3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

ما هي التربية التجريبية؟

الخط










ما هي التربية التجريبية؟

علي الأحلافي  ، ابراهيم الخياوي





يقول الدكتور سيمون Th.Simon في مقدمة كتابه "التربية التجريبية" (سنة 1924) الذي يُعدّ أوّل كتاب في هذا الباب في فرنسا :
(يتحدث الناس كثيراً عن التربية التجريبية وكثيراً ما نقرأ هاتين الكلمتين، بيد أنّنا لسنا واثقين أنه يوضع وراءها ما ينبغي أن يوضع من معنى... وكم من مرة سألنا بعض المعلمين ما يفهمونه من التربية التجريبية وما عساها تكون، وما ينتظرون أن يُلقى على مسامعهم في دروس حول هذه المادة، فما عثرنا إلّا على أجوبة هي من الكثرة وعدم المعرفة بمقدار كثيراً ما دفعنا إلى التساؤل : هل التربية التجريبية علم قائم مستقل، أم أننا واهمون في أمرها...)( )
مثل هذه الحقائق التي يذكرها سيمون يدركها كل أخصائي حتى يومنا هذا، ويدرك معها أنّ المصطلحات التربوية والنفسية ماتزال غامضة وأنّ لفظا واحدا كثيرا ما يطلق على أشياء متباينة جدا.
لهذا قبل أن نعرّف المقصود من التربية التجريبية تعريفا مباشرا، يحسن أن نلجأ في البداية إلى تمييزها عن المصطلحات التي قد تختلط بها، وإلى إقصاء بعض أوجه الشبه الخاطئة التي تجعل اللبس قائما بين مفهوم التربية التجريبية وغيره من المفاهيم الأخرى.
1ـ التربية التجريبية وعلم النفس التجريبي :
هكذا نرى كثيراً من الأشخاص حتى اليوم يخلطون بين التربية التجريبية وعلم النفس التجريبي. وترجع أصول هذا الخلط إلى نشأة الحركة العلمية في ميدان التربية، حيث أنّ المختبرات التي بناها الباحثون الأولون في ميدان علم النفس التجريبي قد جذبت إليها انتباه رجالات المدارس في النصف الثاني من القرن 19، فنُقل المختبر إلى قاعة الدرس دون أن تجري أي ملاءمة بينه وبينها، ونقلت تجارب واختبارات بعينها رغم خلوها من أي فائدة مدرسية. فكثير من معلومات علم النفس المستخدمة في التربية مستوردة من المختبر مباشرة، من مثل قوانين التعلم العامة، تلك القوانين التي وضعت غالباً بالاستناد إلى اختبارات أجريت على الراشدين أو على الحيوانات، دون أن يكون للطفل أو المراهق دور فيها.
 ومعنى هذا أنه إن كانت التربية اليوم تستخدم الكثير من نتائج علم النفس التجريبي، فهذه النتائج ليست هي التربية في جوهرها. فالتربية تستقي أبحاثها من كثير من العلوم، غيرأنها لا تستخدم ما تقتبسه إلا لتحقق عملها الأساسي الذي هو توجيه العمل التربوي المدرسي. وعلم النفس من بين هذه العلوم المرتبطة بالتربية يحتل مكانة خاصة هامة. غير أننا ينبغي ألا نغالي في شأن هذه المكانة، وينبغي ألا يعنينا من بين نتائجه إلا تلك النتائج التي تزيدنا دقة وخبرة في معرفة الطفل والطالب خاصة. وهذا ما يجعل الباحثين اليوم يشعرون شعوراً متزايداً بالحاجة الملحة إلى إعادة دراسة هذه المعلومات النفسية ضمن الشروط الخاصة التي توجد فيها المدرسة. وسنرى، فيما بعد، كيف أن من الواجب، بالقياس إلى التربية، أن يقام علم النفس، في فروعه المختلفة، في المدرسة نفسها، وأن يقام وزن للخصائص التي تلبسها العمليات النفسية العامة حين تدخل نطاق النشاط المدرسي وتنطلق ضمن وسط معين خاص هو وسط المدرسة.
وهكذا تتضح لنا الصلة بين علم النفس المخبري وبين علم النفس المدرسي، أو بلغة أخرى بين علم النفس التجريبي والتربية التجريبية، كما أتضح لنا الفرق بينهما. فالأول قدّم للثانية طرقاً ومبادئ عامة، والثانية بدورها وجهت الباحثين في المخابر النفسية وجهة أكثر نفعاً وقادتهم إلى مشكلات جديدة كدراسة أشكال التعلم والفوارق الفردية وأثر السن في الأحوال النفسية و...
 وإذا أردنا أن نجمل كل ما سبق في كلمات موجزة، قلنا إن التربية التجريبية تبحث بحثاً مستنداً إلى التجربة والاختبار في شروط العمل المدرسي والتربوي عامة وفي أحسن الوسائل التي ينبغي أن تستعمل فيه، في حين يبحث علم النفس التجريبي في قوانين العمل النفسي عامة دون أن يهتم بمردوده التربوي أو غير التربوي، ودون أن يوجه دراسته وجهة مدرسية. على أنّ استناد كليهما، فيما يعطي من نتائج ويقرر من مبادئ، إلى التجربة والبحث العلمي وحده، يجعل بينهما صلات لا تنكر، تقويها أيضاً الصلات القائمة بين المعرفة بالحوادث النفسية عامة وبين معرفة هذه الحوادث ضمن ظروف معينة هي هنا ظروف التربية والتعليم.
ويحسن هنا أن نذكر أن ما يدعى عادة بعلم النفس التربوي (Educational Psychology) ليس له مضمون كمضمون التربية التجريبية، رغم أنّ الباحثين الأمريكيين والإنكليز قد أدرجوا غالباً تحت هذا العنوان جميع المعارف التي يشتمل عليها ما يدعى بالتربية .
2ـ التربية التجريبية والروائز (tests) :
وكما يخلط كثير من الأشخاص بين التربية التجريبية وعلم النفس التجريبي، يخلط آخرون بين التربية التجريبية وطريقة الروائز. وهذا الخلط شائع لدى أولئك الذين انتهى إلى أسماعهم الحديث عن الروائز دون أن يعرفوا حق المعرفة طبيعة هذه الروائز وغاياتها. والحق أن رد التربية التجريبية إلى طريقة الروائز هو رد الكل الى الجزء. فالروائز تستخدم في التربية التجريبية كوسائل للبحث وليست لها غاية في ذاتها. فمن شأنها مثلاً أن تضبط شروط البحث وتصل فيه إلى مراقبة أدق. وهي تلعب في التربية الدور الذي تلعبه أجهزة القياس والتمحيص في العلوم الموضوعية المختلفة. ويكفي إذا أردنا أن نستجلي مكانة الروائز في التربية أن نذكر نشأتها : فنحن نعلم أن(بيني Binet) و(سيمون Simon) عندما أقبلا على وضع سلّمهما المتري لقياس الذكاء قصدا من وراء ذلك غاية عملية هي خلق صفوف خاصة للأطفال الشواذ المتأخرين في دراستهم. وقد كان طبيعياً أن يستنفذ وضع الروائز جانباً كبيراً من نشاط المربين في بداية نشأة التربية التجريبية وأن يشغل هذا العمل، حتى اليوم، المكان الأول في هذا العلم . ذلك أن حل كثير من مشكلات التربية حلاً موضوعياً علمياً كان يستلزم خلق أدوات بحث لم تكن قبل ذلك. ومن أهم هذه الأدوات الروائز. كذلك كان من المحتوم في مجالات كتقدير مردود الصفوف ومعرفة نجاعة طرق التدريس والمقارنة بينها، وكالحكم على قيمة المعلمين وإقامة الفوارق بين قدرات الطالب من سن إلى سن، كان من المحتوم في مثل هذه المجالات وكثير غيرها عدم الاكتفاء بالفحوص التقليدية وبالأحكام الشخصية وبغير هاتين من الوسائل المتبعة عادة والتي تتصف بطابع ذاتي بعيد عن النزعة العلمية الموضوعية.
ولا شك أن تحسين الوسائل والأدوات هو دوماً عامل أساسي في تقدم أي علم من العلوم. ومثل هذا التحسين في ميدان التربية يمكن أن يلخص في ناحيتين : أولهما زيادة موضوعية القياس إلى أكبر حد ممكن، والثانية تحليل العمليات والمواقف المقاسة تحليلاً يتصف بأكبر مقدار ممكن من الدقة. وهاتان متساندتان ومترابطتان.
 فالروائز إذاً ليست إلّا أدوات. ومن المعروف أن هذه الأدوات قد تطورت وأصبحت متنوعة الأجناس وأنها لا تستخدم في مجال التربية فحسب بل في ميادين عديدة أخرى كالتوجيه المهني والتنظيم العسكري والدعاية و... فنطاقها إذاً يتجاوز نطاق التربية التجريبية كما أنه لا يشمل سائر هذا النطاق، فهي جزء منها وجزء من غيرها من العلوم التطبيقية.
3ـ التربية التجريبية والعلوم البيولوجية والطبية :
وثمة أشخاص آخرون، يكثرون بين الأطباء خاصة، يحملون فكرة غامضة وناقصة عن التربية التجريبية فيرون فيها مجرد تطبيق لمختلف حقائق العلوم البيولوجية والطبية على الحياة المدرسية.
 وهكذا نجدهم يضعون تحت اسم التربية التجريبية أبحاثاً من مثل القياسات الطبية الصحية التي من شأنها أن تيسر نمو الطالب نمواً طبيعياً؛ ومن مثل مشكلة التعب والإعياء أو إنشاء الأثاث المدرسي وإقامة التمارين الرياضية على أساس علمي مستند إلى أسس تشريحية ونفسية إلخ.. ولا شك أن مثل هذه الأبحاث هام ومفيد جداً، وأنها تهب للمدرسة الحديثة صفة من أهم صفاتها البارزة، غير أنها مع ذلك فهي من علوم التربية دون شك، والتربية التجريبية ينبغي ألّا تجهلها ولابد لها أن تستخدمها كثيراً، ولكنها لا تؤلف موضوعها الأساسي الذي هو الدراسة العلمية المباشرة للظواهر المدرسية من منظار نتاجها ومردودها.
4ـ التربية التجريبية والتربية الحديثة :
ونود، إلى جانب هذه التمييزات، أن نورد خلطاً آخر لعله أشد خطراً من غيره لشيوعه في أوساط المربين أنفسهم، ونعني به الخلط بين التربية التجريبية والتربية التي تدعى بالتربية الحديثة، هذه التربية الحديثة التي يطلق عليها (بويزBuyse) اسم العمل المدرسي (المجرّب)expériencé  والتي نجدها شائعة في سائر المدارس الفعالة écoles actives مستخدمة معطيات علم النفس الحديث وعلم الاجتماع الحديث.
 فهذه التربية الجديدة، رغم طابع الجدة الذي تتسم به، ليست تربية تجريبية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة : ذلك أن الوسائل المتبعة فيها لم تنتق دوما نتيجة تمحيص تجريبي دقيق. ولكن هذا لا يعني، على أية حال، أنّ علينا أن نهمل العون الذي تقدمه لنا هذه التربية الجديدة، وكل ما نعنيه هو أن نضع كل شيء في مكانه وأن نجتنب اللبس والغموض.
 ويتضح هذا التميز أكثر إن نحن أتينا ببعض الأمثلة : إنّ طريقة (دو كرولي Decroly) مثلاً القائمة قبل كل شيء على استخدام مراكز الاهتمام لدى الطفل، تنتسب دون شك إلى التربية الحديثة، وقد قيض لها أن تغير الحياة المدرسية في بلدان عديدة تغييراً عميقاً. ولكن مهما يكن مذهب هذا المربي البلجيكي جذاباً، ومهما تكن الثمار التي آتاها يانعة، لا يحق لنا أن نستخلص من ذلك أننا أمام منهج مدرسي تضبطه التجربة الخالصة. فـ (دو كرولي) قد استوحى الضرورات البيولوجية لدى الإنسان وأحسن الإفادة من اللعب لدى الطفل وحاول الملاءمة بين تربيته وبين مظاهر نشاط المجتمع، وأقام منهجه في القراءة والكتابة على أساس النزعة التركيبية لدى الطفل Syncrétisme : وكل تلك دون شك أمور فيها توجيه علمي ولكنها ليست عملاً تجريبياً.
فالشرط الأول الذي ينبغي أن يتحقق إن نحن أردنا وصف تربية معينة بأنها تربية تجريبية هو أن يتم تحقيق ظروف تجريبية تمكننا من الحكم على قيمة هذه الطريقة أو تلك وعلى هذا المذهب أو ذاك. فقد حقق بعض الباحثين أحياناً بعض هذه الظروف التجريبية وقاموا بأبحاث تجريبية حول طريقة دو كرولي، ولا سيما فيما يتصل بالطريقة الإجمالية في القراءة. غير أنّ تربية (دو كرولي) ما تزال في جملتها وعلى نحو ما انتشرت تربية غير تجريبية أكثر ما يقال فيها أنها مجددة. وما يقال عن طريقة (دو كرولي) يقال عن طريقة (دالتون) أو طريقة المشروعات أو طريقة منتسوري...الخ.
5ـ التربية التجريبية وبعض المدارس :
وثمة اصطلاحات طالما استعمله الكتّاب للدلالة على بعض المدارس ذات الطابع الجديد، وكان له أثر أيضاً في الإبقاء على الخلط بين المقصود من الخبرة بمعناها الواسع وبين التجريب. ونقصد بهذا الاصطلاح ما يدعى المدرسة التجريبية (Ecole expérimentale). وهذا الاصطلاح ليس محدثاً إذا يرجع إلى القرن الثامن عشر نفسه حين أطلقه كثير من الكتّاب على مؤسسة (بازدوBasedow ) المدعوة (حمى الإنسانيةPhilantropinum ). والواقع أنّ هذه المؤسسة لم تكن مختبراً تجريبياً للتربية ولكنها مؤسسة تستهدف التعليم والتربية على ضوء أفكار روسو وأصحاب الموسوعة.
ومثل هذا يقال في بعض المدارس الحديثة التي يطلق عليها اسم (المدارس التجريبية) كمدرسة (جزيرة الشبيبة) و(منشئها
Wyneken ) ومدرسة (ايلزنبورغ Ilsenburg) (ومؤسسها الدكتور ليتز Lieetz) وغير تلك من المدارس. فهي جميعها لا تتوافر فيها الشروط اللازمة كي توصف بأنها تجريبية.
 ومثل هذه المدرسة الألمانية عدد من المدارس الأمريكية تعرف باسم (المدارس التقدمية Progressive schools). فهذه المدارس أيضاً لا تعدو أن تكون تطبيقاً لمبادئ التربية الفعالة، سوى أن بعضها يقف عند جانب من هذه المبادئ وبعضها الآخر يقف عند جانب آخر، وهي بذلك لا تزيد عن المدارس السابقة صلة بالتجربة. وإليك، على سبيل المثال، المنهاج التربوي لجمعية التربية التقدمية في الولايات المتحدة (Progressive education association) :
  حرية النمو التدريجي             الاهتمام هو الباعث الأول على كل عمل             الأستاذ مرشد ولا يفرض أي عمل         يعار الانتباه الأكبر لمظاهر النمو الجسدي لدى الطفل      التعاون بين المدرسة والمنزل ينبغي أن يقوى ويلبي حاجات الطفل      المدرسة التقدمية هي في رأس الحركة التربوية .
ومثل هذه المبادئ، يمكن أن ننسبها إن شئنا إلى فلسفة التربية وعلم النفس التربوي، ولكننا لا نستطيع أن ننسبها إلى التربية التجريبية.
 إنّ الميدان الذي تطرقه التربية التجريبية ميدان أضيق من هذا وأكثر تواضعاً، كما سنرى. وما تطرحه من مشكلات أكبر مما تقرر من مبادئ. وهي تنحصر ضمن موضوع أكثر تحديداً بحيث تستطيع أن تبحثه بحثاً موضوعياً.
6ـ التربية التجريبية والبحث التربوي :
ولعل أدق تمييز وأصعب تمييز في هذا المجال، هو التمييز بين التربية التجريبية والبحث التربوي. ذلك أن التربية التجريبية تكاد تكون محور البحث التربوي وأساسه، ولهذا كثيراً ما تختلط به. ومع ذلك فالبحث التربوي أوسع وأشمل من التربية التجريبية، وهذه الأخيرة، جزء منه وليست كله، ذلك أن كل نشاط يتصل بعملية التربية نشاط يعني البحث التربوي. ويعني هذا أنّ هذا البحث التربوي واسع الإطار شامل النطاق، وفي وسعنا أن نشير عابرين إلى أهم مجالاته :
  وأهمها دون شك الدراسات التجريبية التي نتحدث عنها، والتي تستهدف أن تخضع الطرائق التربوية للفحص التجريبي، بغية دراسة شروطها ومعرفة قوانينها، على حد قول (بويزR.Buys) .
  الاستقصاءات بأنواعها المختلفة، وسائر الملاحظات المتصلة بالظواهر التربوية .
  الدراسات النظرية والتاريخية والفلسفية وسواها التي من شأنها أن تقدم إطاراً عاماً للبحث.
  البحث التطبيقي المنصبّ على مناهج وطرائق محلية، أُحدثت لإثارة الاهتمام بدراسات أساسية أخرى ولتدريب الهيئة التعليمية وإلقاء الضوء على بعض المشكلات الراهنة. وهذا الضرب من النشاط ينزع إلى أن ينقلب إلى ما يدعى باسم (البحث الإجرائي Opérationnelle ou logistique).
7 ـ موضوع التربية التجريبية وطريقتها :
يمكن أن نعرّف التربية التجريبية قائلين إنّها (الرقابة العلمية التجريبية على الحوادث التربوية من حيث كونها حوادث تربوية)، ومعنى هذا أننا أمام علم يطرح مشكلاته رأساً بلغة تربوية محضة، وأننا تّجاه فرع يهدف إلى دراسة موضوعية، ويتعرض لمواقف موجودة أو يخلق عن قصد مثل هذه المواقف، ناظراً إليها من خلال وجهة نظر عملية ومن منظار المردود التربوي. فهو إذاً يُعنى بأمورالنتاج التربوي بمعناه العام، ولكنه يحاول أن يحل هذه الأمور عن بطريقة موضوعية تجريبية.
 والطريقة التجريبية المتبعة في التربية التجريبية هي الطريقة التجريبية التي نعرفها في سائر العلوم، تلك الطريقة التجريبية التي يصفها (كوفيي cuvier) قائلاً : (إنّ قوامها إدخال شرط أو عدة شروط محددة في موقف معين، أو حذف هذه الشروط، بغية معرفة ما ينتج عن هذا التدخل).
 ونحن نعلم أنّ المُشاهد، كما يقول (كوفيي) أيضاً، يصغي إلى الطبيعة بينما المجرِّب يسألها ويُكرهها على أن تكشف نفسها وتلقي بسرها.
 ولا شك أنّ التجريب، إذ يتيح لنا أن نعزل الأسباب ونغيّر الشروط التي تجري فيها الحادثة، يشتمل على مزايا كثيرة يربو بها على المشاهدة وحدها. وهذه الطريقة التجريبية هي هي سواء طبقت على مظاهر الطبيعة الجامدة أو على الحوادث التاريخية أو على أفعال الإنسان أو على الأوضاع المدرسية، ولا تختلف في شتى هذه الميادين إلّا في دقة الوسائل التي تتوسل بها.
 فنحن إذاً، في التربية التجريبية، أمام تربية مخبرية، على ألّا نعني بهذه الكلمة الأخيرة تهيئة بيئة صنعية ندرس فيها حالات مصطنعة. ذلك أن مختبر التربية التجريبية هو، بوجه العموم، المدرسة، والمختبَرون هم الطلاب (الأطفال والمراهقون الذي يدرسون) أو الأساتذة (الراشدون الذين يدرّسونهم). والظواهر التربوية التي تعنى هذه التربية بدراسة نتاجها وأثرها هي مجموع العوامل الطبيعية والصنعية التي تساهم في تغيير الطالب تبعاً لأهداف معينة. وهذه الظواهر التربوية هي من الوضوح بحيث لا نلقى عسراً في تمييزها من غيرها.
II- خطوط البحث التجريبي التربوي:
أما وقد أتينا على الحديث عن موضوع التربية التجريبية وطريقتها نستطيع الآن أن نرسم الخطة العامة التي ينبغي أن يتبعها البحث التربوي التجريبي. وهذه الخطة لا تختلف في مراحلها عن الخطة التي توجه أي بحث موضوعي. وما تختص به التربية التجريبية في هذا المجال هو طبيعة حوادثها المدروسة. وسنرى فيما بعد كيف أنّ طبيعة هذه الحوادث التربوية تجعل دراستها التجريبية عسيرة.
 أـ إنّ أوّل مهمة ينبغي أن يضطلع بها الباحث التربوي هي صياغة مشكلته صياغة واضحة. والمشكلة قد تنبثق من تلقاء نفسها من ملاحظة الحوادث وقد تُطرح قصداً وعن سابق تصميم. وأياً كانت الحال، فالواجب أن تكون هذه المشكلة محدودة بمقدار يسمح بأن تدرك في جملتها وبأن يعبر عنها بأكبر قدر ممكن من الوضوح. ففي وسعنا أن نتساءل مثلاً لماذا يجيد الكتابة طلاب صف معين أكثر من طلاب صف آخر؟ أو كيف يصل الطلاب إلى الحساب الذهني سريعاً ؟ أو هل تعين القراءة اليومية على تحسين أسلوب الكتابة ؟ أو أن نتساءل هل يساعد إدخال نظام معين من الساعات أو نمط معين من التمرينات على زيادة القدرة في الحساب؟ ولا شك أنّ إجادة طرح المشكلات بصدد الأشياء التي حولنا هو ملكة تُنبئ عن روح علمية، ولا بد للمربي أن يملكها وإلّا يكون من أولئك الأشخاص اللذين لا فضول لهم ولا ينزعون إلى أي تساؤل، بل يسجلون ما يجري حولهم تسجيلاً سلبياً ولا يكتشفون في الحوادث أي شيء يثير الحاجة إلى البحث. غير أنّ امتلاك روح التساؤل لا يعني مع ذلك أن نكون دوماً مترقبين لاصطياد المشكلات الجديدة واختلاقها. وسنبين فيما بعد كيف أن الخلط قد وقع بين البحث الخصيب وبين تصنع الموقف العلمي الزائف، وكيف تغلبت الهواية أحياناً على الرغبة في البحث المفيد. فالمبدأ الذي ينبغي أن يسود دوما هو إذاً العكوف على مشكلات هي حقاً مشكلات، وفي حلها تحسين واضح للعمل المدرسي.
 ب ـ وبعد أن تصاغ المشكلة على هذا النحو، ينبغي أن تلتقط جميع العناصر اللازمة لحلها. وهذه المرحلة من مراحل البحث التربوي أسهلها وأقربها متناولاً. ومع ذلك لا بد لمن يضطلع بهذه المهمة أن يملك الدربة على الملاحظة وأن يتصف بروح النظام والصبر. وسواء استخدم أدوات كالروائز أو أجهزة مخبرية، لا بد له أن يتقيد تقيداً دقيقاً بشروط تطبيقها. وكل إهمال لهذه القاعدة يضعف من قيمة المواد التي جمعها بل قد يفقدها كل قيمة.
 ج ـ وإذا ما اجتمعت العناصر الكافية، وجب تصنيفها وتحليلها. وهاهنا يلجأ الباحث إلى الطرق الإحصائية : فيتساءل كيف تتوزع النتائج وما هي متوسطاتهاmoyennes  ؟ وما هي الحوادث الشاذة والعناصر التي ينبغي حذفها ؟.. ويقوم بإنشاء الخطوط البيانية والجداول وغيرها من الوسائل الإحصائية التي تجعل النتائج أكثر دلالة ومعنى. كما يقوم بحساب معاملات الترابط corrélation وغيرها من الحسابات الشائعة في علم الإحصاء على نحو ما سنرى بالتفصيل.
 د ـ ويلي هذه المراحل جميعها مرحلة تأويل النتائج التي تقدمها التجربة والملاحظة المنظمة. وهذا التأويل قد يكون يسيراً في بعض الأحيان، إذ يمكن استخلاص نتيجة واضحة حالاً. غير أن ثمة أحوالاً أخرى تكون فيها عدة تفسيرات ممكنة، أي تبرز تجاهها في ذهن الباحث فرضيات عديدة. ولابد إذ ذاك أن نعرف أيّ هذه الفرضيات يقدم لنا التفسير الحقيقي للنتائج التي بين أيدينا. ومن أجل هذه الغاية لا بد من متابعة التجريب والقيام بتحقيق الفرضيات عن طريق اللجوء إلى فضل من الوثائق والمواد، للوصول بعد هذه كله، إن أمكن، إلى يقين تام.
 وليس في هذه الخطوات جميعها، كما نرى، ما يختلف عن الخطة التي يتبعها العالم في أي ميدان من ميادين العلم. وما نحن إلا أمام المنهج العلمي بما فيه من مشاهدة وتجربة ـ وتنظيم للحوادث ـ ونتائج وفرضيات ـ وتحقيق لهذه الفرضيات. وسنبين فيما بعد الحلل الجديدة التي تلبسها طرق البحث في ميدان التربية، والتي تهب لها طابعاً مميزاً عن غيرها.
* * *
وجملة هذا كله أنّ غاية كل بحث تربوي اكتشاف قواعد العمل اللازمة لزيادة مردود التربية، بمعناها الواسع، زيادة أكيدة يقينية.
 ولكن من واجبنا أن نتساءل إلى أي حد يمكننا تحقيق الرقابة التجريبية في ميدان الحوادث التربوية، وهل البحث التجريبي ممكن حقاً في هذه المجال ؟ وإن كان ممكناً، فهل هو مشروع ؟ وبهذا نلمس قلب المشكلة وعقدتها. وعلى إجابتنا عن هذا السؤال يتوقف قبولنا أو رفضنا لكلمة (تربية تجريبية). ذلك أنه إن كانت هذه الرقابة التجريبية مستحيلة، كما يقرر ذلك كثير من الكتّاب، فمعنى ذلك أن علينا أن نحذف كلمة التربية التجريبية من بين مصطلحات التربية وأن نرتد راجعين، في أمور المدرسة وتنظيمها، إلى الحدس الشخصي والخبرة والذوق. أما إن كانت الطرق العلمية التجريبية، على العكس من هذا، تتيح للتربية حل مشكلاتها حلاً لا يأتيه الباطل، كانت التربية التجريبية علماً حقيقياً كالفيزياء والكيمياء سواء بسواء.
 والذي سنلخص إليه في الفصل التالي هو أنّ هذه الرقابة التجريبية ممكنة ومشروعة من الوجهة النظرية غير أنّ هنالك بعض الحوادث التي يظل فيها البحث العلمي التجريبي عسيراً. وهذه الفكرة أساسية ينبغي أن تقر في أذهاننا عند إقبالنا على دراسة التربية التجريبية. ولسنا نرى رأي بعض الكتّاب الذين يتهربون عن قصد وتصميم من مثل هذه المناقشة حول إمكانيات التربية التجريبية وحدودها، على نحو ما يفعل (هابريش) مثلاً.
 بل نرى على العكس أنّ من الفائدة بمكان أن نعرض لمثل هذا النقاش الذي سينتهي بنا إلى أنّ للتربية التجريبية موضوعاً محدداً خاصاً بها، وأنها بسبب هذا الموضوع تتصف بدقة ومتانة علمية دون ما نلفيه في العلوم التي ليس موضوعها شيئاً متصلاً بالكائن الحي.
III- حدود التربية التجريبية وصعوباتها :
1- أثر المذاهب السياسية والفلسفية على التعليم :
وليس من الصعب أن نتبين مبلغ تأثير المذاهب السياسية والفلسفية على التعليم. وتاريخ التربية يقدم لنا أمثلة عديدة بهذا الصدد. ولعلّ هذا التأثر والتأثير بين المذاهب والتعليم أصبحا في عصرنا هذا أوضح مما كانا في الماضي. والمدارس التربوية الحديثة المختلفة تفترق في الواقع قبل كل شيء في أفكارها وغاياتها التي تنظم تعليمها على أساسها : فاستخدام بعض الكتب وتنظيم المناهج، ومقدار الزمن الذي يعطى لهذه المادة أو تلك واختيار(دروس الأشياء) وطريقة القيام بهذه الدروس... كل تلك الأمور تبدو للوهلة الأولى متصلة بالوسائل الفنية في تنظيم المدرسة، ولكنها في الواقع تعكس وراءها، إلى حد ما، الأفكار السياسية والفلسفية والدينية التي يدين بها أولئك الذين يقترحون هذه الوسائل الفنية أو يطبقونها.
ولنأت بمثال عملي يوضح هذه الفكرة : يمكننا مثلاً في دراسة الأدباء القدماء أن نعرف هؤلاء معرفة أكمل إذا نحن وضعنا بين أيدي الطلاب الذين بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من العمر أقوالاً وأشعاراً ليست مطهرة من عناصر المجون والتحلل الخلقي. ولكن إن كانت الفائدة الفكرية من وراء مثل هذه المحاولة مضمونة وأكيدة، أفيحق لنا أن نتبعها ؟ أفلا يأبى كثير من الأدباء والمعلمين أن نقوم بمثل هذه التجربة مبينين أن الفائدة التي نحصل عليها منها فائدة على حساب شيء أسمى في نظرهم : وهو أخلاق الطفل ؟
ولنأت بمثال آخر: قد يكون الجمع بين الجنسين في التعليم، وقد يكون تطبيق التربية الجنسية التي توصي بها مدرسة التحليل النفسي، أموراً لا تخلو من فائدة من الوجهة التربوية الخالصة. ولكن إذا كنا لا نحصل على هذه الفوائد إلّا على حساب نتائج وخيمة العاقبة في ميدان آخر يعتبر أسمى، تعذّر على من تبنّوا فلسفة في القيم أو مفهوماً دينياً يقول بوجود مثل هذه الأفكار والأعمال، أن يطبقوا مثل هذه المبادئ الجنسية، ونظروا إليها على أنها أشبه ما تكون بإحراق بيت بكامله لنطرد منه الحشرات...
 فالتربية إذن لا يمكن أن تقام على التجربة وحدها. ومعنى هذا أننا لا نذهب مذهب بعض الكتّاب الذين حاولوا أن يجعلوا من التربية علماً وضعياً خالصاً يستند إلى المشاهدة والتجربة وحدهما، على نحو ما فعل المربي (لاي Lay)، وعلى نحو ما رأى الكاتب المعروف (بيJames C.Bay ) الذي يذهب إلى أنّ الباحث التربوي يكفيه أن يملك معرفة رصينة بالتحليل الرياضي وخبرة عملية بالإحصاء المطبق على التربية.
 ويشهد على هذا أنه، حتى في ميدان الوسائل الفنية، لا بد أن تقوم خلافات بين وجهات النظر لا تصدر عن خلافات بين نتائج تجريبية معينة ولكن عن الفوارق بين وجهات نظر فلسفية. مما يقودنا إلى تقرير المبدأ التالي وهو أنّ المربي لا يستطيع أن يتخلص، شاء أم أبى، من توكيد مبادئ معينة في الحياة ونظرة معينة إلى الأشياء وقيمتها. وجميع الذين اهتموا اهتماماً نظرياً أو علمياً بشئون التربية انتسبوا ضمناً أو صراحة إلى مذهب فلسفي، وضروب الصراع بين المدارس التربوية، في الماضي والحاضر، قامت دوماً على أرض الفلسفة، لا على أرض الوسائل الفنية.
على أنّ هذا لا يمنع أن يكون التفاهم بين جميع المربين حول كثير من التفاصيل الفنية أمراً ممكناً وأن يمكن حل كثير من المشكلات التي لا شأن للفلسفة فيها عن طريق اللجوء إلى طرق واحدة لدى الجميع.
 وهذا هو مثلاً شأن المشكلات العديدة المتصلة بطريقة التدريس التي يطرحها المعلم يومياً في ممارسته لوظائفه، وهذا هو شأن مشكلة الأسباب التي يُفسَّر بها تأخر الطلاب في مادة دراسيّة معينة، أو مشكلة توزيع ساعات الصف خلال يوم أو خلال سنة مدرسية توزيعاً حسناً، أو مشكلة قيمة السينما في التعليم... ففي مثل هذه الأمور قد يتم الإتفاق، ومن الواجب فيها أن يخضع الرأي الفردي للواقع المجرب وأن تكون الكلمة للمشاهدة الدقيقة والقياس الموضوعي لا للكره أو المحبة الشخصية. ومثل هذا السلوك هو وحده السلوك العلمي الصحيح.
2- القياس وصعوباته :
إنّ التجربة في ميدان التربية تصطدم بجملة من العقبات، وفي هذا الصدد يقول (بينيهBinet ) : (نعم إن القصد هو التجريب والملاحظة. ولكن كم من أهوال وصعوبات دون بلوغ الصيغة الصحيحة في التجريب). فالصعوبات التي يلقاها الباحث في التربية هي، في جملتها، عين الصعوبات التي يواجهها عالم النفس وعالم الاجتماع، أي أنّ الحوادث التي هي موضوع دراسته معقدة جداً وكيفية غالباً.
وأوّل مشكلة يثيرها التجريب هي طبعاً مشكلة القياس، قياس شروط التجارب ونتائجها : ذلك أنه حيث لا يوجد قياس لا يوجد علم بالمعنى الوضعي لهذه الكلمة. فهل هذا القياس، بالمعنى الدقيق للكلمة، ممكن في ميدان الفعاليات المدرسية والنتاج المدرسي، وهل نستطيع أن نقيس أثر عامل معين على الطالب كما نقيس الحرارة في تغيرات ارتفاع عمود الزئبق ؟
ولقد حاول المربون في جميع العصور تقريباً أن يقيسوا مقدرات الطلاب وكفاءاتهم. وما العلامات المدرسية الرقمية التي تقدَّر بها قيمة الأعمال المدرسية والتي يعبر بها عن نتائج الفحوص، وما اللجوء إلى السلالم التجريبية...إلخ إلّا ظواهر تثبت هذه الرغبة في الوصول إلى التقدير في مجال التربية وتثبت الاعتراف الضمني بنوع من القياس. فالقياس التربوي إذاً، كما يقول ثورندايك، ينتسب (إلى العصور القديمة كظاهرة، وإلى العصور الوسطى كطريقة، وإلى العصور الحديثة كعلم). والأب الروماني الذي كان يعتبر تربية ابنه قد تمت عندما يصبح هذا قادراً على قراءة القوانين الرومانية على لوحات السوق كان في الواقع يلجأ إلى نوع من القياس. والأب العربي الذي كان يعتبر ابنه قد أنجز ثقافته إذا حفظ القرآن وأستظهر بعض المتون، كان يلجأ إلى ضرب من القياس أيضاً.
غير أنّ القياس بهذا المعنى العام هو غير القياس الدقيق الذي يريده أمثال ثورندايك. ونستطيع أن نضع هذه العالم على رأس الذين اطمأنوا إلى القياس في التربية ووثقوا به أكثر مما ينبغي. ومما يثبت مغالاته بهذا الصدد قوله الشهير الذي يردده كثير من الكتّاب : (كل ما هو موجود موجود بمقدار، وكل ما هو موجود بمقدار قابل لأن يقاس). ونحن إن كنا نقرر أنّ القياس في التربية ممكن، لا نذهب مذهب ثورندايك المغالي هذا فنعتبر أنّ في وسعنا الوصول إلى قياس جميع الحوادث التربوية قياساً دقيقاً لأنّه كلما علونا في سلّم الفعاليات الإنسانية وأنواع النتاج الإنساني، غدا من الصعب علينا الفصل بين الكم والكيف من جهة، والفصل الواقعي بين العوامل المختلفة المؤثرة في هذه الفعاليات من جهة ثانية. فمن السهل نسبياً قياس أثر الجهد العضلي، وأصعب منه قياس حدة الإحساس، وأصعب منهما قياس الذكاء أو المعرفة عامة : ففي مثل هذه المجالات المعقدة لابد أن يغرب عن قياسنا بعض العناصر.
 غير أن هذا لا يعني أن ندع جهودنا في هذا المجال، وأن نيئس من القياس في التربية أو في علم النفس أو في علم الحياة أو في غيرها من ميادين الفعالية الإنسانية. ذلك أنّ من الممكن أن نصل في هذه الميادين كلها إلى موضوعية أكبر من التي يكتفى بها عادة، ومن الجائز لنا أن نستخدم كلمة (قياس) بمعنى عام بعض الشئ.
 والواقع أنّ أكبر المدافعين عن القياس في التربية وأشدهم غلواً لم ينكروا هذه الصعوبات التي يلقاها القياس، غير أنهم يرون أن هذه الصعوبات يمكن تجاوزها تدريجياً. وثورندايك نفسه، رغم أحكامه القطعية التي ذكرنا بعضها، بيّن منذ مؤلفاته الأولى كيف أن وضع عالم النفس وعالم التربية وضع خاص، وكيف أن هناك صعوبات جدية تعترض سبيل البحث التجريبي في علم النفس والتربية. وفي هذا يقول : إن القياسات التي موضوعها الكفاءات والأعمال الإنسانية تلقى جملة من الصعوبات مردّها إلى :        فقدان وحدات القياس أو عدم كمالها.   قلة ثبات الحوادث التي تقاس.   التعقد الكبير في القياسات التي تجرى ( ). وهو إذ يبين طبيعة هذه الصعوبات يعدد في المؤلف نفسه الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المقاييس التي تقيس أنواع النتاج الإنساني والاجتماعي، كي تكون صحيحة، وهي عنده :  الموضوعية والدقة، وإمكان المقارنة، ووجود نقطة بداية أو نقطة صفر إليها يرجع وبها تقاس الوحدات قياساً دقيقاً.
 فمطمح التربية الكمية هو إذاً إبدال العنصر الذاتي في التقديرات بمعايير متساوية وموضوعية، وتحسين الوسائل المتبعة في التربية تحسيناً متزايداً. وعليها دون شك أن تدرك الصعوبات التي تنتظرها والحدود التي يمكنها أن تبلغها، غير أنّ عليها أن تتابع مهمتها في طمأنينة وثقة وأنّ تقرّ لديها القناعة بالإمكانيات الواسعة المفتوحة أمامها.
IV- وسائل البحث التجريبي في التربية
1- نظرة تاريخية :
نشأ البحث التجريبي في التربية، كما سبق أن ذكرنا، في مخابر علم النفس، ولم يستقل عن هذه المخابر إلّا في نهاية القرن 19. وقد تركت هذه النشأة فيه صفات أساسية ظل متصفاً بها، كاستخدام القياس واللجوء إلى الإحصاء الرياضي في تفسير النتائج. وكانت أوّل مهمة مفروضة على التربية التجريبية إذاً خلق أدوات للبحث خاصة به، مستقلة إلى حد عن وسائل علم النفس التجريبي. إذ كانت اختبارات مخابر علم النفس والروائز النفسية ـ الجسدية التي كانت شائعة في هذه المخابر قليلة الجدوى في دراسة المشكلات المدرسية وكانت الروائز النفسية الخالصة ناقصة ولم تكن قد نمت بعد نمواً كافياً. لذلك اتجه نشاط الرائدين الأوائل للتربية التجريبية نحو زيادة عدد الروائز وتنويعها، ونحو خلق روائز مدرسية خاصة وتهييء مقاييس لتقدير المعارف والمعلومات المدرسية. بعد هذه المرحلة الأولى الأوّلية، استطاع الباحثون أن يكرسوا جهودهم لحل مشكلات التعليم وتنظيم العمل المدرسي وتهيئة البرامج وغير تلك من المشكلات التربوية المباشرة.
i) (فيشرfischer) وسلّم المعلومات المدرسية :
ويعتبر الباحثون عادة المربي الأميركي (رايس J.M.Rice) الرائد الأول للتربية التجريبية والقياس التربوي. والواقع أن هنالك محاولات في التربية التجريبية ذات شأن تمت قبله، يذكر ثورندايك Thorndike من بينها محاولات (فيشر George Fischer)، وهو مدير مدرسة ثانوية إنكليزية، استطاع منذ عام 1864 أن يضع سلّماً لقياس المعلومات المدرسية، يدعوه باسم (scale ---Book). صحيح أن السلَّم لم يكن كاملاً، غير أن صاحبه قد أتبع في وضعه مبدأ عاوده جميع الذين وضعوا السلالم التربوية فيما بعد، وإن لم يكونوا قد استوحوه مباشرة. إذ كان هذا السلم يشتمل على القيم العددية التي ينبغي أن تمنح لكل درجة من درجات المعرفة في مختلف الفروع المدرسية. مثلاً، لتعيين القيمة الموضوعية لنموذج من نماذج الخط، لا يكتفي المقدّر بالانطباع الشخصي الذي يتركه هذا الخط في نفسه، وإنما يقارن بين النموذج المذكور وبين سلسلة من النماذج التي تعيد نماذج أنموذجية والتي صنّفت في الكتاب الذي وضعه (فيشر) حسب درجتها في القيمة، بحيث أعطيت علامة (1) لأحسنها وعلامة (5) لأردئها، وبينهما القيم الوسطية 1,25 ، 1,5 ، 1,75 ، 2... وبطريقة مماثلة لهذه، كان من الممكن في سلَّم (فيشر) هذا قياس أي نتيجة في أي فرع من فروع المنهاج المدرسي قياساً يتّصف ببعض الدقة. وقد كانت نقيصة هذا السلّم البدائي أن الفواصل بين الدرجات فيه حددّت تحديداً اعتباطياً غير مستند إلى تقدير موضوعي.
ii) (رايس RICE ) وسلاسل الإملاء :
أمّا (رايس RICE) فقد وضع عام 1893 رائزاً مقارناً، هدفه دراسة نتائج التعليم وطرقه في عدد معين من المدارس الأمريكية. وكان موضوع بحثه الأساسي الإملاء. ولهذه الغاية وضع سلاسل مؤلفة من 50 كلمة انتقيت من بين المفردات الشائعة، وأملى هذه الكلمات، على عدد كبير من المدارس، ووضع معايير لكل درجة من الدرجات، وحصل بهذا على نتيجة موضوعية مفيدة.
iii) (ثورندايك Thorndike) أبو القياس في التربية :
غير أنّ الأب الحقيقي للقياس في التربية هو (ثورندايك) الذي نشر منذ عام 1904 مؤلفاً هاماً حول هذه المشكلة، ما يزال مرجع كثير من الباحثين ( ). وقد طبق في هذا الكتاب على كثير من المشكلات التربوية، المسائل التي طبقها في إنكلترا (غالتون Galton) وتلاميذه على مشكلات علم الإنسان.
وقد استوحى ثورندايك بوجه خاص نظرية البعد المتساوي التي وضعها (كاتّل Cattel) و(فالّرتونFullerton )، فتخيّل، بالاستناد إلى هذا المبدأ، وحدة للقياس التربوي تبناها جميع الباحثين بعد ذلك. وكان سلّم الخط الذي وضعه عام 1909 أول تطبيق لهذه الوحدة. وقوام هذا السلّم أن ينتقى عدد من نماذج الخط لدى عدد من الأفراد بينهم فوارق كيفية متساوية تقريباً. ولم يضع ثورندايك هذه الفوارق بين الأفراد بنتيجة انطباعه الشخصي، وإنما وضعها بالاستناد إلى دراسة إحصائية دقيقة.
ومنذ عام 1910 تطورت الحركة العلمية في التربية تطوراً سريعاً، ولاسيما في أميركا. وقد قامت بالحظ الأكبر من النشاط بهذا الصدد مراكز البحث التربوي في جمعيات التربية وفي الجامعات، وكثر عدد السلالم التي تقيس المعلومات المدرسية ومختلف أنواع النتاج المدرسي، وامتدت هذه السلالم إلى جميع فروع المواد المدرسية، كما اتسعت المشكلات المدروسة ونظمت طرائق البحث تنظيماً جديداً. ومن المتعذر أن نذكر هنا أسماء جميع الذين أسهموا في وضع وسائل التربية التجريبية، وحسبنا أن نذكر أهمهم :
 (ايرزEyres ) و(فريمان Freeman) اللذين أشتهرا بسلالم الخط، (هيلغاسHillegas ) الذي وضع عام 1912 سلّماً للإنشاء؛ (باكنغهامR.D.Buckingham ) الذي وضع عام 1913 أول سلّم للإملاء؛ ((ووديWoody )) الذي اشتهر بأبحاثه حول الحساب؛ (ترابو) الذي عرف بسلم الحساب؛ (ماك كال Mc Call)؛ (تيرمانTerman )؛ (مونروMonroe )؛ (كورتيسCourtis )..
 وبعد السنوات الأربع من الحرب العالمية الأولى، هذه الحرب التي وجهت الأبحاث نحو مشكلات علم النفس المطبق على التنظيم الحربي والصناعي، أخذت حركة التربية العلمية تتسع، ويشهد لهذا الاتساع العدد الهائل من المجلات التي ظهرت في هذا الميدان.
2- وسائل البحث التجريبي :
ولنعد الآن إلى الحديث عن وسائل هذه الأبحاث التجريبية في التربية بعد أن عرفنا تاريخها معرفة مجملة : إنّ المنهج التجريبي الخالص في التربية الذي يطبق على عدد من الطلاب يكون بأن نقيس النتيجة التي يتركها في هؤلاء الطلاب إدخال عنصر معين على وضع معين (أثر الجلسة مثلاً في إنتاج الطلاب في المدرسة، أو أثر السينما في التعليم...). وقد يلجأ البحث إلى زمرة وحيدة من الأفراد وقد يلجأ إلى زمر عديدة.
 وقد بين (ماك كال W.Mac. Call) بدقة أنواع المنهج التجريبي ووسائله المختلفة ( ) ونوجز ما ذكره فيما يلي :
i) طريقة الزمرة الوحيدة :
في هذه الحال لا تستخدم إلا زمرة واحدة من الطلاب يطبق عليها المتغيرأوالمتغيرات التي يراد قياس أثرها. لنفرض، مثلاً، أننا نود قياس أثر كل من النور الصنعي ونور النهار على مردود القراءة. إننا نطلب من هذه الزمرة من الطلاب خلال فترة أولى أن يقوموا ببعض تمارين القراءة في نور صنعي، بعد أن نكون قد قسنا مستواهم الأصلي في القراءة، ونقيس عن طريق رائز نهائي النتيجة التي يحصلون عليها في هذه التمارين التي أجروها في النور الصنعي (كأن نقيس التقدم الذي أحرزوه أو ما حفظوه). وفي فترة زمنية ثانية معادلة للفترة الأولى نطلب إلى الطلاب أن يقوموا بتمارين قراءة من النوع نفسه بعد أن نكون قد حافظنا على جميع العوامل التي تؤثر في عملهم وأبقيناها ثابتة، باستثناء النور الذي يصبح هذه المرة نور النهار. ونقيس النتيجة النهائية ثم نقارنها بالنتيجة التي حصلنا عليها في نهاية التجربة الأولى. ويكون الفرق دالاً على أثر عامل النور.
وأهم محاذير هذه الطريقة أن وضع الزمرة أولاً في الأوقات المختلفة لا يظل مساوياً لنفسه أبداً. ثم إن أثر التعلم ثانياً، لا يظهر بشكل منتظم، وهكذا قد نعزو إلى عامل ما، ما هو نتيجة طبيعية لقوانين الذاكرة (التي تقوى بالتكرار كما نعلم، وتغدو قابلية التعلم لديها أقوى فأقوى بين تجربة وأخرى).
ii) طريقة الزمر المتوازية أو المتعادلة :
في هذه الطريقة نبدأ بتكوين زمرتين أو أكثر متوسط كفاءتها واحد، أي بتكوين زمر متجانسة متكافئة في مستواها. ونحصل على هذا التعادل بطرق تتفاوت في مبلغ موضوعيتها، كأن نستخدم أحياناً الروائز النفسية التربوية، أو نصنّف الطلاب في زمر يوحّد بين كل واحد منها التساوي في العمر، أو أن نجعلهم درجات حسب هذه الأعمار، أو أن نلجأ إلى تقديرات المعلمين، أو أن نجري التوزيع بمجرد السحب…
ومن الواضح أننا لا نستطيع أن ندّعي أننا نصل في حال من الأحوال إلى تحقيق تساوي مطلق كامل بين الزمر. وأياً كان الأمر، فنحن بعد أن نكّون الزمرتين مثلاً على هذا النحو، نطبق العامل الذي نريد دراسة أثره، على الزمرة الأولى، والثانية. وبعد زمن محدود نقيس مستوى الزمرتين عن طريق الروائز، فتكون الفوارق التي تظهر نتيجة العنصر الجديد، لأن أي عامل آخر لم يتدخل، مادامت الزمرتان غير مختلفتين في البداية في مستواهما.
 واستخدام هذه الطريقة شائع عندما يتيسر عدد كبير من الأشخاص المفحوصين. ويمكن أن نأخذ عليها أنّ من الصعب أن نبقي جميع شروط التجربة ثابتة في الزمرتين، ما خلا الشرط المدروس. كذلك يمكن أن نأخذ عليها ما بيناه منذ قليل من أن التعادل الحقيقي لا يمكن أن يتحقق.
iii) طريقة تدوير المعامل :
وهي تحوي أكثر محاسن الطريقتين السابقتين، وليس فيها كثير من مساوئهما. وما هي إلّا الطريقتان السابقتان مجتمعتين. ويمكن أن نعدّها تجربتين على زمرتين متوازيتين يطبق فيها المتغير على الزمرة I في المرة الأولى وعلى الزمرة II في المرة الثانية. وعلى هذا النحو يطبّق كل متغير على كل زمرة، وتزول على هذا الأساس مشكلة التعادل بين الزمر (التي واجهناها في طريقة الزمر المتوازية) كما تزول مشكلة السرعات المتباينة في المراحل المتتالية من التعلم (التي واجهنا في طريقة الزمرة الوحيدة). فهي إذاً أحسن الطرق قيمة من الوجهة العلمية، غير أن لها مساوئ عملية تنجم بالدرجة الأولى عن صعوبة تحقيق تدوير العوامل في الشروط المدروسة العادية.
 هب مثلاً أننا نود أن نعرف هل التعليم أنجع وأجدى لو كانت الصفوف مؤلفة من 20 تلميذاً بدلاً من أن تكون مؤلفة من 40 تلميذاً. من أجل هذا يقوم أستاذ خلال زمن محدد بتعليم صف مؤلف من 40 تلميذاً. ثم يقسم صف آخر مؤلف من 40 تلميذاً إلى زمرتين كل منهما تحوي 20 طالباً، ونقوم بتعليم هذا الصف المنقسم خلال زمن مساوٍ للزمن السابق، ونقيس النتائج التي نحصل عليها. وفي فترة ثانية نقسم الصف الذي قمنا بتعليمه مجتمعاً إلى زمرتين، ونجمع الصف الآخر الذي قمنا بتعليمه منقسماً. ونقوم بفحص نهائي ونجمع النتائج التي حصلنا عليها عندما قمنا بتعليم الطلاب مجتمعين ثم النتائج التي حصلنا عليها عندما قسمنا الصف. والفرق بين مجموعي النتيجتين يبين لنا ما هي أحسن طريقة في التعليم، وهل هي جمع الطلاب في صفوف مؤلفة من 40 طالباً أم جميعهم في صفوف مؤلفة من 20 طالباً.
3- وسائل التجريب غير المباشر:
إن الوسائل التي أتينا على وصفها تقدم للباحث جملة من المعلومات الأولية، ولا بد في تطبيقها أن يقوم الباحث بجملة من التجارب وأن يراقبها ويحقق النتائج مباشرة. غير أن هذه الأعمال كلها ليست ممكنة دوماً وكثيراً ما تكون متعذرة. ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة : كأن تكون طبيعة البحث لا تقبل مثل هذه التجارب، أو أن يكون الباحث لا يملك الوقت اللازم للقيام بها، أو أن يكون بعيداً عن المكان الذي ينبغي أن تتم فيه التجربة، مما لا يتيح له أن يدرس الظاهرة، التي يودّ دراستها، في مكانها. وبهذا يضطر إلى اللجوء إلى أسلوب غير مباشر، لتعذر الأسلوب المباشر، أو صعوبته. فإذا أراد مثلاً أن يدرس شروط الدراسة في المنزل، أو أن يبحث عن أثر البيئة في بعض معلومات الطفل، أو أن يتبين ما يصيبه الطلاب من نجاح بعد أن يغادروا المدرسة ويصبحوا في معترك الحياة... اضطر في مثل هذه الأحوال جميعاً أن يجمع عناصر بحثه بوسائل غير مباشرة. ولنتحدث عن بعض هذه الوسائل غير المباشرة.
i) الاستقصاءات Questionnaires :
ومن أشهر الذين استخدموا طريقة الإستقصاء (Questionnaire) وأشاعوها، كما نعلم، العالم ستانلي هول Stanley Hall الذي اعتمد هذه الطريقة اعتماداً واسعاً في دراسة اهتمام الطفل والمراهق خاصة. غير أن الأبحاث العلمية الحديثة تأخذ على هذه الطريقة مآخذ عديدة، وترى أنّ النتائج التي يتوصل إليها الباحثون عن طريقها تحتاج إلى تعديل كبير ولا تسلم من أخطاء فادحة. ذلك أنّ طريقة وضع استقصاء مثلاً تؤثر تأثيراً كبيراً على أجوبة المفحوص وكثيراً ما تظل الأسئلة فيه غامضة أو موحية بأجوبة معينة. ثم إن كفاءة الأشخاص المفحوصين الذين توجه إليهم هذه الاستقصاءات ليست، فيما يتصل بالقدرة على الإجابة عن هذه الأسئلة، واحدة لديهم جميعاً، وبعضهم لا يملك المقدرة على فهم الأسئلة والإجابة عنها إجابة مفيدة. كما أنه من الصعب على الفاحص الذي يفسر الأجوبة التي يعطيها المفحوصون أن يميز الصواب من الخطأ أحياناً وأن يفرق الجواب الصادق من الجواب الكاذب (فالمفحوصون قد يجيبون بغير الواقع، ويحرّفون الحقيقة، لا سيما إذا كانت الأسئلة تحاول أن تكتشف صفاتهم الشخصية أو أموراً تتعلق بذواتهم). لذا يرى العلماء أنه إن كانت طريقة الاستقصاء هذه ضرورية ومقبولة في ميدان العلوم الاجتماعية، فهي لا تتصف بمثل هذه القيمة في التربية.
ومن الممكن أن نتحدث عن نوعين من الاستقصاء : فهنالك (الاستقصاء ذو الأجوبة المغلقة) أو المحددة سلفاً، وهنالك (الاستقصاء ذو الأجوبة المفتوحة) أو غير المحددة سلفاً.
 أما في النوع الأول من الاستقصاء فيطلب إلى الشخص أن يختار بين عدة أجوبة ممكنة توضع أمامه.
أما الاستقصاء ذو الأجوبة المفتوحة، فلا يحدد فيه سلفاً أي جواب، بل تترك الإجابة كلها للشخص.
فيما يلي نوجز لأهم النقاط التي يجب مراعتها عند وضع الاستقصاء :
§        ينبغي أن يكون الاستقصاء موجزا قدر المستطاع.
§        يحسن أن يشتمل الاستقصاء على مقدمة هدفها إثارة اهتمام الشخص حين نبين له لماذا نطلب إسهامه وما هي الفوائد العامة والخاصة التي يمكن أن نحصل عليها بفضل ذلك. كما يحسن أن نتعهد في هذه المقدمة بسريّة الاستقصاء التامة. وبعد المقدمة تأتي الأسئلة، ويحسن تبويبها في مجموعات تخص كل واحدة منها موضوعاً معيناً أو جانباً من المشكلة المدروسة.
§        ولا بد من اختيار الأسئلة اختياراً يلائم الهدف المقصود وأن تكون واضحة ومحددة.
§        من المهم أن يأخذ هذا الاستقصاء بعين الاعتبار مستوى الأشخاص الذين ينتظر أن يجيبوا عليه من حيث اللغة والفهم وامتلاك المعلومات اللازمة.
ii) المسح الإجتماعي :
وهو أسلوب من الاستقصاء ينتسب في الواقع إلى العلوم الاجتماعية، كما يدل عليه اسمه. غير أنه أدّى خدمات كبيرة في السنوات الأخيرة في تنظيم صفوف الدراسة والمناهج والتشريع المدرسي عامة. ذلك أنّ ميدان المعلومات والمعارف قد اتسع في أيامنا اتساعاً جعل المدرسة في وضع لا بد فيه من الانتقاء والاختيار. وهنا يرد سؤالان جوهريان وهما : ماذا يستطيع أن يدرس الطالب أولاً من بين هذه المعارف، ثم ماذا ينبغي أن يدرس منها ثانياً إذا أراد أن يكون متلائماً مع حاجات المجتمع الحديث ؟
 أما الجواب على السؤال الأول فمن شأن علم النفس. وأما جواب السؤال الثاني فينبغي أن يضطلع به المجتمع نفسه. لذا وجب إجراء استقصاءات تبين ماهي متطلبات المجتمع نفسه وما هي المعلومات والمعارف اللازمة للحياة فيه، وتبين كذلك كيف تستخدم في الحياة الواقعية العمليات الحسابية والصيغ الجبرية و... وما هي المعلومات الجغرافية التي لا يستغنى عنها في هذه الحياة، وما هي أكثر المفردات اللغوية ذيوعاً في لغة الكلام والكتابة والطباعة ؟
ولا بد في جمع معلومات حول هذه الأمور كلها من اللجوء إلى إجراء مباحث مباشرة حولها، كأن يسأل المستخدمون والعمال وغيرهم من أرباب المهن... وكأن تستخرج الألفاظ الشائعة في الصحف والمؤلفات المختلفة وتحصى نسبة استخدامها المئوية، أو أن تحصى الموضوعات التي تعالج عادة في المجلات الذائعة بين الجمهور، أو أن تسأل ربات البيوت عن المعلومات المدرسية التي أفادتهن فعلاً في تصريف شئونهن المنزلية....
 وبمثل هذه الطريقة في الاستقصاء وضعت البرامج الدنيا (الحد الأدنى من المعلومات التي ينبغي أن يملكها الطالب) في مشروع (وينتكاWinnetka ) : فلقد وصل (واشبورنC.Washburne ) إلى أن يحدد بدقة ماهي المطالب الوسطى للمجتمع الامريكي فيما يتصل بالمعارف النظرية والعملية. وهذه المطالب التي وصل اليها جعل منها الحد الأدنى من المعلومات التي ينبغي أن يملكها الطالب في نهاية حياته المدرسية.
iii) الوسائل العيادية في البحث التجريبي :
تجمع تحت هذه التسمية كل الوسائل التي تسمى أحياناً باسم المنهج النفسي أو الدراسة التشخيصية étude diagnostique أو فحص الحالات أو الأسلوب التحليلي، على ألّا تثير هذه التسمية حتماً فكرة المرض والأحوال المرضية.
وقد نادى بضرورة الاستعانة بهذه الطرق العيادية أكثر الباحثين، ولا سيما بعد أن بينت الروائز الكثيرة التي طُبقت أنه لا يكفي في التعرّف على الحياة النفسية لدى المفحوص أن ننظر إلى الرقم الذي يحصل عليه في الرائز وإلى النتيجة التي يصل إليها، بل لا بد أن ننظر، عدا هذا الرقم والنتيجة، إلى شيء آخر هام هو طريقة وصوله إلى النتيجة والأسلوب الذي سلكه في إنجاز الرائز. فقد يصل شخصان إلى نتيجة واحدة، دون أن يسلكا إليها سبيلاَ واحدة.
فملاحظة سلوك المفحوص وسكناته وأسلوب تصرفه للأمور فكرة نجدها لدى عدد كبير من الباحثين منذ بداية عهد الروائز، فنجدها مثلاً عند سيمونSimon  إذا يبين في كتابه عن روائز المعرفة Tests d’instruction( ) ضرورة إكمال الفحص الفني للقابليات، الذي يتم عن طريق الروائز، بالملاحظة الحية لسلوك المفحوص، وذلك عن طريق الالتفات مثلاً إلى (تلكئه أثناء إنجازه لرائز في الاملاء) أو عن طريق تتبع (أسلوبه في إنجاز عملية من العمليات).
على أن من أشهر الذين عنوا بهذا الأسلوب من الدراسة ووضعوا له شرعته وقانونه، عالم النفس السويسري (بياجي  J.Piaget). وهو الذي أطلق على هذا النهج في البحث اسم (الطريقة العيادية méthode clinique) ويعني هذا اللفظ عنده أن (دراسة الروائز ونتائجها والخبرة التي نكسبها عن طريقها يتمان عن طريق التماس مع المفحوصين وباللجوء إلى بعض الفروض حول طبيعة استجابتهم وحول بنية الروائز). وهذه الطريقة في البحث مستوحاة من ميدان الطب النفساني (حيث يتوجب هذا الاتصال الحي بالمفحوص وفهم كل ما يتصل بسياق حياته). وقد طبّقها (بياجي) على دراسة الطفل دراسة تكوينية ، مستبقياً التسمية الذائعة في ذلك الميدان(ميدان الطب). ويريد (بياجي) أن يجمع في هذه الطريقة (محاسن طريقة الروائز ومحاسن طريقة الملاحظة المباشرة الخالصة مجتنباً مساوئهما).
 على أن الطريقة العيادية لا تعني فقط هذه الملاحظة المباشرة لسلوك المفحوص، وإنما تعني خاصة الإحاطة بكل جوانب حياته والتوفر على دراسته دراسة فردية شاملة، والعناية بحياته جملةً وتفصيلاً ( ومن هنا أتى اسم دراسة الحالات الذي هو أحد أسماء هذه الطريقة كما ذكرنا) : كأن ندرس أسرته وحياته المنزلية وأصدقاءه وعمله المدرسي ومطامحه ومقاصده وفراغه ونشاطه وحالته الصحية الجسدية وكل ما من شأنه أن يعرّفنا به تعريفاً عميقاً ويطلعنا على حقيقة حاله. وتتضح هذه الغاية خاصة إذا ذكرنا أن هذه الطريقة العيادية تستخدم غالباً في دراسة الأطفال الذين يعانون وضعاً خاصاً : من مثل المتأخرين في الدراسة أو الذين لا يتقيدون بالنظام، أو الذين لا يتلاءمون مع وضعهم المدرسي، أو الموهوبين أو المتفوقين.
 وتلجأ هذه الوسائل العيادية جميعها إلى الملاحظة المباشرة وإلى استخدام الروائز المشخصة diagnostiques والمتنبئة pronstiques وتستعين أحياناً بأجهزة أنشئ بعضها لهذه الغاية قصداً. ولا شك أن المدرسة هي التي ينبغي أن تظل، كما بينّا، المركز الأساسي لعمل الباحث في هذه المجالات جميعاً. ولكن قد تحتاج بعض المشكلات في حلها إلى وسائل فنية دقيقة لا تتوافر إلا في المخابر وأجهزتها. ويحدث هذا خاصة عندما لا تصل الوسائل العادية إلى تعيين صعوبة من الصعوبات التي يلقاها الفرد وعندما يجد الباحث نفسه في حاجة إلى تحليل مفصّل جداً لوظيفة تربوية معينة.
iv) المقابلة الشخصيّة أو الحوار :
من أبرز الوسائل التي تستخدم في البحث التربوي وسواه، وهي أنواع :
§        الحوار الحر أو المقابلة العفوية
§        المقابلة الحركية التي تجري عمقا لا امتدادا
§        المقابلة المنظمة أو الحوار الموجه
§        المقابلة نصف المنظمة
ومن الممكن أن نتحدّث عن تصنيف آخر للمقابلة الشخصية، تبعا لعدد الأشخاص الذين يسهمون فيها : فهنالك المقابلة الفردية وهنالك المقابلة الجماعية.
v) الأجهزة :
تتعدد الأجهزة المستخدمة في البحث التربوي، ونقف فيما يلي عند بعضها :
أجهزة التصوير الفوتوغرافي والسينمائي
مكبرات الصوت
المرايا ذات الوجه الواحد
الآلات التعليمية
أدوات الإسراع في القراءة
مقياس الزمن Chronomètre
جهاز رد الفعل Chronoscope
مقياس القوة Dynamomètre .........
vi) الإحصاء والبحث التجريبي :
وأخيراً إن استخدام جميع هذه الوسائل التي أوجزنا الحديث عنها يفترض دوماً معلومات نظرية وعملية حول الإحصاء. فتنظيم النتائج ورسمها رسماً بيانياً وتفسيرها أمور تتطلب استخدام المنهج الإحصائي استخداماً دائماً، على نحو ما هي عليه الحال في جميع العلوم. والباحث التربوي اليوم لا يستطيع أن يجهل طريقة إنشاء الخطوط البيانية التي تبين توزع متحوّل ما، وحساب (المتوسطات Moyennes) وقرائن التحوّل Indices de variabilité والترابط Corrélation. ويشغل تعليم الإحصاء في معاهد التربية اليوم مكانة هامة هو جدير بها دون شك.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage