3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

مفـــهوم العـــلم وتطور الأفكار والمفاهيم في الفيزياء (قراءة في كتاب :مدخل إلى فلسفة العلوم للدكتور محمد عابد الجابري)

الخط

















مفهوم العلم وتطور الأفكار والمفاهيم في الفيزياء
(قراءة في كتاب :مدخل إلى فلسفة العلوم للدكتور محمد عابد الجابري)


الركوعي بوسلهام، الشاوي عبد الحكيم






تختص نظرية المعرفة كما بات معلوماً في إمكانية قيام معرفة ما عن الوجود بمختلف أشكاله ومظاهره، وما إذا كانت المعرفة ممكنة وبالسؤال عن أدواتها وحدودها وقيمتها، وتأسست في سياقها هنا عدة مذاهب منها المذهب العقلي الذي يعتبر العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة وفيه تتأسس معرفة قبلية فطرية ، والمذهب الحسي- التجريبي الذي يُحيل المعرفة إلى الحواس باعتبار العقل صفحة بيضاء على والمذهب الحدسي الذي يُحيل المعرفة إلى الحدس يُتوافق على تعريف صارم له.!
وتبدو  علاقة الابستومولوجيا بنظرية المعرفة -بشكل أولي-  كأنها علاقة الجنس بالنوع،حيث أن  الابستومولوجيا تقتصر على شكل وحيد من أشكال المعرفة، وهو المعرفة العلمية. وعلى الرغم من ذلك فإن التمييز سرعان ما  ُيمحّي عندما نُرجع النوع إلى هذا الجنس وحده، كما هي الحال لدى المؤلفين الذين يطلقون  تعبير المعرفة على المعرفة العلمية وحدها ويرون أن كل ما عدا ذلك لعب لفظي خلو من أي مدى معرفي. وذاك ما كان عليه، مثلاً، موقف الوضعيين- المحدثين في(فينا)، وهو موقف الاختيارية المنطقية التي جاءت في أعقابهم.
وعلى ذلك فإن(كارناب) لا يعترف بصحة نظرية المعرفة إلا في حدود إرجاعها إلى الإبستومولوجيا، بل، وبوجه أدق، إلى تحليل العلم تحليلاً منطقياً. وفي فرنسة جعل(ل. روجيه)، الذي يتفق في هذه النقطة مع الاختيارية- المنطقية، عبارة"كتاب المعرفة" عنواناً لكتابه الذي  يقول فيه أن  ليس ثمة من معرفة إلا المعرفة العلمية. فهنالك"علوم زائفة" و قد ُبتَّ في شأنها منذ زمن بعيد. وهذا ما يقف وراء  افتخار(ديكارت) بأنه لم ينخدع بوعود السيميائي ولا بتنبوءات المنجّم وأضاليل الساحر
و يلاحظ بلانشيه هنا أنه على الرغم من ذلك، فإن(ديكارت) هذا كان هو نفسه يجعل العلم تابعاً للميتافيزياء مثلما تتغذى الشجرة بجذورها، واليوم أيضاً، يرجع إلى العلم ذاته أن يقول هل تعترف بسمة علمية تسم أبحاث التخاطر، أو حتى مجرد الفراسة أو قراءة الخطوط لاستشفاف سجية أصحابها. بل وكذلك حال المباحث التي يجمعها عنوان(العلوم المعيارية" ولكن، بالمقابل، ليس من باب المسألة العلمية أن نطلب معرفة هل توجد إمكانات معرفية خارج العلم أم لا توجد. فمثل هذا السؤال يرجع إلى نظرية عامة عن المعرفة، يكون أحد أغراضها الأساسية هو، بوجه الدقة، تحديد وضع المعرفة العلمية بين أشكال أخرى يمكن تصورها عن المعرفة. ترى هل توجد طرائق معرفية تمنح من دروب أخرى غير دروب العلم أم لا توجد؟. فقد قال فريق من الباحثين بوجود ملكات غير فكرية، أو فكرية جزئياً، كالقلب"ذي الأسباب التي لا يعرفها العقل"، أو الحدس بوصفه"غريزة ينيرها الذكاء": وهذا ما يسوّغ صحة معرفة صوفية أو ميتافيزيائية. ويقترح آخرون توجيه ملكاتنا الفكرية ذاتها في منحى آخر، شطر"حدس الذوات"، ونؤسس إذ ذاك علماً ظواهرياً فيما وراء العلم بالوقائع. بل إننا، حتى لو قابلنا مثل هذه المزاعم بالرفض، فإننا إنما ننخرط بذلك في أفق فلسفة ما عن المعرفة ، وفي هذا الاتجاه حاولنا البحث عن الكيفية التي تم بها بناء المفاهيم في مادة الفيزياء بدءا بالفيزياء الكلاسيكية وصولا إلى الفيزياء الحديثة ..

1-                 تطور الأفكار في الفيزياء
لعل أهم مشكل تمحورت حوله الأفكار في الفيزياء الكلاسيكية منها والحديثة خلال جميع تطورها : مشكل المتصل والمنفصل . نعني بذلك طبيعة تركيب المادة بمختلف تجلياته ( المادة الصلبة ،الحرارة ، الكهرباء ، الضوء ) ، هل تقوم على الاتصال ، أم على الانفصال ؟ هل تقبل التجزئة إلى ما لا نهاية له ، أم تنحل في الأخير إلى أجزاء لا تتجزأ ؟
وهكذا يمكن القول ، بصفة إجمالية ، إن تاريخ الأفكار والنظريات في العلوم الطبيعية هو تاريخ الصراع بين هذين التصورين المتباينين المتعارضين . وقد قامت الفيزياء الحديثة على أساس محاولة التوفيق بينهما ودمجهما في تصور واحد .

2-                 المتصل والمنفصل في الفيزياء الكلاسيكية

أولا: مفهوم الاتصال والانفصال

تستعمل كلمة متصل في اللغة العادية كوصف لشيء لا انقطاع فيه . نقول عن الصوت أو الحبل أو الشريط السينمائي أنه متصل ، ونقصد بذلك أنه يشكل كلا واحدا ، لا مجموعة أجزاء ، على الرغم من علمنا أنه يقبل التجزئة إلى ما لا يحصى من الأجزاء و يقابل كلمة متصل كلمة منفصل  .
إذا كانت مشكلة الاتصال ولانفصال قد احتدم النقاش فيها ، خاصة مع قيام الفيزياء الحذيثة في أوائل هذا القرن ، فإنها سيطرت مند القديم على النقاش الذي دار ، خلال تطور العلم ، حول طبيعة المادة بمختلف تجلياتها . ويهمنا هنا أن نستعرض تاريخ هذا النقاش ، ومن خلاله ستكشف لنا أبرز تطور الأفكار والنظريات في العلم الكلاسيكي .

                                    ثانيا: ذرات الفلاسفة وجوهر المتكلمين

بالرغم من كون آراء الفلاسفة قائمة على مجرد التخمين والملاحظة العامية ، فإنها مع ذلك قد أثارت مشكلة تركيب المادة وعلى الرغم من أن هذه المشكلة لم تطرح طرحا علميا إلا مع بداية القرن التاسع عشر فلقد ظلت مع ذلك قائمة بتناولها الفلاسفة . وقبل الحديث عن المشكلة كما طرحت عند المفكرين المسلمين وفلاسفة عصر النهضة الأوروبية نلاحظ أن القول بالانفصال (نظرية ديمقرطس) يؤدي إلى الحتمية والضرورة ، الشيء الذي دفع بأبيقور إلى القول بالانحراف لينقد الحرية . وستظل الحتمية مرتبطة بالمنفصل كما سنرى في العلم الحديث.

                                  ثالثا : الذرة كفرضية علمية

انبعث المذهب الذري من جديد مع الفلسفة الحديثة في أوروبا ، ابتداء من القرن السابع عشر ، فدخلت الذرة بشكل أو بأخر في النظريات والأنساق الفلسفية التي شيدها فلاسفة العصر الحديث (ديكارت ، ماليرانش ، جاساندي ، ليبنز) ولكنها بقيت عند هؤلاء ، كما كانت في القديم ، خاضعة لاعتبارات ميتافيزيقية ، وحتى العلماء الذين تحدثوا عن الذرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، ، فإن حديثهم عنها لم يكن مبنيا على تجارب علمية .
وقد وجدت الكيمياء طريقها نحو التقدم بفضل فرضية الذرة والجزيئي ، ولكن رغم ذلك بقيت الذرة شيئا مجهولا مما جعل كثيرا من العلماء ذوي الميول الوضعية يعارضون القول بفرضية الذرة إلى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن معتبرينها فرضية ميتافيزيقية . و إدا كان بعضهم قد اعترف ببساطة نظرية الذرة وملاءمتها ، فإنهم لم يكونوا يقبلون القول بوجود الذرة وجودا واقعيا بدعوى أن التجربة لم تكشف عن هذا الوجود .

          رابعا: النظرية الحركية للغازات وإثبات وجود الذرة

إن إثبات وجود الذرة لن يتحقق داخل ميدان البحث في العناصر وتركيبها الذري ، بل في فرع آخر من فروع الفيزياء هو الحرارة .
بفضل أبحاث أفوكادرو أصبحت فرضية الجزيئات حقيقة علمية ، وتأكد بالتالي وجود الذرات ، لأن الذرة مركب الجزيئات إن هذا يعني أن الجزيئي يقبل القسمة فعلا إلى ذرات . فهل تقبل الذرة نفسها القسمة كذلك ؟
من هنا بدأ البحث في بنية الذرة . وسيكون طريق العلماء إليها لا الغازات و لا الحرارة ، بل الكهرباء والتحليل الكهربائي.

                                خامسا : الطريق إلى بنية الذرة

لعل أول ظاهرة كهربائية ومغناطيسية لاحظها الناس هي خاصية الجذب التي تنفرد بها بعض الأجسام كالعنبر والحجر المغناطيسي ...
بقي الأمر عن هذا الحد ، إلى أن حل القرن السابع عشر ، قرن نيوتن والجاذبية والتفسير الميكانيكي للظواهر الطبيعية ، فبدأ تفسير الجذب من خلال الجاذبية .
توالت الأبحاث ، وقد جاء بور بنظرة متكاملة ، متماسكة إلى درجة كبير ، نظرية أصبحت تشكل التصور التصور الرسمي لبنية الذرة . لقد افترض بور أن لكل إلكترون عددا من المدرات الممكنة ، يجري فيها دون أن يصدر طاقة ما . ولكنه عندما ينتقل من مدار إلى آخر ، لهذا السبب أو ذاك ، فإنه في هذه الحالة ، فقط ، يصدر الطاقة أو يمتصها بقدر معلوم .
في سنة 1916 استعمل سومرفيلد نظرية النسبية في دراسة حركة الإلكترونات حول الذرة .
لقد تأكدت إذن الطبيعة الجسيمية للكهرباء ، بعدما تأكدت بالنسبة للحرارة وأصبحت الذرة حقيقة علمية ، لا كجزء لا يتجزأ ، بل كبنية تتألف من جسيمات أولية وبذلك أصبح التصور القائم على الانفصال هو السائد . لكن هل يعني هذا أن الاتصال قد أصبح في خبر كان ؟
بعد التعرف على بنية الذرة ، بدأ الصراع بين النظرية الموجية والنظرية الجزيئية في ميدان الضوء .
                            سادسا : طبيعة الضوء : الاتصال أم الانفصال

تبدأ القصة علميا مع ديكارت الذي اهتم بالبحث في البصريات اهتماما زائدا فتوصل إلى ضبط قانون انكسار الضوء ثم توالت الأبحاث وفق المراحل التالية :

·                   العالم هويغنز : الضوء عبارة عن أمواج (=متصل)؛
·                   العالم نيوتن ينتقد هويغنز من خلال وجود تعارض من نظريته الميكانيكية العامة ؛
·                   العالم بيوتن : انحلال الضوء الأبيض (الطيف)؛
·                   الطبيب الإنكليزي يونغ (1773-1869) : إثبات ظاهرة التداخل (الظلمة والنور)؛
·                   الضابط الفرنسي مالوس : اكتشف ظاهرة الانكسار المضاعف أو الاستقطاب ؛
·                   بعد تم إثبات ظاهرة الانعراج ؛
·                   العالم الفرنسي كولمب سنة 1785 يحول الظاهرة الكهربائية إلى مقدار كمي سماه الشحنة ؛
·                   في سنة 1819 لاحظ العالم الدنماركي أورستيد صدفة ، أن الإبرة المغناطيسية التي كانت بجوار الأسلاك الكهربائية التي كان يجري عليها تجاربه ، تأخذ في الانحراف كلما مر التيار الكهربائي قريبا منها ومنه استنتج أن التيار الكهربائي ينشر حوله مجالا مغناطيسيا ؛
·                   في سنة 1831 استطاع العالم العالم الإنكليزي فاراداي أن يثبت عكس الظاهرة ؛
·                   في سنة 1840 أتبث العالم فاراداي ظاهرة الاستقطاب المغناطيسي ؛
هكذا بدأت تظهر بوادر الوحدة بين ثلاث فروع من الفيزياء وهي الكهرباء و المغناطيس والضوء .
ومنه أسس العالم الإنكليزي ماكويل الفرع الهام والأساسي من الفيزياء الكلاسيكية والمعروف باسم الكهرطيسية
·                   في سنة 1888 اكتشف العالم الألماني هرتز أموجا عرفت باسمه (الأمواج الهرتيزية)
لقد سجل عام 1900 بداية ثورة جديدة في مجال الفيزياء ، ثورة عميقة هزت الأسس والمفاهيم التي بني عليها الفيزيائيون علمهم الكلاسيكي ، وكانت مسألة الأثير منطلقا لنظرية النسبية التي كسرت الإطار الأساسي لفيزياء نيوتن وميكانيكاه ، ‘طار الزمن المطلق كما ستكون مسألة الاتصال التي تبنى عليها النظرية الموجية هدفا لضربة جديدة تأتيها هذه المرة من ميدان آخر من ميادين المتصل ، نقصد بذلك ميدان الطاقة التي كانت تعتبر بدون نزاع ، قائمة على الاتصال لا الانفصال من هنا ستنطلق نظرية الكوانتا التي تشكل هي ونظرية النسبية الدعامتين الأساسيتين للفيزياء الحديثة ، فيزياء الذرة وفيزياء النواة .

                                                                                      3-نظرية النسبية

إن التمييز بين المنظومات المرجعية الغاليلية والمنظومات المرجعية غير الغاليلية أساسي في نظرية النسبية
·                   انطلق اينشتين من تجربة ميكلسن ومورلي ومعادلة التحويل اللورنزي فصاغ سنة 1905 نظريته النسبية المقصورة؛
·                   توصل انشتين إلى المفاهيم التالية : الزمان والمكان المطلق والحركة المطلقة ، وقوانين تركيب السرعة ، وحفظ الطاقة ....؛
·                   توصل أنشتين إلى أن سرعة الضوء ثابتة لا تتغير (300 ألف كلم في الثانية )
·                   توصل أنشتين إلى نسبية السرعة ؛
·                   توصل أنشتين إلى أن هناك اختلاف في الزمن
·                   انكماش الأطوال : لاوجود لزمان مطلق ، فلا وجود كذلك لمكان عام مطلق
·                   تمدد الكتلة وتحولها إلى طاقة ؛
·                   نظرية النسبية المعممة وهي صعوبة وأكثر تعقيدا ومن مرتكزاتها :
          • السقوط الحر : تساوي مجال الجاذبية مع التسارع ؛
          • حركة المصعد؛
          • الطاقة لها كتلة ؛
          • الجاذبية وانحراف المكان ؛
          • ارتباط الزمان بالمكان ،
          • المادة والمجال ،
  تلك كانت إطلالة سريعة على نظرية النسبية ، ولا شك أننا لاحظنا مدى الضربات التي كالتها هده النظرية للفيزياء الكلاسيكية ، ومفاهيمها الأساسية . ومع ذلك فإن الفيزياء الكلاسيكية فيزياء صحيحة ومشروعة من وجهة نظر النسبية ، ولكنها تعتبرها لا كفيزياء وحيدة ممكنة بل كحالة خاصة من حالة أعم . ولذلك بقي انشتين متمسكا بأهم مبدأ في الفيزياء الكلاسيكية وهو مبدأ الحتمية ، سيتعرض هذا المبدأ نفسه لهزة عنيفة جدا ، ولكن من البحث في العالم الأكبر الذي اهتمت به نظرية النسبية ، بل من البحث في العالم الأصغر ، عالم الذرة والإلكترونات ... نقصد نظرية الكوانتا.

4-                 الثورة الكوانتية

لعل أبرز العلماء الذين أسرعوا إلى اتخاذ مكتشفات العلم في ميدان الميكروفيزياء منطلقا لنظرية جديدة في المعرفة العالم الفيزيائي نييل بور ، لقد أسس هذا العالم مدرسة ايبتيمولوجية ، تعرف بمدرسة كوبنهاغن ، وهي ذات اتجاه وضعي واضح ، تختلف عن المدرسة الفرنسية (دوبري) اختلافا كبيرا ، من حيث إن هذه الأخيرة تتشبت بالتقليد العقلاني الفرنسي ، وبالتالي لا تنساق مع رؤى الوضعية الجديدة انسياقا تاما
يرى بور أن الدر الأساسي الذي استخلاصه من الفيزياء الدرية هو أن مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية مفاهيم محددة بحدود ظواهر العالم الماكروسكوبي ، وبالتالي فهي لا تنطبق على الميدان الذري . لذلك يجب تعديلها حتى نتمكن من فهم ما يجري في الميدان الميكروفيزيائي .
وهكذا فما كنا نعده تناقض في عالمنا الذي نعيش فيه ، يظهر لنا في الميدان الذري على أنه تكامل ، ومن هنا نظريته التكاملية فالمظهر الموجي والمظهر الحسيمي في الضوء ، متكاملان ، وغير متناقضين . إنهما كسفحي جبل ، يخفي أحدهما الآخر ةلا ينفيه .
يقول بور : ‘ن مسلمة الكوانتا تمنعنا من تفسير الظواهر الذرية تفسيرا يعتمد في آن واحد الببية والعلاقات الزمانية – المكانية  ، ذلك لأننا عندما نفسر الظواهر العادية نفترض مسبقا أن ملاحظة الظاهرة لا تؤت في الظاهرة موضوع الملاحظة ، هذا في حين أن المسلمة الكوانتية تتطلب منا الاقتناع بأن كل ملاحظة للظواهر الذرية تؤدي إلى تدخل آلة القياس الظاهرة نفسها تدخلا يؤثر تأثيرا واضحا . وبالتالي لا يمكن أن نعطي لا للآلة و لا لظاهرة واقعا فيزيائيا مستقلا بذاته
وهنا تطرح مشكلة الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية ، وهي التي كانت تتميز عن المعرفة الفلسفية بالموضوعية .فإذا كنا في الفيزياء الكلاسيكية نلاحظ أن أدوات القياس لا تؤثر في الموضوع الذي نقيسه فإن الأمر ليس كذلك في عالم الميكروفيزياء . إن أدوات القياس تؤثر بشكل واضح في الموضوع نفسه ، وبالتالي فإن الذات والموضوع يتعاونان بالضرورة على صنع الشيء الخارجي . فالجسم إذن هو مزيج من الذاتية والموضوعية ، وبالتالي فإن العالم الخارجي شارك الذات في صنعه.

5-                 مطلقات نيوتن
بنى نيوتن ميكانيكاه على مطلقات ثلاثة : الزمان المطلق والمكان المطلق والحركة المطلقة و ذلك في مقابل الزمان النسبي والمكان النسبي و الحركة النسبية. إن حركة الشخص الذي يمشي على ظهر سفينة تجري في البحر حركة نسبية ، أما حركة الأرض في الأثير (الساكن) فحركة مطلقة ، و التمييز بين الحركة المطلقة و الحركة النسبية يؤدي إلى التمييز بين الزمان المطلق و الزمان النسبي و المكان المطلق والمكان النسبي لأن الحركة لا تتصور إلا في زمان ومكان وكذلك الشأن بالنسبة إلى المحل أي الحيز الذي يشغله الجسم من المكان. وإذن فالزمان و المكان حسب نيوتن ، إطاران واقعيان مطلقان مستقلا ن عن الأشياء التي توجد فيهما و الحوادث التي تجري فيهما . و الزمان الذي يرمز إليه بحرف "ز" في المعادلات المكيانيكية هو هذا الزمان المطلق الذي ينساب بشكل منتظم ،) فلكي يدخل الزمان "ز" كمتغير وسيطي (برامتر) في المعادلات يجب أن يكون مطلقا و إلا فكيف يمكن أن نحدد قيمة قيم المتغيرات الأخرى؟
إن الآثار أو الظواهر التي يمكن التمييز بواسطتها بين الحركة المطلقة و الحركة النسبية هي تلك القوى التي تكتسبها الأجسام خلال دورانها ، و التي تدفعها الى الابتعاد عم محور حركتها .إن هذه القوى تنعدم تماما عندما تكون الأجسام في حالة حركة دائرية نسبية ، و أما حينما تكون حركة الجسم حركة حقيقية مطلقة ، فإن القوى المذكورة تزداد أو تنقص حسب كمية الحركة.
6- الحتمية الكونية (لابلاس)
يعكس هذا النص ، وهو مشهور جدا ، الاعتقاد الراسخ في الحتمية الذي كان يوجه أقطاب الفيزياء الكلاسيكية . ولابلاس Pierre-Simon De Laplace  (1749-1827) صاحب هذا النص يعتبر من أقوى و أعنف دعاة الحتمية ، التي يجعلها تشمل الضواهر الطبيعية كلها صغيرها وكبيرها ، ولذلك وصفت حتميته ب" الحتمية الكونية " لقد ألف لابلاس كتابه المشهور الميكانيكا السماوية و عرض فيه النظام الكوني النيوتوني عرضا أكثر تنظيما و كمالا ، فجمع فيه كما يقول بلاتشي بين صلابة العلم النيوتوني و غزارة العلم الديكارتي . لقد أدرجنا هذا النص ، ليس فقط لقيمته التاريخية ، بل أيضا لأن المناقشات التي سنطلع عليها في النصوص المقبلة حول موضوع الحتمية لا تفهم إلا في ضوء التصور الكلاسيكي للحتمية.
" إن الحوادث الراهنة لها مع الحوادث الماضية ربطة مؤسسة على المبدأ الواضح التالي ، وهو أنه لا شيء يبدأ في الوقوع دون سبب .وإن هذه البديهية المعروفة بمبدأ السبب الكافي (الحتمية) ينسحب مفعولها حتى على الأفعال التي نعتبرها أفعالا إرادية حرة ، والواقع أن أكثر الإرادات حرية لا يمكن أن تخلق هذه الأفعال إلا إذا كان هناك حافز محدد... "

7 – الصدفة (كورنو)
سادت النزعة الميكانيكية في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر وتردد صداها حتى في العلوم الإنسانية التي لا تقبل التحديد الحتمي ، فنشأت نزعات ميكانيكية في علم الاجتماع و علم النفس و أصبح كثير من العلماء و الفلاسفة يفسرون الحوادث التي تقع صدفة بكونها نتيجة أسباب نجهلها. ومن هنا اكتسبت الصدفة طابعا ذاتيا و أصبحت مرتبطة بحالة الإنسان من العلم والجهل.ولقد كان العلم الرياضي والفيلسوف الفرنسي (كورنو 1801 – 1877 ) على رأس الباحثين الذين أعطوا للصدفة معنى موضوعيا غير متعلق بدرجة علم الإنسان أو جهله، فاتحا الطريق لحساب الاحتمالات والإحصاء . إن كورنو يرى أن للصدفة وجودا موضوعيا ،فهي نتيجة تلاقي سلاسل مستقلة من الأسباب ، وليست ناتجة عن جهل الإنسان ولا هي مناقضة لمبدأ السببية ، بل إنها مظهر من مظاهر مبدأ السببية ذاته ، نجده في الحوادث المادية و الظواهر البشرية... " وما من ظاهرة ، أو حادث إلا وله سبب . ذلك هو المبدأ الموجه للعقل البشري و المنظم لعملياته خلال البحث في الحوادث الواقعية ..." وفي هذا الصدد كثيرا ما يستشهد بفكرة هيوم القائلة "ليس ثمة صدفة بمعنى الكلمة ، ولكن هناك ما يكافئها ، أي ما نحن فيه من جهل بالأسباب الحقيقية للحوادث"
8- فيزياء الذرة وقانون السببية (هايزنبرغ)
يعتبر ويرنر هايزنبرغ صاحب علاقات الارتياب من أقطاب مدرسة كوبنهاغن التي كان يتزعمها بور، والتي نادت باللاحتمية ذاهبة في ذلك مذهبا وضعيا متطرفا . و في هذا النص الذي يعالج فيه هايزنبرغ تطور مفهوم السببية منذ القديم إلى اليوم يحاول أن يجد في تاريخ العلم ما يؤكد وجهة نظر مدرسة كوبنهاغن الوضعية التي ترفض الحتمية و تقول بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطائه مفهوم اللاتحدد. وتلك وجهة نظر يرفضها كثير من العلماء وعلى رأسهم اينشتين ولوي دويروي وغيرهما .
" من أهم النتائج العامة التي أسفرت عنها الفيزياء الذرية الحديثة تلك التعديلات التي تعرض لها مفهوم القانون الطبيعي.
لقد درج الناس على القول ، خلال السنين الأخيرة ، أن العلم الذري قد أبطل مبدأ السببية ، أو على الأقل  ، أفقده قسطا من سلطته وذلك إلى درجة أنه لم يعد من الممكن الحديث عن ضبط عمليات الطبيعة ، بالمعنى الدقيق لكلمة ضبط ، بواسطة قوانين. و أحيانا يقال فقط إن مبدأ السببية لا يسري مفعوله إلى علم الذرة الحديث ...

9- اللاحتمية و النزعة الذاتية (ديتوش)
من القضايا الابستيمولوجية التي أثارتها الفيزياء الكوانتية قضية الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية ، على الأقل فيما يتعلق بالعالم المتناهي في الصغر. إن عدم قابلية الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق كما كشفت عن ذلك علاقات الارتياب لهايزنبرغ ، يرجع السبب فيه إلى تدخل آلات القياس تدخلا يجعل من الصعب الفصل في نتائج القياس بيم مت يعود إلى الموضوع الملاحظ و ما يرجع إلى عملية القياس و أدواته. هذا معطى من معطيات البحث العلمي في  مرحلة معينة من تطوره و بالتالي فلا يمكن إهماله . غير أن مدرسة كوبنهاغن و ديتوش من المناصرين لها ، ذهبت في تأويل هذا المعطى العلمي  مذهبا قصيا. لقد استنتجت من ذلك أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانتية ، لا يمكن تلاقيها لا في الحاضر ولا في المستقبل . والقول باللاحتمية الأساسية هذه يستتبع بالضرورة نزعة ذاتية مفرطة لنفس السبب أي اعتبار تدخل الذات و آلات القياس شيئا لا يمكن التخلص منه وهذا ما يحاول ديتوش أن " يبرهن" عليه في هذا النص :
" إن التصورات الديكارتية هي التي قادت إلى تلك الحتمية التي عرفها العلم الكلاسيكي. وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلى تناقضات و أن التمسك الصارم بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب ، لكي تكون محددة بالفعل ، القيام بعمليات لا يمكن إنجازها ، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقا ، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في الإمكان قياس "حالة" منظومة ما بالمعنى الذي يفهم به القياس في الفيزياء الكلاسيكية ، الشيء الذي يعني أنه لا يمكن تحويل "علاقات الارتياب" تحويلا عكسيا (= جعل السبب نتيجة ، والنتيجة سبب) ، ومن ثمة التسليم بوجود لاحتمية أساسية ، ولكن دون أن يعنى ذلك إلغاء الحتمية الخفية...."
10-مشاكل الحتمية في الفيزياء الكوانتية (لوي دوبروي)
يعالج هذا النص مشكل الحتمية في الفيزياء الذرية ، ذلك المشكل الذي أثارته علاقات الارتياب التي كشف عنها هايزنبرغ. وعلاوة على المناقشة الخصبة والواضحة التي يتضمنها  النص ، في هذا الموضوع  فإن لوي دوبروي يبين بوضوح كيف أن امتناع التوقع الدقيق في الفيزياء الكوانتية لا يعني إلغاء السببية . فالسببية في نظره قائمة ، سواء على المستوى الذري أو على المستوى الماكروسكوبي . و إذا  كان يبدي شكه حول إمكانية الوصول في المستقبل الى التوقع الدقيق فيميدان الميكروفيزياء ، فإنه قد عدل رأيه فيما بعد . هذا والمدرسة الفرنسية عموما ، ولوي دوبروي أحد أقطابها ، تعارض النزعة الوضعية التي تدافع عنها مدرسة كوبنهاغن . إن المدرسة الفرنسية تتمسك بالتقليد العقلاني الديكارتي ، ومن أجل ذلك لم تلق الوضعية الجديدة في فرنسا أي تأييد يذكر.
ولا تطرح مشكلة الحتمية على العالم الفيزيائي بنفس الشكل الذي تطرح به لدى الفيلسوف . فليس على رجل الفيزياء أن يعالج هذه المشكلة في مظهرها الميتافيزيقي العام ، و إنما عليه أن يبحث لها عن تعريف دقيق في إطار الحوادث التي يدرسها. ولما كان الأمر كذالك فإن هذا التعريف الدقيق لا يمكن أن يستند إلا على أمكانية التوقع الصارم للظواهر التي ستحدث.وهذا يعني أن الفيزيائي يقول بالحتمية عندما تمكنه معرفته بعدد من الظواهر التي يلاحظها في اللحظة الراهنة أو سبق أن لاحظها في فترة زمنية سابقة مضافة إلى معرفته ببعض قوانين الطبيعة، من أن يتوقع بدقة حدوث هذه الظاهرة أو تلك من الظواهر القابلة للملاحظة في وقت واحد..."
11- تطور مفهوم الحتمية ( كالينمار)
 يعالج هذا النص وهو البحث الذي شارك به صاحبه (وهو من رومانيا)في المؤتمر الدولي الثاني عشر لتاريخ العلوم المنعقد في باريس خلال شهر آب/أغسطس من عام 1968 ، يعالج تطور مفهوم الحتمية منذ لابلاس إلى اليوم مع التركيز على النظرية الكوانتية وعلاقات الارتياب . وهكذا فعلاوة على أن هذا النص يشكل إحدى وجهات النظر النظر المعاصر في موضوع الحتمية (وجهة نظر ماركسية) ، فإنه من التركيز والخصوبة بالشكل الذي يجعله صالحا ليكون كمحاولة تركيبية للمناقشات التي تعرفنا عليها في النصوص السالفة حول مشكل الحتمية في الفيزياء المعاصرة.
" و إذا نظرنا إلى الحتمية بوصفها نظرية للحالات المضبوطة وللآليات التي تحدد و تولد هذه الحالات ، فإننا نجدها تطرح ، من وجهة النظر الفلسفية ، النقاش حول العلاقة بين عدة مقولات : العلاقة بين السببية والضرورة ، بين القوانين الدينامية و القوانين الإحصائية ، بين ما هو ممكن وما هوا واقعي . والطريق التي سلكها مفهوم الحتمية في تطوره هي نفس الطريق التي يتكون خلالها الفهم الجدلي المركب لهذه العلاقات والترابطات..."

12- العلم واقتصاد الفكر (ارنيست ماخ)
تنتسبب مختلف التيارات الوضعية الجديدة الى العالم الفيزيائي الألماني أرنيست ماخ و نزعته الظاهراتية وينتسب ماخ نفسه إلى بريكلي لماديته المشهورة ، و يلخص النص التالي لأرنيست ماخ في هذا الصدد أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف سوى انطباعاته الحسية ، فإن ما تسميه " الشيئ" أو " الموضوع" ليس بالنسبة إلينا سوى مجرد مركب من الإحساسات ، فهو رمز للإحساسات ، لا العكس . و إذن فمهمة العلم ، ليست الإطلاع على حقيقة العالم الواقعي كما هي بل فقط اقتصاد الفكر ، أي تجميع الانطباعات الحسية في صور ومركبات ذهنية ، و إدماج هذه الصور الذهنية بعضها في بعض بواسطة القوانين (أي العبارات الرياضية) و اختزالها في أقل عدد ممكن من المبادئ ، يسهل تداولها ونقلها من جيل لآخر.  فالعلم إذن لغة تختزل الإحساسات وتقتصد الفكر . و قد استخلصت التجريبية الفكرية المنطقية (مدرسة فيينا وفروعها) النتيجة المنقية لهذا التصور .فقالت إن موضوع الفلسفة هو التحليل المنطقي للغة العلم . وقد تبنت نزعات وضعية اخرى في ميدان العلم ذاته ، وجهة نظر ماخ ، فأنشأت تصورات عن المعرفة العلمية وضعية تماما، أي تقصر المعرفة العلمية على ميدان الظواهر والقياس .
13- اللاحتمية و مفهوم " الواقع" (هايزنبغ)
مدرسة كوبنهاغن التي تزعمها بور ، وكان هايزنبرغ، صاحب النص أحد أقطابها، مدرسة وضعية تماما فعلاوة على أنها تصر على استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب ، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي للظواهر الكوانتية أساسا لنظرية تنكر إضفاء  الوجود المادي الواقعي على الجسيمات الذرية. إن " الواقع" في ميدان الذرة يختلف في نظرها عن الواقع في ميدان الظواهر التي تعالجها الفيزياء الكلاسيكية ، لأن مدلول كلمة " واقع" في هذا الميدان لا ينطبق على الظواهر الذرية ، وكما هو واضح من النص ، تلجأ الوضعية الجديدة في الدفاع عن وجهة نظرها إلى تحليل اللغة ، كأن الوجود الواقعي يتوقف فقط على المفاهيم اللغوية . وذلك مظهر من مظاهر الاستغلال الايديولوجي للعلم.
" يتفقجميع أولائك الذين يعارضون وجهة نظر مدرسة كوبنهاغن في النقطة التالية : انهم جميعا ينادون بالرجوع الى التصور الفيزيائي الكلاسيكي للواقع. انهم يدعون الى القول من جديد بعالم موضوعي واقعي تتمتع فيه أصغر الجسيمات الأولية  بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه الى الاحجار و الاشجار ، سواء كنا نلاحظها أو لم نكن...

14- تكاملية بور (نييلس بور)
يعتبر الفيزيائي الكبير نييلس بور زعيم المدرسة الابستيمولوجية الوضعية المعروفة باسم مدرسة كوبنهاغن. إن ما يميز هذه المدرسة هو دفاعها المستميت عن اللاحتمية في العلم و إبراز دور القياس وأدواته في تشكيل نتائج التجربة . و إذا كان هذا يشكل أحد المعطيات العلمية في مرحلة معينة من تطور العلم ، وإذا كانت المعرفة العلمية ، في الميدان الميكروسكوبي خاصة ، تكتسي طابعا احتماليا ، مما يجعلها معرفة نسبية احتمالية ، فإنه من المفارقات العجيبة أن تصر مدرسة كوبنهاغن على أن هذا الطابع الاحتمالي يكتسي صبغة الحقيقة النهائية. أما نييلس بور فهو إلى جانب دفاعه عن المقولات السابقة التي تعتمدها مدرسة كوبنهاغن في ميدان المعرفة العلمية على المستوى الميكروسكوبي ، لم يتردد في مد وتمطيط بعض المفاهيم الفيزيائية الحديثة إلى ميادين أخرى بيولوجية و سيكولوجية و اجتماعية وحضارية.
" إن ما يميز النظرية الكوانتية هو أنها جرت ، بشكل أساسي ، من صلاحية مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية في معالجة الظواهر الذرية ، الشيء الذي نتج منه وضع خاص بعض الشيء .."
15- المكان والزمان في الفيزياء الحديثة ( لوي دوبروي)
يعالج لوي دوبروي في هذا النص بعض النتائج الابستيمولوجية التي أسفرت عنها الأبحاث الفيزيائية في ميدان الذرة خاصة تلك التي أدى إليها اكتشاف عدم إمكانية التحديد الدقيق للظواهر الذرية تحديدا يتناول في آن واحد موقع الشيء وسرعته.
" عندما بدأت العلوم الفيزيائية تنمو وتتقدم بطريقة علمية كانت التفسيرات التي تقترحها الظواهر الطبيعية تنطلق من المفاهيم و التصورات التي تمدنا بها الحياة الجارية ، والتي أصبحت تبدو لنا ، بفعل تعودنا عليها كمفاهيم وتصورات حدسية.  وليس هناك شك في أن التقدم المطرد الذي عرفته النظرية الفيزيائية بفضل استعمال التحليل الرياضي قد جعل العلوم الفيزيائية لا تحتفظ من الصور المستوحاة من الحياة اليومية إلا بأشكال خالية من كل لون..."

16- النزعة الإجرائية (التزامن في نظرية النسبية) بريدغمان
فتحت نظرية النسبية مثلها في ذلك كثل النظرية الكوانتية مجالا واسعا لمراجعة المفاهيم العلمية ونقدها مما أدى إلى قيام اتجاهات ابستيمولوجية جديدة ، ومحاولة الاتجاهات القديمة استغلال الكشوف العلمية لفائدتها والنزعة الإجرائية التي تزعمها الفيزيائي الأمريكي بريدغمان (1882-1921) من الاتجاهات الوضعية الجديدة في ميدان الفيزياء ، ولعلها أكثر الاتجاهات الوضعية تطرفا . ذلك لأنه إذا كانت النزعة الوضعية عموما لا تعترف إلا بالظواهر ، فان النزعة الإجرائية لا تعترف إلا بالظواهر التي تقبل القياس ..."
" بما أن الفيزيائي المعاصر  مقتنع بأنه يستحيل عليه ، استحالة مطلقة ، التنبؤ بما يتجاوز مجال تجربتنا الراهن فانه يتحتم عليه إذا أراد تجنب مراجعة موقفه باستمرار ، أن لا يستعمل في وصفه للطبيعة إلا المفاهيم التي من شانها آن لا تدفع بتجربتنا الحالية إلى رهن وتقييد تجربتنا المقبلة..."

17- نقد الاتجاهات الوضعية (من وجهة نظر ماركسية)
إن الاتجاهات التي تتبنى هذا الرأي هي امتداد لفلسفة ماخ الظاهراتية كما أشرنا إلى ذلك من قبل . تلك الفلسفة التي رد عليها لينين في كتابه" المادية والمذهب التجريبي النقدي"
"لننتقل الآن إلى علاقات الوضعية الجديدة بالنظريات الفيزيائية الحديثة . إن معالجة هذا الموضوع ضرورية ، لأن مختلف النزعات المثالية في الفيزياء ، مثل النزعة الطاقوية و النزعة الإجرائية و النزعة الموضعانية و النزعة الذاتية الانتقالية ، جاءت كلها نتاجا  للوضعية الجديدة و نتيجة لتسربها إلى الفيزياء.."

18- القيمة الموضوعية للعلم (بوانكريه)
 يرى بوانكري أن معرفتنا بالظواهر تتغير، و أن النظريات العلمية تتجدد باستمرار تبعا لذلك. ولكن هناك شيء يبقى ثابتا موجودا وجودا موضوعيا يفرض نفسه على الجميع ، هو العلاقات بين ظواهر الطبيعة أي القوانين العلمية . أن الأسماء التي نعطيها لأشياء الطبيعة و ظواهرها و التصورات التي ننشئها عنها هي وحدها المتغيرة ، أما العلاقات الموضوعية القائمة بينها فهي موجودة ثابتة . و إذا كان بوانكريه يقول في آخر النص : " كل ما ليس بفكرة هو عدم محض" فيجب أن لا نحمل هذه العبارة ما لا تحمله و يجب أن لا نفصلها عن سياق تفكيره العام .
19- المفاهيم الفيزيائية وموضوعية العالم الخارجي (اينشتين)
يشبه رأي اينشتين في كثير من الوجوه ، رأي بوانكريه في موضوع المعرفة الفيزيائية و علاقتها بالواقع الموضوعي . فكما أن بوانركيه يقول أن المفاهيم العلمية  هي عبارة عن مواضعات أو مصطلحات يضعها العلماء للتعبير عن أفكارهم حول الواقع ومظاهره ، هذا الواقع الذي تتجدد معرفتنا به ، بتجدد العلم وتقدمه على طريق الاقتراب المستمر من حقيقة هذا الواقع ، يرى ايشتين ، من جهته أن المفاهيم العلمية ابداعات حرة للفكر البشري ، يحاول بواسطتها أن يكون لنفسه صورة عن الواقع أقرب ما تكون من حقيقة هذا الواقع نفسه للفكر البشري حقيقته التي يقترب منها العلم دون ان يتمكن من الإمساك بها كلها كما هي . و إذن فلا بوانكريه و لا اينشتين يضعان الواقع الموضوعي موضوع شك ،  فلم يربطه أي منهما بالذات و بأدوات القياس بل يؤمنان بوجود الموضوعي وباطراد حوادثه و بقدرة الفكر البشري على السير قدما لاكتشاف أسراره . أما القول بان المفاهيم العلمية مجرد مواضعات أوانها إبداعات حرة للفكر البشري فهو انما يعكس مرحلة من تطور العلم، المرحلة التي عاشها العلم في بداية هذا القرن ، و التي شهدت تحولا أساسيا في المفاهيم الفيززيائية نتيجة قيام نظرية النسبية و نظرية الكوانتا . و لقد كانا من المناصرين  لهذا التحول ومن زعمائه.
" المفاهيم الفيزيائية إبداعات حرة للفكر البشري ، و ليست كم يمكن أن يعتقد محددة فقط من طرف العالم الخارجي وحده . والمجهود الذي نبذله لفهم العالم يجعلنا أشبه ما نكون بالرجل الذي يحاول فهم آلية ساعة مغلقة ، فهو يرى ميناءها و يشاهد حركة عقاربها و يسمع صوتها ، ولكنه لا يمتلك أية وسيلة تمكنه من فتح صندوقها الصغير..."



20- باشلار و العقلانية الجديدة
يدرج الدكتور محمد عابد الجابري في هذا الفصل ثلاثة نصوص لغاستون باشلار الذي عرفت مؤلفاته مؤخرا ، وفي فرنسا خاصة، اهتماما متزايدا و تعتبر هذه النصوص وحدة متكاملة و تصلح لان تكون تركيبا جدليا لمختلف الاتجاهات الابستيميلوجية التي تناولت مشكلة المعرفة العلمية عقب الثورة الكوانتية.
يتناول النص الأول الانقلاب الذي أحدثته نظرية الكوانتا في الفكر العلمي الحديث في مجال تصور الواقع . إن الموضوع العلمي لم يعد معطى حسيا ، بل هو إنشاء عقلي ، أي تنظيم عقلاني للعلاقات التي تربط الظواهر التي أصبح من غير الممكن التعامل بنفس الشكل الذي كانت تتعامل به معها الفيزياء الكلاسيكية . إن الواقع العلمي اليوم أصبح عبارة عن بنيات ، لا عن كائنات.
أما النص الثاني فهو يتناول النزعة الواقعية على ضوء هذا التطور نفسه . إذ الشيء في الميكروفيزياء يفقد فرديته و يصبح عنصرا في مجموعة . ونحن لا نتعرف عليه إلا من خلال علاقاته بالمجموعة التي ينتمي إليها . ، وإذن فالتصور العامي الجديد للواقع تصور رياضي لا فيزيائي واقعي ، بالمعنى العادي لكلمة واقعية التي نسبها إلى الظواهر التي يعيش في كنفها  العالم الميكروسكوبي ، ومن هنا يرفض باشلار النزعة التجريبية كما يرفض النزعة المثالية أو العقلانية الكلاسيكية التي تنسب إلى الفكر مبادئ قبلية.
وفي النص الثالث يأتي البديل . انه العقلانية العلمية أو " العقلانية الرياضية" أو العقلانية التطبيقية أو "الفلسفة المفتوحة " وهي جميعا أوصاف يصف بها باشلار فلسفته العلمية . وتعني شيئا واحدا . العقلانية التي تقوم على الحوار بين العقل والتجربة و ترفض الانطلاق من مبادئ قبلية . كما ترفض ربط الفكر وعملياته بالمعطيات التجريبية وحدها .لقد قرر باشلار أن الواقع العلمي بنية لا كائنات أو أشياء كم قرر أن الفكر هو أيضا بنية تتشكل من خلال الممارسة العلمية ، وهذا ما يؤكد النتيجة السابقة أي أن الفكر الرياضي الحديث و الفكر الفيزيائي الحديث يلتقيان بل يندمجان في تصور واحد للمعرفة .

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage