3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

هل يمكن الحديث عن عنف ممارس داخل المدرسة أم عنف ممارس من طرفها؟

الخط



























                                هل يمكن الحديث عن عنف ممارس داخل
المدرسة أم عنف ممارس من طرفها؟


عن مؤلف أزمة المدرسة
إليبس















          تأليف :                                     ترجمة :
بياتريس مابيلون بونفيس                       عبد الله الهلالي
              و      لوران سعدون






لا تنبع المشاكل الاجتماعية من فراغ، بل غالبا ما تكون وراءها مجموعة من الانتظارات. ومسالة العنف المدرسي لاتخرج عن هذه القاعدة. فهي فكرة جديدة تنتصب في مفترق طرق بين الحركة المتصاعدة للتعميم المدرسي و القطيعة على مستوى التعاقد الجمهوري الذي تم التفكير فيه كإجماع جماعي هيمني، والذي بقيت المدرسة راعية له حتى بعد اندحاره. لقد عرفت المؤسسة التعليمية تاريخيا أشكالا من العنف، متفرقة هنا وهناك وأحيانا هيكلية. فالمؤرخون يخبروننا عن فترة القرن التاسع عشر وما عرفته الثانويات من تمردات وحالات شغب، أكتست درجة كبيرة من الوحشية لا يمكنها إلا أن تثير استغراب الذين يعتقدون الآن أن العنف المدرسي هو وليد اليوم، والذين يتمثلون مدرسة الأمس كغازية ومهيمنة. فعلى سبيل المثال عرفت ثانوية لويس لو لكران Louis le grand سنة 1883 ، وهي نموذج لثانوية نخبوية، عنفا شبابيا تطلب اللجوء إلى قوات الدرك من أجل تصفية أجوائها، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة تترجمها الإبداعات الأدبية ككتابات ألفونس دودي Alfonse Daudet . لقد خضعت هذه الأشكال التقليدية من الشغب التي لم تعد موجودة بالمؤسسات الحالية، لوصف موسع من طرف ج. تيستانيير J. Testanière، وصورها كعنصر طقوسي أساسي في بناء نظام جماعي مدمِج وذو طبيعة تطهيرية.
فالعنف المدرسي حسب منظورنا يعتبر مسالة سياسية، الشيء الذي يأدلج عددا كبيرا من التعليقات ويضفي ضبابية على القراءات التي يمكن أن نقوم بها. ونتيجة ذلك أصبح العنف مسألة اجتماعية وإعلامية. فكيف يمكن فهم أشكال العنف والخروقات المدرسية في ضوء التعدد الدلالي لمفردات وتمظهرات العنف المدرسي؟ وهل يمكن إعطاء تعريف محدد للعنف المدرسي في ضوء تعدد الافعال الفردية والجماعية؟ وهل يعتبر كل قيد عنفا؟ وهل تعتبر كل سلطة عنفا؟ أليست ميكانيزمات الانخراط الذاتي في القاعدة الاجتماعية أشكالا ثاقبة وفعالة من القيود؟ أو بتعبير آخر، ألا يوجد القيد إلا بمعية القوة؟ وهل وحدها أشكال القيود غير الشرعية هي التي تعتبر عنيفة؟ وهل يكفي لفعل ما أن يصبح عنيفا بمجرد ما ننعته بذلك؟ وهل هناك مظاهر تمييزية؟ وهل يعتبر الإحساس المتصاعد بعدم الأمان مؤشرا جيدا لصعود العنف المدرسي؟
ما تشيعه وسائل الإعلام من تمثلات اجتماعية للعنف المدرسي يمكن تلخيصه في الصعود المحتوم لهذا العنف، وغياب السلطة داخل المؤسسة التعليمية، واستقالة الآباء، وتنامي الشعور بعدم الأمان. يبدو أن تعبير "العنف المدرسي" التي تم تدجينه انطلاقا من مصطلح " اللامدنية" أصبح بمثابة موضة بوسائل الإعلام، ليلتحق بالتمثل الاجتماعي المعمم حول تنامي العنف داخل مجتمعاتنا. فإذا كانت أنماط العنف المدرسي واقعا فعليا، وجب إذن أن نسمح لأنفسنا بتحديد معنى الواقع ومناقشة آثار هذا الواقع. بطبيعة الحال لن ننكر وجود العنف بالمدرسة، وكذا معاناة المدرسين داخل أقسامهم، وصعوبات الحياة ضمن العلاقات المدرسية، وما علينا فعله هو القيام بنوع من التفكير الإبيستيمولوجي حول الموضوع.
عند قبولنا للمدرسة كمكان سياسي، من خلال نفي ما هو سياسي، فإن مسألة العنف المدرسي في المدرسة تغدو غير صحيحة من وجهة نظر سياسية. إذ توجد أشكال متعددة من العنف يؤولها فاعلو المدرسة كأشكال عنيفة، إضافة إلى أشكال أخرى من العنف لا يرونها أو ينفون وجودها.
من هنا نجد أن معظم الأعمال المعاصرة حول العنف المدرسي تخصص حيزا مهما لمسألة التعريف، و تخلص في الغالب إلى صعوبة اقتراح تعريف محدد. واعتبارا لكون القواعد ما هي إلا طرق معينة في الوجود والإحساس والتفكير والفعل تتخذها مجموعة معينة، فيمكننا أن نقول أن كل مجتمع يبني، من أجل ضمان اشتغاله، قواعده المركزية الخاصة للتلاحم الاجتماعي، ويفرضها عن طريق نظام من القيود.
بعض الكتاب لا يكلفون أنفسهم هذا العناء، ويتقمصون بالمقابل تعريف القانون الجنائي للعنف، سواء تعلق الأمر بالجرائم والجنح ضد الأشخاص([1] )، أو الجرائم أو الجنح ضد الأمة والدولة والحياة العامة ([2] ). هذه المقاربة القانونية جدا لمفهوم العنف تحرم حسب منظورنا كل تحليل سوسيولوجي وتاريخي. لهذا يبدو من الضروري احتواء موضوع الدراسة بالرجوع إلى التصورات التي تبنيها كل المجتمعات حول الطفولة والطفل والإقلاع عن تفضيل تاريخ أسطوري (إيديولوجي) لمدرستنا الجمهورية. إن تصلب الممارسات التربوية كانت منذ مدة هي القاعدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر "بتمدين العادات". وعند إعادة قراءة الماضي، وعكس ما تعيد بناءه ذاكرتنا، فالعنف المدرسي أو عنف المدرسة كان موجودا في قلب الجمهورية الثالثة. وعندما نعتبر الطفل كـ"كائن معد للتمدين"، والتغاضي عن حقه في تلبية رغباته الطبيعية، آنذاك تصبح مسألة العنف مطروحة بأشكال أخرى تختلف عن تصور الطفل-الملك المرتبط بحضارتنا. إذن فالتوصيف الاجتماعي للعنف يرتبط بالاصطلاحات الاجتماعية اللحظية.
يحدد كل مجتمع ما يمكن أن يشار إليه كعنف. لقد سلطت بعض الأعمال الضوء على مسألة التحديد هاته معتمدة على منظور الضحية، وربطت بطريقة وجيهة بين العنف والمعاناة. فالدراسات التي تستند إلى هذا المنظور، والتي تعتمد التصور الظاهراتي، ترى أن العنف هو كل ما يعتبره الفاعلون كذلك. تتناول هذه الأعمال الخروقات من وجهة نظر الضحايا، وليس من وجهة نظر فاعلي الضبط الاجتماعي.
أما إيريك دوباربيو Eric Debarbieux ، فيقدم منظورا فريدا يتمثل في اختيار طريق وسطي يستبعد وجود معرفة كونية شاملة بخصوص مفهوم العنف، مقابل التصور النسبي الذي يضعه في سياقات مكانية جزئية. فالعنف، بالنسبة له، يحدَّد كاضطراب مفاجئ أو مستمر لنسق شخصي، أو جماعي يترجمه فقدان الوحدة والانسجام، فقدان يمكن أن يكون جسديا أو نفسيا أو ماديا. ويمكن أن يحدث هذا الاضطراب بالعنف، و باستعمال القوة، و عن قصد أو عن غير قصد. و يمكن أن يكون هناك عنف من منظور الضحية دون أن يكون هناك بالضرورة معتد ولا نية إيذاء.
ثمة تقليد سوسيولوجي مهم وسَّع مفهوم العنف ليشمل العنف الرمزي، الذي يشتغل، حسب مقاربة بورديو Bourdieu ، كسلطة تخفي وراءها علاقات القوة التي تؤسسها. يتعلق الأمر بعنف لا يمارس من خلال القوة الجسدية، وهو نفسه الذي يتناسب مع المؤسسات ، و الذي يكون أحيانا عنفا شرعيا. وهكذا فالاصطلاح الثقافي، الذي يغير مسار الأهداف الموضوعية للآلية الرمزية التي هي المدرسة، يعتبر شكلا من أشكال العنف الرمزي. ولأن المدرسة كانت منذ ظهورها مكانا للتكوين الاجتماعي للأفراد، فإنها أيضا مكانا مرتبطا بالعنف. هل أصبحت المدرسة منتجة للعنف أكثر منها مستقبلة له ؟ أن العنف البيداغوجي، وكذا البيداغوجيا العنيفة، يفترض على أنهما منقذتان، ما دامتا تساهمان في احترام النظام الاجتماعي، وفي ترسيخ ثقافة الخضوع للقانون، وتعبران عن التوتر الدائم بين المعرفة والسلطة. يعني هذا أن كتابة تاريخ العنف بالمدرسة لا يمكن إلا أن يجر معه الإشارة إلى مكان الجسد داخل التعلمات، وكذا إلى ميكانيزمات التدريب والخضوع. إن تنظيم الجسد الاجتماعي يجد في المدرسة مؤسسة تراقب وتضبط وتشكل أجساد الذوات الخاضعة أو التي في حالة إخضاع. والاشتغال الذي تمارسه المدرسة على الجسد، والذي يعبر عن عنف المؤسسة المدرسية، يمر أيضا عبر التربية البدنية والممارسات الرياضية.
يرجع العنف في المدرسة إلى هذا المشروع الشمولي : استبدال الأجساد المتشظية بجسد متضامن وموحد (وسجين أيضا)، حيث يكون كل من النظر والحركة والكلام داخل الأقسام،مصوبا نحو هذا الجسد الاجتماعي الموضوع تحت التشكيل. وتقابل ثبات التلاميذ النسبي هذا، حركية نسبية لجسد المدرس، أو بتعبير بيجاد- رونو Pujade-Renauld ، يخترق فضاء القسم الممتلئ حضور جسد المدرس. فهذه العلاقة "جسد- جسد" هي مقياس نقيس به لعبة السلطة التي تغطي واقع الأجساد المادي. و تخضع التموضعات والتنقلات لضبط المدرس الذي يحدد الأوضاع المشروعة، ويقيم الحدود المخفية التي تفصل بين الفاعلين. ونشير هنا أن ديوركهايم Durkheim، وهو من المدافعين عن التلاحم، قد تتطرق لما يسمى ب"العنف البيداغوجي".
من دون شك فأمام عنف المدرسة الذي يمارس على الأجساد، ينتصب عنف آخر داخل المدرسة، ينبع من انبعات ممكن للأجساد المختلفة. فإذا كان الإدراك الاجتماعي والاهتمام الجماعي بمسألة العنف في المدرسة حديث في فرنسا، إذ يرجع إلى بداية التسعينات، فإن أنماطا أخرى من العنف تمارس بطرق متنوعة وعبر الانتهاك اليومي لحقوق واحترام الأشخاص، في شكل كلام جارح، وكلام ناب، ودوس، ومناداة غير لائقة أو حتى عنصرية. ولعل هذا ما دفع فيتنبرغ Vettenburg إلى دعوة المشتغلين على موضوع العنف المدرسي، بأخذ هذا التنوع بعين الاعتبار، و أن يكونوا متواضعين في ادعائهم القدرة على قياس هذه الظاهرة :
"هل يتنامى العنف في المدرسة؟ الجواب بسيط جدا: لا نعرف عن ذلك أي شيء. وما دام البحث لم يتطور حول خطورة العنف إلا منذ بداية التسعينات، فإننا لا نتوفر على معلومات حول الماضي، تمكننا من استخلاص تطور الظاهرة"
يقترج كل من برنار شارلوBernard Charlot و جان-كلود إيمان Jean-Claide Emin في كتابهما  العنف المدرسي  وما آلت إليه المعارف تصنيفا مفصلا لتمظهرات هذا العنف على المستوى العلائقي : التفاعلات اللفظية (صيحات، شتائم، نقاشات حاذة)، والأحداث المتكررة التي تولد الحقد، والاعتداءات على المحلات والسيارات، وعمليات السطو. هذه الحالات المختلفة تنبع من ثلاثة مصادر وتقابلها ثلاثة أنماط نموذجية من العنف: إثنية وتفاعلية ومنحرفة. يرتبط النمط الأول بإدخال أشكال من التصرفات إلى المؤسسات تنبع من التلميذ  و وسطه أو ثقافته. ويتمثل النمط الثاني في القصد المزدوج لخرق الوسط الذي يقف في وجه الذوات عبر امتلاك هوية اجتماعية غير مرغوب فيها على المستوى الرسمي، وهو ما يمكن أن نختصره في الكوجيتو الآتي : "أخرق، إذن أنا موجود". بينما يعني النمط الأخير والأكثر تطرفا أقلية من الأفراد تتموقع في شكل منحرف من الحياة. لهذا فالكتاب يحبذون تفادي تطبيع الظاهرة، لأن هذا يعني، حسب رأيهم، الرجوع إلى فئتين عظميين، فئة "الأقسام الخطيرة" وفئة "الأطفال المتوحشين". إنها إذن حصيلة حدد فرانسوا ديبي Francois Dubet عدتها المفاهيمية التي تسمح برصد ثلاثة أبعاد للعنف: عنف "مدرسي" يرتبط مباشرة باختلالات على مستوى النسق، وبعد آخر مرتبط بدخول تصرفات منحرفة يتم تشربها في حياة الحي، وأخيرا بعد "مضاد للمدرسة" وهو يعتبر حسب ديبي البعد الأكثر أهمية سوسيولوجيا، لأنه ينصب حول الأشخاص والممتلكات التي تمثل المدرسة، ويُبرز "اختفاء الفضاءات التي تبيح التنحية" من المكان المدرسي.
لقد أصبح تناول ظاهرة العنف المدرسي شائكا، لأنه يستدعي متغيرات تتنوع بين ما هو ماكرواجتماعي وعقلاني ونفسي. وأخيرا ما إن نقبل التعدد الدلالي لمفهوم العنف، ونعتبر الطابع العنيف  لكل مؤسسات السلطة والمعرفة، ونبتعد عن حصر العنف فقط في الأشكال التي يمارسها الفاعلون، حتى تتأكد فرضيتنا المركزية، وهي أن العنف متأصل في قلب النظام التعليمي، وليس فقط حالة شاذة داخله.
إضاءة :
الفوضى المدرسية ومسألة السلطة:
يعتبر اللانظام المدرسي موضوعا حديثا داخل سويسولوجيا التربية. فهو باقترانه بمسألة السلطة، يتخذ بعدا جديدا، خصوصا لما يتعلق الأمر بمساءلة العلاقات التي يربطها التلاميذ المنحدرين من أسر شعبية مهمشة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا مع المدرسة. إنها الإشكالية التي يطرحها دانييل ثان Daniel Thin في أعماله، من خلال الصراعات والقطائع التي تصدر من الانفصام بين الأنماط المنطقية للمدرسة وانتظاراتها من جهة، و من جهة أخرى الأنماط المنطقية الاجتماعية التي تحدد التنشئات العائلية للتلاميذ الذين ينتجون نوعا من الفوضى ويعيشون في أحياء صعبة. حلل دانييل ثان اللانظام المدرسي كممارسات مقاومة وكإزعاج للنظام المدرسي، ومن تم لم تعد له أهمية من حيث التلاحم، وبالتالي لا يتناسب كثيرا مع انتظارات المؤسسات. فهو يتمظهر في شكل تحديات موجهة ضد السلطة، من خلال سلوكات لا مدرسية تبرز المسافات التي تتخذها الجماهير المدرسية بالنسبة للقواعد البيداغوجية، وتضع الأنماط المنطقية المدرسية في مواجهة مع أنماط منطقية هوياتية للجمهور المعاني. إن اللانظام المدرسي يسائل السلطة البيداغوجية وشرعيتها عبر هذا الجمهور الذي يبحث بين الفينة و الأخرى عن اعتراف من قِبَل المدرسة، و لا يجد السبيل لتوافق هذه المطالب مع منطقها بسبب عدم تطابق التنشئات العائلية والشبابية مع التنشئة التي تعتمدها المؤسسة. و يكون اللانظام وراء التمدرسات الصعبة المختلفة التي يعيشها تلاميذ الأوساط الشعبية، ويذَكّر المدرسين باستمرار بالقاعدة وبسلطتهم، ويفرض عليهم  اتخاذ التدابير الجزائية، وتطعيمها بالاستراتيجيات الضرورية التي تخفف من حدة التوترات. كل هذا يجعل الممارسات التربوية تنحني ومعها هوية المدرسين، الذين يخضعون لضغوطات المجموعة وللإحساس ب"عدم الأمان التربوي"، ويجبَرون بالتالي على قبول الاضطرابات العلائقية وتطويع أنشطتهم من أجل الحفاط على النظام المدرسي المستمر في الهشاشة. أصبح الأمر يحكمه التدبير واستباق المخاطر من قبل المدرسين الذين أصبحوا في حالة ترقب مستمر وعلى استعداد لمراقبة سلوكات التلاميذ، وأيضا لمراقبة سلوكاتهم الشخصية لتفادي كل استفزاز وتوتر وانزلاق.
"نفس الأشخاص الذين يستاءون من تواجد الشرطة بالمؤسسات التعليمية، باعتبار أنها أماكن مقدسة، يريدون جاهدين تجريد المدرسة من حرمتها وجعلها تنفتح على الحياة. والحال أن الحياة يحكمها قانون الأقوى، والشرطة يمكنها ان تكون ضرورية أحيانا."([3] )







[1]  أنظر الفصول 221-1 و222-2 و 222-17 من القانون الجنائي الفرنسي.
[2]  أنظر الفصل 433-3.
[3] Finkienkraut A., dans Le Monde diplomatique, octobre, 2000.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage