3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

سياسات العائلات المخزنية

الخط




سياسات العائلات المخزنية
الحسن اللحية

ثمة أكثر من سبب أو داع يدفع المرء ليتساءل عن ماهية السياسة في المغرب، وعن أشكال الصراع الذي تتخذه وتتلون به في جميع الظروف والأحوال، رغم مرور عدة عقود عن الاستقلال ودخولنا إلى "عقر" العولمة التكنولوجية.
لا يتعلق الأمر هنا بحصر التعريفات والتحديدات، المعطاة للسياسة، انطلاقا من المنطوقات والخطابات المتداولة بين الفرقاء والأشياع والخصوم التي غالبا ما تدخل في باب الإمكان. لكن ما نصبو إليه هنا بالتحديد هو محاولة الإمساك بالنشاط المولد للسياسة، في منابعه دون أن تعكر صفوه المؤسسات السياسية ذات البنيات الحداثية الصورية، ذلك النشاط ذي الينابيع الصافية، قبل أن يلون بيقظة الوعي والعقل السياسي؛ وبمعنى آخر فإننا نتوجه إلى آليات إنتاج السياسة الفاعلة، انطلاقا من معاملها المتجاورة والمتساكنة مع يقظة الوعي بالمصالح بأشكال تقليدية، وبعيدا عما ترمز إليه البنيات الحداثية كالأحزاب والبرلمان والانتخابات إلخ... ، وإن كانت هذه مؤسسات تشتغل فإنما اشتغالها من أجل تعطيلها لصالح بنى أخرى أكثر فاعلية ...
تتخلى وجهة تحليلنا هذه عن مجمل التحديدات اليسارية للسياسة لأنها تضع كل خطاب يساري موضع تساؤل، وتتساءل عن حدوده النظرية. فقد كان اليسار دائما يطالب بالعقلنة الكاسحة للدولة والمجتمع، لا يعير اهتماما لقيمة الفرد ولا لفردانيته وفرديته إلا في العلاقات "الموضوعية"، كما أنه لم يهتم في سياق تحليله الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بدور العائلات والأسر، و سلطة الأشخاص أو السلط المشخصنة، بالإضافة إلى تكراره لخطابات ماكرو سكوبية عن الدولة المخلصة... فمثل هذه الدراسات والخطابات لم تسلم من انعدام الفهم وسوئه من أجل فهم السياسة في المغرب. ولكن مع تراجع هذه الخطابات اليوم عن مطالب الثورة، الفوقية، وانبثاق خطاب حقوقي فرداني ذي طبيعة ليبرالية، في متونه، هل ينبئ كل ذلك بتحول نوعي نحو فهم ماهية السياسة في المغرب، السياسة الحية والمعيشة؟ وهل هذا التراجع الذي لا يدين لانهيار جدار برلين سيستعيد أطروحة الخصوصية بجدية كبيرة، ومسؤولية فكرية عظمى ليدفع بما قاله مفكرونا الكبار كمحمد عابد الجابري والعروي وبول باسكون، إلى حدوده القصوى؟ وهو بذلك سيطرح سؤالا عاديا وهو: ماهي الخصوصية في فضاء سياسي لا ينتج السياسة انطلاقا من بني ومؤسسات عقلانية حداثية كالأحزاب والنقابات والبرلمان والحكومة؟ هل السياسة هي التقليد المضاعف الممتد في الاجتماعي؟ هل هي، هنا، امتداد لعلاقات اجتماعية تقليدية تجد التعبير عنها بواسطة مؤسسات عصرية كالأحزاب والإدارات والبرلمان والشركات والمقاولات...؟
إنه لمن المؤسف حقا أن يعترف الجميع (أحزاب، نقابات، برلمان، حكومة، فعاليات مدنية ...) بوجود مقاومات متعددة، قد تتخذ شكلا موضوعيا فيصطلح عليها بالإكراهات، في جميع الميادين والمجالات والقطاعات، تناهض العقلنة والمأسسة، ولكن هذه المقومات لا تحفز على شحذ الإرادة وإنما تضاعف من سياسة النية والتقليد والغموض. ولعل خطاب التدرج في الإصلاح اليوم الذي أصبح متداولا على المستوى الرسمي وغير الرسمي يفضح ببلاغ البيان هذه المقاومات المنتشرة كالشياطين المحددة لطبيعة السياسة التي ينبغي إتباعها إلغاء للإرادية التي تطفو على السطح في لحظات الإحتفالية الخاضعة دوما لذهنية الاستعدادات والتعبئات والمشاورات والحوارات واللجن والموائد المستديرة. فكيف يمكن تفسير إرادة الإصلاح المعبر عنها علانية باندفاعية ثم التخلي عنها بنفس السرعة التي أدت إلى تبنيها، بدعوى الإكراهات و جيوب المقاومة؟ بين أيدينا اليوم أكثر من دليل على ذلك يتمثل في تعثر التحقيقات القضائية في ملفات الفساد واستغلال النفوذ والتلاعب بأموال الشعب وملفات الماضي التي تفضح التسلط اللامحدود. أليست مثل هذه الأمور من العلامات الخبيثة الدالة على وجود مقاومات نشيطة هي التي تنتج السياسة الفعلية والفعالة؟
إن المغرب الذي عاش عقودا من الزمن سياسة النية يعرف الآن مأسسة هشة، وغيابا تاما للتعاقدات المدنية والمؤسساتية الواضحة. فهو بلد يتبع السلف ولا يريد محو آثاره. وفي لحظات الأزمة تتوطد علاقات النخبة بالنظام، وتظهر قدرة المخزن الكبيرة على الربط واللم والجمع  والاستحواذ والمزج والخلط. وتصير النخب كالودائع في أبناكه. ومن تم يستعصي على العمل السياسي الدفع بالتطورات الحاصلة إلى أبعد مدى ويعلل ذلك بقولهم إن بلادنا لا تتحمل مثل هذا! إنها مؤامرة ضد استقرار البلاد وأمنها ومؤسساتها! نعم نحن مع المطالبة بكذا ولكن بطريقة لينة كالاستعطاف مثلا حتى يصير الحق هبة! فالتوتر الحاصل دوما إلى جانب التوازن وإعادة التوازن المستمر، وضرورة العمل التي تفرض نفسها على الجميع، وعدم القدرة على أخذ المبادرة إلا بإذن من هنا أو هناك، والمناوشات التي لا تهدأ لوجود درجات عالية من التسيس لا تعمل كلها على إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي فهي شقوق تفضي بنا إلى المجال التقليدي، مجال النزعة الإرثية المحددة للسياسة الفعلية في المغرب.
*   *    *
أورد الباحث محمد رزوق في كتابه القيم عن هجرات الأندلسيين إلى المغرب خلال القرنين 16 و 17 للميلاد كثيرا من أسماء العائلات المورسكية التي استوطنت عدة مدن مغربية كأصيلا وسلا وفاس والشاون وتطوان والرباط وآسفي وغيرها من المدن . كما نتوفر على عدة مونوغرافيات خاصة بأولياء سلا وصلحائها وعائلاتها، ومن بين تلك العائلات المورسكيات التي ما تزال حاضرة اليوم على أكثر من مستوى، خاصة في السياسة والاقتصاد والتدبير المالي والإداري نجد عائلة ابن الازرق، البرجي، بركاش، بلانبو، بيرو، بونو، بندور، بلا فريج، بلفقيه، بنعمرو،التونسي، جوريو، الرندة، كليطو، كراكشو، كديرة، لباريس، مولاطو، فنجيرو، قريون، سباطة، زنيبر، الحصار، فنيش، العطار، البيطار، التويجري، بن حسن، أبن حسون، الخراط، الخميري، الدريج، الدراج، طريطة، الكسيكسى، المالقي، المنظري، ابن سليمان ، بوراس، الصفار، الطريس، الخطيب، السكريج، باجدوب إلخ...فهذه العائلات المطرودة من أسبانيا حملت معها ثقافة عالية ومختلفة جعلتها تشعر بالتمزق وتميل إلى الانغلاق إلى هذا الحد أو ذالك، وتنسج روابط حميمية فيما بينها. وتأتى لها التأثير في المدن التي استقرت بها، فاستطاعت، مع مرور الوقت، وبعد أن تنافست بدورها على خدمة السلطان، أن تربط علاقات مع العائلات المخزنية والأعيان. فتأتى لها من جانب آخر الحضور الدائم في السياسة والاقتصاد كما نجد ذلك عند واتيربوري. ومن بين العائلات المشار إليها نجد عائلة بن سليمان و غرنيط، أعبابو و الجامعي و بركاش و الكلاوي و العيادي و أوحموو المسفوي و المريني. وفي الحواضر نجد عائلات أخرى كالتازي و بناني و بنجلون و الأزرق و لحلو و بنيس و برادة و جسوس و بن شقرون والصقلي والشرايبي و ابن المليح و بوعياد و الغزاوي و السبتي و مكوار و العراقي وبن سودة و المقري.
 ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة من العائلات التي لم يشملها التصنيف عائلات أخرى تقوم على احتكار النقل والنسيج والصناعات المعدنية. فهناك العائلات التي امتلكت معاصر الزيوت، واكتسحت مجالات العقار والبناء. وكثير منها ساندت فرنسا في سنة 1953، وبعضها كانت لديها يد في خلع السلطان محمد الخامس، ولكنها مع بداية الاستقلال عادت إلى الحكم بقوة بسبب انخراط بعض أفرادها وأقاربها وأصهارها في الحركة الوطنية، ولامتيازها التعليمي وتكوينها الجيد وكفاءاتها التقنية المتقدمة الراجعة إلى الأصل الاجتماعي الميسور وغناها المتراكم عبر السنوات، فقد تمتع الأبناء منذ منتصف القرن التاسع عشر بالرحلات الدراسية إلى انجلترا وفرنسا، وأمتهن بعضهم الصحافة والنشر والطباعة منذ سنين خلت. وأما علاقتها الاقتصادية بأوربا فهي معروفة، واستغلال بعضها لظروف حرب التحرير لتنمية مواردها المالية بواسطة الاحتكار والمضاربات منذ الثلاثينيات غير خافية. فقد أهلها المال والثروة والخبرة والمعرفة والعلم والنسب لتسيير الإدارة بعد الاستقلال، والدخول في تحالفات مرنة مع المخزن الذي كان في أمس الحاجة إليها. ونظرا لالتحامها به أصبحت ثقافتها جزء من ثقافته، ومظهرها انضاف إلى مظهره القائم على المحافظة على الثروة ونقاء السلالة ووراثة الوظائف الإدارية والسياسية الرفيعة المستوى التي تتقوى من خلال المصاهرات السياسية والمصلحية. ولكي نتبين ذلك سنتأمل هذه القائمة التي أوردها ج. واتربوري في معرض حديثة عن المصاهرات السياسية التي تقضي على جميع الحدود وتلحم القوى المعارضة والوفية.
- عائلة بوعياد لها علاقة مصاهرة مع عائلة محمد الغزاوي
- عائلة العلمي تزوجت ابنة محمد السبتي
- عائلة محمد بن الجيلالي لها علاقة مصاهرة مع عائلة بلا فريج
- يحيى بنسليمان تزوج من عائلة اعبابو
- السي الفاطمي بنسليمان صهر محمد بوستة
- زوجة السي الفاطمي بنسليمان تنتمي إلى عائلة الكباص
- عائلة بنسليمان تزوجت ابنة عمر الخطيب أخ الدكتور الخطيب
- الخطيب تزوج من عائلة الجبار، وتصاهر مع عائلة حصار
- الدكتور محمد بنشمسي تزوج ابنة بوستة.
إن تشابك العلاقات العائلية يؤبد الاستمرارية ويرفع التقليد إلى درجة المقدسات، وهو المعبر الوحيد لفهم إحدى وجوه المخزن، حيث استنادا إليه يستغل المجال الاقتصادي وتوزع المسؤوليات المجالية والترابية والاقتصادية والإنتاجية، حسب التوزيع الرسمي. وأكثر من هذا المعطى العام فإن تشابك هذه العلاقات العائلية أنتج ما أطلق عليه الباحث وايتربوري إنتاج "أقليات استراتيجية" جعلت من الإدارة، بمساعدة المخزن وعونه، مطية لقضاء المآرب وساحة لترويض الغاضبين. وهذا هو السبب المباشر في ذيوع ثقافة الفساد والوساطة والزبونية والمحسوبية، وظواهر أخرى كالرشوة والهبة والسخرة والاغتناء السريع واللا مشروع و الريع، والاستفادة من رخص التصدير والاستيراد وحيازة العقود دون صفقات معلنة، بل اقتسام مجال النفوذ الاقتصادي بشكل عام.
قد لا تتضح تلك الهيمنة الاقتصادية والسياسية والإدارية للعائلات التقليدية والمخزنية وعائلات الأعيان والأعيان الجدد الذين افرزتهم ثقافة الوساطة المخزنية منذ السبعينيات إلى اليوم، إلا من خلال استعراض عوامل إضافية كارتباطها المطلق بالتعليم الأجنبي وتكريسه في المغرب بعد الاستقلال إلى اليوم، رغم وعود الخطاب الرسمي، والخطابات السياسية ذات الصلة بالحركة الوطنية .إنه تعليم يتناقض علانية مع إرادة توحيد التعليم وتعميمه. فالتعليم الخاص وتعليم البعثات الأجنبية حقق منذ القديم لهذه العائلات امتيازا لا يضاهى. فالأسطورة هنا ليست جغرافية الانتماء وإنما تتحرك في واقع ذهني، ضمن عقلية بروديلية لم تتخلص من عوامل الانغلاق والعوائد والتقارب والمصاهرة والدم والعشيرة، والأكل النوعي والموسيقى النوعية...فهي معطى انتربولوجي ساهم التاريخ في تشكيلها منذ ثلاثة قرون خلت. والإحالة هنا على الذهنية تفسر هذا الاكتساح للمدن العريقة ذات الرواج الاقتصادي الملحوظ ومنها إلى الدار البيضاء قبل هجرة "البدوي" الضعيف المغلوب على أمره والسوسي الباحث عن تجارة التقسيط.
 فبالتركيز على النسب المئوية لمناصب المسؤولية التي احتلها ويحتلها الفاسيون اليوم، على مستوى الوزراء مثلا (34.1%)، كما بينت ذلك الأستاذة أمينة المسعودي في كتابها عن الوزراء، يتبين لنا بوضوح ساطع هيمنة هذه العائلات على المشهد السياسي بالمغرب، وبالتالي سيادة التكوين الفرنسي وأولويته (58.16%) على حساب أنماط أخرى من التعليم.  وهذا ما أدى بها إلى احتلال مناصب استراتيجية. ويتجلى ذلك، ومنذ عهد مبكر، في هيمنتها على الإدارات العمومية التالية:
- عبد العزيز العلمي كان مديرا لمصنع تركيب سيارات فولفو
- عمر عبد الجليل كان رئيسا لبنك القرض الشعبي
- ادريس السلاوي كان رئيسا لبنك المغرب
- عبد المجيد بنجلون كان رئيسا لبنك المغربي للتجارة الخارجية
- أمين بنجلون كان رئيسا لبنك الوطني للإنماء الاقتصادي
- عماد عبد الجليل كان رئيسا لبنك القرض الشعبي
- عبد القادر بنسليمان   المدير العام لمكتب الدراسات والمساهمات المعدنية
- أحمد بن كيران مدير صندوق الايداع والتدبير
- محمد بريك مدير القرض الفلاحي
- محمد الأزرق مدير صندوق القروض العقارية
- أمين بن جلون مدير اللجنة الوطنية للحسابات
- كريم العمراني مدير عام القرض المغربي
- حسن العلمي مدير مصلحة الجمارك
- محمد بركاش على رأس وزارة التنمية
- مامون الطاهر على رأس وزارة المالية
- عبد الكريم الازرق على رأس مكتب الصرف
- عبد الوهاب العراقي على رأس مكتب مراقبة التصدير (راجع كتاب   وانتربوري.الملكية والنخبة السياسية).
*  *  *
إن نمو وتنامي العلاقات العائلية، في المجالات الاقتصادية والسياسية والإدارية، لا يمكن إلا أن يكون فيه الفضاء العائلي هو المحدد في آخر المطاف، وهو الفاعل والمؤثر بإلغائه للقيم الفردية والعقلانية والمؤسساتية لصالح بيروقراطية خاضعة لرغبات عبر مؤسساتية وفوق مؤسساتية. والغاية هي احتكار كلي للأسواق والإدارة بإضفاء الصبغة الشخصية على العمل الإداري ووظائفه. فالشخصنة شاسعة جدا في المركز و الهوامش، في المدينة والبادية، في الاقتصاد والسياسة، في الإدارة وبروتوكولات الوظائف والتعيين، تعمل على تليين العلائق المؤسساتية والقانونية وجرها إلى مجال التسهيلات الإدارية الممنوحة لعائلات دون أخرى، ولشركات ومقاولات دون أخرى: تسهيلات في القروض، في استغلال المال العام، في إعادة التأهيل، في الرخص، في الاحتكار والضرائب إن فرضت كعقاب على الضالين...
والخلاصة هي تجاوز كل الحدود الممكنة انطلاقا من تحالفات وتواطوءات عائلية لا ترتد  في خلافاتها إلى الإيديولوجي المذهبي لتظل الحياة السياسية رهينة الهبات والمنن كالاقتصاد.
إن تعيين أي مسؤول إداري، في القطاع العام أوالشبه العمومي، إن كان من الأنصار أو من هذه العائلات الكبيرة، لا يعود في غالب الأحيان إلى كفاءات شخصية بالمقارنة مع غيره، وإنما إلى ذهنية الانتماء والولاء المطلق. سيكون المسؤول المعين، شفويا أو كتابيا، مسؤولا عن لا مسؤولية الآخرين، مسؤولا تحت الطلب. لقد تم تعيينه كالكومندو لتنفيذ أهداف مرسومة خارج إدارته، وخارج السياسة العامة المصرح بها. وسيتمثل عمله في التنفيذ..وربما لهذه الأسباب وغيرها تعجز إرادة الإصلاح عن مواصلة ذاتها. تتوقف قبل البدء أو مع الخطوة الأولى. فالإدارة المغربية تسن مكافآت وعلاوات وامتيازات لا علاقة لها بالمردودية، ولم تستطع لحد الساعة تحديد مواصفات المسؤول والموظف، فنظامها غالبا ما يدين للإدماج أوالعزل، ووظيفتها هي وضع كل القضايا المطروحة عليها في ملفات قيد المباشرة التي لا تنجز. ولهذا السبب بالذات ضاعت البيروقراطية العقلانية التي ظل يحلم بها عبد الله العروي في كتابه ماهية الدولة، تلك البيروقراطية المتنورة التي كان من المفترض أن تكون نواة دولة حديثة عقلانية، في متاهات التقليدانية وقفر العلاقات العائلية الموحش.
ورغم هذا الاكتساح العائلي الذي يجعل من الشرائح الاجتماعية المتعددة الأدوار متلاحمة الأهداف فإنها لا تطرح نفسها كطبقة عقلانية، كبورجواوزية تمتلك مشروعها الاجتماعي والسياسي الخاص بها، رغم التطورات الحاصلة بمعزل عن المخزن كنظام تقليداني. إنها من أفلاكه كضميمة لنص تراثي، تشرحه وتعلق على ما استعصى فهمه، إنها مزاحمة من قبل بيروقراطية المخزن الإدارية ومن طرف الموظفين السامين، ومهددة من طرف أجهزة الداخلية المنتشرة في كل مكان و سلطة الجيش الذي يخضع لأوامر الملك كليا...
لربما لهذه الأسباب كان أصل ظهور ما اصطلح عليه بوزارات السيادة. فوزارة الداخلية مثلا غير محددة الاختصاص، فهي جميع الوزارات مختصرة في مديريات وأقسام ومصالح بالإضافة إلى مهمتها الأمنية، تتدخل في جميع الأنشطة لأنها نشاط سياسي بامتياز، منشغلة بمراقبة المجالات والأنشطة ، توسع من ثقافة الولاء والوساطة على حساب قيم العقلانية، تنتج خطابات التقليد عبر ميكانيزمات لا حصر لها.

هناك سؤال راهني يطرح نفسه بإلحاح، ملفت للانتباه، يخص في واقع الحال مصير اللبرالية من حيث أنها الخطاب الرسمي للدولة ولعائلات المال والأعمال. فقد لاحظنا أنه منذ 1988 حصل تحول في لغة الاقتصاد وتدابيره وإجراءاته رسميا، إذ تسارعت وتيرة الخوصصة والتخصيص لعدة منشآت ومقاولات، منها التي كانت على شكل هبات، بالدرهم الرمزي، وتم التركيز منذ ذلك الحين على خطاب الاستثمار كحل نهائي إعجازي لمشاكل المغرب، وتم التركيز في المرحلة التسعينية على ثقافة الإشراك المجسدة في الحوار الإجتماعي بحيث تم اختزال رجال الأعمال وعائلاته في جهاز مقاولاتي. وبدأ رئيسه يحضر المراسيم ويوقع المعاهدات ويسافر كوفد مغربي اقتصادي ، وبعد مرور ما يقارب العقد من الزمن أصبح اليوم أحد قادة ذلك الجهاز الممثل للمقولات زعيم حزب سياسي، فهل تستطيع هذه الفئة المنضوية تحت لواء المقاولات المغربية أو المعبرة عن نفسها في حزب سياسي وفي أحزاب أخرى منها ما تدعي الليبرالية وغيرها أن تمزق ستائر الروابط العائلية والعشائرية انتصارا للعقلانية والفردانية والحرية التي يمليها منطق السوق كثقافة اقتصادية ومؤسساتية؟ بل وتمليها الثقافة الليبرالية بامتياز؟ فإذا كان مستقبلها الفعلي في عالم لا يؤمن بالحدود والروابط التقليدية رهين بتوسيع الثقافية الليبرالية العقلانية فإن عملها هذا سيكون له أنصار في اليسار لأنه بالتحديد يضع إشكالية الإصلاح الإداري والمالي والاقتصادي في موقعه الصحيح في هذه الآونة وأما وإن كان العكس فإن السياسة عندنا ستظل مطلبا للجميع.



نموذج الاتصال
NomE-mailMessage