3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

ما معنى المنهج؟

الخط


المنهج:

1-معنى الكلمة


هذا اللفظ ترجمة للكلمة method الفرنسية ونظائرها في اللغات الأوروبية الأخرى. وكلها تعود في النهاية إلى الكلمة اليونانية (نص يوناني)، هي كلمة نرى أفلاطون يستعملها بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، كما نجدها كذلك عند أرسطو أحيانا كثيرة بمعنى " بحث ". والمعنى الاشتقاقي الأصلي لها يدل على الطريق أو المنهج المؤدى إلى الغرض المطلوب، خلال المصاحب والعقبات.
و لكنه لم يأخذ معناه الحالي، أي بمعنى أنه طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم، إلا ابتداء من عصر النهضة الأوروبية.
ففي هذه الفترة نرى المناطقة يعنون بمسألة المنهج، كجزء من أجزاء المنطق: فمثلا نرى مولينا ونونيث Nunez، Molina يهتمان به، ونجد فصلا طويلا عن المنهج في كتاب زبرله  Zabarella (سنة 1578) عن " المنطق " وكذلك لدى أوستاش دى سان بول Eustache de Saint – paul. مؤلف كتاب "خلاصة فيان" Summe du Feaillant المكتوب سنة 1609
غير أن هذه محاولات لا تزال غامضة. أما المحاولة الواضحة في ذلك العصر، عصر النهضة، فهي تلك التي قام بها راموس Ramus (سنة 1515 – 1572)  فقد قسم المنطق إلى أربعة أقسام: التصور، التحكم، البرهان، المنهج. والمنهج قد طالب بدراسته في آثار أصحاب البلاغة والعلم والرياضة. على أن راموس لم ينته إلى تحديد منهج دقيق للعلوم، بل عنى خصوصاً بالمنهج في البلاغة والأدب، شأنه شأن رجال عصر النهضة، ولم يهتم بالملاحظة والتجربة إلى درجة كافية، لكنه على كل حال صاحب الفضل في لفت النظر إلى أهمية المنهج مما وجد له صدى واسعاً في بيئة ذلك العصر، ثم في العصر التالي مباشرة عند مناطقة بور رويال وديكارت. والعلة في أنه لم يسر طويلا تكوينه المنهج الصحيح أنه كان أقرب إلى الأدب منه إلى العلم، فلم يكن فزيائياً، ولو أنه كان رياضيا.
و هنا أعنى في القرن السابع عشر، تمت الخطوة الحاسمة في سبيل تكوين المنهج. فبيكون في كتابه " الأورغانون الجديد " Novum Organum (سنة 1620) صاغ قواعد المنهج التجريبي بكل وضوح. وديكارت حاول أن يكتشف المنهج المؤدى إلى حسن السير بالعقل، والبحث عن الحقيقة في العلوم كما يدل على ذلك نفس عنوان كتابه " مقال في المنهج " (سنة 1637) وأتى أصحاب منطق بور رويال " (الطبعة الأولى سنة 1662) فعنوا بتحديد المنهج بكل وضوح، وجعلوه القسم الرابع من منطقهم هذا.
حد أصحاب هذا المنطق المنهج بأنه " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة، حين نكون بها جاهلين، أو من أجل البرهنة عليها للأخرين، حين نكون بها عارفين ". فثمة إذن نوعان من المنهج: أحدهما للكشف عن الحقيقة، ويسمى التحليل أو منهج الحل، ويمكن أن يدعى أيضا منهج الاختراع، والأخر، وهو الخاص بتعليمها للآخرين بعد أن نكون قد اكتشفناها، يسمى بالتركيب أو منهج التأليف، ويمكن أن ندعوه أيضاً " منهج المذهب " (طبعة إميل شارل، ص 365، باريس سنة 1878) والملاحظ على هذا التعريف للمنهج أنه ناقص، إذ هو لا يكاد يتحدث إلا عن الأفكار، لا عن الوقائع والقوانين، كما لاحظ إيميل شارل (الموضع نفسه، تعليق). وما هذا إلا لأنهم عنوا بالمنهج الرياضي الاستدلالي، دون المنهج التجريبي أو التاريخي. ولذا لا نرى في حديثهم كلاماً عن العلوم الفزيائية، بل اقتصر الأمر تقريباً على الرياضيات والهندسة بوجه خاص.
بيد أن من الممكن، بإضافة منطق بيكون إلى منطق بوررويال، أن نقول إن المنهج الاستدلالي والمنهج التجريبي قد تكونا في القرن السابع عشر بصورة واضحة.
و بذا تكونت فكرة المنهج بالمعنى الاصطلاحي المستعمل اليوم ابتداء من ذلك التاريخ. ومعناه إذن: الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
2-أنواع المنهج:
و المنهج مفهوما على هذا النحو، قد يكون مرسوما من قبل بطريقة تأملية مقصودة، وقد يكون نوعاً من السير الطبيعي للعقل لم تحدد أصوله سابقاً. ذلك أن الإنسان في تفكيره قد ينظم أفكاره ويرتبها فيما بينها حتى تتأدى إلى المطلوب على أيسر وجه وأحسنه، على نحو طبيعي تلقائي ليس فيه تحديد ولا تأمل قواعد مغلوطة من قبل. فهذا منهج أيضاً، ولكنه منهج تلقائي. أما إذا تأملنا في المنهج الذي سرنا عليه في تحصيلنا لمعارفنا العلمية، وحلولنا أن نحدد قواعده ونسن له قوانينه ونتبين أوجه الخطأ والانحراف من أوجه الصواب والاستقامة، ثم كونا من هذا كله طائفة من القواعد العامة الكلية التي تخضع لها في المستقبل طرائق بحثنا، فإن المنهج يكون منهجا عقليا تأمليا فكأن لدينا إذن نوعين من المنهج: منهج تلقائيا، وآخر تأمليا. وواضح أن هذا الأخير هو الذي يمكن أن يكون موضوعا لعلم، هو هنا المنطق، لأنه يقوم على التأمل والشعور، لا على التلقائية واللاشعور غير الواضح، ولهذا فأننا سنستعمل المنهج كموضوع لجزء من المنطق، بهذا المعنى الأخير. وهو فعلا المعنى الشائع المفهوم عادة، حين التحدث عن البحث المنهجي، أو السير على منهج. وإن كان هذا يجب ألا ينسينا أن المنهج التأملي يقوم في الأصل على المنهج التلقائي. وتلك مسألة ستتضح بعد قليل عند الكلام عن تكوين على المناهج، فإنها ليست من الوضوح كما يبدو لأول وهلة.
3- علم المناهج:
هو  العلم الباحث في المنهج أو المناهج التأملية يسمى علم المناهج
و إذا كان المنهج كما رأينا هو البرنامج الذي يحدد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة أو الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، فإن من الممكن أن نفهم هذا اللفظ بمعنى عام، فتدخل تحته كل طريقة تؤدى إلى غرض معلوم نريد تحصيله: فثمت على هذا الاعتبار منهج للتعليم، ومنهج للقراءة، وثمت أيضاً منهج للوصول إلى نتائج مادية، كما هي الحال في العلوم العملية. ففي الطب مثلا يوجد منهجان: المنهج الوقائي من الجراثيم،ASEPTIQUE ، والمنهج العلاجي من الجراثيم ANTISEPTIQUE. وللتربية منهج، وللدراسات على اختلافها مناهج.
و لكن المنهج كما نريده هنا لا يطلق بهذا المعنى العام، بل يجب قصره على الطريق المؤدى إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية. وتبعاً لاختلافه  هذه العلوم، تختلف المناهج، ولكنها يمكن أن ترد إلى منهجين هما الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم الأخلاقية أو التاريخية هو منهج الاسترداد.
و العلم الباحث في هذه المناهج الثلاثة خصوصاً يسمى علم المناهج. فهو العلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة.
و كلمة Methodologie ترجع خصوصا إلى كنت. فقد قسم المنطق إلى قسمين:
مذهب المبادئ، وموضوعه شروط المعرفة الصحيحة، وعلم المناهج الذي يحدد الشكل العام لكل علم، والطريقة التي بها تكون أي علم كان. وإلى جانب علم المناهج العام هذا، توجد علوم مناهج جزئية تختلف تبعاً للعلوم، ومهمة كل منها أن يحدد العمليات الواجب اتباعها في دراسته
4- تكوين هذا العلم:
و لما كان هذا العلم يبحث في المناهج التي يتبعها العلماء في أبحاثهم من أجل الوصول إلى الحقيقة كل في ميدانه، فإنه لا يمكن أن يتكون إلا بالنظر في السبل التي سلكها هؤلاء العلماء أنفسهم. ومن هنا قامش مشكلة عظيمة تتصل بتكوين هذا العلم: ما نصيب العالم المتخصص، وما نصيب الفيلسوف في هذا التكوين ؟
و هي مشكلة قد أثيرت في أواخر القرن الماضي بعد أن وضعها في شكلها الحاسم كلود برنار
في اشتباك مع مشاكل الطبيعة، فها هنا يجب أن نوجه الشباب أولا. أما التاريخ والنقد العلمي فمن شأن السن الناضجة. ولا يمكن أن ينتجا نتائج ذات قيمة إلا بعد أن يكون المرء قد بدأ يحصل العلم في معبده الحقيقي، أعنى في المعمل. ولابد للمجرب أن تختلف عمليات البرهان لديه إلى غير نهاية، وفقا للعلوم المختلفة... إن روح صاحب التاريخ الطبيعي ليست هي بعينها روح صاحب علم وظائف الأعضاء، وروح الكيميائي ليست روح الفزيائي... والتعاليم النافعة هي وحدها تلك الصادرة عن التفاصيل الخاصة بالممارسة التجريبية في علم معين بالذات. لقد أردت أ أعطى في هذا المدخل فكرة دقيقة قدر المستطاع عن علم وظائف الأعضاء والطب التجريبي. ومع ذلك فأنا أبعد ما أكون من الادعاء أنى قدمت قواعد وتعاليم يجب أن تتبع بطريقة دقيقة متقنة... لقد أوردت شواهد علمية، ولكنى احتطت جيدا في ألا أعطى تفسيرات نافلة وفي ألا أضع قاعدة واحدة مطلقة، لأنى أعتقد أن مهمة الأستاذ هي أن يقصر نفسه على أن يبين للتلميذ بوضوح الغاية التي يستهدفها المعلم، وأن يبين له كل الوسائل التي في وسعه من أجل بلوغه وتحصيله... إلا أن العلوم لا تتقدم إلا بالأفكار الجديدة وبالقوة المبدعة للروح " (المدخل لدراسة الطب التجريبي "، القسم الثالث، الفصل الرابع، ص 394 – ص 396)
أما هؤلاء الفلاسفة الذين حاولوا أن يقدموا تعاليم عامة يجب على العالم اتباعها في بحثه فلم يفيدوا شيئاً في تقدم العلوم الخاصة. حقاً إن أبحاثهم قد بدت في أول الأمر مغرية لأولئك الذين لا ينظرون إلى العلم إلا عن بعد، ولكنها ليست بذات فائدة إطلاقا للعلماء الحقيقيين، كما أنها أضلت هؤلاء الذين يريدون الإقبال على تحصيل العلم، بإظهارها الأمر على حال من البساطة الزائفة، وإلى جانب هذا كله قد أثقلت العقل بخليط من التعاليم والقواعد الغامضة أو غير القابلة للتطبيق،
مما يجب أن يبادر الإنسان إلى نسيانه إذا أراد أن يدخل في ميدان العلم ويصير مجرباً حقاً.
و الملامح الرئيسية في رأى كلود برنار هذا هي أولا: أن العلم لا يحصل إلا في المعمل ووفقاً للحاجة العلمية، وثانيا أن العلم يجب ألا يسبق في ذهن العالم بمذهب ففلسفي معين يسير وفقاً له في أبحاثه، وثالثا أن المناهج تختلف باختلاف العلوم، لأن روح هذا العالم الفزيائي، غير روح ذلك العالم الكيميائي، وليس ثمة بالتالي منهج واحد للبحث في العلوم كلها أو في طائفة منها بأكملها. والنتيجة لها إذن، أن تكوين المناهج ليس من مهمة الفيلسوف، لأنه لا يستطيع إلا أن يقدم منهجاً عاماً، فضلاً عن أنه ليس على اتصال مباشر بالعلم في معبده الحقيقي وهو المعمل، إلى جانب كونه متأثراً بمذهب خاص يتحكم في تقديراته وتوجيهاته.
و رأى كلود برنار هذا صحيح في مضمونه العام. فليس لصاحب المنطق أن يفرض قواعد وتعاليم معينة على العالم المتخصص. وذلك أولاً لاختلاف فروع العلم اختلافاً يجعل من المستحيل تقريباً أن نعطى قاعدة عامة لكل العلماء في مختلف فروع العلم، وثانياً تنوع العمليات تبعا للأحوال الخاصة موضع الدرس، مما يجعل التعميم أكثر صعوبة وأدعى إلى نقصان الفائدة المرجوة. والشاهد على هذا أن العلم لم يتقدم شيئاً بالنصائح الجزئية التي قدمها بيكون أو استيوارت مل.
و لكن هل معنى هذا أن تكوين المناهج من شأن العالم وحده ؟ كلا , فإن العالم المتخصص المغلق عليه في ميدان محدود لا يستطيع أن يتبين الروابط الجامعة بين الميادين المختلفة للعلم مع أن العلوم تتشابك في مناهجها بالضرورة، نظراً إلى وحدة العقل الإنساني، إلى حد كبير على الأقل. فلابد إذن من أن يأتي شخص غير متخصص في علم واحد بالذات، ويحاول، باستقرائه المناهج التي اتبعها العلماء
المختلفون في ميادينهم المختلفة، أن يتخلص النماذج العامة للمناهج العلمية وأن ينحو نحو شيء من التعميم حتى يضع صورة إجمالية عامة للمناهج التي يتبعها العقل الإنساني في تحصيله للحقيقة في العلوم. وهذا الشخص لا يمكن إلا أن يكون المنطقي، إذ هو وحده القادر على الجمع بين مختلف الميادين في نظرة واحدة شاملة تهيئ له أن يدرك الملامح العامة والخصائص الكلية المشتركة بين المناهج المتبعة في فروع العلم المتعددة. وفي هذا المعنى يقول فنت:" إن مناهج البحث وثيقة الارتباط باطنياً في تطبيقاتها العملية، إلى درجة انه لا توجد مشكلة مركبة لا تشارك جميعاً في حلها. وليس الأمر هنا مقصوراً على رابطة التتالى في الترتيب بمعنى... أن المنهج التالي يفترض مقدماً منهجاً سابقاً، بل تدخل (المناهج) اللاحقة في تلك السابقة كذلك " (المنطق، جـ2، اشتتجرت سنة 1907، ص 38)
فعمل التنسيق بين المناهج عمل ضروري لا بالنسبة إلى الفيلسوف الذي يبحث في تطور العقل الإنساني وفي ملكاته في مختلف مظاهر النشاط التي يعمل بها فحسب، بل وأيضا بالنسبة إلى العالم المتخصص نفسه. والدليل على هذا أن كلود برنار نفسه قد قدم لنا في كتابه هذا نظاماً من التعاليم والقواعد العامة التي لا تقتصر على علم الطب التجريبي أو علم وظائف الأعضاء بل تصلح لكى يستفيد منها العالم الفزيائي والعالم الكميائى الخ، حتى كان لهذا الكتاب أثر في تقدم المناهج العلمية والدراسة العلمية في أواخر القرن الماضي بل وأوائل هذا القرن مما دعا برجسون إلى نعت هذا الكتاب بأنه " مقال عن المنهج " للقرن التاسع عشر. ومعنى هذا أن من الحكمة، حتى من وجهة نظر كلود برنار نفسه، أن يستفيد العالم المتخصص من التعاليم العامة التي توجه إليه من العلوم الأخرى فيما يتصل بالمنهج العلمي
و المشكلة الحقيقية التي يتيرها كلود برنار هي تلك التي أوردها في أول هذه الفقرة وهي: هل الفيلسوف أو العالم هو الذي يضع القواعد للمناهج العلمية؟ وهي مسألة لا تتنافى مع فكرة التنسيق. ونرى نحن أن مهمة الفيلسوف لا تتنافى هنا مع مهمة العالم، لأنها خطوة تليها. فالواجب أن يبدأ العالم المتخصص فيرشدنا إلى المنهج الذي اتبعه في أبحاثه وأن يقدم لنا تقريراً مفصلاً عن الخطوات التي مرَّ بها وهو بسبيل بحثه في ميدانه الخاص؛ ثم يأتي عالم آخر أوسع أفقاً وأميل إلى النظرة العامة، أي يكون ذا نزعة فلسفية، فيحاول أن ينسق بين هذه التقريرات التي قدمها العلماء المتخصصون كي يستخلص منها الخصائص العامة للمناهج المختلفة؛ ثم يأتي الفيلسوف المنطقي في الدرجة الثالثة فيحاول إرجاع هذه المناهج إلى صفات ذاتية في العقل الإنساني، محاولاً أن يصوغ النتائج التي وصل إليها السابق في صيغ واضحة تنظم على هيئة مذهب في العقل الإنساني من حيث طبيعة اتجاهاته في البحث عن الحقيقة. فالتقريرات التي كتبها باستير مثلاً عن أبحاثه في الجراثيم تصلح لأن تمثل الدرجة الأولى؛ وكتاب ككتاب كلود برنار: "المدخل إلى دراسة الطب التجريبي" يمثل الدرجة الثانية التي فيها يقوم عالم بالنظر في مناهج العلوم المختلفة وبخاصة تلك الوثيقة الصلة بعلمه الخاص. أما الدرجة الثالثة فهي مهمة المنطقي الذي ينظم تلك النتائج ويوفق بينها في صورة عامة رابطاً إياها بطبيعة العقل الإنساني نفسه؛ ويمثلها بيكون واستيوارت مل وماخ... الخ.
وواضح من هذا أنه ليس من وظيفة الفيلسوف المنطقي الباحث في علم المناهج أن يعطي تعاليم ونصائح جزئية يفرض على العالم المتخصص اتباعها. بل كل ما يقدمه له إشارات عامة وتوجيهات كلية يدعوه إلى الاهتداء بها أثناء بحثه؛ وليس فيها أي إثقال عليه أو خنق لروحه، إذ لا يفرض عليه أن يتبعها كما هي؛ بل للعالم المتخصص مطلق الحرية في اتباعها أو عدم اتباعها أو تعديلها بما يتلائم وموضوع بحثه الخاص. وعلى الفيلسوف أو المنطقي أن يفهم أن المناهج ليست أشياء ثابتة، بل هي تتغير وفقاً لمقتضيات العلم وأدواته، ويجب أن تكون قابلة للتعديل المستمر حتى تستطيع أن تفي بمطالب العلم المتجددة، وإلا كانت عبثاً ومصدراً للضرر. فكما يرى أربان Urban لا يوجد منهج لا يفقد في النهاية خصوبته الأولى؛ بل لابد أن توجد لحظة فيها يشعر المرء بأنه ليس من الفائدة أن يبحث الإنسان عن الجديد على آثار القديم، وبأن الروح العلمية لا يمكن أن تتقدم إلا بإيجاد مناهج جديدة. وكل بحث في المنهج العلمي هو بالضرورة بحث مؤقت، لا يمكن أن يصف تركيباً نهائياً للعقل العلمي. والواقع أن المناهج العلمية لابد أن تعدّل، بل وترفض من جيل إلى جيل، إذا ما ثبت عدم صلاحيتها. فإن التطبيق العلمي في اختلاف باستمرار، والمنهج بالتالي لابد أن يعدل على الدوام. والنتيجة لهذا إذن أن المناهج العلمية في تغير، وهذا التغير يتعين يتقدم العلم وحاجاته، وهذه أمور لا يقدرها إلا العالم المتخصص أولاً وبالذات؛ فمرد الأمر في النهاية إذن إلى العلماء المتخصصين. وما على الفيلسوف الباحث في المناهج إلا أن يتابع مناهج العلماء المتخصصين وأن يستقريها لديهم ثم يحاول أن ينسقها في نماذج عامة، ويربطها من بعد بطبيعة العقل الإنساني؛ وليس له إذن أن يقدم نصائح جزئية لهؤلاء، بل توجيهات عامة لهم أن يأخذوا بها أو أن يستلهموها، كما لهم أن يرفضوها.
وليس في هذا حطٌّ من قَدْر مهمة الفيلسوف الباحث في المناهج، لأن مهمته الرئيسية أن يكشف عن الطرائق العامة التي يسلكها العقل الإنساني في بحثه عن الحقيقة بتأمله في المناهج التي سار عليها العقل في تحصيله للعلم في مختلف فروع نشاطه.


مناهج البحث
عبد الرحمن بدوي

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage