3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

المغرب: وضعية الجمود و التحييد

الخط





وضعية الجمود والتحييد


الحسن اللحية

رب سؤال يطرح نفسه على الباحثين المهتمين بقضايا المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو: لماذا هذا الاهتمام المتزايد بطرح الماضي اليوم؟ إن المتمعن في حركيات الإنتاج الفكري والفني والأدبي والسياسي سيلاحظ أن هذا الاهتمام، منذ أول وهلة، سواء في شكل عناوين روائية أو مضامين أقصوصات قصيرة، وفي أفلام سينمائية تحيل على طرحه أو في ظهور مونوغرافيات تاريخية لمؤسسات سجنية سرية في ارتباطها بتاريخ السجون والسجناء أو في علاقة بسير ذاتية وجماعية ألفها معتقلون ليسوا بالضرورة من دائرة الأدباء. ثم هناك الصحافة التي وسعت من دائرة طرح الماضي على أكثر من جنس صحافي، وعلى نطاق واسع، بإيرادها لشهادات وإدراجها لحوارات ونشرها لوثائق ورسائل. وأخيرا نجد الاعترافات التي بدأت تكسر صمت الجدران الأمنية، هذا إذا لم نعتبر الفلسفة الثاوية التي يطرحها تصور المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آدابا أخرى إلى جانب الآداب التي يطرحها المجتمع المدني.
إن هذا الاهتمام بالماضي يعني بصريح البيان أن الحاضر، حاضر المغرب المعيش، عبارة عن مشكلة سياسية ينبغي طرحها للنقاش.
لم يكن من الوارد أن يطرح الماضي قبل 1956 لأن الوطنيين كانوا منهمكين بأمرين حاسمين هما: أولا إنجاز الاستقلال لضمان دولة سيدة، وثانيهما التطلع إلى بناء دولة للمغاربة، وهي دولة مستقبلهم.
سيطرح الماضي كسؤال لأول مرة في نظرنا بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، بحيث سيجد من كانوا يناضلون بالأمس القريب من أجل سيادة دولة مغربية وطنية أنفسهم أمام دولة مشروطة في كل شيء، مشروطة بشروط أمنية فرنسية وأمريكية وإسرائلية. فالشروط المطروحة هي ضمان بقائها واستمرارها في شكل حكم ملكي مما جعل تلك الشروط ضرورة ضرورية.
هكذا تعرف المغاربة على النزعة المحافظة التي تحمي "الماضي" حيث راقبت الزمان بشدة لتجعل المستقبل مطابقا للماضي الاستعماري وحولته بقهر إلى ماض. وباختصار ورثت الدولة المحافضة كل شيء عن فرنسا كالاقتصاد برؤيته الاستعمارية والقانون بمدوناته القهرية وظهائره الشريفية الموقعة تحت إملاءات فرنسا، والتشكيلة الاجتماعية المتناقصة، وفصامات التحديث والتقليد وتمزق الهوية... فماذا يعني الاستقلال في هذه الحالة؟ هذا هو السؤال الذي شرع في طرحه منذ 1962 في التقرير المذهبي للإتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث يشير في مقدمته إلى الشخصنة والانتهازية والمس بالمكاسب وتبني الموافق الفرنسية وتسلط البرجوازية والرجعية وتصفية المنظمات الوطنية للمقاومة (ص 4، 5، 6، 7 ). ثم إن هذا الاهتمام بالماضي اتضح أكثر مع الاختيار الثوري لابن بركة وظهور أول حركة جماهيرية شعبية في 1965.
تكشف كثير من الشهادات والوثائق والاعترافات اليوم عن المجهود الاستثنائي المضني الذي قامت به الدولة من أجل استمرار الماضي الاستعماري عبر مؤسساتها. فهي لم تهتم إطلاقا بترقية البشر إلى مواطنين؛ إذ ظلت تحاكم الناس بنفس الظهائر الشريفية التي استصدرت تحت الحكم الفرنسي. ولم تنصت لمطالبهم أثناء حركاتهم الاحتجاجية، بل قمعتهم بواسطة نفس الضباط الذين خدموا فرنسا على مستوى الأمن والاستخبار والمعارك الفرنسية. وهكذا بدا أن الشيء المرغوب فيه هو الأمن كفرنسا تماما، وبالتالي انجلت السياسة كفن للأمن.
لا تتطلب السياسة الأمنية هنا حسابات واحتمالات والأخذ بمطالب شعبية، إنما للأمن طريقة واحدة، ووظيفة واحدة، هي التجميد والجمود. إنها معرفة بالقوة، فحتى الحيلة التي تعني عند ماكيافللي احتمال السياسة لا تحيل هنا إلا على القوة العمياء ودهاء رجال الأمن في إلقاء القبض على معارض. والقيادة الرشيدة التي تعبر عنها وتوصف بها من قبل وسائل الإعلام الرسمية لا تعني هنا سوى العلم بوسائل المحق والقتل ووسائل التحكم. إن دولة الأمن الخالص كما طرحها ج. بوتيرو تقوم على أمرين متلازمين؛ الأول هو الإحصاء، والثاني هو تضخم النزعة الأمنية وتعليلها بداعي المصلحة العليا للدولة. ففيما يخص الأول فإنه يتعلق بترتيب العلاقات البشرية والاقتصادية في المكان بغية التحكم في علاقة الناس بالمعيش. ومن جهة الأمن الخالص فإن بعض الاعترافات المشار إليها أعلاه أبانت عن تمفصل الأمن بالاقتصاد بصورة قوية، وإليكم مثالا على ذلك:
إن مسؤولا كالغزاوي كان رجل أعمال كبير لم يفصل بين "مقاولاته ووزارة الداخلية"، ورجلان شهيران في تاريخ القمع بالمغرب كأفقير والدليمي كانا أصحاب ضيعات فلاحية ومقاولات متعددة، وأصحاب حانات ومراقص ليلية. وهؤلاء جميعا أسسوا اقتصاديات موازية وتحكموا فيها، وانطلاقا منها رتبوا العلاقات الأمنية.
إن الترخيص بالمطاعم والمراقص والحانات ومحلات بيع الخمور، وتشجيع التهريب وأوكار البغاء (البورديل) لم يكن يمر، كل ذلك، دون علاقات أمنية لأن الحجة كانت دائما جاهزة:"إننا نمول الأمن من أجل استمرارية الدولة".
 لا وجود هنا للحدود بين الأمن و الاقتصاد، بين الخاص والعام، بين الوظيفة الرسمية والوظيفة الخاصة، بين وظيفة رجل أمن أو عسكري وبين الفلاح والمقاول. تغادر الوظائف مختلف التشريعات والقوانين الأساسية المنظمة للوظائف العمومية، لتصبح كل الوظائف لها علاقة بسياسة الأمن والامتياز. فاسترجاع الأراضي من المعمرين، ونزع ملكية من أجل "مصلحة عامة" كان دائما برهان مدروس ومحسوب حول هؤلاء الرجال إلى "ملاك دولة ومالكيها".
لا نود هنا الوقوف عند كارتيلات اقتصادية، ولا التطرق للمنطق الاحتكاري الذي يقتل المنافسة في المهد، ولا التعرض لتاريخ الاستغلال والاستفادة من الإدارة العامة والمرافق العمومية على حساب أداء الضرائب... وإنما نود أن نشير إلى الوضعية الاقتصادية الموازية التي تسببت قصدا في بروز الرؤية الأمنية الشاملة التي طالت الاقتصاد غير المهيكل بدوره بعد أن وجد الفلاح نفسه مضطرا لمغادرة البادية نحو المدينة، فتوسعت بذلك الهوامش وكثرت أساليب التهميش رغم الشعار القائل بأن "مغربنا بلد فلاحي" ولم يحصل يوما أن حقق أمنه الغذائي. ماذا يمكن أن ينتج عن التهميش سوى أحياء قصديرية، وعنف هندسي ومعماري، وأنشطة اقتصادية مراقبة بعناية فائقة!
لا يمكن لأي خطاب سياسي أو اقتصادي إصلاحي أن يبرز في حقل مراقب بعناية كبيرة. فتاريخ الاعتقالات السياسية يجيب بوضوح كبير عن هذا المعطى الأولي. وربما لهذا السبب بالذات فكرت "الدولة الأمنية" في تحييد الأحزاب والنقابات منذ أواسط الستينيات، وإدخالها إلى ثلاجة التجميد التام والمزمن أو التحكم فيها لأداء أدوار مراقبة، بل كان التفكير في محق الأجساد وتذويبها وإخفائها الجواب الأوضح ومنتهى السياسة الأمنية.
إن الضرورة التي تدعم بها "الدولة الأمنية" حجتها في الإقدام على انتهاك القانون هي حجة أمنية بالضرورة, تلك الضرورة التي تجهل القوانين والمشروعية والأخلاق.إنها الضرورة الشريرة، العمياء، الفاقدة لأي لون. ولكن هل الضرورة هنا حالة ظرفية قد تزول، أم ستزول بزوال الظروف؟ إنها حالة الاستثناء الدائمة لأنها والمراقبة وجهان لعملة واحدة ، حاضرة في الأماكن والتنظيمات السياسية و الجمعوية، والمجالات الاقتصادية والثقافية، والمؤسسات الإدارية والتربوية والتعليمية... إن كل شيء ملغوم، والكل مراقب والجميع متهم بظهير "كل ما من شأنه" المطاط.
تجد المراقبة الشاملة في حالة وزارة الداخلية و"جهازها" D.S.T مثالها الساطع والقوى. فهذه الأجهزة شملت البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها: تعيين العمال والولاة وانتقاء القواد ورجال الأمن وصنع خرائط الولاء...وكل ذلك أفضى إلى التحكم في المجالات كلها ونجم عن ذلك مراقبة كلية لأي نشاط سياسي مرورا بتأسيس الأحزاب وصولا إلى تزوير الانتخابات لصالح زبناء الداخلية، هؤلاء الذين سيخدمون "داخليتهم" بإبداء رأي موحي به سلفا والتظاهر بالدفاع عنه في مجلس تشريعي يدين معظم نوابه بالشيء الكثير للتزوير.
تهاب الدولة الأمنية الوضوح والمنافسة والرأي المخالف، لأنها تنتعش وتستمر في السرية والسر وعلى السيرة. فمن جهة السرية فهي خاصية المراقبة الأمنية والمعارضات الراديكالية للدولة. ومن جانب السر فهو ما يعوض التخطيط والبرامج الواضحة. وأما السيرة فهي مهمة أمنية بامتياز تقوم على استعراض حياة الأفراد وحياة التنظيمات السياسية في مختبرات العمليات تحضيرا للخطف أو التصفية...أو خلق الأتباع الجدد!
قد تتخذ هذه المفاهيم ـ الألفاظ معاني أخرى، ونخص هنا السيرة في سياق الخطابات الرسمية. إن الحكم في المغرب، ومجموع الدول العربية، ينبني على السيرة: سيرة الملك، سيرة الحاكم، أي أن الوارث يتعلم من الأب وحده ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم، وأن يعرف سرا كيف ينبغي أن يتصرف ليدبر الأمور. فالحاكم هنا لا يطيق آداب النصح كالرسائل الموجهة إليه والآداب السلطانية ، ولا الرأي الآخر المخالف كالنزوعات الإيديولوجية للأفراد والتنظيمات المعارضة، فهو المرآة الوحيدة، وانطلاقا منها يتعرف الناس على صورهم. الحاكم هنا لا يتأمل صورته في أي شيء ما عدا المطلق لأنه لا وجود لشيء يعكسها سوى أنه ظل الله على الأرض وعلى الجميع أن يعكس صورته ويقتضي بسيرته.
تطرق كثير من منظري العصور الحديثة لمرايا الأمراء، وخلصوا إلى أن سيرة الملك تبدو كقانون حي يصير معها صاحب السيرة كالنبي بالنسبة للمسلم. تستوحى أقواله وأفعاله، حتى ما تسرب منها كرها ، لتعمل كتعاليم وتعليمات، ولتزيد من كثافة الرمز والترميز والإيحاء والإشارة...وعلى الجميع أن يستوحيها و يتمثلها لأن الجميع يتحرك ضمن نسق عام من الخضوع والتمثل.
والحاصل أن دولة الأسرار والسير والسرية، أي دولة الأمن، لا تعترف بقواعد مؤسساتية وقانونية مشتركة لأن مهمتها السرية الأساسية هي حالة الطوارئ العامة والقيام بتدابير استثنائية ذات صبغة أمنية.







نموذج الاتصال
NomE-mailMessage