3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

أزمنة المغرب

الخط






















أزمنة المغرب


الحسن اللحية

للمغرب أزمنة متعددة ومتنوعة، متناقضة ومتنافرة، تنسجم في تنافرها، وتتساوق في تعددها. تشبه إلى حد بعيد، إن لم نقل تستجيب أو تعكس صورة المغربي المركبة، الذي يمتهن مهنا متعددة في آن واحد، يسلك مسالك العقلانية والتقليد في نفس الوقت، وفي جميع اللحظات. فهو عنف سميولوجي وثقافي وذهني يتصارع دونما غلبه أحد الأطراف. فقد حكى يوما بول باسكون عن ذاك الرجل الذي يركب دراجة نارية، يلبس جلبابا ويحمل دجاجة ليهديها لموظف البنك بعد قضاء حاجته. فهذا التجاور بين السلوك التقليدي والعصري يعبر عن نفسه حيثما وليت وجهك. ففي مدننا مثلا تتجاور مدن الصفيح والأحياء العصرية "الفيلات والإقامات والأحياء الصفيحية "  كما تتجاوز الأنماط الاقتصادية الكثيرة.
فالمغربي يعيش هذا التجاور وفق يوميات كثيرة، يومية فلاحية ذات جذور خرافية، وأخرى فصلية، وثالثة عربية هجرية، ورابعة إفرنجية لاتينية، بالإضافة إلى يوميات جانبية عرضية تختزل في الأسواق الأسبوعية والمواسم. 
إن المغرب يؤرخ لنفسه ولوعيه وللآخرين بالأحداث المنعزلة المنفصلة، فهو يقرن الأشياء بحدوث كارثة ما، فيتذكر جيدا زمن المجاعات والأمراض والجفاف والأوبئة. كما أن السلطة من جانبها تختزل التاريخ في الأحداث المعزولة. وهنا تلتقي الرؤيتان للزمن كزمن مشتت لا يتميز إلا بأحداث الماضي.
وحينما يتم الاجتهاد لإحياء أزمنة المواسم والأولياء تتكرس رؤية دائرية متكررة تتعاقب كفصول السنة، وتعاقب أيام الأسبوع، في دائرة لا أول لها ولا آخر حتى وإن خصص يوم من أيام الأسبوع ليكون يوم السوق الأسبوعي فإنه  التكرار القاتل أو إذا ما اجتهدت السلطة وأعيان قبيلة ما أو أشرافها للاحتفال بموسم فإنما يدعمون الزمن الدائري: ليس موسم إملشيل مثلا حدثا للصيرورة، كباقي المواسم الأخرى، ولكنه التكرار لما جرى في الزمن الغابر، تكرار مشوه لأحداث تتأسطر مع توالي الأيام لتصبح حقيقة في تمثلات جماعية للقبيلة، تستعيدها الجماعة بفرجة وهستريا عامة، ويدعم  التصور الرسمي  كل ذلك وعلى جميع المستويات.
يختزل المغاربة  الماضي كله في زمن "بكري"، هذا الذي يحيل على اللازمان واللاتاريخ. إن زمن "بكري" يحل جميع المشاكل، ويصلح مثالا لجميع الصعاب. زمن "بكري" لا بداية له ولا نهاية، لا يتموقع في الزمن الرياضي. يجمع بين حكي الجدة عن الأساطير والخرافات وبين التاريخ الذي يحكي عن البطولات والمغازي، وتجارب الناس الفردية. 
إن ما يعنيه زمن "بكري" بالكاد هو غياب الزمن والسيرورة والعلية والمعقولية والوعي بالماضي كماضي. فمادام زمن "بكري" يحضر في كل لحظة، في المثل والشرح والتفسير، فإنه زمن أزمنة الماضي الحاضرة بشكل مطلق. 
يدعم زمن "بكري" المفهوم الخطي والاستمرارية. لا وجود للهزات والرجات والقطائع والتبدلات والتغيرات، كل ما هناك نمط وحيد مستمر منذ البداية.
يركز الخطاب الرسمي على الزمن كلحظات مستمرة منذ مجيء المولي إدريس الأول، لا يراعي اختلاف الدول التي حكمت المغرب. لا فرق هنا بين الأدارسة وبني مرين، ولا بين هؤلاء والمرابطين أو السعديين أو العلويين، بل لا فرق بين سلطان وآخر، كلهم يسيرون على نهج واحد، لا مكان لاختلافهم في التكوين والطباع، ما سبق هو اللاحق، واللاحق كان الآتي. فالحرب بين دولة في طريقها إلى الزوال وأخرى في طريقها إلى التأسيس لا تؤكد إلا الاستمرارية، وكأن تلك الحرب بالذات هي خيانة الاستمرارية.
إن مثل هذا التصور الخطي للزمن والتاريخ يمحي العهود محوا تاما ولا يترك للجدد، للعهد الجديد، أية فرصة ليتميز كعهد أو كلحظة حاسمة، متغيرة، تعترف بتبدل الأقوام والأزمنة، وبالتفاعل مع المحيط العام.
وهكذا يظل الحاضر يستنسخ الماضي، واللاحق السابق، الإبن والأب، فيعدو بذلك التاريخ آلة نسخ عظمي للعوائد والطقوس والاحتفالات والمراسيم، والعقليات والذهنيات، والغنى والفقر، والتشريف والاحتقار: فالعرق الشريف يمتد كالخيط الرفيع في ضجيج الأعراق وتلوثها، والعرق الحقير يعيش على هامش اللمعان والصفاء. فالأول خال من الخطأ والثاني نسخة ثانية للبشر. لا تتحدد هنا الموطنة بالقوانين وإنما بالانتماء للعرق،الحاضر، المستنسخ عن الأوائل الأفاضل، الأوائل الذين عاشوا في "زمن بكري"!!!
يمتاز الزمن المتكرر، المستنسخ بالرتابة والبطء كذلك. فقد أشار أحد الفلاسفة الفرنسيين الجدد إلى علاقة الميتافيزيقا بالبطن، وهنا بالمغرب يرتبط الزمن بالمطبخ (الكوزينا، الخالفة، الكشينة). تحتفظ قبائل مغربية كثيرة بعادة الطهي في الطجين، وهو علامة من العلامات السياحية للمغرب: الطجين كوجه للمغرب سياحيا.
إن زمن "الطجين"بطيء يدين السرعة والتسرع، لا علاقة له بزمن الساندويتش: الوجبات الجاهزة. إنه زمن رخاها الله، وللي زرب مات...إلخ. إن الزمن الطجين لا يهتم بالزمن، ولا قيمة له إلا حينما يتحول زمن الطجين إلى زمن لربح الوقت في السياسة أو زمن التعذيب في الزنازن: خايه يطيب على خاطرو ويقول كل شيء!
لنقارن بين زمننا الإداري وزمن كندا مثلا. في كندا يصبح ملف الاستثمار جاهزا بعد ستين دقيقة، وأما في المغرب، ورغم الخطب الرسمية، فإن الزمن الإداري يستنسخ زمن القبيلة. يضع المعني ملفه بالوزارة المعنية، ثم يعود بعد أربعة أشهر. فيتوجه إلى العملات، فيضعه من جديد ليدرس وليسلم له، إن حظي بالقبول، بعد خمسة وستة شهور. ثم يتوجه المعني إلى المنطقة الصناعية إن وجدت لتبدأ الرحلة مع المجلس البلدي حول رخص لا معنى لها..
وفي حالة المناقشة يجتهد الجميع في وضع العراقيل. فإذا كان المستثمر أجنبيا عليه أن يمر من هناك، من مسالك ضيقة للغاية لها علاقة بالنسب المئوية، وإذا رفض الطلب تكون تقارير الرفض جاهزة لرفض المشروع بأسماء مختلفة: رفض لسبب طبي، لسبب بيئي..أو تحريك عجلة النقابات الصفراء..ليصبح المشروع بين أيدي القضاء..فيصاب المعني بالإفلاس.
يتبين من خلال هذين المثالين أن الزمن الدائري المتكرر تنعدم فيه المسؤولية، وتنعدم فيه الحرية كذلك. فيستتبع الأمر غياب تام للمبادرة لاختراق مركز الدائرة. فالجميع يرد البطء إلى القانون، إلى الإدارة، إلى غياب الإدارة، لكن "هؤلاء الجميع" يصنعون من قوة الأشياء قوة قاهرة لا يمكن للمبادرة الفردية والجماعية أن تؤثر فيها.
فإن كان زمن الإدارة بطيء ورتيب يرفض السرعة والعقلنة، ويرفض الأحزاب المستمر كوجه عقلانى في التحديث، فهل استطاعت الأحزاب السياسية أن تسرع الإيقاع وتدفع الناس إلى الوعي بالزمن كقيمة حضارية وتجارية وإنتاجية اليوم؟ بل هل استطاعت أن تقنع الناس بأهمية الزمن التقني كزمن الأزمنة المعاصرة؟
كان من المفروض أن تستلهم الأحزاب الاشتراكية مفهوم الزمن الجدلي الذي تنفي فيه الأطروحة نقيضها، وأن ترى إلى صراع الطبقات كوعي بالزمن، كلحظات مركبة وتركيبية مؤسسة للإرادة والمستقبل، لكن الحاصل هو أن هذه الأحزاب سقطت في فخ الاستمرارية والتكرار والتماهي مع الأصل. تكرر التجارب والذهنيات الماقبل حداثية، والتماهي مع أسطورة البداية. تتركز القيادات لتصير مركزا تدور حولها الأفلاك، وتستمر عبر اختزال الحزب فيها. فهي التاريخ الجماعي والفردي والذاتي، وهي الماضي والحاضر. فمطلب الديمقراطية يمزق الاستمرارية والخطية في الدولة والأحزاب، وحينما يتم التشبث بالتأبيد يكون الجواب هو الانشقاقات المنتجة لنفس الصورة، لصورة الأب. وهكذا يتأكد لنا أن زمن التقاليد التي تمتح من ثقافة المشيخة حيث يتبدى كل تطور نحو التغيير خيانة لعوائد الآباء. فالتغيير عامة عدو السكون والبطء والتكرار والاجترار، عدو النزعات التأبيدية التي تريد التحكم في الأشياء والناس، في علاقات الناس بالناس والأشياء. 
يختزل كثير من المهتمين اليوم بالشأن السياسي زمن السياسية في الدخول البرلماني وفي جلسته الختامية، وقد بدأ يمتد هذا التقليد، غير المعقول والهزلي، إلى المنابر الصحيفة الحزبية. فمن جهة أولى يراد القول بأن زمن السياسة هو زمن الاشتغال البرلماني، وهو اعتراف ضمني بقيمة البرلمان كمحرك أساسي للسياسة. لكن الواقع عكس ذلك تماما فالبرلمانات التي عرفها المغرب غالبا ما اتهمت بالصورية والجمود والتزوير وانعدام الفعالية. وبهذا المعنى فإن زمنها هو زمن اللاحركة لأن التدبير الفعلي للحقل السياسي يتم هناك في مكان بعيد عن البرلمان. ثم إن القول بارتباط السياسة بزمن اشتغال البرلمان ينعكس على المجال الإعلامي برمته. ففي الصيف تستقيل الجرائد وتلجأ إلى أدب الغرائب والعجائب، وتدعم نفسها بصحفيين هواة لتكرس الرؤية السابقة. لكن ماذا لو كانت القرارات المهمة التي عرفها المغرب تمر في فصل الصيف؟ لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر أن الاتفاق الجماعي بين النقابات والحكومة وأرباب العمل تم في صيف 96 وهو الذي دشن لحكومة عبد الرحمان اليوسفي. ولنتذكر أن محاكمة رجل المخابرات أحمد البخاري كانت في الصيف، وهي محاكمة تهم تاريخ المغرب وأزمنته. وحين جاء ما يسمى بالدخول السياسي البرلماني لم يطرح"النواب" ما قاله رجل المخابرات عن الماضي خلال ذلك الصيف(2001)!
لا يمكن فهم علاقة المغربي بالزمن من خلال الطجين وحده، بل مازالت كثير من القبائل تخزن محاصلها الزراعية في المطامر. والمطمورة هنا جسر عبور نحو أساطير الكنوز المتروكة للنسيان، ونحو فكرة التأبيد... نحو كنوز تركها "ناس زمان، ناس زمان بكري"!
تتنافى المطمورة مع الاستهلاك، مع السرعة، مع الدهرنة، مع زمن الوجبات السريعة وقيام مؤسسات مالية كالأبناك. فالفرد وهو يطمر ما يطمره لا يبالي بالأمراض ومتطلبات الحياة، إنه يفكر في أمرين، في أزمنة الجفاف والأمراض المعدية كالطاعون، وفي متطلبات الجنازة.
نموذج الاتصال
NomE-mailMessage