3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

حركة الترجمة في العصر العباسي

الخط



حركة الترجمة في العصر العباسي

د. معن علي المقابلة
وزارة التربية والتعليم الأردنية



















المقدمة

التواصل الثقافي بين الحضارات له عدة أشكال وطرق, والترجمة تعد أرقى هذه الطرق إذ من خلال ترجمة ثقافة الآخر تنساب أفكاره ومعتقداته وتجاربه بسهولة ويسر. والحضارة العربية الإسلامية وبالتحديد في العصر العباسي المبكر لعبت الترجمة دور في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية من خلال انفتاح الدولة العباسية على تراث الأمم السابقة سواء تراث الشعوب التي خضعت تحت سيطرة الدولة العباسية كالفارسية أو الشعوب المجاورة كاليونانية والهندية والصينية وكان أهم أسباب انطلاق حركة الترجمة تبني النخب السياسية في الدولة العباسية ممثلة بالخلفاء لهذه الحركة مما أدى إلى إطلاق قوى المجتمع بحيث أصبحت ثقافة عامة للمجتمع شارك فيها جميع النخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فكان تأثر وتأثير الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى واضحا سواء التأثيرات العلمية واللغوية والاقتصادية والإدارية وغيرها.

  

تعد الترجمة من أوضح الصور والأمثلة علىالتواصل الثقافي مع الآخر سواء كان هذا الآخر ثقافة منافسة أو مغايرة أو معادية فهو تواصل وعليه نستطيع القول بأن هناك تواصل ايجابي وآخر سلبي(1)
وفي حالة الحضارة العربية الإسلامية، فالتواصل مع الآخر كان تواصلا ايجابيا، ارتبطت فيه ظروف ذاتية وأخرى موضوعية. فأما الظروف الذاتية فجاءت من القيم التي جاء بها الإسلام والتي شجع فيها العلم والعلماء وحض أتباعه على ملاحقة الحكمة على اعتبار أنه الأولى بها، حتى وان كانت في الصين (2) أما الظروف الموضوعية فقد ارتبطت بحركة الفتوح الاسلامية وما استقرت عليه هذه الفتوح، اذ دخلت في كنف الدولة الاسلامية حضارات وشعوب مختلفة، كالفارسية والهندية واليونانية وغيرها، ومراكز حضارية متنوعة ذات ارث ثقافي كبير كالاسكندرية، وحران، ومرو، وجنديسابور، وغيرها والتي أصبحت المادة الغنية لحركة الترجمة في العصر العباسي وتعود أهمية الفتوحات الاسلامية، كما يرى غوتاس الى : " أن مصر والهلال الخصيب وحدت مع فارس والهند سياسيا وادرايا والأبلغ في الأهمية كان التوحيد الاقتصادي اذ أنه حدث لأول مرة منذ الاسكندر الكبير ولمدة قيض لها أن تمتد أطول بما هو واضح من حياته القصيرة. ان الحاجز الاقتصادي والثقافي الكبيرة الذي يفصل العالم المتمدن لألف سنة خلت قبل ظهور الاسلامم والحد بين الشرق والغرب الذي أقامه النهران الكبيران والذي خلق قوات متنافرة في كل من جهتيهما انتهى إلى غير رجعه . وهذا أتاح الفرصة للمواد الخام والمصنوعات والمنتجات الزراعية وعناصر الرفاهية والناس والخدمات والتقنيات والمهارات والأساليب وطرق التفكير أو تنتقل بحرية" (3). وكان من نتائج الفتوحات الاسلامية الهامة أيضا ادخال صناعة الورق للعالم الاسلامي عن طريق الأسرى الصينيين (4).
وعليه نستطيع القول بأن التطور الثقافي والالتقاء بين الشرق والغرب كان من نتائج الفتوحات الاسلامية التي أزالت الحواجز بين الشرق والغرب ووحدت مناطق وشعوبا كانت قبل ذلك في حالة حراب وتنافر.
ومن الأسباب المهمة في انطلاق حركة الترجمة وصول العباسيين في السلطة وبناءهم لمدينة بغداد، اذ قام في بغداد مجتمع متعدد الثقافات أساسه المزيج السكاني المختلف ديموغرافيا في العراق الذي تألف من مسيحيين ويهود ناطقين بالآرامية،وكانوا يشكلون أكثر السكان المستقرين ومن ةناطقين بالفارسية الذين وكانوا يتمركزون في المدن، وكذلك العرب المسحيين الذي كانوا مستقرين مثل سكان الحيرة على الفرات، وغيرها من الأثنيات.
وقد مزج هذا الخليط الثقافي والاثني في بوتقة واحدة رعتها النخبة السياسية العباسية وقدمت لها الحماية، مما أدى الى خلق ثقافة جديدة. نظرت الى التراث الضخم للحضارات السابقة نظرة ايجابية فاخذت تنهل من هذا الارث الضخم في أكبر وأطول حركة ترجمة عرفها التاريخ (5). وإذا كان للخلفاء العباسيين كما يرى كثير من الباحثين الدور الرئيسي في اطلاق حركة الترجمة وبخاصة الخليفة أبو جعفر المنصور والتي تتحدث كتب التاريخ أنه أمر باحضار بعض كتب الطب لترجمتها مع استدعاء بعض الأطباء من جند يسابور لمداويته من علة أصابته، ومع اتفاقنا من ان الخليفة المنصور كان له قصب السبق في إطلاق هذه الحركة إلا أننا لا نتفق مع السبب الذي جعل الخليفة يتبنى هذه الحركة فحركة بهذا الشمول والتي امتدت بعده أكثر من قرنين لا يعقل أن تكون حركتها حاجة محددة لدى الخليفة, أضف إلى ذلك أن المنصور أمر بترجمة بعض الكتب في المجالات الأخرى غير الطب
ان هذا الامر يتفق وفلسفة المنصور في ادراة الدولة فمن المعروف أن المنصور كان يهتم بدقائق الأمور في ادارة الدولة وعرف عنه متابعته الحثيثة وبشكل سخصي لكل شاردة وواردة في الدول، ويتفق كثير ممن الباحثين أن المنصور رجل دولة من الطراز الأول ويعد المؤسس الحقيقي للدولة العباسية فقد رأى أن الانفتاح على تراث الأمم السابقة والتي ورثتها الدولة العباسية ضرورة للدولة الناشئة، ولدينا نص في غاية الأهمية يقدمه لنا الاخباري محمد بن علي العبدي الخراساني يؤكد ما ذهبنا اليه، يقول الاخباري : " وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجمية الى العربية منها: كتاب كليلية ودمنه وكتاب السندهند وترجمت له كتب ارسططاليس من المنطقيات وغيرها وترجم له كتاب المجسطي لبطليموس وكتاب الارتماطيقي كتاب اقليدس، وسائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية وأخرجت الى الناس فنظروا فيها وتعلقوا الى عملها" (6) هذا النص قدمه الاخباري للخليفة القاهر 320-322 هـ عندما طلب الاخير منه أن يقدمم له أخبار خلفاء بني العباس من السفاح حتى عهده. من هذا النص يتبن أمرين مهمين الأول فعلى الرغم من أن عصر الخليفة المنصور قد طغى عليه اهتمام المنصور بتوطيد أركان الدولة وتخليصها من أعدائها الى جانب بناء مدينة بغداد إلا أن الاخباري يضيف تدشينه لحركة الترجمة، وهذا ما جعل الاخباري السالف الذكر أن يجعل من هذا الأمر عنوان حديثه عن المنصور للخليفة القاهر. أما الأمر الثاني تنوع الكتب المترجمة بين الأدب (كليلة ودمنة) والفلك (السندهند) والفلسفة المتمثلة في الكتب اليونانية الى جانب تنوع  مصادر هذه الكتب (يونانية ورومية وفارسية وسريانية .. الخ) مما يدل على أن المنصور كان مدركا لأهمية ترجمة تراث الأمم السابقة كما أن استمرار خلفاء المنصور في عملية الترجمة تدل على سياسة دولة وليس سياسة شخص تنتهي بوفاته، ثم أصبحت حركة الترجمة ثقافة عامة للمجتمع تبنتها إلى جانب النخبة السياسية ممثلة بالأسرة العباسية ووزارئهم والنخب الأخرى من اجتماعية وثقافية واقتصادية، بل رأينا عائلات بأكملها ساهمت في حركة الترجمة ودفعت أموالا طائلة من مالها الخاص للحصول على علوم الأوائل وترجمتها كأسرة بختيشوع وأسرة موسى بن شاكر "ويذلوا فيها الرغائب وأتعبوا نفوسهم فيها ونفذوا الى بلاد الروم من أخرجها اليهم، فأحضروا النقلة (المترجمون) من الاصقاع والأماكن بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة" (7). ومن هؤلاء المترجمين ايضا ابن المدبر وإبراهيم بن محمد بن موسى الذي كان حريصا على نقل كتب اليونانيين الى لغة العرب مشتملا على أهل العلم والفضل وعلى النقلة خاصة" (8)
نخلص إلى القول أن نقل تراث الاوائل كان قرارا من أعلى سلطة في الدولة العباسية وهم الخلفاء معتبرين دولتهم ورثة هذا التراث. وهذا الأمر أدى الى تحرير القوى الفاعلة في المجتمع لتبدأ هذه الحركة وبهذه الضخامة، وكما ذكرنا آنفا أن الأسباب لحركة الترجمة لم تكن أسبابا شخصية وانما ارتبطت بظروف تطور الدولة وكان من أهم هذه الأسباب، أسباب فرضتها حاجة الدولة من أجل اعداد كوادر الدولة من موظفين اداريين لديهم معرفة بأمور المحاسبة ومسح الأرض والهندسة، وهذا ما جعل االاقبال المبكر على ترجمة العلوم الرياضية كالحساب والهندية وحساب المثلثات والفلك، فكتاب الأصول لاقليدس ترجم لأول مرة أيام الخليفة المنصور  (9).
وهناك حاجة أخرى بدأت تظهر في العصر العباسي وهي الانفتاح على مواطني الدولة المختلفين في العقيدة من خلال مجالس المناظرات والجدل والتي رأى بعض الخلفاء الحاجة الى ترجمة بعض كتب الفلسفة اليوانية لصقل قدراتهم بفن المناظرة والمجادلة والحوار والتي بدأت تظهر في عهد الخليفة المهدي (158-169هـ/754-775م) ومن هذه الكتب كتاب المقولات لأرسطو وعلى ما يبدو أن المهدي اهتم اهتماما خاصا بهذا الأمر فقد قرأ هذا الكتاب ودخل في حوار مع بعض رجال الدين المسيحي من باب الدفاع عن الاسلام ومعرفة عقيدة وفكر الآخر الذين يعيشون في كنف الدولة وينتمون بالمواطنة اليها. فقد دخل في حوار من الجاثلين مستخدما أدوات وفن الحوار الذي تعلمها من كتاب المقولات لأرسطو، وبعيدا عن مادة الحوار (10) فان اللافت للنظر أن المهدي تعامل مع الآخر في الدولة علىمبدأ الحوار والتواصل على اعتبار أنهم مواطني الدولة وان اختلفوا في الدين فكان مثالا رائعا على التواصل مع الآخر الذي يعيش في كنف الدولى ويشكل جزء لا يتجزأ منها وأن اختلف في العقيدة (11).
ونجد التواصل الثقافي في أبهى صورة قد تمثل في التقاء الحضارة الاسلامية بالحضارة الفارسية، فبعد انتقال الخلافة العباسية الى العراق وقبل ذلك الدور الي لعبه الفرس في قيام الدولة العباسية حدث التقاء وامتزاج بين هاتين الحضارتين تجلى في أكثر من صعيد كان من أهمها الأثر الكبير الذي أحدثته اللغة العربية باللغة الفارسية، فعلى الرغم من أن اللغتين لا ينتميان الى أصل واحد فاللغة الفارسية تعود اصولها الى مجموعة اللغات الآرية او الهندية- أوروبية، أما اللغة العربية فهي احدى اللغات السامية (12).
وعلى الرغم من هذا الاختلاف الجوهري بين اللغتين إلا أنه لم يحل دون تأثر احداهما بالأخرى، وان كان أثر اللغة العربية في اللغة الفارسية أكثر وذاك كونها لغة الدين الذي أقبل عليه أهل فارس واعتنقته أعداد كبيرة منهم، كما أصبحت العربية لغة الثقافة والفكر والمتتبع لأثر اللغة العربية في اللغةالفارسية يجد أعدادا لا تحصى من المفردات العربية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من اللغة الفارسية وخاصة منها المتصل بالاسلام والحياة الاسلامية مثل صلاة، زكاة، حج، مسلم، جهاد ... الخ وبعد ان دخلت المناطق الفارسية في كنف الدولة الاسلامية دخلت الفاظ ومفردات ارتبطت بالحياة السياسة والادارية، فمن المعروف أن المسلمين أبقوا على النظم المالية والادارية في المناطق المفتوحة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل نجد التأثير يصل الى قواعد الفارسية نفسها كالروابط مثل حروف الجر وأسماء الإشارة وحروف النداء والتنبيه واستعمال المفعول المطلق في مجال التاكيد، وتقيد الجمل العربية في التقديم والتأخير وغيرها (13)
كما أخذت الفارسية من العلوم العربية أوزان الشعر وعلم القوافي، كما وضعت المعاجم الفارسية على اسلوب المعاجم العربية (14)
إلا أن أهم مظهر من مظاهر تأثر اللغة الفارسية باللغة العربية وهو مثال واضح على التواصل الثقافي بين الحضارتين واللغتين اتخاذ اللغة الفارسية للأحرف العربي أداة للكتابة، وكان من أهم الأسباب التي دفعتهم لاتخاذ مثل هذه الخطوة الأعداد الكبيرة التي دخلت منهم في الاسلام مما دفعهم لتعلم اللغة العربية لفهم أمور دينهم وأخذوا تدريجيا التخلي عن لغتهم الأم، فطيلة القرنين الأول والثاني الهجريين أصبحت اللغة العربية هي اللغة المستخدمة في بلاد فارس (15) وبعد أن ضعفت الخلافة العباسية وتراجع نفوذها في الأقاليم البعيدة عن العاصمة بغداد قامت بعض الدول التي انفصلت سياسيا عن الخلافة ودخلت في حالة شد وجذب مع الخلافة في كالدولتين الصفارية والسامانية(16) .
فأخذت هذه الدويلات بإحياء اللغة الفارسية إلا أنها اتخذت الأحرف العربية (17). كما أن اللغة العربية أصبحت لغة الثقافة والفكر فكان معظم المفكرين الفرس يكتبون مؤلفاتهم باللغة العربية وهذا أمر طبيعي فمظم المثقفين وحتى العوام يتقنون هذه اللغة فكانت كتابات ابن سينا والبيروني والغزالي والرازي والبيضاري والطوسي والطبري وهم من اصول فارسية كانت كتاباتهم باللغة العربية على اعتبار أنها لغة العلم والثقافة.
ولكن في الاتجاه الآخر هل أثرت الحضارة الفارسية بالحضارة العربية والجواب بالتأكيد نعم فالحضارة الفارسية ذات تراث ثقافي عريق سواء في الادارة أو الطب والرياضيات ويكفي أن نعلم بأن أول ما ترجم من اليونانية الى العربية كان عبر اللغة الفارسية من خلال الكتب التي جلبت من جنديسابور. إلى جانب المؤثرات الادارية  التي استخدمها العرب عند فتح بلاد فارس. وكما هو معلوم فإن بعض الترجمات من الفهلوية الى العربية كانت تتعلق بتسيير الحياة الادارية (18)، ثم أخذت حركة الترجمة للتراث الفارسي تنتشر بشكل كبير على يد مجموعة من العلماء من أمثال آل نوبخت وعلى رأسهم الفضل بن نوبخت الذي أكثر من ترجمة كتب الفلك وآل سهل وعلى رأسهم الفضل بن سهل ومحمد بن جهم البرمكي، وزادويه ين شاهويه وغيرهم (19).
كما لعبت الترجمة دورا أساسيا في التواصل  الثقافي    بين الحضارة العربية والحضارتين الهندية والصينية , فالهند كانت مهد حضارة عريقة وغنية وعلى ما يبدو أن المادة العلمية المترجمة الى اللغة العربية في مجالات الفلك والتنجيم والرياضيات والطب جاء بوساطة اللغة الفارسية (الفهلوية) فالترجمات المباشرة من السنسكريتية كانت نادرة، على الرغم من ذلك فالتواصل العربي الهندي كان عميقا ومؤثرا فقد أخذ العرب عن هذه الترجمات الرياضيات من خلال (السدهانات) وهو مقاله في الفلك عرف عند العرب بـ (السندهند) وهو من تأليف براهماجويت، يتحدث جزءه الأول عن الأزياح أي سير حركة الكواكب . أما الجزء الآخر قيتحدث عن حساب هذه الجداول وهذا الأمر أسس لدى العرب لعلوم الحساب وحساب المثلثات ويعد ترجمة السندهند المفتاح الذي أدى الى نشأة علم الرياضيات العربية عن طريق العالمين الكبيرين الخوارزمي والبيروني واللذان كانا يتقنان اللغة السنسكريتية (20).
كما أخذ العرب عن الهنود نظامهم العشري في الترقيم وقد كون العرب من الأرقام التي أخذوها عن الهنود سلسلتين عرفت احداهما بالأرقام الهندية والتي تستخدم اليوم في معظم البلدان العربية، أما الثانية فقد عرفت بالأرقام الغبارية أوالعربية وهي المستخدمة في بلاد المغرب وأوروبا (21).
واخذ العرب عن الهنود فكرة الصفر، فقد كان الهنود يطلقون عليه اسم سونيا اي الفراغ والذي أدى الى ثورة في علم الرياضيات اذ سهل عملية الترقيم وأعمال الحساب (22).
ونتيجة ترجمة السند هند، أخذ العرب عن الهنود أساسيات علم الفلك إلا أنهم ميزوا بين التنجيم القائم على الخرافات والأوهام وبين علم الفلك القائم على الاستقراء والملاحظة ومبنيا على الرصد والحسابات الفلكية المستندة على الرياضيات وأدى ذلك الى اختراع الأجهزة المختلفة كالاسطرلاب والأزياج (23).
أما في مجال الطب فقد شهد العصر العباسي قدوم أكثر من طبيب هندي الى العاصمة بغداد واستقروا فيها إما بطلب من الخلفاء العباسيين أو بمبادرة ذاتية من هؤلاءالأطباء وقد اسلم بعضهم واستقر في بغداد من امثال الطبيب بهله الذي عمل عند الخليفة هارون الرشيد ووزارائه البرامكة، كما نقل بعض الكتب الى العربية، ومن عهؤلاء الأطباء أيضا الطبيب منكه الذي استدعاه الخليفة هارون الرشيد لمداواته من علة اصابته فاستقر في بغداد يمارس هذه المهنة وقام بترجمة العديد من الكتب الى العربية من الهندية والفارسية مما أدى الى ثراء المكتبة الطبية في بغداد وبيمارستاناتها(24)
وعلى الرغم من أن العرب لم يفتحو الصين، إلا أن هذا لم يمنع أن تتاثر الحضارتين فيما بينهما عن طريق التجارة وخاصة طريق الحرير منذ أخذ العرب عن الصين صناعة الورق والبارود واختراعات كالساعة المائية (25).














الخاتمة
الترجمة فعل ثقافي يعبر عن مدى وعي النخب التي تقود هذا الفعل لأهميته في تطوير المجتمع ودفعه نحو الامام، فالتنوع الثقافي والمعرفي في الكتب المترجمة تؤدي بالضرورة الى التعرف على الآخر واختزال تجربته في فترة زمنية وجيزة، وتؤدي بالتالي إلى إزالة كل ما هو غير واقعي عن هذا الآخر وتكوين صورة تكاد تكون واقعية بعيدة كل البعد عن الصورة النمطية لهذا الآخر.
والترجمة في الحضارة الإسلامية عبرت عن تواصل مع الآخر سواء كان هذا الآخر تراث الأمم السابقة أو الأمم التي خضعت لسيطرة الدولة الاسلامية  أو الأمم المنافسة للدولة الاسلامية، وحركة الترجمة التي تجلت في ابهى صورها في العصر العباسي ما كانت لتكون بهذا الزخم والاندفاع لولا عدة عوامل من أهمها رعاية النخب السياسية لها فقد قاد هذا الأمر في البدايات الأولى الخلفاء الأوائل من خلفاء بني العباس الى جانب رجال الدولة، ثم انطلقت النخب الأخرى في المجتمع لتصبح حركة اجتماعية قدر لها ان تستمر ما يقارب قرنين من الزمان أثرت في المجتمع تأثيرا عميقا.
فكان هذا التلاحم بين الحضارتين العربية والفارسية والذي تجلى في أكثر من مجال من خلال ترجمة الإرث العلمي والمعرفي لدى الفرس وقد تجلى أيضا من خلال هذا التأثير الكبير في أكثر من مجال سواء الأثر الذي تركته اللغة العربية في اللغة الفارسية والذي تجلى في استخدام الأحرف العربية في اللغة الفارسية.
كما لاحظنا مدى التأثير والتأثر الذي أحدثته التقاء الحضارتين الهندية والصينية في الحضارة العربية الإسلامية.
   

(1)      خير مثال على التواصل السلبي حركة الاستشراق التي قادها المفكرون الغربيون الذين وظفوا معارفهم عن الشرق للسيطرة عليه والذي توج بحركة الاستعمار الحديثة وهذا ما تقوم عليه فكرة كتابي ادوارد سعيد الاستشراق والثقافة والامبريالية.
(2)               الاشارة هنا للحديث النبوي الشريف "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها"، والحديث "اطلبوا العلم ولو بالصين" .
(3)               غوتاس، ديمتري الفكر اليوناني والثقافة العربية، ترجمة ونقل نقولا زيادة،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003م، ص 44.
(4)               أنظر مادة كاغد، الموسوعة الاسلامية.
(5)               غوتاس، الفكر اليوناني والثقافة الاعربية، ص 55-56.
(6)      المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر, اعتنى به الدكتور يوسف البقاعي، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط 2002، ج4، ص 521.
(7)      القفطي، جمال الدين أبو الحسن أخبار العلماء بأخبار الحكماء، طبعة مصر,1326هـ ص 208، زرمان، محمد, الترجمة وفعل المثاقفة، ص 15.


(8)      ابن أبي اصيبيعة، موفق الدين أبي العباس أحمد ,عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق وشرح نزار رضا, دار مكتبة الحياة, بيروت, 1965, ص 284، زرمان، الترجمة وفعل المثاقفة ,ص 15.
(9)               غوتاس، الفكر اليوناني، ص 190.
(10)           غوتاس، الفكر اليوناني, ص130
(11)           المسعودي، مروج الذهب، ج4، ص 521-522، عوتاس، الفكر اليوناني، 128-129.
(12)           زرماس، الترجمة وفعل المثاقفة, ص 18.
(13)           الكك,فكتور ، اللغة العربية في إيران منذ الإسلام حتى اليوم، مجلة عالم الفكر، م 37، 2008، ص 8.
(14)           الكك,فكتور ، اللغة العربية في إيران منذ الإسلام حتى اليوم, ص8-9
(15)           ، الكك,فكتور اللغة العربية في إيران، ص 9.
(16)            عن هاتين الدولتين انظر: ابن الأثير, الكامل في التاريخ,ج7,6
(17)           الكك,فكتور، اللغة العربية، ص 9
(18)           ابن الندبم , الفهرست ,ص244
(19)           ابن الندبم , الفهرست ,ص244
(20)           منتصر, عبد الحليم , تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه, دار المعارف,القاهرة,ط8, ص61
(21)           منتصر, تاريخ العلم,ص61
(22)           منتصر, تاريخ العلم,ص63
(23)           زرماس, الترجمة وفعل المثاقفة,ص25/ منتصر, تاريخ العلم,ص53
(24)           منتصر, تاريخ العلم,ص63/ زرماس, الترجمة وفعل المثاقفة,ص25
(25)           زرماس, الترجمة وفعل المثاقفة,ص26


نموذج الاتصال
NomE-mailMessage