3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

شهداء بلا صور

الخط







شهداء بلا صور
     الحسن اللحية


 خاطبنا ريجس دوبري بقوة، نحن الذين نخلد الفانين بواسطة صورهم، نحن الذين نجعل من الصورة، صورة شهيد، مناضل، حاكم، نظيرا للجسد الفاني. نرى فيها قوة ونحس فيها بأرواح "تصعد إلى السماء". فهذه الصور التي يحيطها الإجلال والإكبار لا يصيبها الصدأ وتزداد حيوية. تحيى وسط الجماعات وتمارس تأثيرها الخاص و سلطتها الخاصة. تحظى بتقدير لا يقاوم و ترتفع منزلتها إلى درجة المعبودات.
 
 لنتصور صورة"زعيم سياسي كبير" وسط مشهد حاشد" بالرفاق و الصحاب" في يوم ذكرى وفاته. تتكرر الخطب لتحيى الصور، صورة بصرية تلغي الجسد الناس، الحشد، لتغذي الحلم و التمثل. فحضورها القوي بالقدر الذي يسمح للإيديولوجي بالانتعاش ومعاودة المصالحة مع التاريخ بالقدر الذي يندفع نحو المستقبل. فالصورة هنا تتجاوز الماضي نحو المستقبل كما لو صورة لبطاقة سياحية لأحد المناظر الطبيعية أو المآثر التاريخية. تزداد قيمة أكثر كلما كان الطلب و تضاعف الاستهلاك.
 ولكن ماذا عن شهداء آخرين، كثر، لا صور لهم؟ ماذا عن أجساد أبطال طمست ذكراهم حينما طمست أجسادهم؟ يشار إليهم هكذا بالجمع في خطابات الحشد كأن كل واحد منهم لا يمتلك هويته الخاصة. يشار إليهم في مناسبات "تخليد ذكرى الزعماء" كمواطنين من درجة أدنى من الزعيم الحاضر بصورته.
سنتذكر بعضا من هؤلاء المشار إليهم بضمير الغائب. و سنحاول ما أمكننا ذلك استحضار لحظات" بطولتهم" كي نرسم صورة عنهم لتزاحم هذه الصورة" المعبودة" اليوم. سنستحضرهم على لسان الأستاذ جان شارل لوكران، هذا المحامي المعروف الذي كان يدافع عنهم واحدا واحدا.
 وكان من خلال دفاعه يسائل قيم الجمهورية الفرنسية... فهذا الرجل حينما دافع عن هؤلاء فلأنه كان على اقتناع تام بأنه" يتكلم باسم المتواضعين المجهولين...خارقا قاعدة الصمت التي كان يريد البعض أن يجعل منها واجبا وطنيا". كان هذا الرجل يناصر الحياة قبل الحرية، ثم الحرية قبل العدالة يقول:" الدفاع هو التخلي عن النص لفائدة الحياة، وعن القانون لفائدة الحقيقة...وهكذا، فإن مهمة المحامي، ليست أن يكري، لمن يؤدي له أغلى ثمن(...) هل التذكير بأفكار العدل والإنسانية، كما يزعم منتقدي المثابرون، وقف على طبقة دون سواها؟ هل للبعض حق خاص في التمتع ببعض المحامين دون سواهم؟...) إنه باختصار محامي "الرجال" كما يقول لا الألوان والفئات المعروفة.
1 - أحداث الكريير سنطرال 7 و 8 دجنبر 1952:
     تقدم المحامي جان شارل لوكران للدفاع عن مجموعة من " المتهمين"، وهو"لا يملك لا أشجار عنب ولا أشجار برتقال، ولا معادن تفرض الدفاع عنها، ولا علاقة له بأية هيئة ولا بأي حزب سياسي، وطني أو غيره، ولا يعرف لا المصالح ولا موظفي الإقامة، هؤلاء نصف الآلهة"، إنه جاء للدفاع عن الحياة، ليجد نفسه في الأخير يدافع عن مصير الشعب. ينفي تهم الإرهاب التي تلصقها فرنسا بالمقاومين، وليكشف عن العلاقات التي كانت منسوجة بين القواد و أسماء وازنة اليوم وبين فرنسا ليقتنع أن حرية الشعوب دائما باسم الظروف.
 في يوم 14 غشت" كانت قد يومها الخامس محاكمة 8 أشخاص متهمين أمام المحكمة العسكرية بقيامهم يوم 8 دجنبر 1952 بقتل ريبس ورمخو وسيورا". والمتهمون هم: عبد اللطيف بن قدور، أحمد بن إسماعيل، حسن بن يدر، الهاشمي بن فاتح، العربي حسن، محمد بن الطاهر، عبد السلام بن محمد. وقد وجهت إليهم تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، وهي تهمة تعرضهم إلى الحكم بالإعدام.
 كانوا جميعا شبانا يافعين، أكبرهم سنا لا يتجاوز 25 سنة و أصغرهم 14 سنة، ومع ذلك رفض الطبيب القضائي هذه الحقيقة لييسر حكم الإعدام عليهم. وهو ما تم يوم 15 غشت على الساعة الثانية صباحا، إذ حكمت بثلاثة أحكام بالإعدام، و بحكمين بعشرين سنة من الأشغال الشاقة، وبحكم بعشر سنوات سجنا، وبحكمين بالبراءة. وذلك بتأثير من الكلاوي والذي كانت تحركه شخصيات سامية.
  2 -محاكمة 7 دجنبر 1952:
 محاكمة 12 مغربيا متهمين بالمشاركة يومي 7 و8 دجنبر 1952 في حوادث الكريان سنطرال وبقتل مخزنيين مغربيين.
 طالب هنا المحامي لوكران بتحديد الدولة التي تعرضت للضرر في أمنها هل هي فرنسا أم المغرب، وهو ما جعل المحكمة تلغي تهمة المس بالأمن لتتابع المتهمين بتهمة القتل العمد وتكوين عصابة.
 بعد صدور أحكام جائرة في حق الوطنيين أرسل المحامي مذكرة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية يقول له فيها:’انتهت فرنسا من أن تكون السند الذي كانوا يؤمنون به. إنها أصبحت لا يمثلها في نظرهم إلا أشخاص مسلحون ورشاشات وحافلات وأسلاك شائكة...)
   3 - قضية أكادير:
 اتهم 22 مغربيا في 11 ماي 1954 أمام المحكمة العسكرية، ألقي عليهم القبض في دجنبر 1952، وتوبعوا من أجل تكوين عصابة مجرمين.
 تقول جريدة لافيجي عن مرافعة الأستاذ لوكران:"إنها تضع من أول وهلة هذه القضية في إطارها الحقيقي، وهو الإطار السياسي الذي يتجلى من الأحداث". وأما جريدة ماروك بريس فقالت:"كان صوت المحامي يمتاز بحرارة إنسانية".
 وبعد أخذ ورد صدرت أحكام متفاوتة من الأشغال الشاقة إلى وقف التنفيذ.
   4 - محاكمة اليد السوداء:
 جلسات 22 يونيو و5 يوليوز 1954: تجسد هذه المحاكمة في نظر الأستاذ لوكران الخدعة الكبرى التي مارستها فرنسا على المغرب. لذلك فهو لم يقبل أن يكون من بين" أولئك الذين يرددون أنه يكفي القضاء على بعض الرعاة ليصبح القطيع هادئا. سيكون الأمر سهلا إذا كان الأمر كذلك. أخشى أن يتعلق الأمر بشعب بأكمله". ربما أن تقديم 55 متهما هي البداية. فالتهم متنوعة: تكوين عصابة مجرمين، والقتل العمد، ومحاولة القتل، وامتلاك أسلحة و مواد متفجرة. وتكوين مجموعة تحت اسم اليد السوداء منذ غشت 1953.لم المحكمة المتهمين أدنى اهتمام. أقوالهم رخيصة كدمائهم ولذلك أصدرت أحكامها القاسية. وها هو الراشدي ينفذ فيه حكم الإعدام بسجن العذير، وهو يرفض أن تغلق عيناه قائلا:" اتركوني أنظر للمرة الأخيرة إلى سماء وطني".
    5 - محاكمات مراكش:
 قضية الجنرال دوطفيل وتيفان ومونيي، نونبر 1954:
    اعترف في هذه المحاكمة المتهمون الخمسة بقتل المراقب المدني تيفان وممثل الحكومة مونيي، وإلحاق جروح بالجينرال دوطفيل رئيس ناحية مراكش. ولم يلتمسوا من المحكمة العسكرية أي عذر. وأصروا على تعليل ما بأسباب سياسية. فأصدرت المحكمة أربعة أحكام بالإعدام، وواحدا بخمس سنوات مع الأشغال الشاقة.
 وبعد أيام أرسلت زوجة أحد المعدومين رسالة تقول فيها للمحامي لوكران:" كم كان حزننا عظيما، نحن الذين لنا ثقة في فرنسا، عندما رأينا قضاتها وهم يحكمون بالإعدام على رجال لم يمنحوهم حق الكلام والتعبير عما يريدون تفسيره".
   6 - محاكمة 15 نونبر 1954:
 المتهمون هم: حمان بن العربي بن علي، مولاي علي بن مولاي العربي بن مولاي عبد السلام، رحال بن أحمد فارس بن إبراهيم بن حسين، الحسن بن عمر بن أحمد، محمد بن لحسن بن عمر.
 اتهم هؤلاء بقتل شرطيين يوم 15 غشت 1953 داخل المشور أثناء مظاهرة لفائدة بقاء محمد الخامس.
أما خلفية هذه الأحداث فهي انقسام المغرب إلى فريقين منذ طرد الكلاوي في شهر شهر دجنبر 1950من القصر الملكي. فريق الكلاوي المؤازر من طرف فرنسا ضد فريق السلطان. فساندت فرنسا الكلاوي بحكمها بالإعدام على ثلاثة متهمين وواحد بعشر سنوات مع الأشغال الشاقة وآخر بالبراءة.
     7 - مظاهرة 16 غشت 1953 بوجدة:
  عددالمتهمين96
  صك الاتهام: القتل والنهب وإضرام النار
  ضحايا الأحداث: 26 قتيلا و49 جريحا.
  عدد المتظاهرين حسب المسؤولين الفرنسيين 1500 متظاهر.
 قالت جريدة لورو بأن الأحداث من وحي الحسن الثاني ولذلك ينبغي معاقبة الجناة. اعتقلت السلطات الفرنسية رجلا أحمق وأصرت على محاكمته رغم توفره على شطبية. وتوفي 14 معتقلا بمخافر الشرطة بسبب الازدحام الذي بلغ 49 معتقلا في بيت لا تتعدى حدوده مترين ونصف على مترين ونصف، وبدون نافذة، وفي حرارة تبلغ 50 درجة. واختتم هذا المشهد الدرامي بأحكام شاقة مع المؤبد، وأخرى الأشغال الشاقة المؤقتة.
    8 - محاكمة الشفشاوني بفاس في 23 مارس 1955:
  كانت تهمة الإرهاب التي تتردد كثيرا في المحاكم العسكرية الفرنسية بالمغرب تلصق الذين يهاجمون أذيال فرنسا أو أحد أعوانها. فهي تريد أن تجعل التهمة معزولة عن سياق التحرر الوطني. وذلك ما كان يرفضه الشفشاوني بشدة كبيرة. فهو يرى أن ما أصاب المغرب هو من جراء السياسة الفرنسية ومساعديها كالتهامي الكلاوي. لكن إرادة المحكمة كانت غير إرادة التحرر فصدر في حقه، صحبة الأوديي، حكم بالإعدام، وتراوحت الأحكام في حق رفاقه بين المؤبد وسنتين مع الأشغال الشاقة.
 وتستمر المحاكمات، وفي كل مرة تصدر أحكام بالإعدام. وهناك دائما تهم جاهزة: المس لوكران، بالأمن، تكوين عصابة إرهابية. وفي كل محاكمة يضع المتهمون قيم الجمهورية الفرنسية على المحك. ويكشفون عن الجانب اللاواعي فيها. وكان دائما هذا الرجل، المحامي لوكران، يأخذ مهمازه ليذكر الوعي الفرنسي بالقيم الكبرى للثورة الفرنسية وبالحقوق الطبيعية للإنسان. لكن فيما يخصنا نحن، نحن المتأخرين عن ذلك العهد، لم نكن نعرف عن هؤلاء وغيرهم سوى ما أريد لنا أن نعرفه:"كانوا أتباعا لزعماء خلدت ذكراهم".





نموذج الاتصال
NomE-mailMessage