3366763399909077
recent
أخبار ساخنة

الجهوية الموسعة والنظام الأساسي لموظفي الأكاديميات، أية علاقة؟

الخط





الجهوية الموسعة والنظام الأساسي لموظفي الأكاديميات، أية علاقة؟



محمد ميلي
 فاعل تربوي، مهتم بقضايا التربية والتعليم.
mellymohammed1982@gmail.com



في الوقت الذي كان يجب فيه على الحكومة أن تعمل على بلورة إجماع شعبي حول تنزيل مشاريع الجهوية الموسعة خاصة ما يتعلق منها بتدبير الموارد البشرية، تفاجئنا وزارة التربية الوطنية بإصدار النظام الأساسي لموظفي الأكاديميات الذي بالإضافة إلى الازدواجية التي خلقها في مجال تدبير الموارد البشرية، والتخوف الذي خلفه لدى باقي شرائح المجتمع باعتباره بداية لاعتماد التعاقد في باقي الوظائف، تسبب في حركة واسعة من الاحتجاجات من طرف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، حركة مدعومة بتأييد نقابي واسع تواترت معه تصريحات المسؤولين المتسمة بالتسرع، وبالإفصاح عن المخططات المستقبلية فيما يخص تدبير الموارد البشرية في قطاع التعليم وباقي القطاعات.
أولا لا بد من استحضار السياق العام الذي يؤطر ما سنتحدث عنه في هذا الموضوع، والذي لا يسعنا خلاله إلا التأكيد على أن الجهوية الموسعة تعتبر أرقى تجل للديمقراطية في شقيها السياسي والإداري، فهي تضمن التحرر من سلطة المركز التي غالبا ما تميزها البيروقراطية، كما تضمن المشاركة الفعلية للمواطن في تسيير شؤون الجهة ومواردها، مما يمكنه من تحقيق طموحاته بالمساهمة الفعلية في تسطير السياسات والاجراءات الكفيلة بحل كل مشاكله المرتبطة بالتشغيل والصحة والنقل والتعليم .... غير أن إنجاح ورش الجهوية الموسعة يفترض الاستعداد التام وبشتى الموارد وخاصة ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية، حتى لا تتحول الجهوية إلى مجرد إعادة انتشار لخدمات مركزية، وإلى مجرد إعادة إنتاج للمؤسسات المفتقدة لصلاحيات اتخاد القرار.
إن نجاح  أي مشروع  يخص تدبير الموارد البشرية لا يمكن أن يتم خارج تقديمه بديلا لما هو معروف، باعتباره مرتبطا بسياق زمني لا يمت بصلة لواقع الموارد البشرية التي يهمها المشروع الجديد، ففي الوقت الذي كان يتعين فيه على الحكومة أن تقدم نظاما أساسيا عاما، يساهم في تنزيل الجهوية الموسعة عبر تعزيز الوظيفة العمومية المحلية ويقبل عليه موظفو الأكاديميات،  ويطالب موظفو الوزارة بدمجهم فيه بشكل فوري باعتباره بديلا يحمل حلولا للمعضلات التي تخبط فيها القطاع منذ الاستقلال، حدث العكس فأصبح النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية وعلى كل علاته والمشاكل التي يطرحها حاليا ،أصبح أعز ما يطلب بالنسبة لموظفي الأكاديميات.
يطرح هذا الواقع مجموعة من الإشكالات وتتعلق أساسا  بالنظام الخاص بموظفي الأكاديميات في علاقته بالنظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، و بملامح الاستراتيجية التي ستسعى الحكومة إلى بلورتها  بشأن تدبير الموارد البشرية في إطار الجهوية الموسعة، وهما قضيتان لا يمكن فهمهما إلا من خلال ربطهما بالنظرة الليبيرالية المحضة و التقنية التي تتعاطى بها الحكومة مع الموارد البشرية، فهي وبدون أدنى شك ترغب في تزيل مشاريع الجهوية الموسعة على مستوى تدبير الموارد البشرية بأقل كلفة ممكنة من جهة، وبما يضمن لها الربح من خلال التقليص من حجم كثلة الأجور من جهة أخرى، فهي إذا تقارب مشروعا استراتيجيا وطنيا بعقلية المقاولة التي تؤمن بحسابات الربح والخسارة ولا تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية، الشيء الذي قد يعصف بكل مشاريع النموذج المغربي للجهوية الموسعة.
من مظاهر النظرة المادية التقنية المحضة الذي تقارب بها الحكومة مسألة تدبير الموارد البشرية على المستوى الجهوي، تلك الإجراءات التي جاء بها النظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات والتي تهدف بالأساس إلى التحكم في الكلفة المالية لنفقات الموظفين، المتكونة من كثلة الأجور واعتمادات الترقي في الدرجة والرتب وحجم المناصب المالية المزمع إحداثها في كل سنة، فمن خلال تصفحنا للنظام الخاص بموظفي الأكاديميات، نجد أن الحكومة ستقلص من حجم نفقات الموظفين من خلال حصر هيئة التدريس في أساتذة التعليم الابتدائي وأساتذة التعليم الثانوي والأساتذة المبرزين للتعليم الثانوي، لتقلص بذلك عدد هذه الفئة إلى ثلاث فئات من خلال حذف سلك التخصص في التعليم الثانوي مما يفهم منه أن الأستاذ في السلك الثانوي يمكن أن يدرس السلك الإعدادي في موسم والسلك التأهيلي في موسم آخر بحسب الخصاص، والأمر هنا لا يتعلق بتوحيد المسار المهني كما تدعي الحكومة، والدليل على ذلك أن مطلب توحيد المسار المهني كما تطالب به النقابات بالنسبة لأساتذة الوزارة يرتبط بتمتيع أساتذة الابتدائي و الإعدادي بحق الدرجة الممتازة وتوحيد ساعات العمل ونظام الأجرة وهو الأمر الذي تم تغيبه في النظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات.
كما تظهر هذه النظرة المادية التقنية من خلال حصر إطار أستاذ التعليم الابتدائي وإطار أستاذ التعليم الثانوي في درجتين فقط، وهما الدرجة الأولى والدرجة الثانية وحذفت الدرجة الممتازة التي تعرف عادة بخارج السلم لدى أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي والتي تعد مطلبا أساسيا من مطالب الأساتذة موظفي وزارة التربية الوطنية بالتعليم الابتدائي والإعدادي.
ستتمكن الحكومة أيضا من التقليص من نفقات الموظفين من خلال توسيع مهام هيئة التدريس حيث فرض النظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات على هيئة التدريس القيام بمجموعة من المهام إلى جانب ساعات العمل المحددة سلفا، فرض النظام الأساسي لموظفي الأكاديميات على هيئة التدريس، القيام بمهام مسك النقط ومباريات التوظيف والمساهمة في التوجيه التربوي والمشاركة في الأنشطة المدرسية والثقافية والفنية العامة، فعوض أن تعمل الأكاديميات على خلق مناصب مالية وتوظيف من يقوم بهذه المهام تم توفير تكاليف خلق تلك المناصب عبر تكليف هيئة التدريس للقيام بها  خارج أوقات العمل وتم ربطها بعبارة " ويتعين على أساتذة ... القيام بالمهام ..." مما يدل على أنها ستمارس لزوما من طرف هيئة التدريس، وخارج أوقات العمل بالحجرات الدراسية، ومن غير المستبعد أن يتم  اعتمادها في تقويم أداء المدرسين للحسم في الترقيات...
كما رسخ النظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات نظام الأجرة القائم على التعويضات المرتفعة والراتب الأساسي الهزيل حيث يبلغ مجموع التعويضات عن التدريس والأعباء والتأطير أكثر من 60 في المائة من الأجرة.
إن ما سلفت الإشارة إليه يعطينا صورة عن المقاربة التي ستتعامل بها الحكومة مع " إصلاح النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة "، حيث يستبعد جدا أن يأتي هذا الأخير بمطلب الدرجة الممتازة لأساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي، أو إصلاح نظام الأجرة القائم على الرفع من نسبة الراتب الأساسي مقابل حجم التعويضات وتخفيض ساعات العمل ... إذا أخذنا بعين الاعتبار مبدأ " شعار" المساواة والانصاف الذي ترفعه الحكومة في تعاملها مع ملف الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد مقارنة بالأساتذة موظفي الوزارة.
تندرج هذه الإجراءات بشكل عام ضمن الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة 2018-2021 الهادفة إلى إعادة هيكلة بنيات الإدارة العمومية، أفقيا وعموديا، من خلال العمل على إحداث تغيير جذري في نظم التسيير والمهام والولوج للوظائف والحماية الاجتماعية، تغيير يضمن دعم البعد الجهوي واللاتمركز الإداري (التوظيف الجهوي). كما أنه لا يمكن أن نفسر هذه الإجراءات التي أقدمت عليها الحكومة إلا بالرجوع إلى القواعد الليبيرالية المحضة، على اعتبار أن هذه الخطة تستلهم نموذج التدبير المعتمد في القطاع الخاص لتحقيق النجاعة والرفع من المردودية، وعليه فلن تتمكن الإدارة ( المقاولة )  من تنفيذ الجهوية الموسعة ما لم تتخلص من " عبء " الموارد البشرية الذي تتحمل تدبيره مركزيا خاصة ما يتعلق بالرواتب والترقيات، أما على المستوى الجهوي فلا بد من الاستمرار في التحكم في كثلة الأجور من أجل إطلاق  ومواصلة مسار الجهوية الموسعة، الأمر الذي  ستعمل على تحقيقه من خلال مراجعة اختصاصات ومسؤوليات جميع الموظفين العمومين والفاعلين في المنظومة التربوية، بمن فيهم المدرسون الذين ستخضعهم لعملية المساءلة  المستمرة التي تسمح بمراجعة وضعياتهم وتقييمهم بل وتعويضهم.
  من القواعد المستلهمة من تجربة القطاع الخاص أيضا نجد خفض تكاليف تشغيل الإدارة وتحسين فعاليتها عبر ربطها بقاعدة " value – for – money " ،والتي تتوخى في مجال الإنفاق العمومي الوصول للحد الأقصى من النتائج المرجوة من العمل مقابل أقل قدر ممكن من المال، مما يفسر تكليف موظف  "أستاذ متعاقد" بمهمة التدريس والتنشيط الثقافي والتوجيه المدرسي ومسك نقط الامتحانات والمباريات، مقابل أجرة التدريس فقط، وهو الأمر الذي سيمكن من تحقيق قاعدة أخرى وهي التحكم في عدد الموظفين لكن ليس من خلال مراعاة  نسبة خصاص الموارد البشرية  في قطاع معين ولكن من خلال أعمال قاعدة  الخصاص في الأداء.
ومن بين القواعد الليبيرالية المستلهمة من تجربة القطاع الخاص قاعدة التكوين المستمر، والتي ربطها النظام الأساسي لموظفي الأكاديميات بالمرسوم رقم 2-05-1366  الصادر في 29 من شوال                    1426 ( 2 ديسمبر 2005 ) المتعلق بالتكوين المستمر لفائدة موظفي وأعوان الدولة والذي يؤطر هذه العملية أيضا بالنسبة لموظفي الوزارة، نجد أن الغاية من التكوين المستمر تتمثل في إعداد الموظفين لمزاولة مهام مطابقة للتكوين، والاستجابة للتحولات التي تعرفها الإدارة وتمكين الموظفين من مؤهلات جديدة لمزاولة أنشطة مهنية مختلفة في إطار إعادة الانتشار ( إعادة الانتشار المجالي و إعادة الانتشار في المهام ). فالهدف من التكوين المستمر إذا هو خلق موظف متعدد الاختصاصات يمكن أن يقوم بأكثر من مهمة تحددها الإدارة كلما كانت في حاجة إليها عوض خلق مناصب مالية جديدة، الأمر الذي يهدد مستقبل التشغيل.
إننا اليوم بصدد إجراءات تقنية لا سياسية تروم بالأساس إحداث تغيير جذري، ليس في نظم التسيير والقواعد المؤطرة لها فقط، وإنما تغيير يستهدف بالأساس هوية وشكل الإدارة، فالظاهر هو وضع أنظمة أساسية تساير مشروع الجهوية الموسعة، لكن التأمل في فلسفة الأنظمة الأساسية، ومقارنة النظام الأساسي لموظفي الأكاديميات بالنظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية واستحضار السياقات التاريخية التي أنتجت كلا منهما،  يفضي إلى اكتشاف محاولات جادة للتخلي عن مفهوم وممارسات الإدارة العمومية ووضع أسس إدارة شبيهة بالقطاع الخاص، عبر الانتقال من وزارة تهتم عبر نظامها الأساسي بشخص الموظف الذي يعتبر في وضعية نظامية وقانونية تتسم بطابع الديمومة، وينتج عنها حالة من الاستقرار المهني على مستوى المهام وحتى على المستوى المادي والاجتماعي والنفسي، انطلاقا من مبدأ مسؤولة الإدارة ( باسم الدولة) في ضمان المستوى المعيشي الجيد للموظف، إلى إدارة خاصة ( الأكاديمية المقاولة) تربطها مع الموظف وضعية تعاقدية أو ما يصطلح عليه بالنظام المفتوح  حيث الوظيفة المؤقتة التي تتمتع فيها الإدارة بحق العزل وفسخ العقدة والاستغناء عن الموظف في حالة عدم نجاحه في التأهيل المهني،       أو في حالة العجز النهائي أو انعدام الكفاءة المهنية...
 تقتضي المرحلة من الدولة التحلي بالوضوح والمصداقية، فطالما أننا اخترنا الانخراط في النموذج الاقتصادي الليبيرالي، فلنكن واقعيين ولتتحمل الدولة مسؤولية الاختيارات التي تعمل على دمج المجتمع في عمقها، فالموظف الذي تراهن الدولة على مساهمته في إنجاح مشروع الجهوية الموسعة من حقه أن يطرح تساؤلا براغماتيا ناتجا عن الانعكاس المباشر للتوجه الاقتصادي الليبيرالي على ما هو ثقافي " ماذا سأربح كفرد وكمجتمع من تنزيل مشاريع الجهوية الموسعة؟" فعندما نتطرق لموضوع الموارد البشرية في ظل الجهوية الموسعة وما يحيط بها من تحديات اقتصادية كونية، لا يمكن أن نغفل الجانب النفعي في طبيعة الإنسان والمتمثل في عنصر التحفيز، الذي يمكن أن يلعب دورا أساسيا في بلورة التأييد الشعبي اللازم لنجاح الإجراءات المتخذة من طرف الدولة، ولا يمكن لأحد أن ينكر علاقة  التحفيزات في الامتثال للقواعد والقوانين وبالتطور الإيجابي للعقليات والسلوكات، فالتحفيز هو المقابل المنتظر أن يجنيه الموظف المواطن مقابل المساهمة في إنجاح تغيير السياسيات المتبعة في التوظيف والرخص والمهام والحماية الاجتماعية...
المراجع :
1-    النظام الأساسي لموظفي أكاديمية جهة الدار البيضاء سطات، 15 مارس 2019.
2-    جان بيير شوفور، المغرب في أفق 2040، مجموعة البنك الدولي 2017.
3-    المجلس الأعلى للوظيفة العمومية، التقرير العام للجمع العام العادي، 16 يناير 2019.
4-     وزارة أصلاح الإدارة والوظيفة العمومية،الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة 2018-2021

نموذج الاتصال
NomE-mailMessage