وجمع النظريتين السابقتين (الاهتمام/المجهود) في كل واحد إذ أن الاهتمام داخلي وهو كخطوة أولى نشاط ذاتي مرتبط بهدف، في حين أن المجهود ما هو إلا محاولة خارجية أو مظهر خارجي يضع الاهتمام موضع تنفيذ، مما يجعل الاهتمام محققا للشعور باستحقاق قيمة الشيء باطنيا والتعبير عن الذات وفق تأثير الميول التي تبرز ملامحها الموضوعية فيما هو منجز عملا، أي مزاولة الطفل لنشاطات تحقق وجوده الشعوري.
ولن يتأتى هذا إلا باختيار مواد التعليم المدرسي حسب علاقتها بتجربة الطفل وحاجاته الراهنة التي تجعل من  اهتمام الطفل اهتماما موازعا وذائبا في كل حركة من حركاته.
ننتقل إلى جانب آخر من نظرية ديوي بصدد الاهتمام، والمتمثلة في علاقته بكل من المجهود والرغبة، ذلك أن كلا منهما سبيل للانتقال بالفكرة من مستواها المثالي التجريدي إلى مستوى الواقع المادي العيني الملموس، فالمجهود إلى جانب كونه يضع الاهتمام موضع تنفيذ هو أيضا مقاومة فكرية من أجل تحقيق "المثل الأعلى"، هذا الاخير يؤدي وظيفته في ارتكاز الفكر على غاية واحدة تفصح حينها الذات عن ذاتها، كما يسهم في عملية نمو القوى الإيجابية في الطفل، للتعبير عن وضعها النهائي، بوضع "الشهوة"[9]، في إطارها العقلي الذكي مع العلم بالقوة النفسية والجسدية التي تصاحب هاته الشهوة، لذا يؤكد ديوي على ضرورة عدم ارتباط المجهود بعواطف من قبيل الأنانية، الفزع، الخوف، لأنه وفي هاته الحالة لا يبقى اي أمل في تدريب خلقي يدل على ثبات الذات واستمراريتها نحو المثل الأعلى.
الرغبة هي الأخرى وسيلة للتعبير عن الذات، إذ أنها توجه الميول والدوافع نحو زاوية واحدة، قصد استمرارية التعبير عن الغاية، فرغبة الإنسان رغبة واعية، وحضورها يعني حضور الموضوع والهدف (المثل الأعلى)، الذي تنشده الذات وتحيا من أجله، وبالتالي فكل غاية لا تنشد رغبة الطفل نحوها، تبقى عاجزة عن إثارة قوى وحوافز الطفل،و تظل مجرد دعوى فارغة،في حين تكون الرغبة أخلاقية بتأثيرها في السلوك وإثارة قوى وحوافز الطفل وما يصاحبها من نتائج على مستوى العمل.
المجهود والرغبة يشكلان إذن مفاهيم جوهرية في دراسة ديوي للاهتمام، ذلك أنهما تعبير الذات عن نفسها  تعبيرا يضمن من جهة فاعلية كل ما هو نفسي ضمن كل ما هو تربوي، كما يضمن من جهة أخرى حيوية وديناميكية المثل الأعلى بارتباط الإرادة بالاهتمام، وهذا ما يشكل حسب  ديوي انتصار لمبادئ التربية من حيث أنه دليل على قيام العاطفة بوظيفتها، إذ أنها "آلة نفسية متحركة"، ومصدر ثبات لبلوغ الغاية من تربية أخلاقية اجتماعية تهدف إلى تحقيق الفرد لوجوده وخدمة مجتمعه، الذي هو جزء منه.
 كما تجدر الإشارة إلى مسؤولية المربي الأخلاقية في الأخذ بيد الطفل لتحقيق كل ما هو ملموس  ازاء الأخلاق، التي يعود ديوي ليؤكد على ضرورة معايشتها اجتماعيا لضمان النهوض بالمجتمع،وتعبيد الطريق لتقدمه ورقيه بين المجتمعات.
يواصل ديوي حديثه عن الاهتمام لكن في إطار ردوده على احد أهم  المصلحين التربويين في أوربا، وبالضبط إيمانويل كانط (1724/1804)، وهيربارت (1779/1841)، اللذان أسهبا في الحديث عن الاهتمام  وعلاقته بالتدريب الخلقي، حيث انطلق ديوي من وجهة نظرهما مركزا على نقد بعض جوانبهما، فنظرية كانط حسب ديوي تستبعد الرغبة في كل قانون أخلاقي وتعتبرها إلى جانب الشهوة شرا أخلاقيا، كما ان النظرية الكانطية تجد صعوبة على مستوى التطبيق العملي، فتقديسها وتأليها لحسن النية أدى إلى فصل الأفكار عن الواقع، والابتعاد عن السلوك لذاته، مما يؤدي إلى تنشئة أطفال متعجرفين عاطفيين غير مبالين بواقعهم وما يتطلبه من مشاركة لكل فرد من أفراده في الحياة العامة.
أما بخصوص هيربارت، فديوي كان من المؤيدين له لكونه اعتبر الاهتمام نشاطا نفسيا داخليا، زيادة على كونه اهتمام مرتبط بموضوع لذاته وخارجي عن الطفل، إلا أن ديوي يأخذ  هيربارت  لكونه اعتبر الاهتمام مجرد رد فعل للأفكار، وليس نابعا من إرادة خالصة، وبالتالي إقصاء كل من الدافع والرغبة، بالإضافة إلى أن إقصاء الطفل من اختيار المواد والمقررات أضعف علم النفس الهربارتي وجعله فقط علم نفس المدرس يعطي الأولوية للمربي في تحديد واختيار المواد، ويرى ديوي أنه و رغم تأكيد هيربارت على دور المربي في تحديد الخلق ودوره أيضا في إيصال الأفكار التقدمية، التي تهدف خدمة المجتمع ورفاهيته، إلا أن فصله للأفكار عن الميول، قد أدى باشتغال الأفكار تجريدا وعدم توجيهها للميول، مما يؤدي إلى مجموعة صراعات عاطفية  تبقى و تحصر الذات في فوضى عارمة.
يسترجع ديوي هيجيليته في التأكيد على دور الدافع والعاطفة في خلق حياة متجددة ومستمرة لا تعرف الثبات والجمود، وبهذا الصدد يتحدث ديوي عن هيغل كأحد عباقرة  التربية إن صح التعبير؛ فهيغل لم يترك أي شيء دون أن يتفلسف فيه، فالتربية هي الأخرى حظيت باهتمام في تفكيره، و اعتبر "أن الدافع والميول قد تتباين أحيانا على حساب كل منهما مع أخلاقية الواجب من أجل الواجب، ولكن الدافع والعاطفة يعتبران بالذات روح الحياة في كل فعل وهما ضروريان إذا كان الفرد مهتما فعلا بتحقيق غايته وبتنفيذها"[10].
حاول ديوي توضيح علاقة الاهتمام بين كل من المدرس والطفل، إذ يرى أنه إذا أخذ بعين الاعتبار أن الطفل مجموعة من القوى البازغة، المتحركة والسائر في طريق النمو، أمكن رصد الاهتمامات الطبيعية وربطها بمواد الدرس، مما يسمح بنمو معرفي إيجابي للطفل، يتمثل ويتمظهر في منجزات وإبداعات الطفل الموضوعية الملموسة، غير أن قوى الفرد ومناشطه يجب أن تعد بدايات للعمل وليس نهايات، من هنا كان للمدرس الحاذق، الدور الكبير في التدريب الأخلاقي إذ أنه من المفروض أن يعتني بميول الطفل ووضعها في الموضع الصحيح حتى يكتسب الطفل عادات الاهتمام، وإلا فإن انفعال المدرس مع تلك الميول وإهمالها لن يجعل من المدرس حسب ديوي سوى عدو لفكرة الاهتمام.
النظام المدرسي هو الآخر يدخل ضمن مجال الاهتمام، إذ يعمل على ضبط القوى الذهنية للطفل، وترجمتها عمليا، كما يكتسب الطفل عن طريقه الخبرة في حل مشاكله اليومية دون الاعتماد على الآخرين، بالإضافة أيضا الى ان النظام المدرسي يرفع الطفل إلى مستوى التكيف مع متغيرات المجتمع، ويكسبه القوة والذكاء الاجتماعي، الذي يمنحه النمو في جو من استقلالية العمل، وحرية الابتكار، وعلى هذا الأساس يؤكد ديوي أن الاستعانة بالطريقة العلمية، والذكاء البشري كفيل بتحقيق غايات تتجاوز ما هو كائن لما يبغي أن يكون، وتدريب الإرادة في نفس الآن.


3.     علم النفس والعلم الاجتماعي

كان هذا البحث قبل إضافته إلى البحثين السابقين، محاضرة ألقاها المربي جون ديوي أمام الاتحاد الأمريكي لعلم النفس سنة (1899)، وهي محاضرة ركز فيها ديوي على أهمية علم النفس بين العلوم الاجتماعية، وبالخصوص أهميته في خدمة التربية، هاته الأخيرة التي أخذت كل الدول المتقدمة في إضفاء الطابع العلمي عليها، وصياغة مبادئها على أساس تحققها المنطقي والتجريبي، لوظيفتها في تنشئة أجيال من الشباب الناضجين القادرين على مساعدة مجتمعاتهم على التقدم نحو الأمام.
وانتماء ديوي إلى أحد الدول المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية)، قد أذكى حماسه ورغبته في الاستفادة من علم النفس لتحسين عمل المدرسة في تكوين أطفال تحترم ميولهم وتوجه إرادتهم، فالاستفادة تشمل معرفة الجهاز العصبي معرفة كاملة، وعلى الخصوص وظائفه الحيوية، التي تأكد من خلال نتائج البحوث العلمية مدى فاعليتها في نمو الطفل نموا يتوافق مع مواد وطرق التعليم المدرسي، إلا أن فصل بعض الأنظمة التربوية للجانب النفسي عن الجانب العملي أدى إلى عدمية الخطط التعليمية إن صح التعبير، كما خلق عقبات أمام الطفل من جهة نموه أو من جهة تكوينه لعادات عملية، كما أن فصل كل من علم النفس الطفل عن علم النفس الناضج قد أفرز لا مساواة كل من الطفل والناضج في الأهداف، وأقصى كلا من الانتخاب الشخصي، والتكيف الشخصي والتطبيق العملي للطفل، حيث أن هاته الأمور تشكل حسب ديوي مؤشرا على نمو القوى النفسية والعقلية للطفل، كما يؤكد ديوي أنه وإلى جانب اللامساواة، فالاختفاء الشبه المستمر للتجريب في المدارس،تصبح معه تجربة الطفل الفكرية والتلقائية عرضة للضياع و الاندثار،و ما يستتبعها من تراجع وتقهقر عمل التربية.
يؤكد ديوي إذن على ضرورة الاعتراف بالوحدة النفسية لكل من الطفل والناضج، وحدة تسمح بحيوية وفاعلية مناهج التدريس، وتسمح أيضا بمعرفة كافية للجانب النفسي للطفل، لذا فالتمسك بنتائج البحوث النفسية الإنسانية وترتيبها وتنظيمها في أفق خدمة التربية، يعد أساس كل إصلاح تربوي، كما نجد أيضا مناداة ديوي بالتفكير في علم يجمع ما بين النظريات التربوية النفسية وجانبها التطبيقي العملي، كما يوجد علم الهندسة بين علم الطبيعة والعمل اليدوي ،علم يصل عالم النفس والمربي القائم بالعمل اليدوي، كما أن شخصية المربي باعتمادها على علم النفس تصبح شخصية آلية من جهة رد فعلها على كل فعل صادر عن الطفل، فرد الفعل حسب ديوي يجب أن يكون مصاحبا بتحليل أفكار الطفل إلى عناصر تفصيلية تكوينية منها تصاغ مؤثرات تساعد على منح شخصية الطفل اهتمامات وميكانيزمات فعالة تجعل من الشخصية شخصية أخلاقية، كما أن هاته الاهتمامات تساعد على الوصول بالطفل إلى درجة من إدراك العلاقات بينه وبين الأشياء الخارجية والحقائق الوضعية، والأفكار المحددة، والرموز المتخصصة.
 كل هذا علينا أن نجعله فعالا في الطفل، فاعلية يعود ديوي للتأكيد على امتثالها لقواعد أصحاب النظريات االتربوية حتى تكون التربية قد قطعت شوطا في ما تطمح إليه.
الدور الإيجابي للمدرس لن يكون إذن إلا بإلمام ذكي بعلم النفس، فالمدرس يشبه إلى حد كبير عالم النفس في العمل على ضبط الوسائل والآليات، التي تجعل من نفسية الطفل أكثر حيوية، وبالتالي فإلمامه بعلم النفس يمكنه من تخطي العقبات الناتجة عن تركيب وتعقيد نفسية الطفل، كما أنه طريق للإحياء نبض العملية التربوية.
 علم النفس إذن، أساس متين ومرجع أساسي للعملية التربوية، كما أن المدرسة أفضل مكان لتطبيق فائدته على العمل الاجتماعي من حيث عضوية الأفراد داخل المجتمع، الذين يضعون أولويات مجتمعهم كغايات مستمرة، لانهائية.
يتم ديوي حديثه بالحديث عن المدرسة، من حيث أنها غير قادرة بمفردها على تنشئة الطفل تنشئة اجتماعية، مما يفسر ضرورة مساهمة باقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى في هاته المهمة. فالأسرة مثلا ملزمة بتربية أطفالها على أساس انفتاحهم على الآخرين وخلق فضاء داخل الأسرة، التي يحيا فيها الطفل، كذلك الموجود في المجتمع حتى يتمكن الطفل من اكتساب بعض العادات العملية، التي تمكنه من توجيه سلوكه نحو الغاية المنشودة، وهكذا فباقي المؤسسات الأخرى،و هذا ما ينتج عنه  نوع من التكامل والانسجام والوحدة، فيستطيع بذلك الفرد ولوج الحياة الشعورية الاجتماعية، كما يستوعبها،و بالتالي فهذا دليل على سريان المفعول الأخلاقي، سريانا يجعل الأخلاق تتحقق تحققا اجتماعيا كما توجه كل من القيم والمثل والعادات، التي اكتسبها الطفل نحو الحياة الاجتماعية.
تبين إذن أن علم النفس قادر على خدمة التربية، إذ أن تطبيقه على النظم الاجتماعية طريق علمي لمعالجة القيم الأخلاقية وللحد من توزيعها الغير متساوي، وترجمتها إلى الواقع العيني فتكون من صميم إنسانية الإنسان، كما أن علم النفس باستطاعته أن يجعل من المنظومة التربوية الاجتماعية، منظومة تتفاعل مكوناتها على أساس خدمة المجتمع والحفاظ على الشخصية الفردية، وضمان استمرارية التأثير المتبادل بين أفراده، بل وحتى لا يبقى المجتمع تحت وطأة العادات الأخلاقية المجردة،وعلم النفس ايضا كفيل بجعل القيم الأخلاقية قيما ممكنة يمكن تفعيلها أو أجرأتها في الحياة إن صح التعبير، قيم لا تهدف السيطرة على الطبيعة والإنسان كما يظن بعض المتشائمين من الحضارة، الذين رفعوا شعار العودة إلى الصحراء(تولتسوي، هركس)، بل هي قيم تقدم معونة للإنسانية وتوفر لها حياة أوفر وأرغد[11].









الفصل الثاني:

قراءة وتعليق


لقد حاولت في الفصل الأول أن أصوغ قراءة تحصيلية لمؤلف "المبادئ الأخلاقية في التربية" قراءة تمكننا من الوقوف على أهم ما تحتويه هاته البحوث الثلاثة من معاني، وذلك بغية ربطها بالسياق العام لفكر ديوي، من حيث أنه قد أسهب في الحديث عن التربية في مجموعة من البحوث، بوصفات مختلفة حاولت أن تدرس التربية، سواء دراسة موضوعية علمية، أو دراسة قائمة على تأملات تفضي إلى فلسفة للتربية هدفها التساؤل عن معيار تربية ناجحة، أو بالأحرى لما نربي؟
 وقد لا نجد غرابة في ذلك فأفلاطون مثلا قد كتب مؤلفه "الجمهورية" وبسط فيه تربية موجهة من طرف الفلسفة، فكانت الأكاديمية معبر فلاسفة هم بمثابة حكماء مدن ،وجون ديوي هو الآخر يبدع فلسفة تربوية تهتم بالإنسان وتسبر أغوار البحث في شؤونه وتأخذ بيده إلى التكيف مع الحياة ومسايرة تحولاتها، كما أنها فلسفة تربوية في مقابل الفلسفات المثالية التي تعتبر الإنسان قد أنجز منذ أمد بعيد، بل هي فلسفة تؤمن بحرية الفرد وتساير المجتمع وتعبد له الطريق نحو التقدم ومعانقة السلام، كما أن الطابع العلمي الذي تختزنه تربية ديوي، ذلك أن موضوعها هو الإنسان، قد جعلها من أكثر الفلسفات تداولا في العالم، وأخذت تربيته حلة علمية، قابلة للتجريب والتحقق.
وغايتنا من هذا الفصل هو أن نحاول تقديم قراءة تجعلنا من جهة أكثر وفاء وإخلاصا لديوي من حيث التعليق على مؤلفه وعلاقته بفكره التربوي، بالإضافة إلى حديثنا عن النظريات العلمية التي تدور في فلكها البحوث الثلاثة  من جهة أخرى فإننا سنتجاوز ديوي لنستحضر بعض الآراء التربوية سواء تلك التي تؤيد ديوي ،أو بمعنى آخر تلك التي تركز على الاهتمام بالطفل من اجل مجتمعه، أو آراء أخرى ترفض المنهج العلمي في إرساء أس التربية و ترى ضرورة اشراك الثقافات الاخرى في تربية الانسان.


1. علاقة الكتاب بفكر ديوي:

سبق وأن أشرنا أن مؤلف جون ديوي "المبادئ الأخلاقية في التربية" عبارة عن بحوث متفرقة، إلا أنها تستحق أن تجمع في مؤلف، منطلقه الأساسي الحياة الاجتماعية، الاهتمام بها والحرص عليها وإمدادها بمختلف الحلول لتجاوز عقبات رقيها واستمراريتها، حياة اجتماعية قائمة على التعاون والوفاء للمجتمع.
 فالبحث الأول تأكيد على وظيفة المدرسة ومسؤوليتها الأخلاقية في أن تتمثل للحياة الاجتماعية سواء  في قيمها أو عاداتها، وذلك بربط كل من شكل ومضمون التعليم بغايات اجتماعية ولتأهيل الفرد لمسايرة تحولات مجتمعه، كما أن البحث الثاني هو انتقال إن صح التعبير مما هو عام أي المدرسة، إلى ما هو خاص أي الفرد من حيث ضرورة الاهتمام به، وبالخصوص فيما يتعلق بتوجيه ميوله وتقوية إرادته نحو اكتساب عادات عملية، عادات تعتبر مفتاح تواصل ولقاء مع الآخر، من أجل مصلحة المجتمع في كليته، ومن أجل تكوين أفراد من الممكن اعتبارهم قادة للمجتمع قادرين على توجيه الآخرين، أما البحث الثالث فهو محاولة من طرف ديوي لبلورة أرضية علمية هي في صميمها حلقة وصل بين كل من المدرسة والطفل، أي الاعتماد على علم النفس لفهم الطبيعة البشرية، فهما عميقا لكونها بنية معقدة التركيب، بالإمكان الوقوف على نقط القوى فيها ووصفها في إطار ما يرتبط بأهداف وغايات اجتماعية.
ومما لا شك فيه أن كل تصور للتربية يتأسس على مجموعة مفاهيم تعد مركزية في الحقل التربوي، فالحديث مثلا عن المدرسة يستدعي الحديث التربية والعكس ليس صحيحا. زد على ذلك أن الحديث عن المدرسة والتربية هو حديث عن الطفل والأخلاق، وبالتالي فنحن ملزمون بالإحاطة بهاته المفاهيم حتى يتضح لنا أكثر المغزى الذي يثوي وراء وجهة نظر ديوي للمبادئ الأخلاقية في التربية.
يعتقد ديوي أن "كل تربية تبدأ عن طريق مشاركة الفرد في الشعور الاجتماعي للجنس البشري. وهذه المشاركة تبدأ في الغالب بصورة لا شعورية منذ الولادة وهي تشكل باستمرار قوى الفرد وتشبع شعوره وتكون عاداته وتهذب آراءه"[12].
وبالتالي فتربية ديوي تربية تتصل روحيا بالطفل وتأخذ بمطالب الظروف الاجتماعية مادام ان المولود الجديد سوف ينظم إلى وسط يصير فيه بالتدريج مشتركا في المواد الفكرية والخلقية التي يحيا عليها المجتمع، كما أن التربية الحقة هي التي تأخذ بحكمة وطموحات الإنسان الأساسية، ومنها البدء بدراسة نفسية للطفل وفهم قواه الطبيعية حتى "تساعد الحيوان الصغير النامي لكي يصبح إنسانا سعيدا ذا أخلاق قادرا فعالا"[13].
والتربية حسب ديوي سبيل للتقدم وركيزة إصلاح، بحيث إنها تعني حاصل جميع السبل والعمليات التي ينقل بها مجتمع ما قوته المكتسبة وأهدافه لضمان استمرار وجوده ونموه،كما أنها وسيلة لتكيف الفرد مع وسطه الاجتماعي في خضم التغيرات والأحداث التي يعيشها والاصطدامات الدينية والفكرية والعلمية الملتفة حوله، وتصبح التربية إذ ذاك تربية خلقية "باتصال الفرد بالآخرين واشتراكه معهم في العمل المتحد والرأي المتحد"[14].
وتربية ديوي المقصودة هي تربية منظمة تنظيما علميا خاصة وبعدما أخذت الحضارة تنحو منحى التقدم والرقي، وهتف العالم للقرن العشرين أنه عصر "الطفل"[15]، ونادى بتربية متمركزة حول الطفل ،تربية  مرتبطة بحاجياته ودوافعه وتربط العمل المدرسي بما اكتسبه الطفل من تجارب قبل ولوجه للمدرسة، لأن من شأن هاته الأخيرة أن تثير لديه النشاط المرغوب فيه من طرف المربي، كما أن المدرسة جزء من تجارب الطفل وهي نوع من الحياة الاجتماعية التي بفضلها يقوم أساس التربية الخلقية، ويقول ديوي بهذا الصدد "إنني أعتقد أن المدرسة معهد اجتماعي أولا وقبل كل شيء، فالمدرسة تمثل الحياة الاجتماعية، تتركز فيها مجموعة من العوامل والجهود، تتعاون على تربية الطفل وتمكنه من الاشتراك فيما ورثه من الجنس البشري"[16].
وما دام المجتمع بنية معقدة التركيب من نظم اقتصادية ودينية وفنية متعددة، فالمدرسة مطالبة بتهيئة بيئة مبسطة يفهم منها الأطفال الحياة الاجتماعية لما وراء الجدران، وأن تسعى إلى خلق توازن بين مختلف عناصر البيئة، التي ينتمي إليها الأفراد، هذا ما يستدعي خلق أعمال مدرسية لا تكون مفروضة عليهم من خلال برنامج مدرسي محدد مسبقا، لأن ذلك من شأنه أن يحد حريتهم في العمل والإبداع وأداء وظيفتهم كاعضاء فعالين في مجتمعهم، إذ "مادامت الأسرة عاجزة عن تكوين أطفالها لأداء وظيفة معينة فمن الضروري إذن، تعويض الحياة الاجتماعية، والمدرسة خير ممثل لها"[17].
ويؤكد ديوي على ضرورة تدريس المواد بصلتها بما هو اجتماعي، قصد تحقيق أغراض تهذيبية أخلاقية ذلك أن عدم اتصال المعرفة البشرية بتجربة الطفل قد يكون له عواقب عملية وأخرى نظرية متمثلة في "غياب كل ارتباط عضوي مع رآه الطفل من قبل وأحس به وأحبه مما يجعل من المعرفة المكتسبة أمر صوري رمزي"[18]. كما أن فصل المواد والمقررات عن حاجات الطفل يؤدي إلى "غياب الحوافز، فلا يتوقف الأمر أنه لا وجود في ذهن الطفل لأية واقعة أو حقيقة من شأنها أن تجعله يتمثل الوقائع الجديدة ويمتلكها بل لا وجود لأي رغبة لديه في معرفة هذه الوقائع.."[19].
بالإضافة إلى أن "أكثر الموضوعات المنتظمة علميا ومنطقيا تفقد سماتها عندما نقدمها إلى الطفل بطريقة عقيمة، فتدخل المعلم لإدخال بعض التغيرات عليها ليجعلها في متناول الطفل ،ينتج عنه أن ما يتسم بالقيمة في نظر العالم أو المنطقي يترك جانبا وما كان منتظرا منه أن يوقظ ذهن الطفل لا يساعد على الاستدلال أو التجريد"[20].
والمربي هو الآخر في نظر ديوي يساهم بقسط وفير في مشروع التربية إن هو حاول معرفة القوى التي تحاول الانبثاق في كل مرحلة من مراحل نمو الطفل وأي ضروب النشاط تتيح لقوى الطفل التعبير عن نفسها حتى يمددها بالمواد المطلوبة، وفي نفس السياق يؤكد ديوي على أهمية التاريخ في النظام التعليمي[21]، ذلك أن الهدف من تدريسه هو تموين وتزويد الطفل بما هو أقرب لروحه ولتجربته، كما أنه يفتح المجال للطفل لادراك قيمة الحياة الاجتماعية، وأنه "يضع الطفل موضع متأمل للقوى التي تقود وتساعد وتشرك مع الإنسانية... في حركة انتقالية ديناميكية"[22].
لقد حرص ديوي على الاهتمام بالطفل وإعداده للمستقبل حتى يكون قادرا على ضبط نفسه والسيطرة عليها وتكوينه حتى يتمكن من استخدام جميع مواهبه وقواه وحتى يصبح حكمه حكما سليما قادرا على إدراك الظروف التي يعيش فيها[23]، وحتى في تكوينه فيجب أن يسبق تأثيره الواعي بما حوله وأن يسبق النمو الحسي النمو العضلي، وأن لا تروج أهداف قسرية مفروضة عليه من الخارج لكونها أخطر خطر على التربية إذ تعزل الطفل عن وجدانه وعمله وسلوكه وينتهي به إلى تكوين عواطف كاذبة، قد لا تجعله عضوا نافعا لمجتمعه[24].
ننتقل الآن إلى تصور الأخلاق في فكر ديوي. فهي مسألة محورية في كل القوى المجتمعية الملتحمة للحياة، كما أنها تنمو من حقائق حسية معينة لكونها تهتم بالسلوك، ومن ثمة فهي أخلاق تجريبية ملموسة لا ميتافيزيقية لاهوتية.
 وللأخلاق وجهتين، وجهة اجتماعية وأخرى نفسية ،إلا أن الأمر لا يتعلق هنا بتفرقة بقدر ما هو تميز، ولكون أن الفرد والمجتمع غير منفصلين، فالمجتمع مجموعة أفراد والأفراد هم فاعلون في المجتمع، وبالتالي تكون الأخلاق نابعة من الروابط الفعلية للأفراد الإنسانية مع بعضهم البعض ومن نتائج مناشطهم التي ينسجونها معا في حياة الرغبة والاعتقاد والحكم والإرضاء.
ويرفض ديوي النظريات الأخلاقية "التي تنظر إلى الأخلاق على أنها تطهير للدوافع وتحسين للشخصية ومتابعة الكمال البعيد الذي لا يمكن السيطرة عليه وإطاعة الأوامر، لأن ذلك سيجعل الأخلاق غير مرتبطة بواقعيات الوجود، ومستقلة عن الواقع المادي، مما يفسر أنها ستصبح مسألة مدح ولوم وهذا في نظر ديوي ما يشكل عقبة رئيسة أمام فاعلية الأخلاق.
ومادامت التربية ثمرة علمين، أي علم الاجتماع وعلم النفس، فإن هذا الأخير يوجه الأخلاق وينحصر دوره في بحث الكيفية التي بها سيتصرف الفرد في تفاعله وتداخله مع الآخرين، لكون أن الأخلاق حسب ديوي جزء من الذكاء الإنساني، "إنها تخبرنا متى نستعمل الحقيقة للانسجام والاستمرار وتغيير الظروف"[25]. أي أنها لا تكمن في إدراك الحقيقة بقدر ما هي الاستعمال والتطبيق الذي ينتج عن إدراكها، وتصبح الأخلاق من الناحية العملية اكثر فاعلية.
لقد تحدثنا إلى حد الآن عن تصور ديوي للتربية والمدرسة والطفل والأخلاق. وحتى وإن اقتصرنا على بعض جوانب هاته المفاهيم، فالمهم أن تربية ديوي تربية متشعبة يندرج فيها ما هو اجتماعي بما هو نفسي، أي أنها حاضنة لكل واحد تصلح لأن تجعله المحرك لتطور المجتمع في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي وتنظر للمدرسة على أنها الجهاز الإيديولوجي، إن صح التعبير، لاستمرارية المجتمع بإعادة إنتاج قيمه وعاداته وتأهيل أفراده للدخول في مجتمعهم الذي ينتظرهم على أحر من الجمر.


2. التأصيل النظري:

مما لا شك فيه أن القراءة الفاحصة لبحوث مؤلف "المبادئ الأخلاقية في التربية" قد تجعلنا نحدد النظريات التي انطلق منها ديوي، وبالخصوص السيكولوجية منها، إذ مادام المؤلف في صميمه دعوة إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار دوافع وميول الطفل في العملية التربوية بل وحتى تضمن فعاليتها، ولهذا نجد تركيز ديوي على مسألة الدافع والعادة والغاية والرغبة وهي مفاهيم قد أغنت البحث الثاني والثالث على الخصوص ووظفت على اعتبارها مفاتيح لولوج ما هو أعظم ألا وهي الحياة الاجتماعية للمجتمع، خدمتها والحرص عليها وضمان بقائها واستمراريتها.

1.2.نظرية الدافع والعادة:

يعرف ديوي الدافع أنه "وسيلة لتحويل القوة الاجتماعية الحالية إلى قدرة فردية، وهو وسيلة النمو المعدل"[26]، أي أن الدوافع أماكن الابتداء لتشرب وتعلم مهارات ومعارف من نعتمد عليهم ممن هم أكثر نضجا، كما أنه هو بمثابة حاسة نرسلها لتجمع غذاءنا وحتى يصبح الفرد قادرا على العمل المستقل والنمو المتحرر.
ويضيف ديوي أن الدوافع هي نقط البدء لأي مجتمع متقدم متحرر. كما أنها من الركائز التي يقوم عليها المجتمع لضمان بقائه واستمراره، وبالتالي، وجب الاهتمام بها لدى الصغير الإنساني ومعالجتها معالجة إنسانية مقصودة لخلق مجتمع جديد تتغير فيه الأهداف والرغبات على حساب الدوافع، ومما تجدر الإشارة إليه أن ديوي قد أحل الدافع محل الغريزة واعتبرها مرحلة تاريخية من مراحل التطور العلمي. هذا وقد حرص على أن يوجه الدافع (Motifs)، توجيها ذكيا لضرورات الموقف الاجتماعي، ذلك أن التربية الإنسانية الحق تتكون من توجيه ذكي للمناشط الفطرية في ضوء إمكانات وضرورات الموقف الاجتماعي[27].
والدافع أيضا، ليس بفطري بل مكتسب لأنه يعتمد التفاعل مع وسط اجتماعي ناضج، أي أنه يلعب دور المجدد في حياة الصغار والكبار،و إن غيابه ليعني ركود الحياة الاجتماعية وكبح التقدم الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي، من هنا فالدافع محور إعادة تنظيم النشاط تنظيما جديدا كما أنه عامل للتغيير إذ أنه يكسب العادات القديمة اتجاهات جديدة، ويغير من صفاتها، وما دام "كل جيل جديد يزحف خلسة وهو مغمض العينين من خلال الثغرات التي تتاح له والتي تكون قد تركت مفتوحة عفوا، وإن لم يفعل ذلك طبعته التقاليد بطابعها القديم"[28].
إن البديل الأخلاقي للدافع المتحرر ليس هو النشاط المباشر بقدر ما هو تفكير وتأمل في طريقة استعمال الدافع لتجديد الاستعداد وإعادة تنظيم العادة والهرب من قبضة التقاليد، التي أثقل كاهلها بالعرف وانحرفت لتكون سبيل راحة الكبار كما "أصبحت من الناحية العملية مساوية للإنكار والابتكار"[29].
وإلى جانب الدافع هناك العادة وهي مفهوم يضم حسب ديوي الوسائل والأهداف في كل متكامل، وسائل العمل وأهدافه، فكل تفكير يخلو من عادات عملية فهو تفكير تنقصه وسيلة تنفيذ أهدافه، كما أن إخفاق الفرد في تحقيق ما يرنو إليه هو دليل على أن العادات المرتبطة بشخصيته لا تجد حظها في التفاعل فيما بينها، وبالتالي نجد أن السلوك يتصف بعدم الوحدة، ويصبح مجرد تراكمات للاستجابات متفرقة، والعادة إن كانت مشحونة بالذكاء والمهارة والتفكير كانت أكثر حيوية، ذلك أن التربية الإنسانية الحق تتكون من توجيه ذكي للمناشط الفطرية في ضوء إمكانات وضرورات الموقف الاجتماعي.
وإذا كانت العادة مشحونة بالذكاء والمهارة والتفكير كانت أكثر حيوية، واستمرارية، وإن هي أدمجت مع تربية الصغير لحركت قوى الابتكار والإبداع، وهذا حسب ديوي طريق لمجتمع متقدم، تكون فيه العادات مرنة، وتجعل من الرغبة خطة عمل، أي خبرة تجريبية عملية تعتمد على الواقع وهي بمثابة "المنابع الأولى المحركة للسلوك"[30]، ويواجهها التفكير الذكي، وفي غياب تحول العادات إلى وسائل عملية لتحقيق هدف موضوعي، فإنها تبقى في مستوى الخيال ومجرد قيم مثالية عليا.

2.2. نظرية الخبرة والغاية النهائية:

يربط جون ديوي التربية بغاية نهائية تتمثل في خدمة المجتمع ووضع حاجاته موضع اهتمام وتنفيذ، وكما سبق وأشرنا في البحث الثاني المعنون ب"إرادة واهتمام"، فديوي لهذا الغرض قد أعلى من شأن "المثل الأعلى" واعتبره الموجه للسلوك الإنساني وغايته في نفس الآن. والغاية إذا اعتبرت غاية للعمل فهي متجددة. كما أنها وسيلة لتوحيد وتحرير العادات والدوافع الحاضرة المضطربة، هذا بالإضافة إلى أن الغاية تجعل من الرغبة قوة دافعة للكائنات الحية إلى الأمام وموجهة للأعمال، والغاية أيضا حسب ديوي هي قريبة ولا توجد ما وراء العمل، بل يمكن التنبؤ بها لكونها تنبع من مجرى النشاط وتساهم في إمداده بغنى معرفي، وتقدم الدليل على العمل المطلوب إنجازه في الظرفية الحاضرة، مقصية كل العراقيل التي يمكنها أن تقف في طريق التحقق العيني الملموس للغاية، إذ مادامت الغاية تنشئ في ضوء الظروف المادية الممكنة تحققها، ويغدو أسمى عمل للذكاء هو أن ينتهز الفرصة والإمكانية لتحقيق ذلك، ويصبح العقل "وظيفة وليس قوة فطرية، وما يحتاج إليه هو هذه العادات والاستعدادات التي تؤدي إلى التنبؤ العادل بالنتائج، ثم تصبح أحكامنا سديدة وتصبح مخلوقا عاقلة"[31].
وكل غاية حسب ديوي ترتبط بمبادئ هي بمثابة طرق للبحث والتنبؤ وتحتاج إلى تحقيق بواسطة فروض تجريبية، كما أنها طرق مساعدة للخبرة التي هي مكان ترجمة الأهداف التربوية، اهداف مستقاة من نوع النظام الاجتماعي الذي تهدف المدرسة تدعيمه والمشاركة فيه بالإضافة إلى أنها تتأثر بمفاهيم عن طبيعة الفرد والمعرفة والقيم، والمبدأ أيضا من الناحية العقلية هو العادة في علاقتها بالعمل المباشر، أي أنه يعمل على استمرارية عملية النمو الذي هو الشغل الشاغل لكل الكائنات الحية، وفي كل الأوقات، وهو حسب ديوي –النمو- معيار تربية مدرسية ذات قيمة، إذ أنه إذا كانت البيئة داخل المدرسة تهيئ وتحضر الظروف التي من الممكن أن تساعد على تسخير القدرات الراهنة والإمكانات المتاحة للطفل، فلا شك أن المستقبل قد ينمو من الحاضر ويكون مضمونا ومكفولا.
وإذا كانت المدرسة مجتمعا مصغرا للحياة الاجتماعية العامة على حد تعبير ديوي، فإن ذلك يضعنا أمام حقيقة مفادها، ان الحياة الاجتماعية هي مجموع النشاطات والخبرات التي تمكن المجتمع من الاحتفاظ بحيويته وفاعليته واستمراريته الإنتاجية، وبالتالي فالدراسة تصبح وسيلة لتنشئة الجانب الاجتماعي للعمل لدى الطفل، الذي هو مقبل على الالتحاق بمجتمعه. ولاشك في أن حرص ديوي على ربط التربية بالمجتمع هو في صميمه اهتمام بالخبرة. هذه الأخيرة هي ذات قيمة تربوية من حيث أنها تثير كلا من حب الاستطلاع وقوة الإبداع، وخلق الرغبات وتنظيم السلوك وتوجيهه إلى الحياة الاجتماعية.
ويحدد ديوي مبدأين للخبرة لا ثالث لهما، أقصد كلا من الاستمرارية التجريبية والتفاعل، وتتمثل استمرارية الخبرة في تكوين اتجاهات انفعالية وعقلية لدى الفرد، بالإضافة إلى الاستجابة ومواجهة كل الظروف التي تواجهه في الحياة، ومن ثمة تصبح "كل خبرة قوة محركة"[32]. قوة تكسب الفرد القدرة على مسايرة تحولات مجتمعه من جهة، ومن جهة أخرى تمكنه من تجاوز ما هو آلي إلى مواقف اجتماعية لاحقة، ذلك أن "كل خبرة إنسانية هي في حقيقتها خبرة اجتماعية"[33].
أما التفاعل فهو إلى جانب الاستمرارية مبدأ رئيسي في الخبرة، ونقصد بالتفاعل قدرة الفرد على الموافقة بين كل من حاجاته الشخصية، والأهداف والرغبات التي يحددها المجتمع. فمن الممكن أن يكتسب المرء خبرة آلية تمكنه من إتقان ما يدور في ذاتيته، لكن اهتمامه هذا بمعزل عن متطلبات وحاجات المجتمع، قد يبدد طاقته كما يعرضه لتكوين عادات غير متكاملة. ومن ثمة تصبح الخبرة في العملية التربوية مرتبطة ارتباطا وثيقا بنوع النظام الاجتماعي الذي تهدف المدرسة تدعيمه والمشاركة فيه، كما أنها تتأثر إلى حد كبير بمفاهيم عن طبيعة الفرد والمعرفة والقيم.
والفريد في تربية ديوي هو مسألة الإيمان التي يؤكد عليها فهو يعترف بأن النظم والقواعد الخاصة بالتربية لا تزال في الوقت الحاضر عرضية وغير مبنية على تفكير وأن كل الآراء المتصلة بالتربية ستظل مجرد آراء إلى أن يتسنى لنا تمحيص ما يكتسبه المتعلم من التربية المدرسية، ومسألة الإيمان متأسسة على الاعتراف بالخطيئة والقيام بالتوبة بخصوص ما نتوفر عليه من برامج تعليمية والأروع في تربية ديوي هو تأكيده على أن "التربية يمكن أن تكون عقيدة من غير أن تكون خرافة وقد تكون خرافة من غير أن تكون عقيدة، وذلك عندما تصبح حرفة يحترفها أناس عنيدون غير مستعدين لتفهم الأمور التي يطبقونها كما يتراءى لهم"[34].
نستنتج إذن أن ديوي قد اهتم بالجانب النفسي والاجتماعي في الفرد وأنه قد استند إلى رافد من روافد العلوم الإنسانية-أقد علم النفس- في فهم الطبيعة البشرية وتوجيهها نحو ما يضمن المحافظة على المجتمع القائم، وجعل تربيته أيضا موجهة نحو هدف قريب أو غاية متطورة قابلة للتحقق، زيادة على اهتمامه بكل من الذكاء والابتكار والتجديد والمعرفة، التي هي نشاطات إيجابية في الفرد ينبغي الاعتراف بحريتها ولا يجب إغفالها أو محاولة طمسها بتوظيف أهداف قسرية لا يستطيع الطفل أن يتحمل عبئها.


3. تأييد ونقد:

لربما قد لا نجاذب الصواب إن أكدنا أن فكر جون ديوي التربوي قد لقي قبولا واستحسانا من طرف مختلف المهتمين بالتربية كفكر وكممارسة، ولكننا نؤكد أيضا أنه قوبل بانتقاد من طرف البعض الآخر، وفي نفس السياق فإننا سنحاول فيما تبقى من صفحات هذا البحث أن ندرج بعضا من هؤلاء الذين يسايرون ديوي في طرحه التربوي، واعتبروا أن كلا من خدمة المجتمع وحيوية وفاعلية المدرسة، من أهم ما ينبغ أن تهتم به التربية، ومما تجدر الإشارة اليه أنني اقتصرت على كل من المربي "جوهان بستالوزي" و"إميل دوركايم"، ذلك لأن المقام لا يسع للتعرض لكل أولئك المربين المحدثين الذين تأثروا إلى حد كبير بأفكار ديوي من أمثال "وليام كلباتريك (William H. Kilpatrick)، وبويد بود (Boyd H. Bode و"هارولدرج (Harold O. Rugg)، واختياري لكل من بستالوزي ودوركايم إنما مرده لثقل وزن هؤلاء في الميدان التربوي، والانتشار الهائل لأفكارهما.
وفي المقابل فبالرغم من القدرة التأثيرية لأفكار ونظريات ديوي، فإنها واجهت معارضة شديدة من قبل كثير من المربين المحافظين ومن أتباع المذاهب والنزعات التربوية التقليدية وذلك كأتباع المذهب الواقعي وأتباع المذهب المثالي الذين رأوا في المبادئ التربوية التقدمية سببا في ضعف مستوى التعليم، وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى التي حدثت في الثلاثينات، فهاته الهزة قد جعلت المربين يهتمون بإعادة النظر في الأساليب التربوية السائدة في ذلك الوقت. من أمثال "وليام جاجلي (William L. Jagley) (1874/1946)، و"هيرمان هورنيه"، زيادة على فيلسوف المثالية الفرنسي "هنري برغسون" الذي أكد على ضرورة التطور الخلاق في ميدان التربية على عكس تطور محصور ضمن أهداف محددة، وهذا ما سنعمل على توضيحه.

1.3. جوهان هنريك بستالوزي Pestalozzi, John, Heinrich

رغم السبق الزمني لبستالوزي في مقابل جون ديوي، فان مجمل أفكاره هي كمثيلاتها لدى ديوي، لكن قد يتبادر إلى الذهن أن هذا الاختيار هو بمثابة رجوع إلى الأصل، بمعنى آخر أن بستالوزي من ضمن المؤثرين في فكر ديوي التربوي، وما يزيد أصالة هذا المربي هو كونه واضع أسس المدرسة الحديثة، إذ أنه فتح مجموعة من المدارس أهمها "الإيتام" و"ستانر"، وقد انصب اهتمامه فيها على الجمع بين كل من التعليم المدرسي والعمل اليدوي، واعتبر المدرسة وسيلة لتحسين أحوال البشرية وعيش حياة تكون الديمقراطية مثلها الأعلى.
 وقد كان لمؤلف "إميل" لجون جاك روسو الفضل الكبير في صياغة بستالوزي لمجموعة من المبادئ النظرية التربوية، من بينها أن عملية التعلم مبنية على المحسوسات بمعنى آخر أن المعرفة التي يشكلها العقل هي معرفة حسية، ومن ثمة فإن طرق التدريس مرتبطة بالتجريب السيكولوجي[35]، وبمجموع الخبرات التي يكونها الطفل في وسطه الأسري والاجتماعي، كما يؤكد بستالوزي على ضرورة التوفيق بين التربية وطبيعة الولد التي تضم ميولا ودوافع، كذلك أن المربي من المفروض أن يأخذ بنمو الطفل ويجعل كلا من التربية والتعليم موافقة لهذا النمو.
ويشكل مبدأ النمو الشامل، أساسا في نظرية بستالوزي التربوية، وهو مرتبط بتربية كل من عقل وقلب الطفل وتزويده بمختلف المعارف التي تجعله وفيا للمسؤولية الاجتماعية، والنظام الاجتماعي، وهذا ما يتطلب إحاطة الأولاد بالمحبة والرعاية، والتفكير في نمو مطابق لمعطيات وإمكانات الطفل الموجودة في المجتمع فالتربية ما هي إلا "عملية تنمية طبيعية متناسقة ومثيرة لقوى الناشئ البشري ولطاقاته الكامنة جميعا"[36].
كما انتقد بستالوزي الأنظمة التعليمة التقليدية واعتبرها عائقا أمام تقدم وتطور المجتمعات، فطرقها في التدريس والأهداف التي تترقبها، هي بعيدة كل البعد عن ما يطمح إليه الطفل، وما يدور في دخيلته إن صح التعبير، وفي المقابل يؤكد بستالوزي على ضرورة الإقلاع عن طريقة التلقين والتسميع بل يجب الاهتمام بنمو تفكير الطفل وفتح المجال أمام الابتكار والإبداع الذي هو مفتاح تقدم المجتمعات.
نستنتج، إذن، أن تربية بستالوزي هي إلى حد كبير كتربية ديوي، فالغاية هي المجتمع،و الموضوع هو الطفل، والمفتاح هو العلم.

2.3. إميل دوركايم:

إذا كان تاريخ الفكر التربوي في جوهره صراع بين كل من تربية الماهية وتربية الوجود فيمكننا أن نضع إميل دوركايم في خانة تربية الوجود وتصنيفنا هذا ليس لا يجد أسسه من فراغ، بل إن آراء دوركايم في التربية هي التي أعلنت ذلك، وأعلنت أيضا أنها إلى صف التربية الاجتماعية التي يعد جون ديوي هو الآخر أحد روادها، ويعرف إميل دوركايم التربية على أنها "التأثير الذي يمارسه جيل الراشدين عل غير البالغين الذين لم يرشدوا بعد بالنسبة للحياة الاجتماعية، إن هدفها هو بعث وتنمية مجموعة من الحالات الفيزيائية والفكرية والأخلاقية عند الطفل"[37]، وبالتالي فالمجتمع هو المسؤول عن تنشئة الفرد، والفرد مطالب بالانضمام إلى المجتمع والمشاركة في مختلف نشاطاته، إذ أنه يولد وهو مجرد من طبيعته الاجتماعية، والتربية هي الوسيلة الأكثر نجاعة لتكوين أفراد مجتمع على الصورة التي يريدها المجتمع و وفق أهدافه.
ولهذا الغرض انصب اهتمام دوركايم على دراسة ظاهرة الانتحار، وانتهى إلى أن التربية التي لا تضع خدمة المجتمع ضمن غاياتها هي السبب في ذلك، ومن ثمة فالمدرسة باعتبارها كائن أخلاقي ينمو فيه الأستاذ كما ينمو التلميذ هي العلاج لهذا الداء، إن صح التعبير، ذلك أن مهمتها متمثلة في أن تصبح حلقة وصل بين كل من الطفل والمجتمع، بمعنى آخر أن التربية المدرسية هي ممارسة اجتماعية محورية، يرمي من خلالها المجتمع إلى ضمان شروط استمراريته وتكييف أفراده مع وسطهم الاجتماعي، وكجون دايوي، فإن دوركايم هو الآخر يعلي من شأن المربي، ويعتبره حجر الزاوية في مهمة المدرسة الاجتماعية، فإذا كان الطفل حين يولد يحمل معه طبيعته كفرد فإن المربي بمهارته وحذاقته قد يكسب الطفل طبيعته الاجتماعية والأخلاقية، وهي مهمة أخلاقية حسب دوركايم. ويحدد دوركايم عنصرين من عناصر التربية الأخلاقية، إذ نجد الانضباط[38] الذي يمكن من تحديد المواضع الإيجابية من نشاط الفرد ووضعها موضع اهتمام، حيث تتم مراعاة البيئة التي ينتمي إليها الفرد، بالإضافة إلى عنصر الارتباط بالمجموعة، ذلك أن الحياة هي من أجل المجتمع، من أجل خدمته والحفاظ على استقراره واستمراره، فأفعال الفرد مادامت شخصية وموضوعية في نفس الآن، فيمكن أن تتجه صوب رفاهية الآخرين ورفاهية الفرد أيضا، وإن استطاعت المدرسة التمثل لهذين العنصرين فمن الأكيد أنها ستغني الحضارة، وستنشئ الأفراد على حب الناس ومحبة الوطن وتقوية العواطف بين أجزاء الكل الواحد، فتظهر الحياة في أبهى صورها ويحسب للحضارة ألف حساب.

3.3.هنري برغسون (Henri Bergson): (1859/1941)

انطلق برغسون من فكرة أن كل إرادة تقرر الطرق المؤثرة والموصلة لهدف، فهي تخلق حدثا وحيدا يتكرر ومن ثمة فلا معنى ولا وجود للتطور الذي يدعيه أصحاب التربية التقدمية والاجتماعية، ويحتل مفهوم "التطور الخلاق" مركزا رئيسيا في المنظومة التربوية البرغسونية وهو دليل على إلغاء كل من الآلية والغائية وكل تطور من أجل المحيط والبيئة، بقدر ما هو تحفيز للحياة وخلق لا ذاتي منبعث من اعمال الحياة نفسها، ذلك أن الشعور الذاتي متغير، وكل تغير نضج وكل نضج يعني حسب برغسون خلق مستمر[39] ومتواصل.
وتصور هدف معين من التربية في نظر برغسون هو إبطال لمفعول الزمن، واهتمام بالمتطور أي النتيجة التي يترقبها مثلا المربي من تربيته، وفي مقابل فالتطور الخلاق لا يكتفي بخلق أشكال للحياة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى خلق أفكار تستوعب من خلالها الحياة، التي بدورها تتوزع بين اتجاهات مختلفة للتطور، إذ لا يمكن حصر التطور في مجال واحد وهذا ما قد سعى إليه جون ديوي حينما اهتم بالمجتمع وحاجاته، على حساب الفرد رغم مناداته بفسح المجال أمام الابتكار،ذلك ان تطور الفرد لا يخرج من غاية واحدة ووحيدة.
ومن أهم الانتقادات الموجهة للتربية القائمة على أسس علمية هي تلك التي صاغها برغسون، فالعلم مثلا لا يمكنه أن يصل إلى الغريزة أو الدافع، وإنما يضع فقط تقليدا لذلك، لأن العلم الحديث ما هو إلا تركيب اصطناعي ليست له قيمة مطلقة بل هو نسبي ،في حين يؤكد برغسون على إطلاقية الحرية الفردية، التي تقتضي التخلص من التصورات العلمية ومن العادات العقلية الاجتماعية لكونها عملية نفعية صنعتها مطالب ظروف معينة، وتأكيد برغسون على ضرورة التخلص من التصورات والمعطيات العلمية راجع إلى محاولته تحرير العقل من كل ما هو مادي نفعي والارتفاع من العادات العملية لما فوقها فنحن "نكون أحرارا عندما تصدر أفعالنا عن شخصيتنا بأكملها"[40].
وإلى جانب برغسون نجد أيضا المربي إميل شارثيه (1868/1951)، المعروف بآلان حيث رفض وانتقد بعض مبادئ التربية التقدمية، وبالخصوص مسألة المشوقات والألعاب، التي رأى فيها وسائل للهو لا للتربية، وذهب إلى أن التربية هي التي تجعل من المدرسة مكانا جديا للعمل والتمرس على المشاكل، وأنجع طريقة هي تلك التي تتصف بالطريقة الصارمة ولا "تعرف إلا التمارين المتكررة والصبر الطويل"[41]. وقد أعطى آلان للقراءة حق الصدارة على خلاف ديوي الذي مجد دراسة التاريخ، كما أن آلان يؤكد على واجب الاهتمام بالبليد قبل الذكي لأن أولئك هم أكثر عرضة للتقهقر واليأس.

4.3. تربية الثقافة

جاءت تربية الثقافة كرد فعل على التربية المجتمعية، هاته الأخيرة التي رأت في الإنسان كائنا مرتبطا بالمجتمع والتاريخ،و بالتالي  فقد وقعت في تعريف ضيق للإنسان، وهذا ما عملت تربية الثقافة على توضيحه، ذلك أن الارتباط بالمجتمع هو في جوهره ضرب من التحكمية والإجبار، وسلب لإرادة الفرد في التغيير، والإبداع والابتكار، كما ان المجتمع في نظرها أي تربية الثقافة، ينضوي على قدر من الأنانية والتعصب، وبهذا "فإننا نكون أحسن مواطنين إذا كنا مدركين أولا لجميع فعاليتنا كأفراد وقبل أن ننحدر للمساومات والنتائج العملية للحياة السياسية"[42]، هذا موقف صريح من راسل، ذلك أن التربية المحددة بغايات هي فقط تعبير عن حاجات المجتمع القائم على إيديولوجيات ومصالح، كما أن المجتمع، الذي يعتبر نفسه مثلا أعلى قد يقطع كل أمل في الإبداع والاكتشاف.
من هنا إذن جاءت تربية الثقافة لتعيد الاعتبار للوجود الفردي للإنسان، وأكدت أنه من الأفضل أن ينفتح الفرد على ثقافة الإنسانية وتراثها، لا أن يقتصر على ثقافة مجتمعه، لأن في ذلك دعم للإخلاص للدولة العالمية، والتي لاشك حسب راسل أنها تستعمل ضد تطور الفرد[43]، كما أن المدارس التي تدعم النظام الاجتماعي القائم وتعيد إنتاج قيمه هي من دون شك تسبب في تفشي العنصرية بين الدول والشعوب، لذا وجب أن تسود التربية روح مختلفة، تؤمن بالآخر وتنفتح على ثقافته وقيمه التي هي في الأخير ملك للإنسانية جمعاء.

خاتمة:

خلاصة القول، إن ديوي يؤمن بأن التربية هي الحياة نفسها وليست مجرد إعداد للحياة، وأنها عملية نمو وتعلم، كما أنها بناء وتجديد للخبرة الاجتماعية وفق متطلبات الواقع، وحتى تكون التربية هي الحياة، ينبغي أن ترتبط بشؤون الحياة، وتراعى فيها شروط النمو والتعلم، أضف إلى ذلك أن الأساس الذي ينبغي أن تتأسس عليه هو التفاعل الاجتماعي بين أجزاء الكل الواحد أي المجتمع، بالإضافة إلى أن الهدف الأعلى من التربية هو مساعدة الفرد على الاستمرارية في تربيته، وبالتالي نموه وتعلمه وتكييفه مع حياته وبيئته.
 كما أن الأهداف الحقيقة للتربية هي تلك التي يحددها الفرد بنفسه، أو يشترك في تكوينها، وأن تكوين الهدف هو في حد ذاته عملية عقلية معقدة تستلزم وجود كل من الدافع والرغبة والإرادة لدى المتعلم، ومحاولة ترجمة الهدف إلى خطة وطريقة للعمل.
أما فيما يتعلق بمناهج الدراسة، فمنطلقها الرئيسي نشاطات الطفل الذاتية وخبراته، فمنها يتكون كل من شكل ومضمون التعليم المدرسي، وبها يبتدأ عمل المدرسة، قصد تحفيز القوى الفعلية للطفل وربطها بأعمال وظيفية للحياة الاجتماعية، وبمشاكلها ومواقفها.
والمهم من كل هذا هو أن التربية الحقة وبالخصوص المدرسية هي أساس كل إرادة هادفة لتحقيق التقدم وضمان مستقبل من الأروع بما كان اجتماعيا وحضاريا.

لائحة المصادر والمراجع:

1. المصادر:

v   جون ديوي، "المبادئ الأخلاقية في التربية"، ترجمة عبد الفتاح هلال، مراجعة أحمد فؤاد الأهواني، المؤسسة المصرية العامة- القاهرة، 1965.
v   جون ديوي، "الخبرة والتربية"، ترجمة محمود البسيوني، يوسف الحمادي، دار المعارف بمصر، 1954.
v   جون ديوي، "التربية في العصر الحديث"، ج.، ترجمة عبد العزيز المجيد ومحمد حسين المخزنجي، النهضة المصرية، القاهرة، 1949.
v   جون ديوي، "قاموس جون ديوي للتربية"، مختارات من مؤلفاته، جمعها رالف ن. وين. ترجمة محمد علي العريان، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1964.
v   جون ديوي، "الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني"، ترجمة محمد لبيب المنجيجي، مؤسسة فرانكلين،لقاهرة، 1963.

2. المراجع:

v   بوكدان شيشودولسكي، "التربية والتيارات الفلسفية الكبرى"، ترجمة عبد أ. شمس الدين، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1996.
v   الدكتور سيد إبراهيم الجياز، "دراسات في تاريخ الفكر التربوي"، دار غريب للطباعة، بدون تاريخ.
v   أنطوان خوري، "التربية من أفواه رجالها"، دار الكتاب، ط1، 1964.
v   حسيب الشاروني "بين برغسون وسارتر"، دار المعارف، القاهرة، 1963.
v   عمر محمد التومي الشيباني، "تطور النظريات والأفكار التربوية"، دار الثقافة، القاهرة، ط1، 1971.
v   هنري برغسون، "التطور الخلاق"، تلخيص وتقديم بديع الكسم، دار الفكر العربي، مصر.
v   أحمد فؤاد الأهواني، "جون ديوي"، دار المعارف، ط3.
v   برتراندراسل، "التربية والنظام الاجتماعي"، ترجمة سمير عبده، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1966.

3. المجلات:

v   مجلة الجدل، ع. 4، الرباط، المغرب، 1986.

4. المراجع باللغة الفرنسية:

v John, Dewey, "l'école et l'enfants", traduit par L. S. Pidoux, 7eme Edition de Lachaux et Néstle, Genève, 1967.
v John Dewey, "Démocratie et éducation", présentation de Cécard, éditions inter-nationales, Paris.
  



[1]. جون ديوي، قاموس جون ديوي للتربية، ص. 30.
[2]. جون ديوي، المبادئ الأخلاقية في التربية، ص. 25.
[3].جون ديوي ،قاموس جون ديوي للتربية.ص69
[4].جون يوي، المبادئ الأخلاقية في التربية، ص. 39.
[5]. نفسه،ص 42.
[6]. نفسه ، ص 47.
[7]. نفسه، ص 60.
[8]. نفسه،ص 79.
[9]. نفسه، ص. 63.
[10]. نفسه ،ص 104.
[11]. نفسه ،ص140.
[12]. جون ديوي، التربية في العصر الحديث، ص 17.
[13]. جون ديوي، قاموس جون ديوي للتربية، ص 188.
[14]. جون ديوي، التربية في العصر الحديث، ص 21.
[15]. جون ديوي، التربية والتيارات الفلسفية الكبرى، ص. 67.
[16] . جون ديوي، التربية في العصر الحديث، ص. 20.
[17]. John, Dewey, L'école et l'enfant, p. 28.
[18]. Ibid, p. 111.
[19]. Ibid, p. 112.
[20]. Ibid, p. 113.
[21] . التربية في العصر الحديث، ص. 23.
[22]. John, Dewey, L'école et l'enfant, p.120.
[23] . جون ديوي، التربية في العصر الحديث، ص. 19.
[24]. John, Dewey, L'école et l'enfant, p.27.
[25]. الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص.323.
[26]. جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص. 117.
[27]. نفسه، ص. 120.
[28]. نفسه، ص. 120.
[29]. نفسه، 122.
[30]. جون ديوي، الخبرة والتربية، ص. 75.
[31]. جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ص. 263.
[32]. جون ديوي، التربية والخبرة، ص. 35.
[33]. نفسه، ص. 36.
[34]. جون ديوي، التربية في العصر الحديث، ص. 173.
[35]. سيد إبراهيم الجياز، دراسات في تاريخ الفكر التربوي، ص198.
[36]. دولسكي، التربية والتيارات الفلسفية الكبرى، ص 148.
[37]. مجلة الجدل، ص. 18.
[38]. مجلة الجدل، ص. 20.
[39]. هنري برغسون، التطور الخلاق، ص. 27.
[40]. حبيب الشاروني، بين برغسون وسارتر، ص. 41.
[41]. أنطوان الخوري، التربية من أفواه رجالها، ص. 227.
[42]. برتراندراسل، التربية والنظام الاجتماعي، ص. 14.
[43]. نفسه، ص. 26.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage