3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

عـلــوم التـربيـة عند ريمي هيس

الخط









عـلــوم التـربيـة عند ريمي هيس
 « Remi Hess »



 الزوهرة رابحي، رشيدة راجـل 




مقدمة
علوم التربية مادة جامعية لازالت جديدة بالنسبة للكثيرين ولكنها اكتست أهمية كبيرة في العلوم الاجتماعية بأوروبا منذ عشرين سنة. إذا كان عمر هذه المادة لم يتجاوز بعد الخمسون عاما في فرنسا فإن ألمانيا اعتبرت التربية والبيداغوجيا مادة جامعية منذ سنة 1807.
هذا الاقتسام التاريخي يختلف من بلد إلى آخر حسب تاريخ الجامعات وحسب العادات المتبعة في تكوين المعلمين وحسب الانفتاح الذي عرفته الجامعة الوطنية على الحركة المسماة التربية الجديدة والتي تتساءل عبر" روسو" عن الطرق المتبعة وتشيد بالإصلاح البيداغوجي.
ساد القول بأن ألمانيا اعتبرت علوم التربية كمادة فلسفية لأن الأساتذة الجامعيين خلال القرن 19 كانوا حاصلين على لقب أستاذ الفلسفة والتربية، أما في فرنسا فقد تم التفريق بين الفلسفة وعلوم التربية تحت تأثير:
- المدرسة"
la durkheimienne " التي ركزت في السوسيولوجيا على تحليل التساؤلات حول التربية.
-
تيار علم النفس التجريبي مع Benet الذي قام بإدخال مجموعة من الوسائل إلى البيداغوجيا.
في القرن العشرين العديد من الإنتاجات الجامعية اهتمت بالتربية، بعض المدارس (كمدرسة أرييس وبورديو مثلا) عرفت إشعاعا عالميا دون الاهتمام فقط بعلوم التربية ولكن أيضا بالتاريخ والسوسيولوجيا وعلم النفس، هذه الإنتاجات لم يتم اعتبارها مساهمة في بناء علوم التربية.
لكن التفكير في التربية كواقع خاص و مستقل هدف أتبث وجوده في فرنسا خلال الستينات من القرن الماضي تحت تأثير:
·                   الحركة البيداغوجية مع   Freinet,   Debesse ، Mialaret و Château  
·                   الكتاب المؤلفون الذين سيضعون أسس إبستمولوجيا هذه المادة كـ Michel Bernard, Jacques Ardoino  وغيرهما.
في هذا الكتاب يوضح " ريمي هيس " أن عرضه للسياقات لمختلف تيارات علوم التربية يندرج في عملية تأمل و تفكير في البراديغم.
إذن أي براديغم بالنسبة لعلوم التربية ؟
بالنسبة لـKuhn   البراديغم هو مجموعة من العناصر المشتركة بين أعضاء رابطة علمية، و نظرية البراديغم تقدم نقطة انطلاق لفهم الطرق المرجعية الخاصة بمختلف تيارات علوم التربية، لكن هذه النظرية تبقى جد محدودة.
كل تيارلا يمكن اعتباره مذهبا و لكنه نتيجة تطور أفكار مختلفة. من خلال النقاش الداخلي لكل تيار نستطيع استخراج نقط انطلاق لنقده.

و من جهة أخرى فإن الجدال بين مختلف التيارات يدل على وجود نقط قطيعة أو نقط عمياء في كل نظرية.
إن التقويم النقدي لمختلف التيارات يفرض علينا طرح مجموعة من الأسئلة: ما العلاقة بين النظري و التطبيقي؟ ما مدى مساهمة مختلف البراديغمات في الممارسة التربوية؟ ،إن البحث في هذا الاتجاه يوضح أن تحليل التيارات العلمية يسمح باستخراج أبعاد من أجل إبراز علوم تربية انتقادية موجهة نحو العمل.
التفكير في إبستمولوجيا المادة غير كاف بل يلزم وصف ممارسات كل شعب علوم التربية و هي تشتمل على مجموعة من الأبعاد: البحث، التعليم و إدارة المؤسسة.
و للتعمق في هذه الدراسة سوف نقدم تعريفا لمادة علوم التربية في فرنسا (في الفصل الأول )، ثم عرض لحالة المادة في ألمانيا  (الفصل الثاني ) باعتبارها سباقة في هذا الميدان و كذلك باعتبارها شريكا اقتصاديا لفرنسا، أما في الفصل الثالث فسنعرض مثال باريس باعتبارها أرضية لانتشار علوم التربية، وفي ملحق البحث سنعرض نظرية للمساهمة الثقافية للتيار الانكلو أمريكي في علوم التربية بفرنسا.


1-                 مادة متعددة المعارف
يجب الإشارة إلى أن التسمية الفرنسية لهذه المادة تتم بصيغة الجمع، نتكلم عن البيداغوجيا ولكن نقول "علوم التربية". هذا الجمع ذو معنى فهو قريب من المدلول الذي نجده في العلوم السياسية . فعلوم التربية تحدد نفسها أولا بهدفها التربية إذن فالجمع يحيلنا إلى مجموع المواد التي تساهم في دراسة الهدف المشار إليه.

1-1-  ما هي وظيفة علوم التربية؟
يمكن تفسير ماهية علوم التربية و وظيفتها حسب الطلب الاجتماعي. لماذا و متى تم خلق علوم التربية؟ على أي مطلب اجتماعي تحاول أن تجيب؟ ما هو السؤال الذي تم طرحه عند التفكير في خلق علوم التربية ؟
ظهرت علوم التربية في فرنسا في سنة 1967. ثلاثة أساتذة " جون شاطو " ( بوردو )، "موريس ديبيس " ( السربون ) و " كاسطون ميلاري " Caen" بدأوا بالترويج لإجازة جديدة، ولكن كانوا يترددون في التسمية : بيداغوجيا، بسيكوبيداغوجيا،علوم التربية، التربية أو علم النفس التربوي.
خلال الستينات  عرف النظام الإقتصادي تحولات كبيرة تطلب معها وجود كوادر و تقنيين مكونين وفي سنة 1966ما يقارب 100 بالألف من الشباب كانوا يتقدمون لاجتياز امتحان الباكالوريا. إن هذا التغيير أحدث تحولا جذريا في النظام التربوي نفسه، فخلال الستينات قامت الدولة بمجهودات مالية كبيرة وخاصة في تدريس المهن. بين سنة  1960و 1965 تم بناء عدد كبير من الإعداديات والثانويات التقنية.
في سياق هذا التحول المؤسساتي ظهرت في نهاية الستينات  بفرنسا مؤلفات تحدد سير النظام التربوي أو التربية عامة كـمؤلف «Les héritiers  »  " الورثة " لـ " بيير بورديو" و " جون كلود ياسرون "، وفيه يوضح الكاتبان تكريس فكرة أن الأغنياء لا يجدون أي صعوبات للنجاح في دراستهم الجامعية عكس الفقراء الذين يكتفون بشعب تناسب وضعهم الاجتماعي.
الصدى الذي تركه هذا المؤلف جعل الدولة تعي أن المجهودات الاستثمارية في مجال التربية غير كافية لحل المشاكل و لكن يجب تطوير البحث التربوي لفهم الآثار الفاسدة لمختلف السياسات المتبعة. ردود الفعل التي خلفها هذا الكتاب ساهمت بشكل أو بأخر في ظهور علوم التربية بفرنسا.



1-2- مايو 1968 إنشاء Vincennes
في الوقت الذي بدأ مشكل الفعل التربوي يتشكل –ما بين سنة 1960 و 1968 – ومحاولات المجتمع لإيجاد أجوبة لهم بالوسائل المتاحة آنذاك فإن انبثاق حركة مايو أنتج تسييسا لكل شئ مما أدى إلى تراجع في التفكير السائد آنذاك.
 إلى جانب مساهمة الدولة خلال الستينات في البناء و التمويل عرف النظام التربوي ظهور مناضلين في الحقل البيداغوجي عاشوا تحولات النظام و حاولوا توضيح انشغالاتهم (مثال حركة Freinet ).
هذه الحركات النضالية مهدت الطريق لظهور علوم التربية، وكان رد فعل الدولة إزاء هذه الحركة متباينا. من جهة تم إدراج مجموعة من المواد الجديدة في السلك الجامعي و إنشاء مراكز جامعية تجريبية، و من جهة أخرى تم ردع الانحرافات البيداغوجية المميزة في النظام التربوي: ما بين 1969 و 1973 تم توقيف 1000 أستاذ . إلى جانب علوم التربية ظهرت علوم جديدة شكلت جاذبية حقيقية للطلاب الباريسيين.
مثال Vincennes كان بليغا، فـ Paris VIII  استقطبت شخصيات من الأقاليم و الذين يعتبرون كمثيرين للفتنة  "Michel Foucaut " و "Alain Badiou "، فأصبح  Paris VIII مركزا عالميا للنقد الجامعي و ابتكار المواد الجديدة. في حين فقدت "Besançon " و "Reims"  وأقاليم أخرى مثقفيها ومفكريها. ظهور مواد جديدة في الجامعات الباريسية كان له أثر في تشجيع البحث في الشعب القديمة  :كالاهتمام باللغات النادرة.
إذن ففي هذا السياق رفعت جامعات ماي 1968 شعار تداخل المعارف.

1-3- تداخل المعارف في علوم التربية
هنا كمثال على فكرة تداخل المعارف في علوم التربية قدم " Remi Hess " نبذة عن مساره الجامعي حيث تتعدد معارفه في الآداب، اللغات (الألمانية)، السوسيولوجيا، القانون الفلسفة... إلخ.
Henri Lefebre  ، Edgar Morin و Barthes  من أبرز الممثلين لفكرة تداخل المعارف. هؤلاء لم يكونوا مختصين في مادة واحدة بل في مواد متعددة و  متداخلة وهذا هو هدف علوم التربية، في بداية الأمر أول الأساتذة الباحثون في علوم التربية جاؤوا من شعب مختلفة وقد أتبثوا كفاءتهم في مجال تخصصهم وفي علوم التربية أيضا.
ولكن هذه المادة استقطبت أيضا أساتذة وجدوا صعوبات في إثبات شرعيتهم في مجال تخصصهم، نذكر هنا « Georges Lapassade »  وأطروحته " الدخول في الحياة "  "l’entrée dans la vie "  هذا الكتاب مثال على تداخل المعارف، وقوة هذا الكتاب تكمن ليس فقط في مادته ولكن في طريقة تناول الموضوع. للإجابة على هذه الاسئلة المطروحة استعان الكاتب بالبيولوجيا ، الفلسفة، علم الاجتماع، علم النفس ... إلخ .
إذن " فالدخول في الحياة " مثل "كتاب الورثة " كتابات أبانت عن أهمية إعداد نظري جديد حول التربية، فبفضل" lapassade  " وكتابه ظهر في سنة 1971 قانون التكوين المستمر .

1-4- مادة تعني مهن فردية
ظهور علوم التربية في فرنسا يعود إلى فترة إدخال هذه المادة في النظام الجامعي، والصعوبة في هذه المادة هي أن التربية ليست الحافز الوحيد لعلوم التربية فكل المواد تدرسها. فكيف يقبل أساتذة علوم التربية الأبحاث المنجزة خارج أسوار جامعاتها ؟
هنا ذكر الكاتب " Michel Bernard " وكتابه حول التربية " نقد أسس التربية "، هذا الأخير تم تجاهله –رغم قيمته- إلا من طرف" Rémi Hess "، أما " Pierre Bourdieu " عالم الاجتماع وبفضل كتاباته وتراجمه حول التربية التي كانت تنشر بصورة موازية أصبح مرجعا لكل الطلبة الباحثين في مجال التربية.

1-5- المعهد الوطني للبحث التربوي
مؤسسة فرنسية تؤدي وظيفتها بفضل تفرغ  أساتذة السلك الثانوي . أعمالهم تتأرجح بين البحث الجامعي والشكل التقليدي للممارسة التعليمية . هذه المؤسسة كانت تقوم بنشر مجلات حول علوم التربية  كالمجلة الفرنسية للبيداغوجيا و البحث والتكوين.

2- مأسسة علوم التربية في فرنسا 
2-1- مادة إثنية « Ethnocentriste »؟
بعض الكتاب الفرنسيين الذين يعملون في مجال التربية في ألمانيا يعتبرون في فرنسا غرباء عن المادة و بالمقابل كتاب كلاسيكيون في علوم التربية في ألمانيا ينظر إليهم في فرنسا كفلاسفة أو علماء اجتماع إذن لا وجود لأرضية موحدة بأوروبا. هناك تفسير نفهم من خلاله سبب عدم انفتاح علوم التربية - في فرنسا - على الخارج هو أن الجيل الأول من الباحثين كانوا لا يتقنون أي لغة أجنبية، إلى غاية نهاية سنة 1980 حيث ظهرت شخصيات قادرة على التدخل في ندوات بإنجلترا أو بالولايات المتحدة . كما يشير الكاتب إلى ندرة التراجم في مجال علوم التربية نظرا لمشاكل عدة منها كلفة الترجمة، عدم اهتمام الناشرين بهذا النوع من الكتب و صعوبة مقاربة المادة.

2-2- بحث حالي حول الصلة بالمعرفة
يسعى" Bernard charlot "  إلى إيجاد تفسير "للفشل الدراسي" كمثال و يحاول توضيح مبدأ الصلة بالمعرفة، في النهاية يصل إلى النتيجة التالية و هي أنه لا وجود للفشل الدراسي، فعلا بعض التلاميذ يجدون صعوبة في متابعة الدراسة أو يرسبون أو يوجهون إلى شعب دون قيمة. " Bernard charlot " يقرر أنه لفهم الفشل الدراسي يجب تكوين مادة للبحث: كثير من المواد تساهم في نظرية الصلة بالمعرفة و لكن مهما تكن هذه المادة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار موضوعا في علاقته مع مواضيع أخرى. فتحليل الصلة بالمعرفة هي دراسة الشخص في مواجهة إلزامية التعلم في محيط يتقاسمه مع الآخرين. الصلة بالمعرفة هي صلة بالعالم، صلة بالذات، صلة بالغير. تحليل الصلة بالمعرفة هو تحليل علاقة رمزية فعالة و زمنية.
إذن ماهي المواد التي دعا إليها " Bernard charlot"   كي تساهم في نظرية الصلة بالمعرفة وعلم النفس بمختلف تخصصاته، السوسيولوجيا، الفلسفة و الأنتروبولوجيا.
Charlot يرى أنه لا يوجد حاليا أي سوسيولوجيا معرفة، بالنسبة إليه فهذه السوسيولوجيا أصبحت ظاهرة ملحة و مهمتها هي توضيح كيف أن الصلة بالمعرفة تبنى داخل علاقات المجتمع بالمعرفة.
و يحيلنا charlot إلى مقالة حول علوم التربية: " علوم التربية تندرج تحت هذه النظرية، فمن جهة علوم التربية تهتم بقضية التعلم بمختلف أبعاده حيث يمكنها أن تلعب دور ملتقى تقاطع مختلف المواد، ومن جهة أخرى هي مجال للمواجهة بين مختلف المواد و الشعب. كل واحدة على حدة تبني تساؤلاتها، وسائلها و مناهجها مع إمكانية أو إلزامية تبني تساؤلات أو إجابات الغير".
هذا المنظور يحتم على الباحثين التساؤل حول صلتهم الخاصة بالمعرفة.
هذه الفقرة الأخيرة تحيلنا إلى الفصل الموالي: علوم التربية بألمانيا.
و كخلاصة يمكننا أن نقول أن تداخل المواد و تعدد المصادر خصائص تميز علوم التربية بفرنسا منذ " الدخول في الحياة ""L’entrée dans la vie " لـ Lapassade  ( 1963) إلى " الصلة بالمعرفة "  Du rapport au savoir   " لـ  charlot ( 1997).

3-                  
لقد رأينا بأن علوم التربية ظهرت بألمانيا قبل فرنسا، بحيث أن أول مناصب التعليم الجامعي الخاصة بعلوم التربية ترجع الى أوائل القرن التاسع عشر، كما أن الباحثين المهتمين بعلوم التربية في ألمانيا أغلبهم أساتذة  جامعيين و عددهم يفوق عدد الباحثين المهتمين بعلوم التربية في فرنسا.
علوم التربية الألمانية لديها عادة التفكير الابستمولوجي في أسس التربية، هذا الوضع يفسر بالانغراس الفلسفي القديم لهذه المادة.
 منذ بداية القرن 19، كبار فلاسفة اللغة الالمانية التزموا بمناقشات تخص التربية  (Kant ، Fichte، Hegel، Schleiermacher، Dilthey  ) و آخرون التزموا بالبيداغوجيا التجريبية (,Fröbel  Herbart....) . بالإضافة إلى عدد من الممارسين الذين يكتبون بالألمانية مثل Pestalozzi، والذين شكلوا منذ بداية القرن 19 مجموعة قوانين تطبيقية كانت موضوع تعليق فلسفي جامعي كثيف.
لتقديم علوم التربية بألمانيا اعتمد الكاتب أساسا على أعمال  Christoph Wulf المعروف لدى الطلبة و المدرسين الألمان، أول كتبه المترجمة  إلى الفرنسية يرجع إلى سنة 1995 . Wulf ينظم تقديم علوم التربية بألمانيا انطلاقا من تساؤلات إبستمولوجية  حيث يطرح أسئلة مثل:   ماهي البراديغمات المكونة لعلوم التربية؟ كيف تطورت عبرالزمن؟ كيف يرتبط النظري بالممارسة؟ كيف نربط البحث بتغير الممارسات؟ ... إلخ. إنه يسعى إلى خلق تاريخ إشكاليات التربية.
ولد Christoph Wulf سنة 1944 و هو أستاذ علوم التربية منذ سنة 1973. درس بالجامعة الحرة ببرلين حيث نشط فيها فريق بحث حول الأنثروبولوجيا التاريخية للتربية، وهو كاتب لحوالي 50 مؤلف، و يعتبرمن أبرز ممثلي علوم التربية الألمانية المعاصرة.
إن محاولة تقديم علوم التربية بألمانيا تفترض عملا سياقيا دقيقا. العادات الثقافية مختلفة بين الدول. هكذا ترجمة مفهوم ما هي تمرين صعب ينحدرمن علم التفسير، فالترجمة من حيث أنها مجابهة لفكرة الآخر هي كذلك بحث له مكانته  في علوم التربية.
على سبيل المثال المعاجم تترجم عادة كلمة Erziehung بالتربية  و Padagogik بالبيداغوجيا، و لكن يجب معرفة أن في فرنسا البيداغوجيا تعنى أكثر بالأنشطة داخل الفصل في حين أن التربية تشمل في نفس الوقت الأنشطة المطورة داخل المدرسة، داخل الأسرة و داخل الحياة الاجتماعية.




1- إنشاء مادة انطلاقا من ثلاث براديغمات
استخرج Wulf على التوالي ثلاث براديغمات مكونة لعلوم التربية ، للبيداغوجيا و للتكوين في ألمانيا خلال القرن العشرين:
·                    التيار "الإنساني" لعلوم التربية و الذي يؤسس بحثه و تعليمه على العلوم الإنسانية  ( باعتبار الفلسفة واحدة من هذه العلوم ).
·                    التيار التجريبي
·                    تيار نظرية النقد ( مدرسة فرانكفورت )
بالإضافة إلى ذلك Wulf يشير إلى التأثير و الدور الذي لعبه النقد العقلاني ( Karl Popper) خلال العقود الاخيرة.
كل مدرسة لديها براديغم مكون من إشكاليات، أسئلة، وعلاقة بالميدان أو الممارسة التي تميزه. كل هذه الأبعاد يشتغل عليها بطريقة فريدة من طرف كل تيار. فالتفكير في أماكن مشروعيتها يفرض اليوم نفسه أكثر على علوم التربية التي عليها أن تتواجه أكثر فأكثر مع مختلف الوضعيات و المجادلات التي يصعب عليها إدراكها.

1-1- البراديغمات الثلاث
سنفحص على التوالي التيار الإنساني لعلوم التربية، التيار التجريبي ثم تيار نظرية النقد.
1-1-1- تيار البيداغوجيا الإنسانية
البيداغوجيا الإنسانية و التي عرفت نفسها كنظرية ( التربية للممارسة التربوية ) تصر على ما يلي:
·                   تاريخية التربية ( و دلالتها لفهم الممارسة التربوية )
·                   أهمية الطرق التفسيرية ( باعتبارها نظريات التأويل ) لفهم الواقع التربوي.
·                   ضرورة استقلالية التربية وعلوم التربية نسبيا عن باقي مكونات المجتمع.
·                   العلاقة البيداغوجية باعتبارها سيرورة تفاعلية بين الراشد و الطفل.
في الواقع، انطلاقا من سنة 1920 البيداغوجيا الإنسانية تطورت في امتداد أعمال Schleiermacher و Dilthey إلى غاية 1933 حيث فرضت نفسها كتيار علمي مهيمن في جامعات و كليات علوم التربية الألمانية، ومن بين أبرز ممثليها:
Herman Nohl, Edouard Spranger Theodor Litll, Wilhelm flitner,
 و Erich Weniger
خلال العشريات الأولى من القرن العشرين ظهرت البيداغوجيا الإنسانية بفضل Dilthey ثم بفضل  Nohl ، الاثنين معا يتعارضان مع التربية التي لها قواعد ( التربية الأخلاقية ) السائدة خلال القرن 19. طموحهما المشترك هو وضع أسس بيداغوجيا ملموسة على قيم وقواعد كونية. البيداغوجية الإنسانية تحاول التميز عن Herbart (1841- 1776 ) وتلامذته (Ziller, Rein… )الذين يربطون مشاكل الممارسة التربوية بقواعد أخلاقية عامة.

ماهي العناصر المكونة للبيداغوجيا الإنسانية؟
تعترف البيداغوجيا الإنسانية بأولوية الجانب التطبيقي على النظري فبالنسبة لها الواقع التربوي و الممارسة التربوية كانا دائما أساس ونقطة انطلاق كل المعارف النظرية و العلمية.
إذن يمكن تعريف علوم التربية كمادة تطبيقية تكون موضوعاتها انطلاقا من مشاكل لها علاقة بالممارسة.
الممارسة التربوية تعتبر جزء من الممارسة الاجتماعية التي لم تنسى تاريخيتها أبدا، هذا يفرض على علوم التربية التخلي عن معاملة جميع العصور و الشعوب بنفس الطريقة وبنفس المعايير، كما كان الشأن عليه بالنسبة لعلوم التربية للقرن 19 التي ترغب في التفكير في الكون. علوم التربية لن تقبل من الآن فصاعدا إلا بصلاحية تاريخية نسبية و متغيرة حسب الوضعيات.
البيداغوجيا الإنسانية تهتم بميزة كل وضعية تربوية وتعتبر أن مهمتها كعلم إنساني تتجلى في " فهم المظهر الفردي الوحيد للواقع التاريخي الاجتماعي من خلال الاعتراف بالقوانين التي تؤثر في تجانسها وفي تحديد الأهداف و القواعد التي تحكم تطورها " (Dilthey).
هكذا، فالبيداغوجيا الإنسانية مجبرة على الاعتراف بالظروف الاستثنائية في سياق عام، وعلى إيجاد دعامات عبر بحوثها للممارسة التربوية. إنها تجد في استعمال أساليب تفسيرية إمكانية التأويل المناسب لما تتميز به و تنفرد به الظروف الملموسة للممارسة.
البيداغوجيا الإنسانية تطور أيضا نظرية العلاقة البيداغوجية التي ترى العلاقة بين الأشخاص "نواة " التربية، و هي تركز على تحليل هذه الوضعية العلائقية الغير متوازنة بين الطفل و الراشد من أجل استقلالية الطفل (Hess, Weigand , 1994   (.
في كتابه لسنة 1995  Wulf يقدم هذا التيار عبر فحصه لبعض عناصر هذه النظرية التي تؤثر في العلوم الإنسانية: تاريخية التربية و علوم التربية، الدلالة الرئيسية لعلم التفسير بالنسبة لعلوم التربية، الإستقلالية النسبية للتربية و لعلوم التربية عن المجتمع، العلاقة البيداغوجية، العلاقة بين ما هو نظري و تطبيقي.

1-1-2- علوم التربية التجريبية
قبل الدخول في تفاصيل تاريخها، سنصف باختصار ما يميز هذا التيار، علوم التربية التجريبية تسعى إلى أن تختلف عن البيداغوجيا الإنسانية، و ذلك بمساءلتها عن معنى الممارسة. الفرق بين ما يوجد في ميادين التربية وبين ما هو مفروض تواجده لا يظهر إلا بفضل الممارسة. أثناء تطور علوم التربية التجريبية نلاحظ نمو تدريجي يأخذنا من محاولة انتظام خالص و بسيط مبني على إيجابية مثلى إلى توجه قائم على قواعد النقد العقلاني، والذي تصوراته تشكل حاليا الإطار المرجعي لجل التجارب.
في الواقع، ابتداءا من بداية القرن 20 أصبح البحث التجريبي التحليلي خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية عنصرا مكونا لعلوم التربية. إنه التصور المفضل لعلوم التربية تحت تأثير الفلسفة السلوكية، الأجرأة والتجريب المنطقي.
هذا البحث يريد أن يبين أن البيداغوجيا الإنسانية هي "غير علمية ". ومع ذلك فلوقت طويل محاولات هذا التيار لم تتوصل إلى زعزعة الوضعية المهيمنة للعلوم الإنسانية في ألمانيا حيث تتطور البيداغوجيا التجريبية على هامش علوم التربية الإنسانية.
في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، تحت تأثير الأبحاث التجريبية الأمريكية، علوم التربية التجريبية أصبحت لها أهمية أكثر من باقي التيارات. هذه النزعة التجريبية أظهرت فعاليتها في وصف الواقع التربوي. في سياق الخمسينات شبان ألمان مختصين في علوم التربية انطلقوا في هذا التيار المستلهم من أمريكا، في حين أن ممثلي البيداغوجيا الإنسانية احتفظوا تجاههم بمسافة تفسيرية نقدية.
أثناء الستينات و حتى منتصف السبعينات البحث التجريبي أخذ مكانه في مجال علوم التربية حيث أصبح من عناصرها الأساسية.
تطور البحث التجريبي هو جد مرتبط بمجهودات الإصلاح التربوي. والذي نأمل منه أن يصبح دعامة لسياسة تربوية جيدة تساعد في تنمية و إعطاء قيمة للإصلاحات. هذه المتطلبات الاجتماعية تعزز اليوم وضعية البحث التجريبي في علوم التربية فالنتائج المحصل عليها عن طريق التجريب مهمة في جميع فروع المعرفة.
تنمية هذا التصور تخص أيضا باقي العلوم الاجتماعية التي تستند أكثر فأكثر على مجال التربية. في هذا السياق التفريق بين البحث التجريبي في علوم التربية ( بحوث تربوية في معناها الضيق ) و البحث في التربية في معناها العام أصبح ضروريا.
و لكن تعقد موضوع البحث و العلاقة بين ما هو نظري و تطبيقي في مجال التربية يطرح مجموعة من المشاكل الخاصة التي لم يستطع البحث التجريبي حلها إلى حد الآن، إلى هذا تنضاف أسئلة متعلقة بمأسسة و بتنظيم و تمويل البحث، حيث يظهر ارتباطه بالسياسة و بالتخطيط التربوي.
بعد تطور متردد خلال النصف الأول من القرن العشرين و متسارع خلال الخمسينات و الستينات البحث العلمي اليوم هو مجال مسلّم به في علوم التربية الألمانية. مؤلف Wulf (1995) يقدم أكبر لحظات تطور هذا البحث في علوم التربية.
بالنسبة ل Wulf ، البراديغم العلمي للنقد العقلاني هو مرتبط بالبحث التجريبي، فتلاقيهما يمكن من فهم أفضل للوضعية الإبستمولوجية لعلوم التربية.
Wulf يميز بين أربعة مراحل تاريخية مر بها البحث التجريبي قبل الوصول إلى النقد العقلاني و الجدال العلمي التجريبي:

‌أ-  أعمال E.Meumann و W.August Lay مؤسسي البيداغوجيا التجريبية
Lay  أوكل إلى نفسه تأسيس بيداغوجيا تجريبية وطرق حديثة للبحث موجَّهة نحو التعليم، حيث أنه مقتنع بأن البيداغوجيا التجريبية تستطيع حل مشاكل الممارسة التربوية. لترسيخ البحث التجريبي في الممارسة التربوية Lay  و Meumann لا يشككون في أن الرجوع إلى البيداغوجيا الإنسانية يبقى ضروريا.
غير أن Meumann   يقول: " الهدف من علوم التربية هو إنشاء نظام متجانس لأهداف تربوية و قواعد أو مبادئ مقننة يجب اتباعها. البيداغوجيا في مجموعها تعتمد على أسس تجريبية ".
حسب Lay ، البيداغوجيا التجريبية هي علم يعرِّف كل ظاهرة بيداغوجية كنتيجة لأسباب  و النتائج " استخلاص أحكام و قياسات بيداغوجية ".
هذا التصور التجريبي يعتبر أن التحليلات التفسيرية التي تعتمد على دلالة المضامين في ميدان التربية ليست بالعلمية .
حسب Wulf  مثل هذا الحصر لبراديغم علمي في صلاحية المبدأ السببي غير مقبول في علوم التربية.

‌ب- المجهودات المبذولة من طرف Peter Petersen  وElse  ( 1920) لتأسيس البحث المتعلق بالحقائق البيداغوجية.

  مرحلة أخرى للتيار التجريبي وهي محاولة "Petersen  Les " إصلاح وتحسين التربية المدرسية، وذلك اعتمادا على طريقة الملاحظة. Peter Petersen  وElse  ينتقيان المعطيات موضوع الملاحظة داخل الفصل. نشاط الملاحظة يركز على التصرفات والسلوكات المهمة  إذن الملاحظة هي موجِّهة نحو الوضعية البيداغوجية ووصفها لأنها رئيسية في البحث عن الحقائق البيداغوجية.
 الوضعية البيداغوجية عرِّفت كما يلي: " دائرة حياة لوضعيات مشكلات تم وضعها قصدا، و هي مخصصة لمنح المحيط الأفضل لنضج الإنشاءات الإنسانية المحضة و القوى الفكرية للأطفال و الراشدين. إنها تحفز الشباب و تقدم لهم مهام جد مختلفة من خلالها يجب على كل واحد توضيح أفكاره ككائن له شخصية كاملة، نشيط، يتصرف و يستجيب مع اتخاذ موقف و ذو أداء نسبيا تام ".
فحص الوضعية كما عرِّفت صعب لأن المشاكل التي تتم مواجهتها تكون معقدة. عدة عناصر تتدخل في الوضعية البيداغوجية. في إطار مؤسستهما التجريبية بجامعة Iéna  " Petersen  " يلاحظان : تنظيم التعليم و التعلمات الملقنة، عمل المجموعة، أدوار التلميذ والمدرس. إنهم يؤكدون على تقييم الطفل لذاته و تقييم مجموع التلاميذ.
من أهداف ملاحظة الوضعية البيداغوجية مساعدة المدرس على تحسين حساسيته التربوية، ويتم إنجاز الملاحظة من قِبل المدرسين أنفسهم، والتي لها موقعها في تكوينهم و كذلك في التكوين المستمر. بالنسبة لـ Peter Petersen  وElse   يجب تطوير الاستعداد و القدرة لدى المدرسين على استكشاف ممارساتهم التربوية للوصول إلى المعرفة التي يمكن أن تساعدهم على تحسين سلوكياتهم والوضعية الاجتماعية للتعليم.

‌ج- أعمال Aloys Fischer  و Rudolf  Lochner  التي تهتم بإنشاء علم وصفي للتربية
  Aloys Fischer  و Rudolf  Lochner  قاما بتطوير أسس البيداغوجيا الوصفية في سنة 1914 و 1927. Fischer  يفرق بين التربية كحقيقة و التربية كمهمة: " الشخص الذي يدرس لا ينتج المعرفة. ليست مهمته معرفة الطفل الذي يدرس و لا المادة التي يعمل على إيصالها ولا الطريقة التي يستخدمها. الشرط الأساسي لنشاطه هو أن يكون متمكنا من المواد الدراسية التي عليه نقلها، هذا يعني أنه يكتسب موازاة مع النشاط التربوي معارف و معلومات أخرى مثلا حول الاختلافات بين الأطفال. و من المعلوم أيضا أنه يجمع تجارب على إثر مبادراته التربوية يعيد استعمالها بطريقة فطرية".
Fischer  يصف الممارس بشكل سلبي. بنفس الطريقة Lochner  يقول : " علوم التربية هي علوم نظرية مستقلة خالصة.... ترتكز على مجموعة من الظواهر التربوية التي تستنتجها و تصفها انطلاقا من وفرة ظواهر حياتية أخرى. إنها تشرح الظواهر التربوية  و تبحث عن فهمها و تأويلها. و هكذا من خلال طبيعتها الوصفية، الإيجابية، التجريبية و التفسيرية هي تقريبا لا تختلف عن باقي العلوم المشابهة لها   مثلا علم الاقتصاد، علم النفس و علم الإحياء" .

‌د- مجهودات Heinrich Roth  لتأسيس " إصلاح واقعي " لعلوم التربية، و التي سمحت بربط تقاليد البيداغوجية الإنسانية بالبحث التجريبي التحليلي، هذا التصور يقود إلى النقد العقلاني.

تحت اسم " إصلاح واقعي لعلوم التربية "  Heinrich Roth   فرض في الستينات من القرن 20 إعادة توجيه لعلوم التربية. لقد استنتج أن البيداغوجيا الإنسانية التي تستبعد كل فروع المعرفة و التي حددت كهدف لها بحث تاريخي ينهج المثالية جعلت من الطريقة التأويلية التاريخية الأحادية الطرف طريقة علوم التربية. إنه ينادي بدمج المعارف المحصل عليها تجريبيا و المهمة بالنسبة للبيداغوجيا مع تفادي التجزيء، التشتت و الانفجار الذي يمكن أن يسببه المزج بين المعارف التي أنشأت من طرف عدد كبير من العلوم كعلم النفس، علم الاجتماع، علم التحليل، علم اقتصاد التربية .
انطلاقا من هذا التقييم Roth  يقول: "الإصلاح الواقعي " لعلوم التربية يفرض نفسه كـ :
·                   محاولة ضد نزعة تجزيء البيداغوجيا إلى مجموعة علوم مستقلة
·                   مجهود لمنع اختفاء الاهتمام البيداغوجي بالعمل
·                   محاولة لمعالجة القطيعة بين النظري و الممارسة في العمل.
Roth يعيد تركيب علوم التربية كفرع للمعرفة لوحده، و الذي يعرفه كـ " علم الإدماج " الذي يجب عليه ربط الإشكالية التربوية بمجموع المعارف المتراكمة في العلوم، لأنه يعتبر أنه فقط من خلال هذا الإدماج  يمكننا أن نمنع هذه المعارف من أن تبقى بدون تأثير.

1-1-3- علوم التربية النقدية
قبل الدخول أكثر في تفاصيل تاريخها سنصف باختصار نوعية هذا التيار الذي لم يجد موافقة مباشرة بفرنسا.
علوم التربية النقدية تتطور على غرار النظرية النقدية لمدرسة Francfort، إنها تصر على الطابع الاجتماعي للتربية. ميدان التربية له مكانته في منظور التكوين و تحرير الإنسان. التحليل الإيديولوجي النقدي للسياق الاجتماعي حيث توجد التربية هو من بين شروط تحقيق سيرورة التحرير. مثل هذا التحليل يساعد على اكتشاف علاقات التبعية التي يجب على الشبان التخلص منها. للدخول في مثل هذه الدينامية التربوية يلزم دليل تكويني: سيكون هو النظرية النقدية للتربية.
ما هي العناصر المكونة لعلم التربية النقدية؟
علم التربية النقدية ينطلق من طابع تاريخي اجتماعي للممارسة التربوية و لعلم التربية. إنه يفهم ميدان عمله كنتاج لظروف اجتماعية و سياسية و اقتصادية التي يجب أن يكون نقديا تجاهها.
علم التربية النقدية كالنظرية النقدية للمجتمع يضع الممارسة في المقدمة قبل ما هو نظري. و لكن النظرية النقدية للتربية لا يمكنها، كالبيداغوجيا الإنسانية، أن تنطلق من تقييم للممارسة. كما يجب عليها أن تأخذ بعين الاعتبار أن الظروف المتوفرة تنتج وضعيات تربوية غير مرضية. إذن عمل النظرية يتجلى في تحيين وتغيير هذه الوضعيات على ضوء أفكار الفكر النقدي. هذا النقد للممارسة التربوية يتحقق على ضوء نقد إيديولوجي من أجل مساعدة الممارسة على التحسن. إنه البعد المكون للنظرية النقدية. يجب على النقد الإيديولوجي أن يفكر في قواعد و أهداف التربية التي لها علاقة مع الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي يوفرها المجتمع حيث يوضح كيف أن هذه القواعد و الأهداف تفيد في إدراك الحقيقة و كيف تخفي و تحافظ على البنيات الخفية للسلطة.
علم التربية النقدية ينطلق من تحليل التناقضات الاجتماعية التي يشتغل داخلها النظام التربوي مع توضيح البنيات الاجتماعية التي تحدد الحقل التربوي. العمل التربوي يحتاج هذه النظرية للخروج من الوضعيات المتناقضة التي تواجهه رغم أنها لا تعطي وصفة تربوية.
علم التربية يستهدف السيطرة، الإضطهاد،اغتراب الذات و التشيئ بارتكازه على الكشف، التحرير و العزيمة الذاتية. خلافا للبيداغوجيا الإنسانية، التربية لم تعد تفهم فقط كسيرورة فردية و لكن أيضا كسيرورة جماعية عليها أن تساهم في تطوير أكبر عدد ممكن من الوضعيات الاجتماعية " العقلانية ". لكي تحقق التربية أهدافها يجب أن تساعد على أن تحيى العلاقة نظري / ممارسة بشكل بناء.

1-2- التقاء البراديغمات الثلاث:
ختاما، في ألمانيا المجادلات بين البيداغوجيا الإنسانية و علوم التربية التجريبية  وعلوم التربية النقدية تعكس النقاش بين مجموعة وضعيات منهجية: علم التفسير، النقد العقلاني و النظرية النقدية. جرد مناقشات علوم التربية ليس ممكنا إلا باعتبار وضعيات علمية و نظرية عامة تنفع كخلفية و كأساس للمجادلات.


2- الوضع الراهن في ألمانيا
2-1- " المعرفة البيدغوجية " كعامل موحد
في مؤلفه لسنة 1995، لاحظ  Wulf  أن هناك تنوعا وتشعبا في أفكار التيارات التي أسست علوم التربية في ألمانيا.
كل براديغم لا يملك شرعية إلا في مجاله الخاص. بعد إحصاء تحليلي يمكن أن نعي كل إضافات مختلف التيارات و كيف يمكنها أن تعيد صياغة تفسير مشروع مستقبلي لعلوم التربية.
لا يمكن الحديث عن العلم والمعرفة إلا في إطار منظور متعدد المعارف، فإلى جانب المواد المعروفة التي تهتم بالتربية ( علم النفس، السوسيولوجيا... ) فإننا نتيح الفرصة لمقاربات جديدة و متنوعة كالأدب. هذا التطور يخلق أشكالا جديدة لتحليل المعرفة البيداغوجية.
يقوم مبدأ المعرفة البيداغوجية بإشراك أشكال مختلفة للمعرفة كالسياسة و التربية التقنية، البراغماتية ...، فحسب هذا المبدأ يمكننا التمييز بين المعرفة التطبيقية، المعرفة الفكرية، المهارة، المعرفة على التشخيص، معرفة التوجه و معرفة الفعل.
إن إعداد مبدأ المعرفة البيداغوجية يحيلنا إلى إعادة اكتشاف الوضع الأنتربولوجي الذي ما فتئ ينشر في علوم إنسانية أخرى.

2-2- أبعادية تيار الأنتروبولوجيا التاريخية للتربية
تلعب المعرفة الأنتروبولوجية  دورا هاما في علوم التربية و في علم البيداغوجيا التطبيقية. فكل باحث أو مربي أو مدرس يمتلك معارف أنتروبولوجية والتي بدونها لا يستطيعون القيام بعملهم، إنها معرفة مضمرة الإفصاح عنها يتطلب عملا شاقا. لهذا وجب على المختصين في علوم التربية و المتمرسين عقلنة الخاصيات الأنتروبولوجية التي هي أساس عملهم.
إذن  فلم يعد للمعرفة  الأنتروبولوجية أي نظام مرجعي تابث فهي غير مرتبطة  بموضوع محدد ولا يمكن تحديده بصفة نهائية. فالمعرفة الأنتروبولوجية تثير تساؤلات جديدة، أبعاديات، تيمات في علوم التربية.
و في مايلي ملخص لصياغات Christoph Wulf :
¨                الأنتروبولوجيا التاريخية للبيداغوجيا تأخد بعين الإعتبار تاريخ الباحث و تاريخ موضوعه ( الإنسان مثلا ) في محاولة للربط بين أبعادياته و مناهجه وأبعاديات ومناهج موضوعه.
¨                في محاولة لفهم ذاتها يجب على علوم التربية إدخال نقد انتربولوجي يقوم بتقسيم الاختصاصات وتوضيح حدودها
¨                مهمتها التحليل ، التنظيم ،إعادة التقييم ، إنتاج المعرفة  حصيلة علوم التربية نسف المبادئ البيداغوجية كالتربية السليمة ل Rousseau ، التربية الأولية لـ  Pestalozzi أو التكوين المطلق لـ  Humblodt .
¨                انتربولوجيا البيداغوجيا تنتج استقلالية نتائجها بالمقارنة مع شروط إنتاجها.
¨                تتأسس المعرفة البيداغوجية داخل خطابات مختلفة أو متناقضة .
¨                أنتربولوجيا المعرفة منفتحة على باقي العلوم .
¨                حاليا الانظمة التربوية لا تأخذ بعين الإعتبار انتظارات المتعلمين ، لذا هناك تساؤل يطرح نفسه حول الملاءمة بين المعرفة البيداغوجية و الواقع الاجتماعي و المؤسساتي والبيداغوجي .
¨                تلاشي الحوافز بين مختلف أشكال المعرفة وابتكار أشكال جديدة للمعرفة .
وملاحظة أخيرة عن هذا التيار: الانتربولوجيا التاريخية تجمع بألمانيا 150 باحثا داخل لجنة دائمة للمجتمع الألماني من أجل علوم التربية، هذا التيار يكتسي أهمية كبيرة حيث يحاول دراسة التربية من زاوية أنتربولوجية وأخرى تاريخية .




اقتداءا بـ Gaston Mialaret  ومن أجل توضيح واقع مادة علوم التربية اختارHess Remi تقديم اتنوغرافيا منطقة Paris VIII التي فرضت وجودها بفضل عدد وجودة الطلاب و المدرسين وبفضل الممارسات المبتكرة على المستوى البيداغوجي وعل مستوى البحث وإشراكه في الحياة الجامعية .

1- مشروع بيداغوجي فريد
1-1            إنشاء علوم التربية في Vincennes
    عندما تم إنشاء Paris VIII كامتداد لحركة مايو 1968 بفانسين،  ويكمن الجانب الإبداعي لهذه الجامعة في طابعها التجريبي الذي يمكن لمسه على مستوى اختيار المدرسين و المواد المدرسة بالإضافة إلى هذا أن المركز التجريبي كان يستقبل طلابا  دون مستوى الباكالوريا ، المأجورين و الأجانب ، كان يخالف التنظيم الوطني  فمثلا ابتداء من سنة 1971 أصبح للطلبة الحق في التسجيل في شعبة علوم التربية ابتداءا من السنة الأولى في حين أن جامعات أخرى لا تمنح هذه الفرصة إلا بعد الحصول على دبلوم السلك الأول ( سنتان ) في شعبة أخرى .
فعلا وفي السنوات الأولى في باريس ParisVIII  لم تكن علوم التربية شعبة قائمة بذاتها ولكن سرعان ما أصبحت لهذه الجامعة الصلاحية في إعطاء الإجازة و الدكتوراه في علوم التربية  التي أصبحت من أهم الشعب في الجامعة، ومنحت لهذه الأخيرة أهمية بالغة من خلال نظامها الأساسي الفريد، حيث أنها كانت تتمتع باستقلالية في الإدارة : الأساتذة هم المشرفون عل الإدارة والطلبة يشاركون في الاجتماعات وكانت القرارات تتخذ بصفة جماعية .
ومن نتائج هذه السياسة المتبعة داخل ParisVIII  تزايد عدد الطلاب بشكل كبير حيث وصل إلى 2000 طالب ، في حين أن هذا العدد لا يتجاوز المئتين في الجامعات الأخرى .

1-2            المجلس الجماعي :
  وهو اجتماع أسبوعي لهيئة التدريس بأكملها في Vincennes، وإلى غاية سنة 1981 كان لهذا المجلس كل الصلاحيات الإدارية : اختيار الأساتذة ، المصادقة على القرارات ( على المستوى البيداغوجي كتنظيم الدراسة ، اختيار المقرر السنوي ... ) . هذا النظام ينبني على إدارة ذاتية تضمن لكل أستاذ حق التعبير عن رأيه في تسيير الجامعة .

1-3            وجود George Lapassade
ولج  G.Lapassade   Paris VIII  في سنة 1972 كمدرس في شعبة العلوم السياسية ثم في شعبة علوم التربية سنة 1973. وجوده إلى جانب  Michel Lobiot  ساعد على إعطاء الأهمية لهذه الشعبة داخل وخارج Paris VIII .

1-4            الانتقال :
الانتقال الذي عرفته الجامعة في سنة 1980 خلق مجموعة  من المشاكل والفضاء المتاح تقلص إلى 50 % مما ألزم توقف هذا التزايد خصوصا في علوم التربية، وفرضت إدارة الجامعة أعدادا محددة لكل شعبة مما أدى إلى تقليص عدد المناصب، وبذلك وابتداءا من سنة 1984 أصبحت علوم التربية لا تدرس إلا بعد سنتين من الدراسة الجامعية وفقد المجلس الجماعي سلطته بعد سنة 1987.

1-5            صورة علوم التربية في الجامعة :
كان الشغل الشاغل للمدرسين و الباحثين الفرنسيين في علوم التربية هي الفكرة التي كونها القائمون على الشعب العتيقة عن المادة لاسيما وأنها تعتبر شعبة في بدايتها.
فبالرغم من الأهمية التي اكتستها داخل الجامعة فقد كانت تتعرض لبعض الانتقادات مثلا فقد تم التشكيك في جودة بعض البحوث، وفي نفس الوقت كان المختصون في علوم التربية يناقشون بعض الأفكار مع أساتذة المواد الأخرى الذين وبالرغم من انتقاداتهم للمادة كانوا يعترفون بنشاطهم في البحث الميداني .
لكن هذا الانطباع السلبي لم يكن بسبب المادة بقدر ما كان بسبب أشخاص معنيين مما كان ينعكس سلبا على نتائج الانتخابات الخاصة برئاسة الجامعة.

2- شعبة علوم التربية في Paris VIII من خلال الإصدارات :
في هذا الباب حاول Remi Hess أن يستعرض مجمل إصدارات مؤسسي الشعبة في Paris VIII  من كتب ومجلات في محاولة للإجابة عن سؤال سبق طرحه من طرف G.Lapassade في مجلة  « Pratique de formation » سنة 1994 : هل توجد مدرسة لعلوم التربية في Paris VIII  ؟ وفي رأيه ومن خلال استعراض الانتاج الأدبي للشعبة بأقلام مؤسسيها ومدرسيها فإنه يرد بالإجابة على هذا السؤال ويبدي ملاحظته بأن هذا الجواب يظل رأيا شخصيا . وللمزيد من الإيضاح ، نحيلكم على الصفحات 79 إلى 94 من الكتاب ، للإطلاع على أسماء الكتاب و انتاجاتهم منذ إنشاء شعبة علوم التربية في سنة 1969 إلى أواخر التسعينات .




في هذا الكتاب ، حاول الكاتب أن يعرض علوم التربية من خلال تطورها في فرنسا و ألمانيا ، حيث أنه قدم العناصر التي تتيح للقارئ أن يقارن بين هذين البلدين مع الإشارة إلى أن بعض التيارات التي عرفت في ألمانيا تبقى ذات تأثير محدود في فرنسا . وفي المقابل بعض هذه التيارات التي حددت معالم علوم التربية في فرنسا ليس لها تأثير في ألمانيا كالتيار البنائي.
فكتاب مشهورون في فرنسا مثل Wallon  و Piaget هم شبه مغمورين في ألمانيا . ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك نقط تقارب بين هذه التيارات والتي تستحق تسليط المزيد من الضوء عليها.




















نموذج الاتصال
NomE-mailMessage