3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

أزمة المدرسة

الخط



























          تأليف :                                     
بياتريس مابيلون بونفيس ولوران سعدون
 ترجمة :
      عبد الله الهلالي    







      فهم الإشكال:


1-                        هل المدرسة لا سياسية أم هي شأن من شؤون الدولة؟
2-                       المدرسة كمؤسسة لما هو اجتماعي.
3-                        تحولات العرض المدرسي وصعود فاعلين جدد.

للتعميق:

الإضاءة 1: التدبير اللامركزي للمدرسة.
الإضاءة 2: كيف يتم تحديد البرامج الدراسية؟
الإضاءة 3: الذكور والإناث في المدرسة.
الإضاءة 4: مسألة التعلم : طريقة أخرى للولوج إلى الشغل
الإضاءة 5: التلاميذ الجدد.
الإضاءة 6: هل مجلس القسم هيأة للتفاوض؟



















1-                      هل المدرسة لا سياسية
أم هي شأن من شؤون الدولة؟















يُطلِعنا تاريخنا السياسي الفرنسي على أن مساهمة الدولة المعاصرة في ميلاد المواطن قد تمت بواسطة أداة إيديولوجية فعالة في زرع القيم المشتركة، إنها المدرسة. فإذا كان للدولة حضور دائم في تكوين المواطن، فهذا لأن التربية قد ارتبطت باختيار سياسي تجسد في خلق المدرسة الجمهورية، وبتوجه عام اعتبرها كأداة لبناء ذاكرة جماعية و ثقافة مشتركة.
v                    ضرورة الحياد عند تجريب عملية المأسسة :
يعتبر إنشاء المدرسة الجمهورية جزءا لا يتجزأ من مشروع المواطنة الجماعية؛ و من تم فالمدرسة مكان سياسي.
Ø  إنشاء المدرسة الجمهورية :
إن المدرسة، في سعيها إلى خلق معنى ذو حمولة سياسية، لتعتبر صانعة لمجموع القيم التي تبني رغبتنا في العيش الجماعي. وكقطب للمواطنة، فإن هذه المدرسة الجمهورية قد عملت تاريخيا على بناء وحدوي لمواطنة فرنسية، تنكر الولاءات الخاصة، وتطمس المجالات الجهوية بواسطة مكان يحدث التجانس ويبني المعرفة من أجل الوطن.
ü       المواطنة الجمهورية، التربية والعقل:
إن بناء مواطنة جامعة في فرنسا ليعتبر استثناء، نظرا لاتباعها لنموذج جمهوري أحادي. ويبدو، من زاوية تاريخية، أن ما أحدث هذا الاستثناء هو المرور من حالة الفرد الخاضع للمَلَكية، إلى حالة المواطن الخاضع بسلطة القانون إلى الوطن. ولم يكن للجمهورية أن تحيد عن هذا المسار، إذ اتبعت بدورها هذه الإستراتيجية الأصلية التي تم تضمينها في قانون فيلر- كوتيري[1] Villers-Cotteret، والتي عملت على الفرْنَسَة من أعلى وعلى توحيد المملكة.
المواطنة إبداع ثقافي يولد ولاء المواطن للدولة، ويفرض عالمية العقل. وفكرة المواطنة الوطنية المؤسسة على العقد، والوريثة لنظريات روسو J.J. Rousseau  حول التعاقد الاجتماعي الطوعي، تقحم الفرد المواطن في انتماء جماعي دائم ومقدس. و هي، بالإضافة إلى كونها مبدأ يتجسد في الولاء إلى الدولة، فإنها أيضا إحساس بالانتماء، غير أن ارتباطها ببناء هوية سياسية متكيفة مع بيئتها أقوى من ارتباطها ببناء هوية ثقافية.
بعد ذلك، انحرف مفهوم الوطنية واقترب من إيديولوجية بناء الدولة- الأمة، ليصبح الوسيلة الوحيدة للحصول على الحقوق السياسية والاجتماعية المعترف بشرعيتها سياسيا واجتماعيا، وبالتالي إلى المواطنة. والاستثناء الفرنسي حسب التقاليد المرتبطة بالثورة، يقتضي إذعان المواطنين إلى المدينة، وولاء تاما للعقل الكوني. وبهذا المعنى، فالمواطن لوحده معني بالحق : مواطن مجرد داخل وحدة مجردة تجسدها الجمهورية. إذن فتأثير السياسي على الحقل المدرسي لا يمكن أن يفهم إلا في سياق المعركة التي قادها أنصار المدرسة العمومية والمدرسة الخصوصية على حد سواء، لفرض الأفكار العلمانية. إنها المعركة التي تقابلت فيها الكنيسة، داعمة الملكية، والجمهوريين المدافعين على ديمقراطية مبنية على العقل وفضائل العمل. وهكذا تعلمنت فرنسا جدريا، بعد أن كان لها السبق في التوحيد والتمركز مقارنة مع الدول الأوربية الأخرى، فطورت، كما جاء في كلام برينو إتيان Bruno Etienne، مفاهيم مجدِّدة كمفهوم "حقوق الإنسان" و مفهوم "المواطن"، مفاهيم ارتبطت بالمعادلة الدولة = الأمة = الشعب، واتخذت من القانون باراديغما كونيا يكون فيه المواطن فردا منتميا لدولة واحدة ولعقيدة واحدة هي جمهورية العلمانية والمساواة، ولإيديولوجيا واحدة هي إيديولوجيا حقوق الإنسان.     
والمواطن المجرد ليس له لا عمر ولا جنس ولا انتماء اجتماعي أو عرقي، في حين أن الثورة فرنسية وبورجوازية في نفس الوقت. غير أن ما قدمته عالمية القيم البورجوازية، عند إبداع مفهوم المواطنة، هو حيز وحيد وضروري لثقافة العقل. نشير هنا إلى أن توكفيل Tocqueville الذي قد سبق له أن أوضح أن التاريخين الملكي والجمهوري، برفضهما للنزعات العشائرية،  هما نماذج مشابهة من حيث البناء السياسي للمعنى، إذ أن الأمة- الشعب، وقد حرفت لتصبح الدولة-الأمة، ستساهم في ديمومة النظام القديم، من خلال  مفارقة العلمانية المقدسة التي وضعتها. و ما كتبه لافيس  Lavisseمن كتب تاريخية مدرسية، وما أعده لتلقين الأطفال، هو تعبير كاريكاتوري لهذه العلمانية المحرفة. أما الجمهورية الفرنسية الأحادية، فتقدم حلا فريدا يكون فيه إذعان الهوامش إلى المركز. هذا التمركز المطالب به بخصوص المواطنة في سياقها الفرنسي أدى، ليس فقط إلى الانتقاص من حيوية الانتماءات الفردية والجماعية، ولكن أيضا إلى إقامة هابيتوس قومي جمهوري يسعى إلى إلقاء الأنماط الأخرى خارج اللعبة. وهكذا فباعتمادها على فلسفة الواحد، أحالت المواطنة الآخر إلى المماثل،حسب تعبير برينو إتيان  Bruno Etienne. كما أزاحت التضامن الميكانيكي عن دائرة السياسة إلى دائرة الثقافة، وعن دائرة الشعب إلى دائرة الفرد، ونفت الولاءات الخاصة، لتغدو مشروعا سياسيا مؤسِّسا يبني الفرد السياسي ذو البعد الواحد. وعليه، فميلاد المواطن و تحريره أصبحا مرتبطين بالمعارف وبإشاعة الوعي المواطن، وأصبح الفرد مطالبا بإحداث مسافة ثقافية بينه وبين المجموعة التي ينتمي إليها. ولهذا السبب إذن، فالمواطن في ماهيته ما هو إلا تجريد تم بناءه واستبطانه من طرف الجمهور عبر المدرسة الجمهورية.
ü       المدرسة الجمهورية، قطب المواطنة :
 إن عملية التثقيف هي ما يصنع المواطن. و المدرسة في مشروعها التاريخي، و في ارتباطها الضيق مع الجمهورية، تُبنَى على إدماج الكل داخل وحدة مؤسِّسة ومحرِّرة للفرد، عبر إقامة معرفة مشتركة. والعقل الفردي يربى ويدرب من خلال ممارسة المعرفة المدرسية. نفس الشيء بالنسبة للفكر الفردي الذي يمارس على المعرفة، ذاك العائق المجرد الذي يحمل في طياته الحاجة إلى تناسق خاص.
وإذا كانت الجمهورية تشيد المدرسة كأداة لديمومتها، فإن ذلك يتم عبر ادعائها السياسي بأنها ضابطة إيقاع الزمان والمكان، وبفعلها الممركز و المعقلن والمتجاهل للخصوصيات المحلية والاجتماعية. و الدولة هي التي تضمن تشكيل المثل الجماعية عن طريق أجهزتها الإيديولوجية. ولكون المدرسة بانية الوحدة الوطنية والإجماع الاجتماعي، فإنها تعتبر شأنا من شؤون المواطنة.
بالنسبة لمونا أوزوف Mona Ozouf، ففعالية المدرسة الجمهورية قد تمسكت باستبطان القاعدة الذهبية لجيل فيري : أن نسكت على كل ما يقسِّم أو يمكن أن يقسِّم. وكحل لوحدة التعدد، عملت مدرسة الجمهورية على بناء المدنية على أساس العقل، لدرجة أن التعليمات الرسمية لا زالت تقول حتى الآن: "إننا نولد مواطنين، ونصبح مواطنين متنورين" كتعبير عن مهمة التحضر التي  تقوم بها المدرسة. والجمهورية في فرنسا هي التي تلقت مهمة بناء المعرفة المدرسية عن طريق وصل رؤية معينة للعلمية وللمعرفة العالمة بخصال التحضر. فكما أن المعرفة تنمدَج فإنها أيضا تنمذِج مشروعا سياسيا وحدويا. بريجبت فريلات كان Brigitte Frelat-kahn  حددت في تحليلها للنصوص المؤسسة ثلاثة محددات أساسية يتمفصل حولها هذا الباراديعم وهي : وحدة منهاج المعرفة، واستمرارية تقدم المعرفة، واستمرارية العلم في شقه التقني. 
إن المنهج العلمي الممجَّد في جميع النصوص التي بنت المؤسسة المدرسية الفرنسية ينهل من الاستقرائية الساذجة المعتمدة على التجربة وعلى ملاحظة المعطيات. والمعروف أن المبدأ العلمي يحذر من المعتقدات القطعية ومن الشعوذة والتفكير الميتافيزيقي. من هنا فالباراديغم الذي يعتمد على المعرفة الموحَّدة و الموحِّدة، يتأسس على استمرارية التقدم المعرفي، من خلال إعادة بناء مدرسية لتاريخ تراكمي يجانس الكل في نفس الآن، وأيضا من خلال غزو الآخر باستعماره، وكذا غزو العقول بإخضاعها للتمدرس. و الوسيلة الفعالة لإشاعة المعرفة هي إقامة تثقيف مجاني وإجباري يكون حاسما، على الخصوص، في اختيار العلمانية. ولكون العلمانية قد استُوْعِبت كأحد تمظهرات الكونية، فإن الوحدة المنهجية للمعرفة تحيل على وحدة الفكر الإنساني ضمن مجال مشترك للعقل يجمع معلمين وتلاميذ. وجدير بأن نذكر أن منشور وزير التربية العمومية الصادر في 17 نونبر 1884 ، والمعروف ب"رسالة جيل فيري إلى المعلمين"  يفرق بين مجالين طالهما الخلط منذ سنوات، وهما مجال الاعتقادات ومجال المعارف، فالأولى شخصية وحرة ومتغيرة،والثانية مشتركة وضرورية للكل كما يشهد الجميع بذلك. ونذكر أيضا أن في ميدان التربية العمومية يصبح السماح بالخطأ ، حسب كوندورسي Condorcet، معادلا للمشاركة فيه، ويصبح عدم تمجيد الحقيقة خيانة لها. فالتثقيف لا يمكن أن ينتمي إلا للحقيقة وحدها، ويجب أن ينتمي إليها انتماء كاملا، لأن التربية على العلم هي الأولى.
تعتبر المواطنة في قاعدتنا القانونية فعلا تطوعيا يخضع الخاص إلى الكلي ويربط الفرد بمدنية مهذبة بواسطة التثقيف الذي لا نعني به سوى تمدين ما هو طبيعي في الإنسان، غير أن هذا التثقيف يجب أن يشترط فيه الحرص على أن تكون التعلمات الاجتماعية والسياسية ذات الأولوية. ومن ثم فالتربية على العلم تصبح مستجيبة مع المواطنة الجمهورية الجديدة. وهكذا، فلما كانت اللاتينية والإغريقية مثلا عليا في ثقافة عصر النهضة، فإنهما كانتا تدرسان كمواد تمهيدية للولوج للعقلانية العلمية وكأداة نخبوية للانتقاء. وأخلاق العقل هذه هي بمثابة "خلق ذاتي للمواطن في بعده الاجتماعي"، كما جاء في تعبير جون لومبار Jean Lombard، أي خلق المواطن المتنور الذي يصبح سيدا ومالكا للطبيعة وللإنسانية، عن طريق الوصول الممنهج مؤسساتيا إلى المعرفة. إن عملية المثاقفة التي يسري مفعولها في الميدان، وتاريخ مأسسة التربية، ليضعان المدرسة في قلب تجربة تدرجها في الزمانية. ولهذا، فعلى صانعي المدرسة العصرية أن يبرمجوا المستقبل بطريقة غائية عن طريق عملية إقحام تدريجي ومنهجي للقيم والتمثلات والمتخيلات المشروعة اجتماعيا.
هذه الوظيفة البرمجية للمدرسة تعتمد على انتقاء المعارف وتنظيمها في مجزوءات يكون من خلالها ضبط المعارف في خدمة المشروع الأعلى، وهو ضبط الفرد، في توافق مع النظام الاجتماعي القائم و المنشود، لأن كل مشروع تعليمي يساهم في استبطان قيم المجتمع المركزية. فلكي نتعلم، علينا إذن أن نقبل بالتخلي عن بعض ما تعلمناه،  علينا أن نقبل مراقبة تصرفاتنا وتمثلاتنا ومواقفنا. ومبررات المدرسة في هذا هي ما يتطلبه بناء المواطنة المتنورة. فالعيش ضمن جماعة، كما تقتضيه المواطنة، يتطلب خصلتين متناقضتين : الطاعة وتأتي بَعدها المقاومة. وتدبير هذه المفارقة يبرر الحاجة إلى التنشئة الاجتماعية لمواطني المستقبل حول ضرورتين اثنثين : تهذيب الفرد و تهذيب علاقته بالآخر المتحضر. من هنا فقوة المدرسة في صنع كونية المواطن المجردة تكمن في الممارسة المنتظمة لتهذيب الفرد، فتغدو، بالتالي، العلاقة مع المعرفة علاقة مع الحقيقة. و بهذا المعنى فالتلاميذ، بخضوعهم للعلاقة التي تربطهم بالمعرفة، يماثلون المواطنين في علاقتهم مع القانون، ويماثلون أيضا المدرسين في نفس الخضوع.
غير أن التعلم يتخذ شكلا آخر، فيصبح إنكاراُ للانخراط الخاص المرتبط بالمصلحة الفردية، وممارسة لتجربة الغيرية، والتزاماُ من أجل الآخر-النظير. والمدرسة باعتبارها منتجا لقيم التلاحم الاجتماعي المركزية، تشارك في إنتاج و إعادة إنتاج المواطن عن طريق تنشئة اجتماعية منهجية للجيل الناشئ، حسب تعبير ديوركهايم Durkheim. إن المشروع المؤسس لمدرسة الجمهورية هو بناء نسق مدرسي متجانس، يجانس بين مختلف الأوساط التي تحيى فيها انتماءات الفاعلين الاجتماعية والجنسية و العرقية والجهوية والإيديولوجية، داخل وسط واحد هو وسط المعرفة، وبعيدا عن منافسة الأوساط الخارجية الأخرى.   
لقد فتحت السياسة التعليمية للجمهورية الثالثة، التي أسست وحدة الأمة حول الإيديولوجية الجمهورية، الباب أمام حقبة الدولة المربية. وترتكز هذه الدولة على ثلاثة مبادئ : مساواة جميع الأطفال أمام المدرسة، و حق الجميع في التربية، وواجب الدولة لتأمين تعليم ناشر للقيم والأخلاق المشتركة. وهنا نشير إلى أن قانون كيزو ([2] ) الصادر سنة 1833، قد سبق له أن فرض على الجماعات المحلية صيانة المدرسة الابتدائية.  هذه المؤسسة الهرمية والمتمركزة في نفس الوقت هي التي ستسمح بتقوية صيغة موحدة للتعليم، إذ أن التركيز الإداري سيقوي سلط الدولة المربية، وسيجبر كذلك مختلف الدوائر على المساهمة في عملية توحيد معارف المعلمين وممارساتهم البيداغوجية. إن توحيد النظام التربوي يعني أن المدرسين يتلقون رواتب متساوية من الدولة، ويخضعون لتراتبية تجعلهم تحت مراقبة المفتشين الخاضعين بدورهم لمراقبة الدولة المركزية، ويعني كذلك توحيد المقررات الدراسية و الدبلومات في كل أرجاء التراب الجمهوري . وقد تم تثمين المبادئ المنظمة للمدرسة العمومية في القوانين المدرسية لسنوات 1881 و 1882 و 1886.
فهذه الدولة المربية التي بدأها جول فيري في المستوى الابتدائي تسعى إلى تمرير الأخلاق الطبيعية، وفي المستوى الثانوي إلى تلقين الإنسانيات،  تلك الأخلاق الطبيعية هي بمثابة اقتحام لممارسة تعتمد على ضبط النفس ومراقبة الرغبات بواسطة العقل. من جانب آخر، فتوحيد النظام التربوي من خلال تمركز ينفي الأوساط الجزئية، هو الذي ينتظر منه أن يقوي الوحدة الوطنية، إضافة إلى الوظيفة الجديدة التي أوكلت للمدرسة والقاضية بدورها بإلغاء النزعات الجزئية، المحلية على الخصوص. ويتم ذلك بأشكال متعددة  كفرض اللغة الفرنسية أمام الأشكال اللهجية التي لا زالت تستعمل في الحياة اليومية، أو فرض نظام القياس الميتري مقابل الوحدات المحلية كالياردة و الإنش وغيرها، أو فرض الفرنك كوحدة لقياس الثمن مقابل العملات الأخرى، أو أيضا عن طريق إهمال تدريس التاريخ و الجغرافيا المحليين، قصد تحطيم المقاومات التي من شأنها الحيلولة دون تشكيل وعي جماعي وطني.
فكما أوضحته أعمال فيرمVermes ، فقد كانت للمدرسة وللمدرسين مشاركة كبيرة في مشروع الثورة الفرنسية المعتمد بالأساس على مأسسة اللغة وعلى الدفاع عن الأحادية اللغوية. فمنذ الثورة، كان التمثل الذي هيمن على المدرسين منصبا على الصورة التي يكون فيها الفرنسي فرنسيا، والصورة التي يكون فيها الفرنسي متكلما باللغة الفرنسية، ولا شيء غيرها. في كتابه La fin des terroirs يعتبر إيوجين ويبر Eugen Weber أن المدرسة، وخصوصا المدرسة القروية المجانية والإجبارية، وجدت نفسها قد تكلفت بسيرورة المثاقفة النهائية التي حولت الفرنسيين إلى فرنسي واحد علمهم التحضر. فالمدرسون، بلباسهم القاتم والبالي، أصبحوا ميليشيا للحقبة الجديدة وناطقين رسميين للأنوار والرسالة الجمهورية، التي قربت العامة الجاهلة من عالم جديد سام من حيث الرفاهية التي تخولها الديمقراطية. و بهذا المعنى، فعلمنة المؤسسة والمعارف والوعي تعتبر، من منظور الدولة المركزية، ضرورة سياسية واقتصادية وأخلاقية، بل معركة من أهم المعارك التي خاضتها باسم الإيديولوجية الجمهورية. جون ميشيل بيرتولو  Jean-Michel bethelot يبين كيف أن المدرسة آنذاك قد تكلفت بمهمة مزدوجة : بناء تعليم مشترك وعلماني يحمل في طياته صراعا ضد اللكنات الجهوية والطوائف الدينية، وبناء تعليم مهني منسق. فإذا كان المشروع المؤسس لمدرسة الجمهورية يمر عبر نفي الأوساط، مرتع انتماءات التلاميذ، والأوساط الأخرى التي تنافس التهذيب الاجتماعي، فإن المدرسة هي العامل الأساس في عملية المثاقفة، والمكان الذي يمارس فيه المعلم مأسسة الأمة. وحسب سوزان سيترون Suzane Citron  فإن الفرْنَسَة الجمهورية، التي كانت في الأساس من صنع المدرسة، هي بمثابة "تأميم" واستبطان للدولة-الأمة ول "تاريخها" الفرانكفوني الباريزي الأحادي المركز، والذي يرسو على الماضي البعيد لبلاد الغال الفرنسية. من هنا، وحسب ما قدمناه، فالمدرسة شأن من شؤون الدولة.
Ø  المدرسة كمكان سياسي :
المدرسة مكان سياسي يدافع في نفس الوقت عن الحياد السياسي.
ü       المدرسة وممارساتها والسلطة ورهاناتها :
إن الدولة-الأمة، "في صيغتها الفرنسية"، يكون فيها الفرد المنضبط منتوجا للمدرسة. ولوصف ما تفعله المدرسة بهذا الصدد، استعمل ميشيل فوكو مفهوم السلطة المحايثة، و يعني بها مجموع المؤسسات والمساطر التي تسمح بممارسة هذا الشكل المحدد للسلطة والذي يستهدف كل الساكنة متخذا الاقتصاد السياسي كشكل أسمى للمعرفة، وآليات الأمن كأداة تقنية، والناس في علاقاتهم مع طرق التفكير والفعل والإحساس كرهان سياسي.
و لكون المدرسة فاعل في هذه السلطة عن طريق ميكروفيزياء السلطة التي تأسسها ، فإنها تُعتبَرُ المكان الذي تتم فيه عملية إنتاج هذا المواطن المنضبط . وبناء عليه، فهذا المستوى الذري يفترض أن السلطة التي تمارس ضمن مؤسسة من المؤسسات لا يجب أن تفهم كملكية، وإنما كاستراتيجية، أي أن نتائجها لا تنسب إلى "تملك"، وإنما إلى تدابير و إجراءات وخطط وتقنيات وعمليات. فالسلطة إذن لا تفهم فقط كعقاب وقمع، ولا كأمر ونهي يطبق حرفيا وببساطة على من لا يملكونها، بل هي استراتيجية تستعمل الأشخاص وتمر بهم وعبرهم، وتشتغل في سلسلة ضمن طقوس سياسية تأسس لعلاقات متحركة لا تناسُبَ فيها ولا تكافؤ. وهذه الطقوس هي التي يتم تسخيرها أثناء الاستعمال اليومي لتقنيات سياسية يتم عبرها توطين مكاني وزماني للأفراد.
إن إرادة المعرفة التي لدى المدرسة تُطبَّق على التلميذ والمدرس كأفراد يجب اكتشافهم و تصنفهم، فهم خاضعون عن طريق علاقات السلطة وتسلسلها لقانون مدرسي يحدد التصرفات والأداءات التي تميز لحظات التشكيل الأول لما هو فردي. إذن فالسلطة تمر عبر اعتبار الفرد كموضوع للمعرفة : بين تقنيات المعرفة واستراتيجيات السلطة لا يوجد مستوى ثالث خارجي، هذا ما تعلمناه من أطروحة فوكو. والسيطرة على أنشطة جميع الفاعلين في المؤسسة التعليمية يمر عبر تدبير المكان وعبر ضبط الزمان أيضا، إنه تنزيل لقواعد سلوكية تشمل الحياة والزمان والطاقات، و تعمل، عن طريق مبدأ أساسي يعتمد التأطير و التوطين، على تنظيم مجال تحليلي يكون لكل فرد فيه مكانه الخاص ولكل مكان فرده الخاص. وجدير بأن نلاحظ أن حتى المدرسة كبناية تنتظم فيها أماكن معقدة سواء من الناحية المعمارية أو الوظيفية أو التراتبية، حيث المجال يصبح مشفرا حسب الإطارات الوظيفية التي تضمن تثبيت التلاميذ، وتسمح بتحركاتهم، وتحدد المراكز والقيم، ويصبح كذلك وصفا لسلسلة نهائية من العلاقات الممكنة بين التلاميذ في ما بينهم، وبين المدرسين في ما بينهم، وبين التلاميذ والمدرسين.
 من هنا تغدو المدرسة كقلعة محصنة، وهي تنتظم حول الساحة، يضبط فيها الدخول والخروج، وتغدو ساحة الاستراحة مكانا لتجوال التلاميذ يستثمرونه جسديا وعاطفيا، لكن أيضا مكانا خاضعا للمراقبة المتأهبة. ومجال القواعد السلوكية الضابطة مقسم إلى أجزاء وفق الإمكانات التوزيعية التي يتيحها ما يوجد من أجسام وعناصر. يتعلق الأمر هنا بتفادي التوزيع في مجموعات، وبإلغاء التوزيع العبثي وكذا الاختفاء غير المراقب للأفراد، وتجوالهم المنتشر و تجمعهم المجاني. ولهذا فتدبير المقاعد داخل قاعات الدرس ومراقبة الحضور يعتبران من أنجع الأدوات لتنظيم المدرسة. يقتضي الأمر ضبط الحضور والغياب، ومعرفة أين و كيف نجد الأفراد، و إقامة تواصل مفيد، وإيقاف التواصل العديم الفائدة، ومراقبة تصرفات كل واحد، و استحسانها و معاقبتها، وقياس المزايا والاستحقاقات. إنها إذن تدابير من أجل المعرفة، ثم من أجل الضبط، و بعد ذلك من أجل الاستعمال، تدابير أفاض ميشيل فوكو في تحليلها. إن تقنية السلطة بهذا المعنى تحتاج إلى تبويب أو تصفيف تعمل عبره القواعد السلوكية على وضع كافة العناصر التي تخضع لنظام المراقبة والتنظيم. آنذاك يصبح الأفراد المنضبطون قابلين لأن يستبدلوا بعضهم البعض، ما دام كل واحد يحدد بالمكان الذي يحتله في السلسلة، ويعرف بتعارضه مع الآخرين. وفي هذا الصدد، فمنح نقطة سلوكية للتلاميذ ونقطة إدارية وتربوية للمدرسين تندرج في نفس المنطق، لأنها تتمفصل مع أدوات الحوار ومع سيرورات السلطة. والرتبة التي يشغلها كل تلميذ في تراتبية التلاميذ (المعتمدة على متغيرات لا تقتصر فقط على الأداء الدراسي) تقابلها الرتبة التي يحتلها كل مدرس في التراتبية المهنية و في مجموع الوضعيات الإدارية لكافة المدرسين.
فالانضباط ،الذي هو في نفس الوقت فن يعتمد الترتيب والتصفيف، وتقنية تحدث تغيرات في نظام هذا الترتيب، يعمل على فردنة الأجساد عبر توطين يوزعها ويحركها في شبكة من العلاقات. والصف والرتبة من محددات الحياة المدرسية : صفوف التلاميذ داخل الأقسام و في الممرات و الساحة، والرتبة الممنوحة (مسؤول القسم مثلا )، والرتبة في الامتحانات، والترتيب حسب العمر، وتتابع المواد المدرسة حسب درجات الصعوبة، كل هذه الأمثلة تشير إلى تراتبية تشمل المعرفة والقدرات والقيم والاستحقاقات. ويمر التأطير ومراقبة الأنشطة عبر ضبط دقيق لاستعمالات الزمن، وعبر إقامة نظام للجزاءات الإيجابية أو السلبية، يحمل في طياته تقييدا للأفراد في أنشطة محددة مع ضبط دورات تكرارها. يتجلى الانضباط إذن في تنظيم الحياة المدرسية وفي الصرامة النسبية في التعامل مع الزمن.
يحدث استعمال الزمن تقطيعا حساسا وتأطيرا جامعا للأنشطة. كما تواكب الالتزامات إيقاعية الزمن، فيصبح التنظيم الزمني محدثا لزمن منضبط و مفيد في كليته، تكون الدقة والتطبيق والانتظام هي مزاياه الأساسية. و توجد أيضا صياغة زمنية للفعل في شكل " خطاطة تشريحية زمنية للسلوك"، إن أردنا أن نستعمل تعبير فوكو. فالفعل قابل للتجزيئ إلى عناصر تؤلفه. فأوضاع الجسد والأطراف تتعدد بتعدد تقنيات إخضاع هذا الجسد لاختراق الزمن  وللمراقبة الدقيقة للسلطة. و بناء على هذا فالجسد وقد أصبح هدفا لميكانزمات السلطة، يغدو منفتحا على أشكال جديدة للمعرفة، ويغدو جسدا للتمرين والتدريب المفيد، عمليات تظهر على إثرها قيود ذات طبيعة وظيفية. ومن بين الكفايات التي على المدرسين والتلاميذ اكتسابها نجد كفايات التحكم في الجسد (شغل المكان، المسافة مع الآخر، الاعتدال، الحركات المقننة وغيرها) وكفايات تدبير الأحاسيس (الانتباه، كظم  الغيظ، الكتمان إلخ.).
إن تعلم مهنة تلميذ، شأنها شأن مهنة مدرس، لا يمكن أن تختزل في اكتساب المعارف والمهارات، بل إنها تعتمد على تحديد المواقف الشرعية التي تتطلبها المؤسسة. يتم تحليل المكان ومعه الأجساد بواسطة قواعد انضباطية وتقنيات سلطوية تفكك وتعيد تركيب الأنشطة. نفس الشيء بالنسبة للزمان الذي يتم تقسيمه كشكل من أشكال الضبط، فيطبق على الأجساد أيضا. من هنا فوظيفة هذا التقسيم هي ضمان وصول الشخص المنضبط إلى مستوى الوضع المنتظر وضمان تماثل تعلمه مع تعلم الآخرين. ويبقى على التمرين (الجسدي والعقلي) المنبني على تطبيق القواعد الانضباطية كعنصر مكون لتكنولوجيا سياسية للجسد والزمان، أن يعمل في اتجاه الإخضاع غير المكتمل، إخضاع الفرد ضحية العنف أو صانع العنف. بهذا المعنى فالمدرسة مكان لسلطة متعددة الأشكال، خصوصا إذا اعتبرنا، كما سنرى، التزايد المستمر لعدد الفاعلين المتدخلين في الوسط المدرسي.
ü       مسألة الحياد السياسي للمدرسة :
على عكس ما  تروجه إيديولوجياتنا الفرنسية المركزية، فالأماكن العمومية والخاصة غير محمية من النفاذية. فالتصور الجمهوري الذي يغلّب المصلحة العامة على المصلحة الفردية، تحت مظلة الكونية المنبثقة من فلسفة الأنوار لروسو، دخل في التباس جزئي مع نموذج آخر. والسبب في ذلك يعود إلى هشاشة المجتمع الجمهوري، وإلى الأسطورة التي تحوم حول وجود الإنسان الجمهوري. كما أن المدرسة الجمهورية، وقد اتخذت كوظيفة أساسية لها تمرير القيم التي تحركها بما فيها العلمانية، حولت نفسها إلى مكان ذو طابع سياسي، ويصدق الشيء نفسه على كل المؤسسات التي تسعى للتنشئة الاجتماعية. غير أن هذا البعد السياسي يبدو "خاطئا سياسيا" في عيون الفاعلين في العالم المدرسي.  إنهم يرفضون أن تكون المدرسة مكانا سياسيا ولا أن تُلقى على وظيفتها نظرة سياسوية. أن هذا بالضبط هو التحدي الذي على المشتغل بالعلوم السياسية أن يرفعه : أن يفهم تداعيات هذا التحفظ الجماعي. هذا النموذج المتحفظ يستند الآن على المطالبة بحياد سياسي للمدرسة، علما أن التمثلات الاجتماعية قد عرفت انزلاقا دلاليا لمعنى الحياد، ليشمل ليس فقط الحياد الديني للمدرسة وإنما أيضا حيادها السياسي، بل حتى حياد الدولة. وبما أن هذه التمثلات توجه الممارسات الاجتماعية، فإن مسألة حياد الدولة الجمهورية لا بد وأن يطرح.
في سياق الدولة العصرية يلاحظ خفوت بريق الخطاطات الأخلاقية الماضية. كما يلاحظ أن الأمان الأنطولوجي، ذو الأساس الضعيف، تحكمه رتابات ليس لها أي معنى أخلاقي، ومن ثم فالجماعة المعبر عنها بالرموز الوطنية تتولى إتاحة هذا الأمان الأنطولوجي الناقص، كما وضح ذلك أنتوني كيدنز Anthony Giddens . مهما يكن، فالدولة – الأمة عليها إنتاج وضمان استمراريتها بواسطة هذا الهابيتوس (إن أردنا استعمال عبارة إلياسElias ) المحدث لهذا الإحساس الوطني، الذي يتخذ صورة "نحن"، خصوصا وأن  هذا الإحساس وهذه الإيديولوجية الوطنية التي تتبناها الجماعة لها وظيفة محورية في هندسة المؤسسات الديمقراطية. والقيمة الهوياتية التي لدى الدولة تفيد كقاعدة لتشريع المؤسسات السياسية. من هنا فمؤسسات التعليم العام هي إذن موجهة نحو تدعيم وتقوية تعليم ال"نحن" المتمحور، بشكل يكاد يكون حصريا، حول  التقاليد الوطنية.
والشاهد على هذا هو النقاشات الحديثة حول البناء غير المكتمل للذاكرة الفرنسية والذي يتم داخل المدرسة وبواسطة المدرسة. ربما وجب الانتظار حتى نهاية ماي 1968، تاريخ صدور قانون روني هابي René Haby ([3] )، في جو "يميني"، وبعد استئصال "اليسار" من جسم هيأة التدريس، و معه وهم الشحن السياسي لعقول الجماهير. هذا المنشور الذي أحدث انزلاقا دلاليا في مفهوم العلمانية بجعله مرادفا للحياد السياسي، يدعو إلى موقف "علماني" موضوعي تجاه المسائل الدينية والسياسية. وحسب نفس الوثيقة، فالدولة مطالبة بتأمين تكوين في نطاق محدد، يدع جانبا كل المجالات المعرفية الخلافية والأنماط الفكرية التي لا يصح فيها أن تترك مسؤولية تحديد الأهداف التربوية لإدارة المؤسسة، أو لمدرس معين، أو مجموعة من المدرسين، أو حتى مجموعة من التلاميذ. لم يكن هذا المنحى بالشيء الهين، فقد كان له إسهام في نفي السياسي داخل الوسط المدرسي. و هذا ما سيسمح لنا، وبطريقة مختلفة، بمعالجة هذه المسألة المحورية، مسألة اعتباطية القاعدة المدرسة.
إضاءة 1 :
التدبير اللامركزي للمدرسة :
فإذا كانت المدرسة، في قضيتها المرتبطة بالمأسسة، شأن من شؤون الدولة، فهي أيضا في نفس مستوى الروابط القائمة بين المجتمع المدني والدولة. لقد مُنِح للدولة، و لمدة طويلة، تصور ممركِز وموحِّد للتربية الوطنية، وفق ما جاء في دستور 1946، وفي ديباجته على الخصوص :"يعتبر تنظيم التعليم العمومي والعلماني في جميع درجاته سلطة للدولة". و لمسألة التدبير اللامركزي للمدرسة أوجه متعددة تجمع بين الاختيارات السياسية والصيغ الإدارية و تكييف الرسالة المدرسية مع الخصوصيات الجهوية وحتى تعديلات على مستوى العلاقات التربوية. كما تشير إلى تحويل الكفاءات من الدولة المركزية نحو السلطات المحلية المنتخبة، باعتبارها مدبرة للمصالح التعليمية العامة، وباعتبارها أيضا مستفيدة من الإمدادات التي تقدمها الدولة للجماعات المحلية في شكل استثمارات و تمويلات التسيير، قصد تأمين رسائلها الجديدة. إلا أن المجالس المحلية (الجماعية و الجهوية وغيرها) تكون دائما عاجزة عن تغيير مسار رسائل التعليم العمومية التي تسند دائما للدولة، سواء تعلق الأمر بالسياسة التربوية أو بالمحتويات المُدَرَّسة أو بتوظيفات المدرسين، ولو أن تعيينات ATOS ([4]) ترتبط الآن بكفاءاتهم. نذكر أن قانون هابي  Habyالصادر سنة 1971 قد أخذ بعين الاعتبار تطلع المؤسسات الجديد إلى مزيد من الاستقلال عن طريق لا تمركز وظيفي. كما أخذ في الحسبان ثلاثة أنواع من القيود، قيد الفعالية وقيد التكلفة والقيد الذي تفرضه إعادة النظر في مسألة توحيد التربية الوطنية. أما قوانين اللامركزية لسنوات 1983- 1985 فستعمل على إضفاء الخصوصيات الجهوية على الرسائل التربوية عن طريق تحويل كفاءات مشتركة إلى الجماعات المحلية. وابتداء من هذا التاريخ أصبح من مسؤوليات هذه الجماعات إحداث وصيانة مدارس عمومية من الدرجة الأولى. في حين تتكلف المجالس العامة بتدبير الإعداديات، والمجالس الجهوية بتدبير الثانويات. وقانون 22 يوليوز 1983 عمل على تقوية استقلال المؤسسات المدرسية المسماة ب"المؤسسات العمومية المحلية للتعليم  EPLE" ، وهي مؤسسات تتمتع بشخصية قانونية، وباستقلال مالي وإداري، واستقلال على المستوى البيداغوجي، وتعتبر اختراعا أعطى الانطلاقة خصوصا لمشاريع المؤسسة، وتعتبر أيضا أبوابا مفتوحة في وجه "استرتيجيات مدرسية" للعائلات حسب تعبير روبير بالون Robert Ballon . إن عملية اللاتمركز التي همت المؤسسات قوت الاستراتيجيات المحلية وطورت المناطق التربوية ذات الأولوية "ZEP ([5] ) ". ألم يتزامن صدور مؤلف بالون مستهلكو المدرسة (1982( مع السنة المفصلية في تقويم اللامركزية المدرسية وتدبيرها المحلي؟ ينبغي إذن مواجهة جميع أشكال المعيرة في العلاقة التربوية، حتى لو كانت عن طريق توزيع جديد للسلط والرسائل، و حتى لو كانت القرارات أكثر محلية ولامركزية.  
v                    المدرسة مكان للذاكرة (الذاكرات) - المدرسة مكان للثقافة (الثقافات) :
بين التاريخ والذاكرة تحكي المدرسة قصة التنشئة الاجتماعية للأجيال الشابة، تنشئة يصاحبها تمرير القواعد المركزية التي تسمح بالتلاحم المجتمعي. فهل المدرسة تبني ذاكرة وطنية جامعة أم أنها تعطي لعدد كبير من الناس موارد تسمح لهم بفك شفرة اللعبة الاجتماعية ؟ إن الدولة المربية وهي تسعى إلى تحديد المواطن، تفعل هذا في إطار عملية تعاقد سياسي واجتماعي حول تشييد أمة موحَّدة ومنظَّفة من بقايا التاريخ الفردي. ويمكننا أن نتبين عبر هذه السيرورة التعاقدية، التاريخ السياسي للمدرسة في فرنسا، الذي عملت من خلاله الدولة المربية، وبطريقة متتالية، على شرعنة نظرة شنيعة للمجتمع الفرنسي، النظرة نفسها التي أصبح من خلالها الشعب سيدا تحت إنارة  العقل الكريمة، و تحت فلسفة الأنوار والمعارف المحرِّرة للكونية الغازية. لكن أليس هذا التعاقد متجاوزا الآن؟ إن المدرسة اليوم مدعوة لمواجهة المطالب الداعية إلى التعدد الثقافي والطقوسي. فكيف ستجيب على ذلك؟
Ø  المدرسة بين التاريخ والذاكرة :
بعد أن عملت المؤسسة المدرسية تاريخيا على إنتاج الوحدة ها هي الآن قد أصبحت منتوجا للتعددية. وفي بنائها السياسي للمعنى ينصب عملها على تحقيق جماعة تؤسس الرغبة في العيش الجماعي.  وبناء على هذا، فتاريخ الإنشاء العصري لها كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية الديمقراطية، هو أيضا تاريخ بناء وإعادة بناء ذاكرة جماعية.
ü       المدرسة وبناء ذاكرة وطنية :   
إن تاريخ الذاكرة هو المسألة الجوهرية التي ُتفرض على الحداثة كرصد لآثار الماضي، وأيضا كشكل رمزي لتحديد هوية جماعية. فهو يعيد رسم الحدود المضطربة بين ممكنات المنطوق والمسكوت عنه. والوظيفة البرمجية للمدرسة تعتمد على انتقاء المعارف وتنظيمها في مجزوءات يتم عبرها إقامة برنامج سام يقضي بوضع الفرد ضمن نظام ظابط متوافق مع النظام الاجتماعي القائم والمنشود، وذلك عن طريق إخضاع هذه المعارف لنظام ضابط. هذا الصنع المدرسي والاجتماعي للذاكرة يضع تنغيما مدعوما باستمرارية ما تم افتراضه مسبقا من برامج، وبالطقوس الزمنية المرتبطة بالزمن المدرسي.
وتتدخل علاقات السلطة أثناء تحديد وبناء البرامج، خصوصا أثناء اختزال المعرفة الكونية /العالٍمة وجعلها قابلة للتعليم. و الطريقة التي تبني بها المدرسة الذاكرة الجماعية ضمن الدروس التاريخية الحاملة لذاكرتنا الوطنية مثال على هذا الاختزال. كل عمل يرمي إلى بناء ذاكرة جماعية يعتبر أيضا إعادة بناء يتم على إثرها تشخيص النفي والنسيان، وهو ما يتجلى فعليا في الثقافة المدرسية وفي برمجة المعارف التي تُرى على أنها مشروعة مدرسيا. من هنا يصبح المفكَّر والمرغوب فيه في غالبيته مشكَّلا بواسطة المؤسسات التي تحدد هيأته. والمدرسة، كمؤسسة للذاكرة الجماعية، تعمل على ديمومة نفسها، لأن الواقع الاجتماعي والسياسي يجد مرتعه رمزيا داخلها، و لأن بناء ما هو مجتمعي وبناء ما هو معرفي يشاركان في نفس العملية. من دون شك يتعلق الأمر عند عملية بناء الذاكرة الجماعية باستحضار حضور الزمن كعنصر أساسي في ما هو اجتماعي،  لأن العلاقة مع التاريخ تتبدى كنتيجة لعدم اكتمال المجتمعات بفعل اختراقات الهيمنة والمتخيل والاعتقادات.
إن الضبط الاجتماعي والسياسي لعملية التعلم من طرف المدرسة يحيل إلى نموذج لعلاقات يتم تأسيسه حول المعرفة. من خلال هذا النموذج يتم اعتماد الضبط كخلْق اجتماعي متسيد، وكمجهود جماعي للتفكير في ما هو مجتمعي، وكنموذج للتفكير في النظام الاجتماعي المنبثق من المجهود التعلمي. ونشير هنا إلى أن الذاكرة الجماعية تصلح كنسق للتخزين بالنسبة للنظام الاجتماعي، كما نشير أيضا إلى أن النسيان لا يتم بالصدفة : الذاكرة والنسيان يخضعان لترويض من طرف النظام الاجتماعي. و لهذا فالمؤسسات، وهي تحكم و تراقب الذاكرة، تتحكم في تراتبية الولاءات السياسية، وتؤطرها وفق الإطارات الاجتماعية للذاكرة، حسب عبارة موريس هالبواش Maurice Habwachs. ويخلط ميرتون Merton الأحاسيس وعمليات التعلم والبنيات الاجتماعية في نسق واحد، مثيرا الانتباه حول قدرة كل نظام اجتماعي على خلق شروط حوَلٍ يكون وراءه نفي لحقيقة مريرة، وبالتالي فكل مجتمع يسعى إلى نفي جذوره. و بهذا المعنى، تكون المدرسة، كسائر المؤسسات، مكانا يتخندق فيه المعنى تحت تأثير السلطة، ومن تم فالذاكرة التي تصنعها المدرسة هي في نفس الوقت انتقائية و موسومة بنوع من العنف، وتشرعن نفسها على أنها لا تهدف سوى إلى ضمان هوية المجموعة. إنها تراهن على هوس تقديس الذكرى، وتحتاج إلى تطبيع الواقعي بتركه يسير على كيفه. و الذاكرة الجماعية، بإنتاجها المجموعة، تنتج أيضا المجتمع والمجتمع المضاد، لكن وجود ذاكرة جماعية قابلة للتمثل والدحض شرط من شروط الديمقراطية، رغم أن بعض الممارسات المرتبطة بها قد تسبب مخاطر حتى على هذه الديمقراطية. إذن كل تفكير حول الذاكرة هو تفكير حول المجتمع والسياسة، وكل تفكير حول الذاكرة هو إعادة بناء، يتم عبرها قبول أو رفض أرشيفات الماضي، مع الدعوة إلى فك شفرة ما تم حفظه، وما تم تشويهه، وما أحدث حوله من صراعات، و وما تم تغافله. إن التفكير في الذاكرة إذن هو التفكير في العلاقة مع التاريخ، باعتبار أن الذاكرة معيشة و تنخرط على مضض في ما هو سياسي وفي الزمنية التي تخصها.
إن المسعى الديمقراطي الذي يتم في المدرسة وعن طريق المدرسة، هو هذه اللحظة التي تخلق زمنية جديدة متخيلة كتأويل للماضي المنبوذ والمرفوض. والزمنية الوحيدة المعتمدة في المدرسة ومن طرفها هي زمنية الجمهورية، أي تلك التي تمدد وتوسع هذا الزمن السياسي الجديد، زمن مرتبط بذاكرة جماعية مهيمنة وموحدة تتم بلورته في إطار قانون مدرسي ينص على احترام "أزمنة المساطر" المرتبطة بالامتحانات، وإشهار المعرفة، والنقاشات المنظمة، ومدة الفروض. والمدرسة طرف في الخطاب الجماعي الذي هو الذاكرة المشتركة، باعتبارها فضاء للحكي ومكانا لتجربة الذاكرة المعيشة والمترسبة والتي يتم استقبالها كملكية، حيث يتبلور المعنى في التفاعل مع الآخرين، أي كنتيجة لصياعة تقوم على إضفاء معنى على المعيش عن طريق اللغة وعن طريق معاني الكلمات المتبادلة. في مؤلفها الأسطورة الوطنية. تاريخ فرنسا تحت المساءلة، تعيد سوزان سيترون Suzanne Citron طرح مسألة المدرسة الجمهورية ك بوتقة للأمة، و كوعي أخلاقي يستأصل الغنى المتنوع والمتناقض للذاكرات الفرنسية عبر نشره لأسطورة الأحادية، ويضحي بفرنسا العريقة من خلال تعليم تاريخ يتمحور موضوعه حول الحس الوطني، ويقدم فرنسا واحدة وغير قابلة للتقسيم. فحسب سيترون، فإن إرنست لافيس  Ernest Lavisse  قد ثبت نصا منظما حول بلاد فرنسية بدون بداية، أي بدون إسهام غالي ([6] )، وحول سلسلة من الحروب والغزوات التي استبيحت لكونها تبني وطنا. بهذه الشاكلة تمت إذن شرعنه شطط السلطة خدمة لعظمة ووحدة الدولة.
يعمل إذن هذا التاريخ المخترع من طرف المدرسة، كمبادئ أساسية لديانة فرنسا، المكان المتخيل لتجلي الله في الوطن، والمكان الذي يقدم ماض منظم ومطهر. ويتم تمديد هذا اللاهوت الأصولي الفرنسي بنظام أخلاقي أصولي، حيث المصدر هو الوطن والهدف هو خدمة فرنسا التي تفترض إعادة بناء ذاكرة جماعية وتاريخية ضامنة لدمج الاوساط المختلفة في مكان يجانس الكل ويختزٍله. إن هذا التشخيص للماضي، والذي كانت بدايته في مقررات التاريخ في عهد الجمهورية الثالثة، حاضر الآن في المدرسة الفرنسية، و ماهية فرنسا لا زالت سابقة على وجود كل فرنسي، وتاريخ كل فرنسي لا يمكن أن يكون سوى تاريخ فرنسا. صحيح أن المدرسة الجمهورية كانت عملية لمحاربة الأمية و للمناصفة المعتمدة على الاستحقاق، إلا أنها أيضا آلة لمثاقفة اختزلت أو أقصت ما حافظت عليه فرنسا، عند نهاية القرن التاسع عشر، من اختلافات ثقافية ولغوية.  تؤكد سيطرون على وجه التحديد على هذه "النقط من الذاكرة" التي يمثلها فيشي Vichy وحرب الجزائر كأمثلة لعملية المحو، والرقابات والقراءات الخرافية لتاريخنا والتي تتم عبر التعليم. فهي ترى بقايا الدولة الملكية في الجمهورية وترى الدليل على الاستخدامات التعسفية للذاكرة الجماعية من طرف النخب لصالح سلط مختلفة. لأن منطق هذا التاريخ هو شرعنة السلطة القائمة، سلطة "الغالب" وتجاهل المغلوبين. إنها ذاكرة إقصائية وشمولية وخطية تستند على نفي الآخر، متخذة كهدف تأمين حق فريد ومقدس للمجموعة التي تدافع عنها، حق الانتماء إلى الوحدة الوطنية، عبر الولاء السياسي لذاكرة معادُ بناؤها على أساس الجهل والارتياب والحقد في بعض الأحيان. هذه الذاكرة الاقصائية تخبأ رهانات السلطة، حيث أنها تقصي كل مشروع لذاكرة "وجودية نقدية وتعددية". ولهذا تدعو سيترون Citron إلى إعادة تشكيل تاريخ المدرسة، تاريخ لا يقتصر فقط على منطق الدولة الأمة.
من دون شك فإن عملية الشحن و الأدلجة التي تتم على مستوى الذاكرة الجماعية، من أعلى وعن طريق المدرسة، بإشهار وانتقاء وشرعنة معرفة متلائمة مع مجال معد لممارسة "الرغبة في العيش الجماعي"، هي في نفس الوقت عملية للحط من "الأهالي" المشكلين من ساكنة تم غزوها من الداخل ومن الخارج. فهم دائما "صور للتوحش" بالنسبة لتمركز فرنسي ينصٍّب نفسه كمثال للمركز (الدولة - الجمهورية - السوق) الذي يُخضِعُ الهوامش (الشعوب - الثقافات - الأعراق - المجتمع - المدني).  و بهذا المعنى، فتزامن تاريخ الاستعمار مع خلق المدرسة العلمانية الإجبارية الجمهورية لم يكن من قبيل الصدفة، إذ أن تاريخ الاستعمار ينتمي أيضا إلى الطبيعة الإيديولوجية للدولة المربية، والمنطق التجاري و العقلانية السياسية يعطيان المعنى لنفس المشروع.
لقد صاحب استعمار الأراضي والسكان استعمار العقول تحت راية المدرسة. وبهذا أقيمت علاقة استعمارية مع المعرفة المشروعة، ومن تم ميلاد سياسي للمدرسة حوَّلها إلى مؤسسة للعنف الرمزي و لشرعنة نظام اقتصادي وسياسي متسيد ومهيمن. وعنف الدولة يعمل دائما ضد اجتماعية المجتمعات. والمدرسة، وهي تعمل على إعادة تركيب وانتقاء وإنتاج الذاكرة الجمعية، تؤسس نموذجا لفهم الشرعنة، يفترض انبثاق وإشاعة وبناء معرفة و"نص متخف" ليس في المتناول إلا عبر مساعدة خبراء مرخصين : المعلمون.
إيريك سافاريز Eric Savarese يحلل التاريخ الاستعماري المدرَّس، ويلاحظ أن إشاعته عن طريق التمدرس الإجباري كان في غاية الفعالية، بفضل بناء "متخيل استعماري" يكون في نفس الوقت أداة لمعرفة وجهل الواقعة الاستعمارية. هذا التاريخ، حسب سافاريز، يحمل ظواهر الهيمنة والشرعنة لنظام سياسي واقتصادي جديد يعمل على تحويل الآخر إلى مماثل، وإلى إلغاء الغيرية عن طريق النسيان التدريجي للأهالي، ومعه نسيان التمثلات التي كانت موجودة قبل الغزو. سافاريز يفترض أن شرعنة الغزوات الاستعمارية قد تمت قبل هذا النسيان وقبل مسح ذاكرة الشعوب المستعمَرة. هذا المسح يتم أيضا ببطء في إطار العقلنة  التي يعتمدها المستعمرون الذين يصبحون وكلاء الشرعية الاستعمارية، عمال يستعمرون العقول بواسطة المدرسة. و تلعب المدرسة في هذه القضية المرتبطة بإقامة أخلاق مواطنة، وبإشاعة قيم السوق، دور مؤسسة معدة للهيمنة. من هنا يصبح المعمرون مشيدو الإمبراطوريات على المستوى السياسي والاقتصادي، ومعلمو المدرسة مشيدو المواطنين، أداتين لنفس القضية التاريخية.
  إن المدرسة التي تخاطب الطفل، والاستعمار الذي يخاطب المتوحشين، هما وجهان لعملة واحدة.  هذا ما يسمح بفهم العلاقة السياسية للهيمنة سواء في الاستعمار أو في المدرسة بوصفها بناء وإعادة بناء عمل استعماري فرنسي يعبر عن نفسه بتخف وبطريقة يطبعها الإجماع والثبات في صفحات المقررات المدرسية و في ممارسات الفاعلين. وأيضا فالإيديولوجية الاستعمارية كما تمت بلورتها من طرف الكتاب الفرنسيين، تنبني في غالبيتها على مرجعيات علمانية، و في أحيان أخرى على مفاهيم مستوحاة من الأنوار ومن الثورة الفرنسية. هذا التاريخ الاستعماري المدرس من طرف لافيس Lavisse متطابق تمام الانطباق مع الفكرة الاستعمارية، إذ هو استنساخ لنظرة براغماتية، وضعية، تخليقية وأبوية، و لتفسيرات عقلانية وتبشيرية أحادية التصور، ميزت حقبة الجمهورية الثالثة، إنها ذهاء يقدم الفعل الاستعماري كبرهان على السخاء الفرنسي. هذا ما يوضحه بجلاء نص لافيس  Lavisse الآتي :
"إن المعلمات والمعلمين فرنسيون. يعلمون للأطفال الفرنسيين والعرب ما تعلمتم إياه في المدرسة. والعرب تلاميذ نجباء، يتعلمون جيدا كما يتعلم الأطفال الفرنسيون، ويقومون بواجباتهم على نفس القدر. فرنسا تريد أن يكون الأطفال العرب على نفس درجة تهذيب أقرانهم الفرنسيين. وهذا يبين طيبوبة وكرم فرنسا تجاه الشعوب التي أخضعتها." ([7])   
بعد 1962، خيم صمت طويل آخذا مكان الحكي الوطني والحماسي للغزوات الاستعمارية، فوجب الانتظار حتى الثمانينات، لكي تُذكَر معركة ديين بيين فو  Dien Bien Phû ... ولكي يطرح التساؤل حول مقدار معقولية تبرير الاستعمار بعملية التحضر التي أُخضعت لها الأهالي. كان هذا أفضل تبرير، أولا لأن عملية التحضر قد أنتجت تهيئة ذهنية مناسبة، وثانيا لأن عملية إعادة البناء المعتمدة عن طريق المدرسة، سواء عبر انتقاء المعارف المشروعة أو عبر إنتاج ذاكرة جماعية مقبولة، كان الغرض منها هو تطبيع ظواهر الهيمنة الجاري بها العمل، يعني نسيانها. صوفي إرنست Sophie Ernest طرحت مسألة تعليم تاريخ الذاكرات وتاريخ الهجرة ضمن نموذج فرنسي يعتمد على بناء ذاكرة مشتركة، يتشابه فيها الكل، ذاكرة تهدف إلى الاقتداء بشخصيات تاريخية وأدبية، وإلى الارتباط بماض وطني، وإلى فرنسة أطفال المهاجرين. وتؤكد الكاتبة أن لهذا الأمر ثمنه، وهو استحالة تمثل الأطفال الفرنسيين، الغاليين على الخصوص، كيف أن آباءهم يبدون غريبين عنهم، يتكلمون لغة متوحشة ويجهلون المرجعيات المشتركة. ذلك لأن ذاكرتنا الوطنية قد بنيت على إخفاء واقعة الهجرة في المخيلة الوطنية. و قد أصابت صوفي إرنست حينما أكدت على أن الذاكرة ليست هي التاريخ، ملاحظة الغموض الذي يكتنف وظائف المدرسة، والتي تتراوح بين تمرير المعارف الموضوعية وبناء ذاكرة مشتركة.
ü       المدرسة وتكوين المواطن :  
إذا اعتبرنا المدرسة مكانا لإنتاج وإعادة إنتاج المواطن، فإن هذا يقضي بأن إدماج الأوساط المختلفة في وسط واحد لا بد أن يتم عبر تمرير القيم المشتركة، و أن التفريق بينها لا بد أن يتم عبر إنتاج التفوق المدرسي. وكمكان أخلاقي منظم، تعمل المدرسة على تشكيل هوية التلميذ عن طريق شحنه بقيم وقواعد وسلوكات وأفكار مشتركة. وعملية التنشئة الاجتماعية هي في نفس الوقت تحويل وإدماج بنيات قصد تغيير كائن، يفترض أنه غير اجتماعي، ليصبح فردا اجتماعيا عن طريق فعل يقوم على مهارة كينونية. فالمشروع المؤسس للمدرسة كان يستند على مقصد موحٍّد منصب حول التنشئة الاجتماعية. ومؤسسي الجمهورية يسندون هدفا ذو صبغة وطنية لتعليم التاريخ : شحن جميع التلاميذ، أصحاب اللكنات المحلية المتعددة، بحب وطن واحد وغير قابل للقسمة، وبالإيمان بسمو فرنسا. و بهذه التدابير تتمكن المدرسة الجمهورية المقحمة في سيرورة متماسكة للتحضر، من ضبط الفردنة الشعبية عبر بناء الفرد الاجتماعي المجرد والكوني في نفس الوقت، والمتوافق مع مُثُل العلم الوضعي ومع المواطنة الجمهورية. فالطفل البروتاني ([8] )، والطفل البروفنسي ([9] )، والطفل الكورسيكي يفقدون لغتهم في المدرسة ، ليصبحوا بالمقابل وطنيين. وهكذا تعمل المدرسة على إقامة تمثل رسمي لقيم التلاميذ المدرسية بعيدا عن الأوساط التي ينتمون إليها، عن طريق اشتغالها الأحادي الشكل، وعن طريق البناء المشرعَن والمشرعٍن للتميز المدرسي، والأكثر من هذا أنها تعمل كما لو كانت أوساط الانتماء هاته متجاوزة من طرف الوسط المؤسسي.  إذ أن الرؤى الإستراتيجية للعائلات بالنسبة للمدرسة، وعدم التكافؤ على مستوى الرساميل المعبأة حسب الأوساط، تتفرع مع الإدماج الفارقي للعائلات في الأنسجة المهنية والثقافية و الجمعوية والسياسية. من هنا فوجود أو عدم وجود مشاريع مدرسية عائلية يصاحبه أيضا تقسيم عمل مختلف حسب اختلاف أوساط الانتماء وحسب اختلاف أشكال وترددات العلاقات بين الآباء والمدرسين.
إن تجميد الأوساط واحتواءها في وسط واحد يجمع الأفراد حول قيم مركزية، ويفترض أن يعهد إلى النسق المدرسي، إلى جانب وظيفة تكوين المواطن، وظيفة تكوين الفاعل الاقتصادي. كما يعتبر النظام المدرسي قاطرة لإمكانية الرقي الاجتماعي و فاعلا ممتازا للتنشئة الاجتماعية. فإذا كانت المقررات الدراسية في بداية القرن مليئة، بشكل واضح، بالمقاصد الأخلاقية، فإن المقررات الحالية تتضمن نفس المقاصد، لكن بشكل ضمني. المدرسة تسمح بتحيين مشوار التلاميذ في شكل مسار تكويني يتم بالمؤسسة، ينضاف إليه مسار آخر واقعي يتمثل في ما يتم تلقينه بالفعل. فتحديد المعرفة المشروعة في المؤسسة يستند على مبدأ يقضي بعقلانيتها وحيادها وكونيتها. هذا الباراديغم الذي يتخد كهدف تاريخي تشكيل هوية التلميذ، يشتغل عبر التفاعلات التي تتم داخل الفصل كمؤسسة للتنظيم والإدماج، وأيضا كعامل انتقاء. فالطموح إذن يتمثل في تمرير مواقف و بنيات فكرية و مهارات كينونية مشتركة. من هنا فالمدرسة،  في رسالتها التبشيرية لمبادئ المواطنة، تبني تاريخيا مشروعا شنيعا يوحد الكل في كيان واحد، عبر إشاعة معنى مواطٍن مرتبط بالمعارف التي تم تحديدها لصالح الأمة. و تحرير المواطن، شأنه شأن ميلاده،  يتأسسان بواسطة المعارف وعبر إشاعة "وعي وطني"،  والعقل الفردي يربى ويدرب عن طريق ممارسة المعارف المدرسية كما أسلفنا.
وإذا كانت الجمهورية قد شيدت مدرستها كوسيلة لاستمراريتها، فلأنها تدعي سياسيا ضبط إيقاع المكان والزمان بإقصاء الخصوصيات المحلية والاجتماعية عبر فعل ممركز ومعقلن. والدولة هي من ضمن بناء المثل الجماعية بواسطة أجهزتها الإيديولوجية. المدرسة تغدو إذن شأنا من شؤون المواطنة، لكونها تبني الوحدة الوطنية والإجماع الوطني. صامويل جوشوا  Samuel Joshuaيقدم الإجماع الاجتماعي على الوظيفة الاقتصادية للمدرسة، وحجته في هذا أن الطبقات العليا للمجتمع كانت مهتمة برفع مستوى تأهيل العمال، و الطبقات الشعبية كانت ترى في هذا وسيلة للرقي في السلم الاجتماعي. بالنسبة إلى جوشوا، فإن هذا الاجماع الذي طغى لسنوات  قد تحطم منذ خمسة عشر سنة، وتوجهت النخب شيئا فشيئا نحو مزيد من المدارس، ومزيد من الدبلومات، وظهرت في نفس الوقت البطالة الطويلة الأمد وتزايد الطلب على التأهيل بدل الشهادات. هذه المثاقفة الجاري بها العمل في الممارسات المدرسية تتخبط الآن في أزمة.
Ø  المدرسة وتعدد الثقافات:
كانت المدرسة الجمهورية، عند مشاركتها في بناء الجمهورية، مؤسسة تعمل على إشاعة مُثُلِ تكافؤ الفرص التي تستند قاعدتها الأساسية على مشروع شحن الذاكرة وبناء ثقافة مشتركة. لقد بنت الجمهورية الأحادية، عن طريق النظام التعليمي، حلا أصيلا، وهو تبعية الهوامش للمركز. غير أن هذه المركزية المطالب بها أدت، ليس فقط إلى سوء تقدير حيوية الانتماءات الفردية والجماعية، وإنما أيضا إلى بناء هابيتوس Habitus  ([10]) قومي جمهوري يسعى إلى إقصاء الأشكال الهوياتية. ومع اندحار الإمبراطورية الاستعمارية وتعاقب موجات الهجرات، بدت اليوم الشرعية الإجتماعية والسياسية لهذا النظام غير أكيدة. هل يجب على المدرسة أن تعيد النظر في تدبير التعدد ؟ وهل هي قادرة على ذلك ؟
ü       الانبعاث الجماعاتي والجمهورية :    
تخضع العلاقة الاجتماعية للرهانات الإقتصادية والسياسية، وبالتالي لعملية بناء وإعادة بناء مستمرة. وتوجد المدرسة في مجتمعاتنا في قلب سيرورة تشتغل على نسج تكتلات وإفراز فرديات متعددة، لكنها أيضا توجد في قلب سيرورة أخرى تعمل على بناء أشكال من الهيمنة والتبعية. فإذا كانت المدرسة تشارك في البناء السياسي للمعنى، بين الوحدة والتعددية، فإن هذا يتم عبر إشاعة دولة تعتمد على علمانية سليمة على المستوى السياسي، بتجميدها الصريح لمختلف التطلعات العرقية والاجتماعية والثقافية المحلية وأيضا العقائدية، وباشتغالها في فضاء يفترض أنه يجانس – ولو أن التجانس مستحيل – الخصوصيات الفردية والجماعية. عليها الآن مواجهة المطلب المتزايد للتعدد الطقوسي والثقافي. وهكذا وعلى سبيل المثال نجذ أن بعض الفتيات المسلمات ترغبن في ارتداء الحجاب في المدرسة، وتلاميذ يصومون في رمضان، و المطاعم المدرسية تتكيف مع المحرمات الغذائية. وبعض التلاميذ اليهود يرفضون الامتحانات في أيام السبت، دون أن ننسى مساعي الشباب لتنظيم طرق جديدة للتنشئة الاجتماعية. فهذه المساعي اللصيقة بالعالم المدرسي تجسد انبعاث "قبائل جديدة" كما عبر عن ذلك ميشيل مافيسولي Michel Maffesoli ، أو حتى "عوالم مدرسية" جديدة.

فالمناداة الحديثة بإعادة الاعتبار للثقافات واللغات الجهوية للبروتانيين والكورسيكيين والباسكيين والكاليدونيين، بعد أن كانت منحصرة في البداية في المدارس الخاصة، بدأت تُسمع حتى داخل المجال التربوي العام. و عمليات التضامن التلقائي مع الأقرب (من نفس القرية، نفس العشيرة، نفس العائلة، نفس الثقافة، نفس المنطقة)، والذي اعتقدت الحداثة أنها قد أزاحته، و اعتقد العنف الرمزي للدولة الممركزة أنها أخرسته، ضمن مثاقفة مرتبطة بالمواطنة الأحادية، قد انبجس مع الأزمة التي أصابت العقل. لقد أصبحت المواطنة تعددية، بعد أن كانت مبنية، كصيغة ممركزة للانتماء، في إطار قطيعة مع أشكال الولاء الأخرى، محلية كانت أم دينية أم عشائرية.
من هنا، فالمواطنة تُبعِد عمليات التضامن الميكانيكي من ما هو سياسي وما هو عمومي وترمي بها، على التوالي، إلى دائرة ما هو ثقافي و ما هو حميمي. وباعتبارها نفيا للولاءات الخاصة، سواء كانت هذه الولاءات تحت-وطنية أو فوق-وطنية، أو اقتصادية واجتماعية، فإن المواطنة كانت على الدوام ذاك المشروع السياسي المؤسِّس، الذي تم تبنيه كشكل طبيعي لانتماء يبني فردا سياسيا أحادي البعد. يعني هذا أنها تقذف إلى الهامش كل ما يحيل إلى المجموعات المرجعية الخاصة، وتعيد بناء المتعدد ف شكل وحدة جامعة، و فوق كل ذلك تشرعن ممارستها.
ü       هل المثاقفة التي تمارسها المؤسسة متجاوزة ؟
ما يلاحظ اليوم من شعور ب"عدم الارتياح بخصوص المواطنة" دليل على أن التنشئة الاجتماعية مطالبة بمواجهة تشظيات الانتماءات. أصبحت المواطنة إذن، بمثابة مجابهة المتعدد مع التنشئة الاجتماعية المواطِنة. و بهذا المعنى، وبصرف النظر عن كونها قيمة قانونية، ففكرة المواطنة التي مجموعة مركبة من الأدوار والعلاقات الاجتماعية و صيغ انتماء إلى الكل الاجتماعي، هي مطلب من أجل الهوية،، ونظام من أجل اعتراف اجتماعي وسياسي. فإقصاء المجالات الترابية الأخرى من اللعبة، سواء فكريا أو واقعيا، يضع فاعلي الحقل المدرسي على المحك.  ليس هناك أي داع لكي تتقاطع مختلف المجالات الترابية التي تؤسس هوياتنا من أجل إنتاج هوية فردية أو جماعية عبر تعبئة جزئية، و من طرف واحد، لمكوناتها.
إن أعمال برومبيركر Bromberger تدعونا إلى أن نأخذ بعين الاعتبار انبجاس أشكال الانخراطات الاجتماعية الجديدة، التي بدأت تطغى في مستوى بين الوطني والمحلي :  شبكات عبر- محلية، جماعات غير موطَّنة أو تم توطينها بصيغة عابرة كالتجمعات المتقاربة التي ولدتها الحياة المعاصرة. من هنا فصاعدا، فالمواطنة، كبناء سياسي واجتماعي للمعاصرة ، لم تعد سوى هذا التمثل الذي يرى أن المجتمع يعطي من ذاته خطابات علائقية يذوب فيها كل من الأنا والآخر، ومجموعة أدوار إجتماعية يعاد تنشيطها بانتظام بواسطة أشكال المشاركة السياسية. إنها أزمة الهوية والعولمة، و أزمة تحويل المقدس من الخطاب الديني إلى الخطاب السياسي، و أزمة الدولة كتعبير لاشتغال العقل الكوني، وأزمة العقل نفسه، وانهيار التوازن الكونتي ([11] )/ الديوركهامي ([12] ). تلك هي عناصر التشريح الاجتماعي لعالَم منخدع بالمعرفة العلمية، عالم منتهكة قدسيته. وهذا ما أطال في شرحه برونو إتيان Bruno Etienne، وهو أحد الداعين إلى العودة إلى المتعدد، و الانتماءات الميكانيكية، و التلاحمات القبَلية الجديدة و المتشظة،. إن ما يُدفَن وراء المؤسسات الشرعية والقانونية من "تمركزات القوة الاجتماعية" (حسب عبارة ميشيل مافيسولي Michel Maffesoli ) هو ما على المواطنة مواجهته.
يتعلق الأمر بأزمة مست أهلية المواطنة وكذا تمثلات المعرفة. عندما تكون الأوساط المحددة بانتماءات تلقائية، مبنية بطريقة تتدخل فيها ذاتية الفاعلين، فإن صعود الأماكن المنافسة للمدرسة يولد إعادة تركيب مستمرة للأماكن داخل الأوساط . فمن جهة يزداد نشاط وسطاء التنشئة الاجتماعية، ومن جهة أخرى يعمد المكان على تركيزها في وسط واحد، والأوساط بدورها تقوم باستجابة تجعلها تؤثر على المكان المدرسي. فهذا التنافس الموجود بين مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية يعني، إذن، أن الأماكن والأوساط متكاملة وصالحة لأن تكون بديلة لبعضها البعض. كذلك فمنافسة الأماكن الأخرى، ومن بينها أماكن تختلف جذريا عن النسق المدرسي، وكذا تزايد التحديدات الفردية المتعددة، يُضعٍف الاندماج حول قيم مركزية مهيمنة وقطعية، ويضاعف بالمقابل من صيغ الاندماج المدرسي. والحقيقة أن تركيز الأسرة على الطفل، وكذا دمقرطة الولوج إلى النسق المدرسي، لم يستطيعا إضعاف مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى، نظرا لوجود صيغ متغيرة للإدماج الاجتماعي حسب الأوساط. نشير على سبيل المثال إلى اتساع مجال محموعات الأقران بسبب تقسيم التلاميذ حسب الفئة العمرية. يبدو الآن أن تنشئة اجتماعية مستقلة للشباب بدأت ترسم معالمها ناسجة الأوساط بطريقة مغايرة، ومحدثة مزيدا من التعقيد على المنافسة التي تقوم بها الوسائط الأخرى، باعتبارها أماكن رمزية لإنتاج قواعد بديلة منافسة وتكميلية، خصوصا مع الظهور المتزايد للقواعد الخارجية، وإعادة قراءتها من طرف النسق المدرسي. وكأمثلة لهذه الوسائط نذكر مجموعات الأقران و "القبائل"، بالمعنى الذي تحدث عنه مافيزولي Maffesoli، ووسائل الإعلام، أوحتى بعض أماكن الاستهلاك. وهذا ما يظهره بجلاء النقاش المستمر حول العلاقة بين المدرسة العلمانية والواقعة الدينية.
إن صيغ الإدماج المتعددة في النسق المدرسي سيتم تحديدها من طرف الأوساط التي تشكلها (متغير الجنس والأصل الاجتماعي والأصل العرقي...). بعد ذلك، وكتكملة، سيفترض على أنها تشتغل بدورها كشبكات سلطة، وأن الانتقال من صيغة إلى صيغة أخرى ممكن في جميع الأحوال، وأن بعض صيغ الإدماج المحددة من طرف أوساط خاصة جدا تكون مستحسنة أكثر من غيرها، كوسط المدرسة مثلا، وإن يبدو في ظاهره محايدا. فإذا كان تعدد الاختيارات و الوحدات والمسالك و البرامج يوسع في الظاهر المسار المدرسي، و ربما يعرقل إلى حد ما الاندماج العميق في الثقافة المدرسية، فإنه بالمقابل يسهل إعادة الإنتاج. كمثال على هذا نشير هنا إلى المواد العلمية و الامتحانات المقالية بالنسبة للمواد الأدبية التي لا تنتقي سوى "الورثة". وهكذا فالانتماء إلى المدرسة يتخذ أشكالا هوياتية يطبعها اللاتجانس الجذري، ويجيب بالتالي على قضية توحيد الأوساط التي تنشط في النسق المدرسي.
كمكان للإستراتيجية ولمقاومة الفاعلين، تعتبر المدرسة فضاء سياسيا. أما اللاتجانس الجذري لأشكال الانتماء فيقابله ضبط لمهنة التلميذ المتغيرة حسب الأوساط الأصلية وحسب تركيزها من طرف المدرسة. ضبط الرتابات، وبيداغوجيا المدرسين، وبناء الشبكات غير النظامية للتنشئة الاجتماعية وللسلطة، والمقاومات النشيطة أو السلبية، وتأثير متغير الجنس، وظهور الثقافات التحتية المنافسة، والصيغ التي يتجمع بها الفاعلون، كل هذا يخلق نسقا يعيد باستمرار تركيب مختلف الأوساط، و يخلط بينها في مكان واحد. وهكذا فالأزمة الاقتصادية قد زعزعت العلاقة بين المدرسة والأنماط التي كانت تستفيد في الماضي من نظام الترقي الاجتماعي، إذ تقهقرت الوضعية الاقتصادية على مستويين : تقهقر بنيوي لشروط الإدماج المهني والاجتماعي لشريحة مجتمعية أصابتها الهشاشة (الشباب، النساء، المهاجرون بدون دبلومات)، وتقهقر ظرفي لشروط إدماج ساكنة كانت في مأمن حتى وقت قريب. الأزمة إذن، تضعف بناء الهويات الفردية والجماعية، ناهيك عن الإدماج عبر المدرسة، الذي دخل بدوره في أزمة هوية وأزمة معنى. إن الأزمة قد شككت جزئيا في مكانة المدرسة كمحرك للمعنى المواطن.
 ترجع أزمة المدرسة اليوم إلى القطيعة التي تمت مع الباراديغم الوحدوي، والتي وقعت تحت ضرورة مواجهة دمقرطة سطحية عرفها النظام التعليمي كنتيجة مباشرة لتعميم التعليم. هذا التعميم، بوضعه وجها لوجه أمام تعدد انتماءات الهوية، قد خلق توثرات بين الكونية المجردة لمواطنة وحدوية، وضرورة تدبير المتعدد. كما أن المطلب المرتبط بعقلنة النظام التعليمي قد اعتمد على تسخير البيداغوجيا وإخضاعها إلى هيمنة الرؤية الاقتصادية وإلى منطق السوق. إنها إذن وحشية النظام التعليمي اللطيفة. وعندما كانت المدرسة في بدايتها مدرسة للجمهورية، اقتضى الأمر مأسسة معرفة مدمِجة، واستعمالها كأداة لبناء مواطنة فرنسية. إن دمقرطة التعليم، عبر تعميمه ابتداء من أواسط الستينات، جعل المدرسة في مواجهة شبه انهيار للمنظومة، على الأقل على مستوى تماسكها الخاص، إن لم نقل على مستوى وظيفتها المجردة، فتصبح حينها عاجزة عن الاشتغال بواسطة تدخل يعتمد على التكافؤ الشكلي للتلاميذ، بإدماجهم رمزيا وطقوسيا داخل مجال كلي ينتج ويعيد تنشيط الأساطير والذاكرة الجمعية المعاد بناءها. من الآن فصاعدا، فتدبير المتعدد و الاختلالات الوظيفية للمنظومة (الناتجة عن خصوصياتها السوسيوثقافية وليس عن الفشل الدراسي)، يفترض اعتماد الفردنة وبيداغوجيا فارقية وقواعد ضبط جديدة .
واعتمادا على رؤية تدبيرية مقاولاتية، تجد المدرسة مبرراتها في تحميل المسؤولية للفاعلين داخل المنظومة التعليمية، وفي الاستثمار، ودرجة التأثير الذي تحدثه الممارسات البيداغوجية المهيمنة، والسياسات التربوية (وفلسفاتها) ، وفي الإيديولوجيات الليبرالية المهيمنة والمطبقة في تدبير المنظومة التعليمية. إن رهانات تحديد رسائل المدرسة المواطنة قد تحولت لتستجيب لضرورة عقلنة المنظومة التعليمية، وضرورة تدبير اللاتجانس المتزايد للجماهير والصيغ الجديدة لبناء الاندماج في عمل المدرسين، عبر توظيف بيداغوجيا تعطي الأولوية للأجرأة وقابلية التكيف والتعاقد. من التثقيف إلى التعليم، ثم من التكوين إلى التربية، مصطلحات تنفلت من قبضة الفلسفة التي تهيمن على الفعل التربوي، تحت تعدد المسارات والمواد والمعارف والمسالك. فطغيان الرؤى الداعية إلى تسليع الثقافة يبدو بجلاء في تدبير التعلمات. الشيء الذي يضع المدرسة أمام ضرورة الانتقال من إنتاج ثقافة مرجعية إلى إنتاج براغماتي مصلحي تشييئي لثقافة الإنجاز. في نفس السياق، حولت المدرسة التلميذ إلى متعلم ونشرت أخلاقا وظيفية غلِّبت قانون السوق على منطق الأواصر و الاحترام. هذا الخطاب الحداثي والإصلاحي الذي بدأ ينشط في المدرسة يعبر أيضا عن الانتقال من تنشئة اجتماعية للأفراد إلى أخرى أكثر إدماجا للمتعلمين.
فالمدرسة، في علاقتها الجديدة مع الآخر، تتوفر على مشروع إجرائي يدل على عزمها الصريح على مراقبة المتعلمين عن كثب : الاستقلالية، والشفافية، و قبول الآخر، والمشاركة، والتعاقد حول الأهداف، و التخطيط البيداغوجي، و التقويم، والإستقراء البيداغوجي ... تلك دوال رمزية للتدبير المقاولاتي المشرعَن داخل المدرسة، و وسائل وشعارات من شأنها أن تُطلق عنان التغيير. هذه البيداغوجيا المعتمدة على التدبير المعقلن للتعلمات، والداعية إلى أن يكون كل واحد فاعلا في تغيير نفسه، تترجم تقاطعا جديدا بين المدرسة والمواطنة، يُخضِع تلقين المعارف لتقنيات ديداكتيكية معقلنة ونافية لاعتباط المجتمع.
إضاءة :

كيف يتم تحديد البرامج الدراسية ؟
من الحضانة إلى الباكالوريا تكون البرامج المحددة على المستوى الوطني بمثابة قوالب يُنطلَق منها لبناء محتويات المقررات الدراسية في شكل معارف ومهارات، تسمح للمدرسين بالقيام بالاختيارات البيداغوجية والديداكتيكية اللازمة (في الجامعة لا يتم فرض أي برنامج وطني، حيث أن كل أستاذ باحث يحدد أهدافه والمحتويات المتلائمة مع فئته المستهدفة). غير أن الإعادة المنتظمة لتحديد البرامج التعليمية لمختلف المواد، غالبا ما تتحكم فيها رقابات ظاهرة ومستترة في آن واحد، تتدخل في سلسلة القرارات المتخذة. من هنا، ففهم رهانات القوى المتدخلة أثناء اتخاد القرارات ضرورة أساسية. إذ أن البرامج تفترض اختزال المعرفة الكونية العالمة قصد جعلها قابلة للتدريس في مستوى تعليمي معين، علما أن هذه المعارف العالمة بدورها، تتدخل في إنتاجها رهانات السلطة. إن الأمر يتعدى مستوى تحديد المسائل العلمية، حيث أن بناء الوقائع العلمية محكوم بإكراهات سياسية واقتصادية واجتماعية، لكن أيضا بالسلطة ورهاناتها وحضورها بين الجماعات : يجب التفكير في مختبرات البحث كآليات إنتاج وخلق تتم داخل المواد الدراسية نفسها، و اعتبارها كمسرح تتنافس فيه مختلف الباراديغمات والدراسات و مواضيع البحث المشروعة. لقد أظهرت سوسيولوجيا العلم أن العلماء مطالبون، ليس فقط بإنتاج النظريات القادرة على الاستمرار لمدة طويلة والقادرة على مقاومة النقد والمناظرات التي تتناولها، وإنما أيضا ببناء محيط ملائم يجتمع فيه الفاعلون المناصرون لهذه النظريات. إن التنافس والتسابق (لكن أيضا الإجماع وشبكة المعارف) هما العاملان المتدخلان في إنتاج المعرفة المُعتَمَدة كمرجع لتحديد المقررات الدراسية. هذه الأخيرة تخضع لإعادة تحديد دورية من طرف فريق من الخبراء، وللمصادقة وفق اختيارات السياسة التربوية. يقدم المجلس الوطني للبرامج، الذي يضم 22 عضوا، والمؤسس سنة 1989، الآراء والاقتراحات لوزارة التربية الوطنية، حول التصور العام لتعليم مختلف المواد، والأهداف الكبرى المنشودة، وملاءمة البرامج و المحتويات لهذه الأهداف، وتكييفها مع المعارف، ويحرر رسائل تشرح التأطير اللازم للمعرفة، والذي ينطلق من الاختيارات التربوية المتبناة من طرف الوزارة، ويرسلها إلى فريق الخبراء و اللجان المهنية الاستشارية. كل مجموعة تتوفر على موارد تتم تعبئتها بطريقة قد تكون فعالة كما قد تكون عديمة الفعالية. تبين لوسي طانكي Lucie Tanguy أن البيداغوجيا لا تعني فقط الممارسات المرتبطة بتمرير المعارف، وإنما أيضا النشاط الاجتماعي الشاسع الذي يشمل انتقاء المعارف القابلة للتمرير في المدرسة، وتنظيمها، وتوزيعها في مؤسسة فارقية وتراتبية، وتمريرها من طرف أطر متخصصة، وتقويمها بطرق ملائمة. إذن هناك اختيارات سياسية تتحكم في تحديد المعارف المدرسية المشروعة تتجلى على الخصوص في الطريقة التي تعتمدها المدرسة كمؤسسة لبناء ذاكرتنا الجمعية. نفس الشيء يسري على مدرسة الجمهورية الثالثة التي اتبعت سياسة التوحيد اللغوي واجتثاث اللغات المحلية عبر فرض اللغة الفرنسية على ساكنه تضم في نهاية القرن التاسع عشر ثلاثة أرباع من غير الفرانكوفونيين. فهي توظف المواد الدراسية خدمة لهذا الهاجس التوحيدي. أندري شيرفيل André Chervel يبين بدوره أن صياغة النحو والقواعد الإملائية تشارك في نفس المشروع السياسي، شأنه شأن اعتماد النظام الميتري الذي أزاح نظم القياس القديمة، وكذا التاريخ والجغرافيا التي تم توجيهها لإعادة بناء تاريخ وطني مواطٍن وجمهوري كما رأينا سابقا. في 2006 عندما قام جيل دو روبيان Gilles de Robiens بإصدار منشور يفرض فيه العودة إلى الطريقة المقطعية للهجاء في المدرسة الابتدائية، فإنه يحدد من فوق، الطرق المشروعة في المكان المدرسي. إضافة إلى هذا فتحديد برامج التعليم، وترجمتها في منشورات، ثم في مقررات دراسية وتعليمات، وتحديد هوية المواد الدراسية، هي أيضا نتاج لهذه التوترات. وبدورها تساهم التأويلات المختلفة للبرامج في تحديد مدد التدريب والتكوين، وطرق التدريس المعتمدة في المعاهد الجامعية لتكوين المعلمين IUFM  ، حتى الاختيارات البيداغوجية الجماعية لكل مادة تخضع لتأويلات كل مدرس، حسب خصوصياته البيوجتماعية، وحسب مساره الشخصي، وأيضا حسب إيديولوجيته الخاصة. إذن فتدبير فصل دراسي يفرض ضرورات بيداغوجية عديدة، لحظات تخضع لتأثيرات السلطة.                  







[1] قانون ثم إحداثه من طرف فرانسوا الأول  سنة 1539 ويقضي بفرض اللغة الفرنسية في مختلف التعاملات الفرنسية (المترجم)               
[2]                                                                                       (1787- 1874) رجل دولة ومؤرخ فرنسي François Guizot
[3] قانون استهدف إصلاح منظومة التربية، ويرتبط ارتباطا وثيقا بروني هابي، وزير التربية الفرنسي التي تسلم المسؤولية في عهد الرئيس جيسكار ديستان (المترجم)                                                                                                                                               
[4] Administratifs, Techniciens, Ouvriers et Services.
[5] Zones d’Eduction Prioritaires  (المترجم)
[6] نسبة إلى بلاد الغال الفرنسية                                                                                                                              
[7]  صفحة 165                                                                                                                                                 
[8]  الفرنسية.                                                                                                           La Bretagne   نسبة إلى بروتانيا   
[9]                                                                                                    إقليم بجنوب فرنسا Provence    نسبة إلى بروفانس  
[10] يتمثل الهابيتوس  في مجموع القيم المعنوية، والاستعدادات المكتسبة،التي تؤطر النسق من الخلف. وهو النظام المعنوي المولد للاستجابات، المتكيف مع متطلبات مجال معين. إنه نسق من مخططات الإدراك والتقويم والفعل التي غرسها المحيط الاجتماعي داخل الفرد في زمان ومكان    ) ( المترجم).                                                 P. Bourdieu, Question de sociologie, Minuit, Paris, 1980 (.معينين
[11] نسبة إلى أوغيست كونت   (المترجم)                                                                                                                      
[12] نسبة إلى إميل ديوركهايم     (المترجم)                                                                                                                     
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage