3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

كيف نقرأ ماكيافللي؟

الخط









كيف نقرأ ماكيافللي؟ 


الحسن اللحية



ما أن يبادر الباحث، كل باحث، بطرح السؤال التالي : لماذا هذا البحث ؟ حتى يجد نفسه والقارئ والناقد في مستوى واحد، أي يجد نفسه على مسافة من موضوع بحثه، تسمح له بإعادة قراءته انطلاقا من تلك المسافة. 
والحال أن البحث المقدم إليكم في صيغته "الممتلكة"، أي من حيث أنه بين دفتين، وأن زمن كتابته انتهى مع بداية قراءته من طرفكم، مع العلم أن الانتقادات والتشطيب والتنبيهات والتوجيهات والتصحيحات التي أدخلها أستاذي يفوت، وهو يساهم في بنائه، تنتمي لزمن الكتابة -القراءة المختلف عن زمن النص مع مؤلفه. لكن ما سأحاول القيام به الآن ليس هو تقديم قراءة بعدية، بل استعادة جميع الأزمنة، وهي مهمة صعبة، بما فيها لحظات القلق، والتوتر واليأس والإحباط والفرح واللذة، والاكتشاف والحلم وما إلى ذلك. 
انطلقت بداية اهتمامي بماكيافلي مع عثوري على دروس مشيل فوكو دوفرانس »، وبالتحديد المحاضرة المعنونة بمنطق الحكم Gouvernementalité ثم السلطة الحيوية bio-pouvoir فالإقليم والسكان، وكنت في هذه الآونة أشتغل على مفهوم السلطة الفوكاي. أثارني كثيرا ملاحظات فوكو، ووجهتني للقيام بمقارنة بين مفهوم السلطة في الأمير وعند مشيل فوكو إلى أن اقتنعت بضرورة القيام ببحث حول ماكيافللي، فكان عنوان هذه الرسالة يحمل كثيرا علاقات من الحضور الفوكاوي : « من السيادة إلى المراقبة ؛ ما بعد الماكيافلية » لكنني ما أن انغمست في النصوص الماكيافلية حتى صارت العودة إلى فوكو من جديد محفوفة بهزات ورجات، وبدا لي أن ما كنت أنوي القيام به سيكون من قبيل تكرار أخطاء تعج بها الساحة الثقافية العربية، وهي بالكاد كمن ينتقد هيجل لماركسيته أو يريد الهروب من قبضة هيجل لتفكيكيته، ، ، من دون أن يعرف القراء بهيجل ولا بالهيجلية، وهو حال جميع التخصصات كالفكر السياسي والفلسفة السياسية والتاريخ والأنتروبولوجيا والسيسولوجيا ... 
وبعد أن ترسخت قناعتي بهذا الأمر بدأت أقتنع بضرورة القيام ببحث حول ماكيافللي. بحث يندرج ضمن ما أطلق عليه الأستاذ كمال عبد الطيف جدل السياسة والتاريخ، قضيته المركزية هي الانخراط في مساءلة الاستبداد السياسي، لكن بيقظة الباحث، لذلك حذرنا القراء، قراء ماكيافللي، أيما تحذير بأن قراءة ماكيافللي لا تعني الإمساك بمنطق الاستبداد السياسي، وليس المتن الماكيافللي تفسيرا يعتبر درجة الصغر في التفسير للاستبداد السياسي لأن الاستبداد شأنه شأن مفاهيم سياسية أخرى يعرف التطور، مما يعني أن المتن الماكيافللي ليس متنا استثنائيا خارج التاريخ. 
والظاهر أن الباحث في النص الماكيافللي لا يمكنه أن يتغافل الإسقاطات والتجزيئي والسجالات والردود. فالردود والسجالات ساهمت في خلق أسطورة ماكيافللي، وظل النص الماكيافللي بالنسبة لها نصا في الإلحاد والهرطقة والزندقة، وسياسة الشر، أي أن ماكيافللي مسؤول عن الماكيافلية في سياسة الفكر. وأما القراءات الإسقاطية فهي القراءات التي يعيش أصحابها لحظات التمزق والأزمة والضياع، وظلت تقرأ مؤلفات ماكيافللي في غير مقاصد صاحبها، لذلك خلصت إلى أن ماكيافللي سيكون مسؤولا عن الماكيافلية إن لم يؤول كتاب الأمير تأويلا مغايرا عن دعوته إلى الأمير الجديد. 
وأما الاختزال فقد ساهم في ربط الاستبداد بماكيافللي، أي أن القراء اختزلوا ماكيافللي في كتاب الأمير وحده، متغافلين المؤلفات الأخرى، تشهد على ذلك تعدد طبعاته تاريخيا منذ منتصف القرن السادس عشر إلى اليوم، كما وضحنا ذلك بهوامش هذا البحث، وهذا الموقف يدعم القراءة الاستبدادية التي قام بها بنتو موسوليني ويرفع ماكيافللي إلى مستوى الأسطورة. 
إذن لهذه الأسباب كانت ضرورة القيام بمدخل إلى قراءة ماكيافللي وخاصة إذا علمنا خلو المكتبات العربية من الأعمال الأكاديمية المختصة في ماكيافللي رغم أن مفكرينا الكبار لهم اهتمامات ونصوص تحاور الماكيافلية أو تشير إلى أهمية الفكر الماكيافللي، بل منهم من يستحضرها لحظات السجال السياسي، ومنهم من يؤصل انطلاقا من الهروب من قبضتها، فإذا ما استثنينا بعض الترجمات والمقالات فكاد نصاب بخيبة أمل وحسرة واندهاش. 
قد لا نعثر على أسباب معرفية مقصودة تفسر أسباب هذا التهميش إذا ما علمنا أهمية هذا المفكر بالنسبة للفكر الإسلامي، خاصة وأنه طبع مختلف النصوص اللاحقة عليه في الغرب كنصوص الأنوار، والمذاهب الدينية برمتها والمسرح والشعر، والفلسفات الكبرى كفلسفة فخته وهيجل وماركس، وأصبح منذ الثلاثينات من هذا القرن موضوعا للبحث بامتياز. ولعل الصمت الذي أطاله في أوساطنا العربية قد يكشف عن حالة غامضة في علاقة هؤلاء المفكرين بتصورات سياسية واضحة إذا ما علمنا أن كل مرحلة في الغرب أنتجت قراءات معينة لماكيافللي، وبالتالي فإن غياب قراءة عربية لماكيافللي تعني غياب مبادرة في الفكر السياسي تحاور أصول الفكر السياسي العربي ...، وهنا لابد أن أشير إلى أهمية مساهمة المفكرين المغاربة وأخص مساهمة الأستاذين كمال عبد اللطيف الذي وجهتنا مقالته، ومساهمة الأستاذ عبد الله العروي التي كانت بحق مقالة في مساءلة أصول علم السياسة ... 
إذن، لهذه الأسباب اتخذ التعديل صورته النهائية في هذا البحث تحت عنوان : مدخل إلى قراءة ماكيافللي، وكأنه يريد أن يعود إلى الوراء لينطلق من البدايات. ومع ذلك لماذا هذا العنوان ؟ 
هناك سؤال يطرح نفسه منذ زمن ماكيافللي، وهو لماذا انفردت مؤلفات ماكيافللي بالانتشار والقراءة، وشاع اسمه وصيته رغم أن موضوع الأمير الذي يعتبر الكتاب المقروء كثيرا معروف، ومتداول بين الناس، وهناك من طرقه قبل ماكيافللي كاكزنفون أو من ألف على نفس منواله، وسلك مسلكه كديومدي أو من ألف على نفس منواله، وسلك مسلكه كديومدي وبلانتا وفرانسسكو باتريزي، وبوناتو المعاصرين له ؟ 
لا نعتبر هذا السؤال سؤالا عابرا يرمي إلى المقارنات بالحصر، بل إنه في نظرنا يختزل مصيرا تاريخيا يطال الكتاب والمؤلفين والمفكرين عامة، وأكثر من ذلك فإننا نعتبر مبرر عنواننا وأحد الإشكالات التي ترمي إلى توضيح مقاصد ماكيافللي، وبالتالي لا يمكن أن نكتشف إلا بالمرور على القراءات التي ساهمت في ذلك القدر التاريخي الذي أصاب هذا الفكر دون معاصريه المشار إليهم. 
إن التعرض للقراءات التي قد يجعل بحثنا متوترا بين عرضها وإعادة بنائها هي كقراءات، ومن تم تتعدد دروب البحث، لكن وعينا بما يطرح المتن جعلنا نؤمن بأن القراءات المتعرض لها والمتن الماكيافللي يشكلان لحمة واحدة، وبتعبير أدق فإن مختلف الإشكالات التي طرقها الباحثون في المتن الماكيافللي هي التي تعطي للمتن حياته وتجعله أصلا أو توصل انطلاقا منه مع العلم أنه ليس أصلها المطلق. وهكذا نرى أن مدخلنا يعيد بناء المتن بطرح السؤال : كيف نقرأ ماكيافللي ؟ أي : كيف نقرأ ماكيافللي بالنظر للقراءات العديدة التي مازالت تعيد قراءته ؟. 
لا أدعي أنني سأعيد الموضوعية لماكيافللي بإعادة طرحي للسؤال كيف نقرأ ماكيافللي المطروح من قبل الباحثين السابقين لاقتناعي بأن كل جواب الذي هو قراءة لا يعلو عن التاريخ ؛ ومعنى ذلك أن تناولنا لماكيافللي أستحضر الأبعاد التالية : 
أ - البعد التاريخي 
ب - البعد الإيديولوجي الحاضر في المتن الماكيافللي والقراءات معا، وفي الترجمات التي خضعت إليها مؤلفات ماكيافللي منذ النصف الثاني من القرن 16 إلى اليوم. 
لقد أفضى بنا هذان العنصران إلى الاقتناع بأن بحثنا هو في الماكيافللي التي تريد أن تتعالى عن كل تاريخ فكأنما نحن أمام أفلاطونية جيل دولوز التي تسكن الأحكام والدهنيات والأخلاق والرؤى والآداب والحكي، فكذلك النصوص المختلفة التي تناولت الدولة والسلطة والمجتمع والفرد والمؤسسات والمذاهب والإيديولوجيات لا تخلو من ماكيافلية إن لم تكن تؤسس لها بامتياز 
إن « محاولة الهروب من الماكيافلية » انطلقت بالنسبة لنا في هذا البحث من الأسئلة الآتية : 
أولا : لأي جانب ينحاز المتن الماكيافللي، للشعب أم للحكام ؟ وأي صنف من هؤلاء وأولئك ؟ 
ثانيا : هل بالإمكان الحديث عن نهاية الماكيافلية بالنظر لما أصبح يعرف اليوم بفكر النهايات : نهاية الفلسفة، التاريخ، الإيديولوجيا إلخ، بعد أن انتقل الغرب من الدولة السيادية إلى الدولة الوطنية وإلى دولة البروليتاريا ؟ وتزداد مشروعية هذا السؤال بطرحنا لمفاهيم راهنية كالعالمية والكونية وسيادة التقنية ؟ 
ماذا ستعني نهاية الماكيافلية، هل نهاية ممارسة سياسة ما أم نمطا من أنماط الحكم ؟ أم نهاية تدبير داخلي معين حل محله تدبير علائقي بين الدول ؟ أم أن النهاية منتوج عصر تقني أزاح مفاهيم أضحت كلاسيكية كالدولة الوطنية والسيادة والطبقة والشعب والحاكم ؟ أم أن النهاية هي اكتساح النموذج الأمريكي ليعوض دولة الحاكم المطلق الماكيافللي ؟ 
لم نغفل في سياق تحليلنا الفصل بين ماكيافللي والماكيافلية التي كانت دوما من اختراع خصومه، وذلك بانتهاجنا للمنهج التاريخي والتحليلي الذي مكننا من إبراز قضية ماكيافللي الخاصة المتمثلة في بناء الدولة الوطنية. وكان مما فرضها علينا هذا المطلب هو متابعة حياة ماكيافللي وتاريخ تأليف مؤلفاته والظروف التي أحاطت بكل مؤلف على حدة. وقد تبين لنا بعد البينات أن حياة ماكيافللي تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة الوظيفة ومرحلة ثانية ابتدأت مع وصول الأسقف الدومينكاني جيروم سافونارولا، وتؤرخ بالرسالة التي كتبها في التاسع من مارس من سنة 1498، والتي تحدث فيها عن تجربة هذا الراهب السياسة المتميزة باللاعقلانية، والجدران الرملية. وكان من أهم ما خلص إليه هو ضرورة القوة والشجاعة وعبر عن ذلك بالنبي الأعزل في كتاب الأمير. 
نعتبر من جهتنا هذه الرسالة منعطفا حاسما في طرح إشكالية الحكم والحاكم المرتبطة بالضرورة بإشكالات أخرى كإشكالية السلطة الواردة في التقرير الذي صاغه أثناء معاينته لأحداث بيزا في أبريل ويونيو من سنة 1499، واقتنع بعدها بأن إشكالية القوة إشكالية سياسية وليست إشكالية تقنية كما كان متداولا بين الأرستقراطيين. وأما في التقرير المصاغ في سنة 1502 الخاص ببستوا فقد اتهم فيه الأحزاب، يعني بها التيارات المتصارعة حول السلطة، بتمزيق وحدة الإمارة، وكل إمارة تفتقد إلى أمير قوي، وبالتالي هي واقع حال إيطاليا برمتها المنقسمة إلى إمارات عديدة غير ثابتة الحدود، ولا قارة الأنظمة السياسية. 
وقد لاحظنا، ونحن نتتبع التقارير والسائل السابقة عن الأمير أن كثير من المفاهيم الواردة في المؤلفات الرئيسية تمت الإشارة إليها فيها كما بينا أعلاه، ومعنى ذلك أن المؤلفات الكبرى الرئيسة هي إعادة تركيب لما سبق طرحه، يكفي أن نعزز هذا الرأي بمفاهيم كالشجاعة والمكر والحيل. 
والحاصل أن ما عاينه ماكيافللي من أحداث بإيطاليا لن تكون وحدها الخلفية الوحيدة في تمثله ورؤيته السياسية، بل شارك عصره ثقافيا وعسكريا أي أنه كان منخرطا في ثقافة عصره، كما كان سفيرا رغم أنه لم يعين بهذا الاسم، حيث مكنته سفاراته من الإطلاع على نظم سياسية مغايرة لتجارب الإمارات الإيطالية. 
وأما المرحلة التي ركز عليها البحث فتبتدئ من 1512 إلى 1527 وهي المرحلة التي حول فيها التقارير المجزأة، والأشعار والمسرحيات إلى قضايا وإشكالات على شكل مؤلفات اعتبرنا أنها تطرح إشكالية واحدة هي إشكالية الدولة الوطنية التي يجسدها الأمير. ونحن هنا ننبه أنه لا يمكن قراءتها إلا من حيث أنها تطرح إشكالية واحدة، ولعل ما يعزز ويبرر في آن واحد رأينا ويجمع فيما بينها تزامن تأليف بعضها، وحضور إشكالات واحدة إن لم نقل تخترقها نفس الإشكالية. فقد تزامن تأليف الأمير والخطابات، وحضرت إشكالية القوة في جميع المؤلفات من الأمير مرورا بالخطابات وصولا إلى "فن الحرب" وتواريخ فلورنسا، وهو ما يبرر وحدة الإشكالية المشار إليها آنفا. 
كما أن هناك عاملا موضوعيا لا يمكن لدراستنا أن تتغافله، ويتمثل في الظروف التاريخية التي عاشتها إيطاليا برمتها، وقد أفردنا لهذا العنصر فصلا بينا فيه مختلف العوامل التي تحكمت في التأليف الماكيافللي. 
وعلى العموم فقد اتخذ بحثنا المتواضع هذا البناء التالي : 
الفصل الأول وكان عنوانه إشكالية القراءة وخلفيات القراء، وقصدنا من هذا العنوان هو إبراز مختلف القراءات التي تناولت ماكيافللي، كما أنه يستجيب للضرورة التي انتدب لها البحث نفسه وهي طرق السؤال : كيف نقرأ ماكيافللي ؟ 
والظاهر أن هذا السؤال لا يمكن أن يرسم طريقة إلا ببسط مختلف القراءات التي سبقتنا، وانطلاقا منها، ومن حيث أنه سؤالنا الرئيسي لا يمكن أن يتغافل تاريخ كل قراءة وتراكم التفسير والتأويل والرد والسجال. وإجمالا فإن القراءات التي تناولت ماكيافللي وحاولت الإجابة عن سؤالنا هي الآتية : 

1- القراءات الكنسية والسجالية والدينية 
نعني بها مختلف القراءات التي اهتمت بالرد على ماكيافللي، وهي كثيرة المذاهب مما يفسر انتشارها الكبير بأوربا الغربية كلها كإيطاليا وفرنسا واسبانيا والبرتغال وألمانيا وإنجلترا منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر. إن دراسة هذه الردود تمكن الباحث من الوقوف على الصراع الكنسي الديني والعقلاني، بل تسمح برصد اتجاهات الفكر الغربي السياسي الأوروبي برمته، والوقوف على منظور كل مرحلة لماكيافللي، وللسياسة على اعتبار أن السياسة كانت تختزل في أمير ماكيافللي باعتباره الكتاب الأكثر سطوعا من بين المؤلفات المصنفة ضمن الآداب السلطانية. 
كان شغلنا الشاغل في هذا الباب هو التعريف، قد الإمكان، بهذه الآداب المجهولة لدينا في العالم العربي، وهو ما دفعنا إلى القيام بالوصف دون إلغاء التأريخ والتحقيب والتحليل أيضا. 
كما اجتهدنا في عرض إشكالات هذه القراءات - الردود، وبينا الخلفيات المذهبية التي جعلت الأمير كتابا في الإلحاد والزندقة والهرطقة، ومؤلفا في سياسة الشر والفظاظة والغلطة والمكر أي سياسة لا أخلاقية من المنظور الكنسي والديني. وذلك ما يفسر المنع الممنهج والمقنن الذي طال مؤلف الأمير. طرح المنع المذكور بالنسبة لنا مشكلا تاريخيا لخصماه في السؤال التالي : إذا كان الأمير قد خضع لمراقبة كنسية دينية دقيقة وممنهجة كيف نفسر انتشاره بين المثقفين آنذاك ؟ وهل لهذا الانتشار دلالة سياسية لا كنيسة ؟ 
لم تكن الردود من مهمة رجال الدين وحدهم، وذلك ما يفسر الاكتساح الماكيافللي الشامل للفكر السياسي الغربي إن لم نغفل الآداب التي كانت تسمح آنذاك بطرق السياسة كالمسرح والشعر وحضوره في آداب الوعظ والإرشاد كما نجد ذلك بمؤلفات مازران وتايلرو وغيرهم ممن ينصح الحكام والملوك. 
نعتبر من جهتنا مختلف الردود الآنفة الذكر سجالات إيديولوجية لم تبلغ مستوى القراءة النقدية، لأنها كانت تتدرج بالنص الماكيافللي لتقول آراءها وتستعرض عقائدها، تكفي الإشارة هنا لجونتيلي مؤلف كتاب "خطاب الدولة أو الرد على ماكيافللي » واليسوعي الإسباني بيدرو ريبانييرا مؤلف كتاب : « في الدين أو فضائل الأمير المسيحي ضد ماكيافللي" وغيرهما، وفي نفس السياق نورد بعض الشعراء وعلى رأسهم رونصار، والمسرح الإنجليزي في العهد الإليزابيتي. 
ويندرج ضمن هذا الاتجاه المساجل الأمير فردريك الثاني بكتابة الرد على ماكيافللي" الذي قمنا بتعريبه ونشره. 
هناك قراءات أخرى عرفها القرن السادس عشر والسابع والثامن عشر اتسمت بعمق فكري وجدية كبيرة دشنها جون بودان، ونعتبرها قراءة مضادة للقراءات السجالية لأنها كانت منخرطة في المطلب التاريخي للبرجوازية الصاعدة المتمثل في الملكيات المطلقة أو في النزعة الجمهورية أو الواقعية أو القومية كما حصل بألمانيا. 


2- القراءة الوطنية 
رافقت هذه القراءة مؤلفات ماكيافللي منذ ظهور الأمير، وتنطلق من الفصلين الأخيرين منه المحددان أسباب ضعف إيطاليا وتمزقها، وتخلفها العسكري. 
تطرح هذه القراءة إشكالات عديدة منها : 
أولا : هل تستوجب الوطنية بالضرورة، وفي الحالة التاريخية التي تعرفها إيطاليا، أميرا مطلق الحكم ؟ 
ثانيا : هل يمكن للنزعة الوطنية في لحظة تاريخية معينة أن تضحي بالإيمان الجمهوري لصالح الاستبداد الملكي ؟ 
للإجابة استحضرنا قراءة ماركس في بيانه الشيوعي للفترة المتأخرة من الإقطاع والسابقة أو المتقدمة على البرجوازية، وقراءة غرامشي وبينا من خلال هذين المفكرين الكبيرين مختلف الدواعي التي كانت تحول دون التفكير في غير الأمير المطلق الحكم أي المكية المطلقة la Monarchie absolue. وخلصنا من خلال قراءة هذين الفيلسوفين إلى قناعة مفادها أن ماكيافللي كان ابن زمانه، وأن علمه السياسي يمثل فلسفة عصره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار كتاب الأمير مؤلفا تاريخيا أو مؤلفا يعتبر كأصل مطلق للسياسة وأفقها النهائي. لا تعني هذه القراءة الربط الميكانيكي بين النصوص والواقع التاريخي المتحكم فيها لكنها تسمح بتحويل النصوص كما حصل لماكيافللي مع الماكيافلي 
ة. 
3- القراءة الجمهورية 
تنطلق هذه القراءة من مفهوم ماكيافلية الكتابة عند ماكيافللي، بمعنى أن النص الماكيافللي يقول غير ما يعلن، وعرفت هذه القراءة الانتشار بإيطاليا وفرنسا، وكانت مدار أسطورة إيجابية للنزعة الماكيافلية المتصورة حول الشعب بد الحكام عامة مع جون جاك روسو. 

4- ماكيافللي المؤرخ أو المؤسس للتاريخ الوضعي 
في النصف الثاني من القرن الثامن عشر اتخذ ماكيافللي وجها جديدا وأقنعة أخرى مع القراءات الفليلوجية والهستغرافية. كان وراء هذا التحول أسباب معرفية حسب ماكس هوركهايمر، وإيديولوجية مع وصول البرجوازية إلى الحكم حسب الباحث جورج مونان. فعلى المستوى الابستمولوجي الذي رامه هوركهايمر فإن ماكيافللي كان من رواد علم التاريخ والمؤسسين الأوائل لهذا العلم، مستلهما الفيزياء الناشئة، مما جعل السياسة تابعة للتاريخ وأقل درجة منه. خاصة وأن التاريخ هو الذي يقدم التجارب ومختلف الوضعيات المتشابهة والمتكررة والمتباينة في الزمن، بل المتماثلة والمتفردة أيضا التي تسمح لرجل السياسة بالمقارنة واستخلاص العبر والقوانين. ومعنى ذلك أن حوادث التاريخ الماضي تسمح باستخلاص قوانين شمولية، جاهزة وواضحة تسمح بفهم مختلف الوضعيات التي يمكن أن يوجد عليها الحاكم. 
تفترض هذه القراءة المستندة إلى كتاب الخطابات طبيعة ثابتة للبشر، لا تتبدل ولا تتغير أبدا، الشيء الذي يسمح باستخلاص القوانين التاريخية بناء على بناء أهواء البشر وانفعالاتهم وطبائعهم. 

5- ماكيافللي وعلم السياسة 
ترتبط هذه القراءة ابستمولوجيا، وترد ظهوره علم السياسية" إلى النزعة الاختبارية والواقعية التي ميزت مؤلفات ماكيافللي، وبمعنى آخر فإن ظهور علم السياسة المقترن بماكبافللي لم يتأت إلا بالقطع الابستمولوجي مع العهود الخرافية والأسطورية والجمهوريات الخيالية والمدن الفاضلة أو المدن الإلهية، والحاكم الفيلسوف، كما قطعت الفيزياء مع ماضيها الخرافي الخاطئ. وهكذا أضحت السياسة تنحو منحى الواقعية والاختبارية لأنها تهتم بوسائل الهيمنة والسيطرة. 

6- القراءة الوجودية. 
ظهرت هذه القراءة بعد الحربين العالميتين، ومن أبرز روادها نجد الفيلسوف ميرلوبونتي، وهي قراءة تعكس التمزق والدمار الذي أصاب أوربا، حيث أضحت الحياة جحيما بالنظر للموت الكاسح، ومن تم كان النداء وانتظار دولة وأمير رادع بإمكانه إيقاف الدمار، والحد من الفوضى. 
والظاهر أن هذه القراءة الإسقاطية لا تختلف عن قراءات أخرى كقراءة فخته مثلا، حيث يستلهم كل منهما ماكيافللي، ويماثلان بين إيطاليا وأوضاعهما السياسية. ومن تم تصير الدعوة إلى أمير ودولة قوية مشروعة. 

7- ماكيافللي والحداثة 
يعيد هذا الاتجاه الفكري العام، إن صح أنه اتجاه لأن أقطاب الحداثة يرفضون هم أنفسهم التصنيف والتيارات، النظر في الفلسفات السياسية التقليدية، ويرى أن نزعاتها الغائية كانت مبنية على قيم متعالية مما جعلها في أزمة شأنها شأن المعارف المرتبطة بالفلسفة الديكارتية ؛ وبتعبير أكثر دقة فإن هذا الاتجاه الفكري والفلسفي العام يمجد فكر النهايات، ويكتفي في مجال السياسة بالتقنيات والنماذج التجريبية والسلط بدل الدولة، والفئة والشريحة بدل الطبقة، والمؤسسة عوض العلائق الاجتماعية غير المؤسسية، وضمن هذه الرؤية أبرزنا قراءة ميشل فوكو لماكيافللي. 
8- ماكيافللي وتاريخ الفكر السياسي. 
لا نرمي من خلال هذا العنوان إلى الاقتصار على مؤرخي الأفكار السياسية وعلاقاتهم بماكيافللي، ولا المفكرين الكبار الذين لا يكفون عن قراءته في كل لحظة، خاصة لما يرومون التفكير في السياسة، فمن هذه الناحية هناك حضور مطلق لماكيافللي في نصوصهم السياسية، لكن ما نرمي إليه، أساسا هو إماطة اللثام عن أشكال هذا الحضور الذي يتمثل فيما يلي : 
1- حضوره في آداب النصح كما حصل للكاردينال جيل مازران مؤلف "المرشد السياسي". 
2- انتصار الماكيافلية واكتساحها للفلسفات التي تنتقدها عند موريس جولي. وحسب هذا الأخير فإن الماكيافلية هي الفضيحة الكبرى للأنظمة اللبرالية التي نظر لها مونتسكيو، فالماكيافلية هي ما يؤسس تصورات وواقع هذه الأنظمة للقوانين والانتخابات والصحافة والنشر والتعليم وبالجملة جميع المؤسسات التي تتأسس عليها الدولة اللبرالية، سواء كانت ذات نظام جمهوري أو ملكي. 
3- حضور الماكيافلية في الاستبداديات المعاصرة ونخص هنا النازية التي وجدت في كتاب الأمير حسب ريمون آرون مؤلفا يقدم تقنيات في الاستبداد. 

*- *- *- *- *- * 

لقد سمحت هذه القراءات بإعادة طرح سؤالنا المركزي : "كيف نقرأ ماكيافللي ؟" وكانت مناسبة الجواب في الفصل الثاني والثالث. وأما الداعي إلى طرحه من جديد، بعد استعراضها، هو قصورها في توضيح مقاصد ماكيافللي وقضيته مما جعل سؤالنا ينفتح على إمكانات أخرى مثل : ما هي قضية ماكيافللي الخاصة ؟ لمن يوجه ماكيافللي خطابه السياسي ؟ 
لتوضيح هذا المطلب كان لابد أن نسلك مسلكا تاريخيا بينا من خلاله الخلفية التاريخية التي تحكمت في التأليف الماكيافللي برمته. وتتمثل بالأساس في فقدان إيطاليا للسيادة والقوة بانقسامها إلى إمارات عديدة إلى جانب الإمارات الخمس الرئيسية منذ اجتياح شارل الثامن لإيطاليا. 
والملاحظ أن الصراع الداخلي بإيطاليا، بين الإمارات، تسبب في تحالفات مؤقتة وخيانات مستمرة، وكانت النظم السياسية متحولة متغيرة حسب أحوال الصراع ودرجاته وشدته وقوته، ونوعية الخصم. 
وكان الاقتصاد الإيطالي في هذه الفترة يعاني ركودا كبيرا، خاصة الاقتصاد التبادلي والتعاوني الجمعوي الذي عرفته فلورنسيا بسبب الاكتشافات الجغرافية التي ساهمت في تحويل الطرق التجارية كما أشار إلى ذلك ماكيافللي والمؤرخ غشاردان في تحذيراته السياسية. وساهم النمو الديمغرافي في البطالة بالمدن الكبيرة بينما كانت الحركة الثقافية مزدهرة في إمارة فلورنسة على الخصوص. 
وما يمكن تسجيله هنا هو أن الأزمة الاقتصادية ستنعكس على الجانب السياسي بفلورنسا، ولعل سن الدساتير العديدة، وانقلاب الأنظمة من حين لآخر، وتعدد الأحزاب يفسر حدة الأزمة بفلورنسا ؛ بل إن إنشاء المجالس العديدة والمختلفة وتركها بنفس السرعة التي تأسست بها يترجم الصراع حول السلطة، وحالة الفوضى والفتن المستمرة التي تعني غياب الدولة الرادعة. مع العلم أن فلورنسا كانت تعاني من الضعف العسكري مما دفعها إلى سلوك الدبلوماسية والتحالفات بدل استحسان الدخول في الحروب مع الدول والإمارات المجاورة. 
إذن كيف فكر ماكيافللي في هذه الوضعية التاريخية التي عاشتها إيطاليا عامة وفلورنسا خاصة ؟ أو بتعبير أدق، ما هي سبل الوحدة الإيطالية أو على حد قول ماكيافللي : كيف تعاد الوحدة لإيطاليا ؟ وكيف يتم إصلاح وضعها الفاسد ؟ وهل يعتبر هذا الوضع مناسبا لظهور الأمير الموحد ؟ 
انطلق ماكيافللي من التفكير في الأمة الإيطالية الموجودة وجودا تاريخيا، وبالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع فيها من تمزق وصراع عام فإن الظروف مناسبة "لظهور الأمير الجديد الذي بإمكانه توحيدها، بوضع حد لنهب لومبارديا واغتصاب نابولي وإقليم التوسكان. وهو ما يعني كذلك أن إيطاليا، في نظر ماكيافللي، مجال مفتوح لإدخال جميع الأشكال التي من شأنها أن تكون سبيلا للوحدة الإيطالية. مع العلم أن ما تعرفه من تمزق لا يرده إلى لعنة إلهية بل إلى تخاذل الحكام وضعفهم لسقوطهم جميعا في نفس الأخطاء. لذلك بادر إلى تأليف كتاب اقترح فيه عدة قواعد تهم الأمير الجديد، وهي قواعد عامة تقبل التكييف حسب الوضع الذي يوجد عليه الأمير في لحظة ما. ومن مميزاتها أنها قواعد تشمل مختلف أنماط الحكومات آنذاك كالإمارات الوراثية والجمهورية والمختلطة وإمارة البابا، ولم يغفل حالات الغزو التي قد تحصل من حين لآخر. وظل يشدد في جميع الحالات المذكورة على الأمراء الذين يعتلون الحكم بفضل شجاعتهم وكفاءاتهم بفضل الحظ والفرص والانتخاب. فالكفاءة والشجاعة هي التي تصلح للأمير النموذجي- الجديد، وقد وجد ماكيافللي في سيزار بورجيا نموذج الأمير رغم أنه لم يكن أبدا صاحب نزعة سيزارية كما تدعى بعض القراءات. 
صحيح أن هذا النموذج يثير كثيرا من الشكوك والانتقادات، وهناك من حصر الماكيافلية في سيزار بورجيا إلا أنه ينبغي التنبيه إلى الوضع الإيطالي العام الذي جعل ماكيافللي يرفع مفهوم الضرورة Nécessita إلى مستوى تاريخي. وهو ما يعني أن كل أمير جديد في وضع يشبه الوضع الإيطالي هو ضرورة تاريخية ومدفوع بالضرورة إلى نهج السيزارية أو غيرها حسب مقتضى الحال. مع العلم أن الأمير الجديد المرتقب ليس نبيا ولا أرستقراطيا ولا نبيلا ؛ إلا من الشعب الإيطالي ؛ ولكن عليه أن يستحضر تجارب الأنبياء والرسل والإيطاليين التاريخيين جميعا، خاصة أبطال روما على العهد الجمهوري. 
إن مهمة الأمير الجديد هي الانتقال بإيطاليا من حالة الحرب الشاملة إلى العظمة باستلهامه للنموذج الروماني والإسبرطي لا الفرنسي أو الألماني أو الاسباني على عهده. 
يتوجه ماكيافللي بخطابه إلى الشباب الإيطالي "حتى يقلدوا ما يستطيعون تقليده"، خاصة أولئك الذين تسمح لهم الفرص بارتياد مصاف الأمراء، فإيطاليا لا يمكن أن تجد علاجا إلا على يد أبنائها، والناس لا تختار الأمراء إلا لكفاءاتهم لا لحكمتهم أو تدينهم. 
فالأمير الشجاع الكفء لن يكون كسافونارولا، ذلك الراهب المهموم بالمدينة الإلهية، ولكنه يمكن أن يمثل الأنبياء لينشر دينه الجديد، ويستغل الدين في الحث على الشجاعة وحمل السلاح والتصدي للأجانب والأعداء، وسن القوانين التي تحميه من التطرف والحد من غطرسة الطبقة الأرستقراطية. 

*-*-*-*-*-* 

حاولنا في هذا الفصل كما سبق الإشارة إلى ذلك إبراز قضية ماكيافللي، وبينا فيه مختلف الطرق الموصلة إلى الحكم، مع أشكال الدفاع عن الإمارة وأشكال المحافظة عليها. وبقي أن نتطرق إلى ركن أساس في التصور السياسي الماكيافللي، وهو الجانب العسكري أو بلغة المحدثين الجانب الاستراتيجي. 
عاين ماكيافللي حروبا عديدة كما بينا ذلك في هوامش هذا البحث، منها الحروب الإيطالية، والحروب الإيطالية ضد الدول المجاورة، وحاول هو نفسه تأسيس كتيبة عسكرية بفلورنسا من 1505 إلى 1507، وكان يقصد من ذلك تجاوز المسار الدبلوماسي الذي أصبح تقليدا في حل النزاعات الفلورنسية. 
وكما سبق وأسلفنا أن إشكالية القوة ليس إشكالية بسيطة أو تقنية، وهو ما عمل على تجاوزه بعد 1512 أي بعد أن تمكن من الإطلاع على تجارب فرنسا وألمانيا والنمسا. 
من هذا المنطلق فإن كتاب "فن الحرب" لا يمكن أن تقرأ إلا ضمن إشكالياتنا المطروحة التي تتفادى السقوط في القراءات التقنوية ؛ وبلغة أوضح فإن التفكير في الحرب من صميم التفكير في السياسة عند ماكيافللي، بمعنى أن السياسة حرب والحرب سياسة، فهما مع إشكالية واحدة أو بلغة المفكرين الكبار كلنين وغيره فإن الحرب امتداد للسياسة، من حيث التصور والاحتمالات، خاصة وأن تأسيس جيش قوي لا يمكن أن يستجيب إلا لمنطق الامتياز السياسي الحاسم. فماكيافللي المنشغل بالدولة الوطنية سياسيا لا يمكن أن يغفل التفكير في جانب القوة العسكرية وخاصة الجيش الوطني الذي يعبر عن وطنية الدولة. 
يشدد ماكيافللي على الاعتماد على الذات وحشد الرجال والأموال، والتوفر على الأسلحة الجيدة كفرنسا وألمانيا وسويسرا. فالأسلحة الجيدة أساس عظمة الدولة وعظمة الأمير. وبعد ذلك شرع في تصنيف الجند ليقنع الإيطاليين بأهمة دعواه. 
أول صنف يستبعده من دائرة اهتمامه هو الجنود المستأجرة من المرتزقة والمساعدة، فهذا الصنف من الجنود خطير ولا نفع فيه في نظر ماكيافللي، وأن يؤسس عليه أمن دولته يتهدده الخراب دائما. فهي لا تربطها بالدولة التي تساعدها روابط الانتماء والحب والوطنية، والملاحظ أن خراب إيطاليا كان نتيجة تواكلها على أسلحة المرتزقة والمساعدة، وتلك أخطاء الأمراء الإيطاليين المشتركة، فكان العقاب تمزق إيطاليا وتبعية بعض إماراتها للدول المجاورة. 
ولم يقتصر ماكيافللي على ذكر عيوب هذا الصنف، بل جعله مادة معرفية وتاريخية بين من خلالها للإيطاليين أهمية قراءة تجارب السابقين في هذا الباب، وعلى وجه التحديد تجارب روما القديمة وإسبرطة. وقد نبه إلى خطورة هذا الصنف من الجنود الذي تزمن ظهوره بإيطاليا وسقوط روما. 
والصنف الثاني الذي ساهم في خراب إيطاليا وتمزقها هي الجيوش المساعدة التي يستقدها الحكام من بعض الدول المجاورة لتقدم إليهم المساعدة في حروبهم، كما حصل للبابا جيل الثاني مع اسبانيا في العهود الأولى. ولاحظ أن ما يميز هذا الصنف هو انتهازيتها وخطورتها على من يستقدمها، وهنا يعود أيضا لتاريخ روما والشعوب البائدة، وإلى أمثلة من تجارب المعاصرين ليبين للإيطاليين خطورة الجيوش المساعدة عامة. فهذه الجيوش متحدة لا تخضع إلا لسلطة من أرسلها مما يجعل الأمير الذي استقدمها تحت رحمتها في حالة النصر أو الهزيمة. 
إن المراد من تبيان عيوب الجيوش المساعدة الإضافية والمرتزقة هو حث الأمير على القطع مع تقاليد أمراء إيطاليا، وإقناعه بتأسيس قواته الخاصة، فالنصر بقوات الآخرين ليس نصرا، وذلك ما اقتنع به سيزار بورجيا وهيرو السراقوسي وداوود، والملك شارل السابع. 
إن التفكير في الجيش يجعل الأمير الجديد لا يفكر في أي شيء غير الحرب وفنونها، فهي الفن الوحيد الذي يختص به الحاكمون والذي يلائم مكانتهم ويضمن بقاء دولهم، يماره الحاكم في السلم والحرب أيضا، عن طريق الكتب وبالممارسة، أي بالإطلاع والقراءة واستقصاء طريق الصيد كما كان يفعل الملك فليبومن. 
تسمح معرفة البلاد من وضع خرائط عسكرية تتدرج ضمن إرادة الهيمنة والسيطرة على البلاد قصد تثبت السلم الداخلي ومواجهة الطوارئ المحتملة. 
وبعد أن بين أهمية الجيش الوطني انتقل ماكيافللي إلى تقنيات اختيار الجند وفق المناطق، ثم أقسامه والأسلحة المطلوبة لكل قسم من الأقسام ليصل إلى التداريب العسكرية التي تكسب الجند القوة والمهارة والسرعة والنظام والانضباط، وكل ما له علاقة بهذا الجانب. ولم يقتصر هنا على ما كان شائعا في عصره بل عاد إلى تجارب روما في هذا الباب وبين أهميتها وصلاحيتها. 
وكان أهم ما شدد عليه في معرض حديثه عن الجيوش الوطنية هو النظام الحرب الصارم، أي الامتثال التام لأوامر القائد، وذلك ما افتقدته إيطاليا في عهد إمارتها الخمس. 
نخلص إذن إلى أن الحرب ضرورية في التصور الماكيافللي للسياسة، بالنظر إلى السياق التاريخي المتمثل في صراع الدويلات الإيطالية، وإلى أن السلام حالة عابرة وخادعة، بل هو تحريف للدولة في التصور الماكيافللي. 
صحيح أن ماكيافللي ليس ضد السلام لكنه يفضح حب السلم المولد للوهم بالاستقرار، ومعنى ذلك أن الحرب دائمة ومستمرة فقط ينبغي التمييز بين مراتبها. 

أما خلاصة بحثنا فقد كانت مناسبة ركزنا فيها بإلحاح شديد على خلاصات عديدة، ونبهنا قراء ماكيافللي المفترضين إليها، وبينا ضرورتها وأهميتها. 
ومن بين ما نبهنا إلى السقوط فيه هو التمثل والأحكام المسبقة التي ظلت تعتمد في مخيلة القراء، وقد نجمت عنها مواقف شتى لا تخلو من الإقصاء والتصنيف المسبق والأحكام المسبقة، وهي مواقف إلغائية وتهميشه تختزل سياسة الشرفي ماكيافللي، وبالتحديد في مؤلف الأمير. وما يميزها كذلك اتصافها بالتجزيئ والانتقائية لذلك سقطت في السجالات مما ساهم في تحويل أمير ماكيافللي إلى ماكيافلية. 
ومن الأسباب التي جعلت هذه القراءات على تنوعها تسقط في مثل هذه المنزلقات هي إعلاؤها من الهم المذهبي على حساب القراءة التاريخية، ومن تم فإن غياب الرؤى التاريخية جعلت النص الماكيافللي نصا لا تاريخيا بمعنى أن أسئلته وإشكالاته وقضاياه لم تكن تاريخية، ولم تنخرط في نظام عصرها الفكري والسياسي عامة ؛ فقط اكتفت بنص بلا كاتب ولا هواية وهو ما كان يدعو إليه جونتيلي وفردريك الثاني صراحة. 
فمثل هذه المواقف والأحكام المسبقة ساهمت مساهمة فعالة في خلق أسطورة ماكيافللي، وهي أسطورة مدارها الشر والمكر السياسي والقوة والقتل والعنف والفظاظة، وبالجملة هي كل ما لا ترتضيه ولا تقتنع به. 
نعتقد أن التاريخ خلصنا من التجزيئ المقصود إيديولوجيا، ومن الانتقائية التي تميلها مستويات مذهبية مختلفة، ومن الأحكام المسبقة المتداولة بين الناس، وبالتالي تم لنا توضيح مقاصد ماكيافللي المتمثلة في الدولة الوطنية. 
مرت دعوته إلى الدولة الوطنية عبر مسلكين، الأول تاريخي ويتمثل في النموذج الروماني الذي ظل يستحضره كلما تبث ضرورة دعم رأي وتوضيح حجة، وبذلك سيكون الماضي منهلا للأمير الجديد والثاني هو الحاضر. 
















نموذج الاتصال
NomE-mailMessage