3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

ماذا نعني بالنجاح المدرسي؟

الخط



ماذا نعني بالنجاح المدرسي؟



          تأليف :                                     ترجمة :
بياتريس مابيلون بونفيس                       عبد الله الهلالي
              و
      لوران سعدون
     
عن مؤلف أزمة المدرسة
إليبس





إن الغموض الذي يكتنف تعبير "النجاح المدرسي"، خصوصا على مستوى محدداته، واستعمالاته الشائعة، والتبسيطات التي تمس دلالته، والأسس الإيديولوجية التي تبنيه، تدفع إلى التساؤل، من حين لآخر، حول ما إذا كان بمقدور المدرسة النجاح فعلا، و في ماذا تنجح، ومن أجل من، وهل يمكن تصور مدرسة لنجاح الجميع أم لنجاح البعض، وأخيرا هل يمكن أن يكون النجاح بالمدرسة مقياسا لنجاح المدرسة... هذا إن لم نقل أن نجاحها يرجع إلى قدرتها على إيهامنا، ولو جزئيا، بالنجاح على هذه المستويات المتنوعة.
ألا يمكن التفكير في مدى نجاح المدرسة من خلال كونها تضع عددا من الفاعلين في وضعية فشل (تلاميذ، أسر، مدرسين ، ومسؤولي المؤسسات...)؟ أليست المدرسة مؤسسة للانتقاء والفرز والتوجيه والعزل ذو النزعة الإدماجية (سوق الشغل، والسوق السياسي للمواطنة، والسوق الاجتماعي للحياة المجتمعية)؟ أليست حيلتها الكبرى وموردها الأكثر فعالية هما مطالبتها بشرعنة ممارساتها، و تجاهلها لآثار هذه الممارسات العنيفة ؟ من هنا، وبطريقة تطبعها المفارقة، يصبح مقبولا أن نقول بأن "نجاح المدرسة" في كل دلالاته رهين بالوسائل المتاحة. غير أنه يبدو جليا أن هذه الوسائل لا تقتصر حصريا على الإمدادات والتمويلات المادية (مقرات، معدات معلوماتية، كتب، وسائل مدرسية وتربوية)، وإنما أيضا على الرسائل والمشاريع، وبالتالي على الغايات.
لما يكون النقاش حول الوسائل واستعمالاتها وتقويمها إيديولوجيا في الغالب، أو نضاليا أو من مستوى إداري، تكون مساءلة النجاح المدرسي (أو فشله) من حيث الغايات نابعة بالأحرى من موقف تحليلي.
إن التربية، وهي تأسر الاهتمام على مستوى النقاشات الكبرى والحركات الاجتماعية أو السياسية، تجابه دون توقف منطق الوسائل مع منطق الغايات داخل نطاق الرأي العام (الرأي الذي يشغل فاعلي المدرسة وكذا أصحاب القرار السياسي). فالنقاشات العلمية حول هذه القضايا، إضافة إلى التعارض القائم بين هذه الأنماط المنطقية، تسمح بالوقوف على التناقضات والحقائق النقيضة والاختزالات والأحكام المسبقة ذات الخلفية الإيديولوجية، كالقول، دون برهنة علمية وعلى عكس ما لاحظه المجلس الأعلى لتقويم المدرسة، بوجود تأثير إيجابي لتقليص أعداد التلاميذ داخل الأقسام على نجاحهم المدرسي. نشير إلى أن عدد التلاميذ داخل القسم الواحد قد تقلص خلال الثلاثين سنة الأخيرة (ب4 إلى 5 تلاميذ بالابتدائي و تقريبا بتلميذين بالثانوي)، وهذا لا يعني القضاء النهائي على الأقسام المكتظة التي بقيت موجودة دون أن تستفيد فعليا من تعدد الاختيارات وبرامج الدعم بالشكل الصحيح على غرار الأقسام الأخرى.
لن نختزل الوسائل في النفقات، لكن وجب أن نشير، من وجهة نظر اقتصادية ومحاسباتية، إلى ارتفاع الميزانية المخصصة للتعليم خلال عشر سنوات بنسبة 25% ، أي بوثيرة أسرع من ميزانية الدولة، نظرا للأولوية الوطنية التي تم إعطاءها لتقوية اقتصاد المعرفة. ومع تمديد فترة التمدرس المتوسطة الناتج عن الدخول المبكر للتعليم الأولي وتعميم الدخول إلى التعليم الثانوي والعالي، فإن استقبال 15 مليون تلميذا وطالبا لا يمكن إلا أن ينتج عنه التزام هام على مستوى النفقات. وهكذا تضاعفت الموارد المرصودة للتربية لترتفع بطريقة أسرع من الاغتناء الوطني. لقد أصبح التساؤل قائما على تكاليف التلاميذ والطلبة التي تتكبدها الأمة على ضوء سياسة تقليص الأعداد داخل الأقسام وزيادة أجور المدرسين (إذ تمثل نفقات الموظفين 95% من ميزانية التعليم المدرسي مقابل 60 % بالنسبة للتعليم الجامعي). أما الفرق بين تكلفة التعليم الابتدائي والثانوي بفرنسا فيبقى من بين الأكثر ارتفاعا في العالم، في حين أن الفرق بين  تكلفة التعليم الثانوي والجامعي فيبقى من بين الفروق الأضعف في العالم: يعني أن فرنسا تنفق على تلميذ الثانوي أكثر من ما تنفقه على الطالب الجامعي. إنه اختلال صريح  بدأ في إنتاج نسب الفشل في أوساط جمهور الجامعات ، خصوصا على مستوى السنة الأولى.
من دون شك لا يمكن أن نحيط بمسألة الوسائل من خلال القراءة المرتبطة بالميزانية والمعطيات الديمغرافية، لأن هذا يكون اختزاليا بالضرورة. فرفع الوسائل على المدى الطويل ليست غاية في ذاتها، بل يقتضي الأمر تفكيرا حول جودة خدمات التعليم، وبالتالي حول تقويم فعالية ومردودية المدرسة، في جو يحكمه تقليص النفقات العمومية وانفتاح المنظومة التعليمية على خطابات إدارة الأعمال والخطابات التدبيرية ومتطلبات قوانين النزعة الاقتصادية. من هنا فتقليص الموارد المادية الموجهة للمدرسة في غضون السنوات المقبلة، بمجابهة الديمغرافيا المدرسية الثانوية على سبيل المثال، و التي يبدو أنها في تقلص، مع إبقاء أعداد المدرسين على ما هي عليه، تعلن عن توزيع جديد على مستوى العلاقة بين الغايات و الوسائل، توزيع لا بد وأن ينبني على حكامة مثلى، وأن يتوافق مع ما تحث عليه الهيئات الدولية التي تشجع تقليص تكاليف الخدمات العمومية للتكوين (كالمجلس الأوروبي واللجنة الأوروبية و غيرهما ).
إن اللامركزية والتوجه نحو استقلالية ومسؤولية المؤسسات ماليا وتربويا، أي استقلالية رؤسائها أولا، تشكل الأمل في فعالية مثلى للمدرسة، لكنها أيضا تشكل مناسبة لاندلاع منافسة بين هذه المؤسسات التعليمية والأكاديميات. تبقى إذن، مسألة غايات المدرسة في الخارج، من دون هذه الاستقلالية، وكأنها محكومة بالوسائل التي يجب أن ترصد لهذه الغايات.
إضاءة:
عصرنة الجامعة.
تتناغم عصرنة الجامعة مع إصلاحها، وهو ما يشكل مسألة تهم الوسائل كما الأهداف، وتشمل الفعالية والجاذبية والإشعاع الدولي، وتقود لإشاعة حكامة جديدة على مستوى البحث العلمي والتعليم العالي الفرنسيين. والمنافسة تكون دائما حادة بين الجامعات، وتظهر الدراسات الدولية في هذا الإطار نتائج هزيلة لمؤسساتنا الجامعية، زد على ذلك هجرة الأدمغة والحصول المحدود لباحثينا على جائزة نوبل. تواجه الجامعة المعممة الآن فشلا متعددا يهلل به منتقديها: 90000 طالب تغادرها من دون دبلوم، و50% من المسجلين بالسنة الأولى يوجدون في وضعية فشل عند نهاية الدورتين الأوليين، و 53% من الحاصلين على دبلومات (معهم باكالوريا + 4 سنوات) يبحثون لمدة سنة بعد تخرجهم عن إدماج مهني، في الوقت الذي لا زالت الجامعات الأمريكية والأسيوية تجذب أعدادا كبيرة من الطلبة والأساتذة. كذلك لم تستطع الجامعات الفرنسية ذات الحجم المتواضع أن تضع رهن إشارة الطلبة ظروف عمل مُرْضية (مقرات ومكتبات وتأطير...). ومع ضرورة تكييف الدبلومات مع المخطط الأوروبي ( نظام LMD ، إجازة، ماستر، دكتوراه)، أصبحت مسألة إشاعة استقلالية كبرى للمؤسسات  مطروحة، وكذا مسألة العقلانية الجيدة على مستوى تدبيرها، ومسألة إعطاء الأولوية للاستثمار في حقول معرفية جديدة. إن عصرنة الجامعة الفرنسية مقرونة بالتنقية العميقة لشروط تسيير المؤسسات، مع منح صلاحيات أوسع لرؤسائها. إنها خمسة أوراش إصلاحية ترسم الطريق أمام  مشروع عصرنة الجامعة الفرنسية، بتوافق مع الأماني التي عبر عنها رئيس الدولة خلال حملته الانتخابية: "إن الهامش الحقيقي لتحسين نظام تعليمنا العالي، هو تحرير جامعاتنا من القيود الإدارية الممركزة و الغير فعالة، و التي تثقل كاهلها وتمنعها من أن تتحول إلى مؤسسات للتميز الجامعي، عبر توفير التكوين الذي يتناسب مع حاجيات الطلبة وما يتطلبه مجتمع المعرفة." تنصبُّ الأوراش الخمسة على شروط الحياة الطلابية (السكن والمساعدات الاجتماعية والصحة وإشاعة الثقافة والرياضة)، وعلى المسارات المهنية للموظفين بالجامعات، خصوصا على مستوى حركيتهم واعتبارهم على قدم المساواة، وعلى شروط مزاولة مهام التدريس والبحث، وعلى مكانة الباحثين الشباب والأساتذة الباحثين لجعل المسارات أكثر جاذبية، وأخيرا على النجاح في الإجازة من أجل التصدي لوضعيات الفشل واقتراح دبلومات أكثر أهلية.
إن مطلب العصرنة عاجل، لأنه مهما كان من جدل حول ترتيب بعض الجامعات (جامعة شانغاي التي تحتل المرتبة 3 عالميا، وجامعة باريس VI ذات المرتبة 42، وباريس XI المرتبة 49، وENS المرتبة 73)، فإن تقهقر المؤسسات الجامعية الفرنسية يستدعي رد فعل مناسب.      



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage